الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم › في علوم المادة الجامدة وعلوم المادة الحية
مشكلة تبرير الاستقراء
- صياغة مشكلة تبرير الاستقراء صياغةً دقيقة، وتمييزها من مشكلة صدق الملاحظات
- بيان كيف يُبرَّر التعميم بانتظام الظواهر في المكان، والتنبّؤ بانتظامها في الزمان
- تحديد ما تُلقيه اللاحتمية من قيود على التنبّؤ، من غير المبالغة في نتائجها
- عرض دور الاستنباط المنطقي عند «بوبر» في سدّ ما يعجز عنه الاستقراء وحده
- مفهوم الاستقراء وأنواعه الثلاثة، ومعنى الاستقراء الناقص
- مبادئ السببية والاطّراد والحتمية، وأزمة الحتمية مع الفيزياء المعاصرة
- الفرق بين الاستدلال الاستنباطي والاستدلال الاستقرائي من حيث تضمُّن النتيجة
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا أنّ الاستقراء هو سبيل انطباق الفكر مع الواقع، وأنّ نتيجته تتجاوز مقدّماتها فلا تلزم عنها لزوما ضروريا ؛ ورأينا أنّ العلم يسلّم قبل التجربة بمبادئ ثلاثة — السببية والاطّراد والحتمية — تجعل هذا التجاوز ممكنا. غير أنّ ذلك يزيد المشكلة عمقا ولا يحلّها: فهذه المبادئ نفسها غير مبرهَن عليها، بل هي مسلَّمات ؛ فيكون الاستقراء قد بُرِّر بما هو في حاجة إلى تبرير. ومن هنا تُطرح مشكلة تبرير الاستقراء: بأيّ حقٍّ ينتقل العلم من الجزئي إلى الكلّي، ومن الماضي إلى المستقبل ؟ وما الّذي يبقى من هذا الحقّ بعد ما أحدثته الفيزياء المعاصرة ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ الأولى : يعتقد «مل» أنّ بعض الظواهر تعقب وسوف تعقب دائما بعضَ الظواهر الأخرى ؛ فالمتقدّم الثابت يسمّى علّةً أو سببا، والثابت الّذي يتلو يسمّى نتيجة. ـ والثانية : والحقّ أنّه ليس كلّ متقدّم سببا. فالليل يسبق النهار، ولا يعتقدنّ أحدٌ أنّ الليل سببُ حدوث النهار، لأنّ سبب حدوثه هو إشراق الشمس. ـ والثالثة : وهذا مثلا حريقٌ اشتعل في غابة حين سقط منّا عودُ الثقاب ؛ أيحقّ لنا اعتبار عود الثقاب هذا سببا في احتراق الغابة ؟ إنّ الملاحظة الدقيقة تكشف لنا أمورا منها: أنّه لولا قابلية الخشب للاحتراق، ولولا وجود الأكسجين في الهواء، ولولا وجودُنا في الغابة وعدمُ انتباهنا لِما حدث — ما أشعل الثقابُ الغابةَ. فإن كان التعاقب الثابت لا يكفي لتعيين السبب في حادثة واحدة رأيناها بأعيننا، فكيف يكفي لتأسيس قانون يحكم ما لم نره ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- التعاقب الثابت غير كافٍ : فمثال الليل والنهار تعاقبٌ في غاية الثبات — لم يتخلّف مرّةً واحدة — ومع ذلك لا يصنع علاقة سببية. فالكثرة إذن لا تُنتج السببية، وهذا يهدم الظنّ الشائع بأنّ تكثير الملاحظات يبرّر الاستقراء.
- والسبب الواحد لا يوجد : فحريق الغابة تضافرت فيه شروط عدّة — القابلية، والأكسجين، والغفلة، والعود — وما سمّيناه «سببا» ليس إلاّ الشرط الّذي تدخّلنا نحن فيه. ومن هنا كان البحث عن الظاهرة الّتي تسبق ظاهرة أخرى بصفة دائمة مطلبا عمليا: فإذا قلنا إنّ الحرارة تسبق تمدّد المعادن، فنحن نربط بينهما بشكل سبب ومسبَّب لفائدة عملية، وهي الحصول على التمدّد.
- ومن هنا يتحوّل السؤال : فالعلم الحديث لا يقصد إلى أيّ الظواهر سابقٌ وأيّها لاحق، وإنّما يقصد إلى القانون، وهو تفسير حتمي للظواهر. أي أنّ تبرير الاستقراء لا يُطلب في العثور على «السبب» فردا فردا، بل في مشروعية أن نمدّ العلاقة المكتشَفة إلى كلّ مكان وإلى كلّ زمان. وهذان هما التعميم والتنبّؤ.
IV – وإذا كان الاستقراء ينتقل ممّا لُوحظ إلى ما لم يُلاحَظ، فبأيّ شيء يُبرَّر هذا الانتقال ؟
أولا : التعميم — انتظام الظواهر في المكان
إنّ انتظام الظواهر، المؤطَّر بالمبادئ الأولى للفكر السابقة عن التجربة، يُكسب مفهوم الحقيقة مشروعيته، وذلك من خلال إجرائَي التعميم والتنبّؤ. أمّا التعميم فيقوم على مصادرة أوّلية لها صلة — إلى جانب السببية — بالاطّراد والحتمية ؛ ومفادها أنّه حين يكون لدينا عددٌ من الظواهر المتشابهة في البنية والتركيب، مرتَّبةً في مساحة مكانية بحيث لا توجد مسافات كبيرة بين ظاهرة وأخرى، يمكننا القول إنّ لكلّ تلك الظواهر نفسَ التفسير. وهذا بالضبط ما يعنيه وصفُ النتيجة في الاستقراء من الوجهة المنطقية بأنّها قضية كلّية:
- قاعدة التعميم : «فلسنا في حاجة إلى دراسة كلّ الظواهر في المكان، بل يكفي أن نقوم بالتجربة على مجموعة من الظواهر في هذا المكان، لكي نعمّم الحكم فنجعله صالحا في أيّ مكان آخر.»
- شرطه : أن تكون الشروط متماثلة ؛ فالتعميم يتعدّى حدود التجربة المفرَدة في المكان إلى كلّ تجربة في أيّ مكان ضمن الشروط المتماثلة، لا مطلقا.
- وأعلى مراحله التنظير : فالاستقراء يهتمّ بالنظريات العامّة ذات الطابع التفسيري ؛ والنظرية «مجموعة من القوانين العامّة الّتي يرتبط أحدها بالآخر ارتباطا متّسقا، يعتمد بعضها على بعض، وهي جميعا متعلّقة بنوع واحد من الظواهر». فالتعميم المترابط والمؤسَّس يقتضي في أعلى مراحله القيامَ بالتنظير، وهي عملية عقلية مجرّدة لا مناص للحقيقة العلمية من الانضواء تحتها.
فقانون سقوط الأجسام ينطبق على كلّ الأجسام مهما اختلفت البلدان والتضاريس وأنواع المناخ، لأنّ شرط الجاذبية واحدٌ في كلّ هذه الوضعيات المكانية. ولاحِظ ما الّذي يبرّر التعميم هنا: ليس عدد الأجسام الّتي رأيناها تسقط، بل وحدة الشرط. فلو تغيّر شرط الجاذبية لَما جاز التعميم ولو رأينا ألف جسم يسقط ؛ ولمّا كان الشرط واحدا، جاز التعميم من حالات معدودة. وهذا يعيدنا إلى ما قرّرناه في الاستقراء الناقص المعلَّل: العلّة هي الّتي تعمّم، لا الإحصاء.
ثانيا : التنبّؤ — انتظام الأشياء في الزمان
إنّ الاستقراء يمكّننا من جهة أخرى من تجاوز نطاق خبرتنا والحصول على تنبّؤات جديدة استنادا إلى قانون عامّ ؛ فإنّنا «لسنا في حاجة إلى دراسة الظواهر في كلّ لحظات الزمان، بل يكفي أن نلاحظ ظاهرة ما في زمن ما، لكي نحكم بأنّ القوانين الّتي تحكمها ستكون دائما على هذا النحو على مدى الزمان». غير أنّ هذا الإجراء أضعفُ سندا من التعميم: فالتنبّؤ دون سندٍ نوعٌ من العلم الاحتمالي، ولا يوجد ما يُثبت أنّ المستقبل سيكون على غرار الماضي والحاضر ؛ بل ليس هناك حججٌ برهانية تدعم هذا التماثل، إذا علمنا أنّه «من الجائز عقلا أن نتصوّر تغيّرا في مجال الطبيعة يقلب استدلالاتنا عن التجربة رأسا على عقب».
وقد أفضت التطوّرات المعاصرة للفيزياء وعلوم الطبيعة والفلك — خاصّةً بعد صياغة نظرية النسبية الخاصّة والعامّة، وظهور علاقات الارتياب لأوّل مرّة — إلى تغيّر في المفاهيم، ومنها مفهوما الزمن والتنبّؤ ؛ «ذلك أنّ نتائجها جعلت العالِم يتمسّك بمبدأ آخر يسمّيه «هيزنبرغ» (ت. 1976) مبدأ اللاتحديد، الّذي يرى فيه أنّه إذا كان لدينا إلكترونان (أ) و(ب)، فإنّهما حين يصطدمان تتألّف منهما نقطةٌ من السيل الكهربي تتفتّت من جديد لتؤلّف إلكترونين جديدين (ص) و(د). وحين نسأل: أين ذهب (أ) بعد اصطدامه بـ(ب) ؟ الجوابُ هو أنّ (أ) لم يعد يوجد على الإطلاق.» ومعنى ذلك أنّه لا يمكننا من الناحية النظرية أن نتنبّأ بما سوف يحدث، حتّى لو أُتيحت لنا معرفة كلّ الشروط الّتي نظنّ أنّها تحدّد الظاهرة ؛ بخلاف ما ذهب إليه أنصار الحتمية قبل حدوث هذه التطوّرات. محمود فهمي زيدان، الاستقراء والمنهج العلمي، مكتبة الجامعة العربية، بيروت، 1966، ص 180
ويشهد الميدان على بعض القصور في التحكّم في الظواهر: كما وقع لروّاد الفضاء عند نزولهم على سطح القمر، إذ أخطؤوا هدفهم ببضع عشرات الأمتار ؛ وكما يقع أيضا لأهل رصد الأحوال الجوّية، حيث يجيء الغائب مخالفا لإرادتهم ولتنبّؤاتهم. ولاحِظ أنّ هذه الأمثلة لا تُبطل التنبّؤ بل تحدّد رتبته: فروّاد الفضاء بلغوا القمر — وهذا تنبّؤٌ صادق إلى حدّ مذهل — وإنّما أخطؤوا بعشرات الأمتار ؛ فالفارق بين «صادق» و«دقيق» هو بالضبط ما تعلّمنا إيّاه هذه الشواهد. ونتيجة العلم التجريبي ليست يقينية كما هو الحال في قوانين العلم الصورية من منطق ورياضيات، ويتّسع هامش التقريب كلّما اقتربنا من العلوم البيولوجية والعلوم الإنسانية.
ثالثا : ما الّذي يسدّ ما يعجز عنه الاستقراء وحده ؟
وبالرغم من كلّ ذلك، فإنّ العلماء لا ينكرون مبدأ السببية والمبادئ الأخرى، ولكنّهم ينكرون أنّ كلّ قانون علمي إنّما هو تفسير سببي ؛ ويُقرّون أنّ هناك عددا من القوانين العلمية لا تنطوي على تلك العلاقة، بالرغم من كونها تعميمات استقرائية. فالتبرير إذن لا يُطلب في السببية وحدها ؛ وإنّما يُطلب في بنية العمل العلمي كلّه، حيث يتداخل الاستقراء مع الاستنباط.
1 ـ الاستقراء لا يحول دون الاستنباط المنطقي
يوجد تمايزٌ من حيث المبدأ بين نوعَي الاستدلال: الاستنباطي والاستقرائي ؛ فبينما نجد أنّ النتيجة في الأوّل متضمَّنة منطقيا في المقدّمات، نجد على العكس من ذلك أنّ الاستقراء يهدف إلى الكشف عمّا هو جديد، لأنّه ليس مجرّد تلخيص للملاحظات السابقة، بل إنّه يمنحنا القدرة على التنبّؤ. ومع ذلك فإنّ الانطباق مع الواقع يفترض تداخلا بينهما:
- النتائج الاستقرائية تحتاج إلى استنباط منطقي : فلا سبيل إلى إنكار أهمّية الاستقراء في الوصول إلى نتائج علمية حاسمة قد تكون قانونا أو نظرية ؛ ولكنّ هذه النتائج — حسب «بوبر» — تحتاج إلى استنباط منطقي يمكّن من البحث عن الصورة المنطقية للنظرية، ومقارنةِ نتائجها بالاتّساق الداخلي وبغيرها من النظريات الأخرى.
- واشتقاق التنبّؤات استنباطٌ لا استقراء : فباستخدام القضايا الّتي سبق قبولها تجريبيا، يمكن اشتقاق قضايا أخرى جزئية عن طريق التنبّؤ.
- فتنقلب صورة البحث العلمي : إذ يمكن الاعتقاد «بأنّ البحث العلمي يبدأ بوضع فروض تستند إلى تعميمات تجريبية سابقة أو قوانين مسلَّم بها، ثمّ يستنبط الباحث من هذه الفروض نتائج، وتلي هذا مرحلةُ التثبّت من صحّتها عن طريق البحث عن وقائع تؤيّد أو تُبطل هذه النتائج».
- وهذا هو المنهج الفرضي الاستنباطي : فالتقدّم الّذي أحرزه العلم الحديث لا يعني أنّه يستند إلى الملاحظة والتجريب فقط، بل إنّه يتّخذ إلى جانب ذلك من المنهج الفرضي الاستنباطي القائم على النسق الرياضي من جهة، والمنطقِ ومبادئِ العقل من جهة ثانية، ركيزةً أساسية له.
إنّ الرياضيات تحتوي في مفاهيمها وتحوّلاتها على كلّ ما هو جوهري من الخواصّ الكمّية والصورية للأجسام وظواهر الطبيعة ؛ وهذا العنصر الّذي تحتوي عليه هو من صنع عقولنا كتجريد، وكوسيلة موظَّفة في المنهج التجريبي الّذي «نزع إلى صبّ قوانينه في لغة رياضية التماسا للدقّة». «ومن أجل هذا دخل الإحصاء مجال البحث العلمي، واستُخدم خاصّةً في الأبحاث الّتي تعذّر أو صعُب إجراء التجارب فيها ؛ وميزة الإحصاء أنّه يسجّل الحقائق المتّصلة بالظواهر في صورة قياسية عددية، ويلخّصها بطريقة تمكّن الإنسان من الإلمام باتّجاهات هذه الظواهر والعلاقات القائمة بينها.» ولاحِظ الجواب العملي الّذي يقدّمه الإحصاء لمشكلتنا: هو لا يزعم أنّه بلغ اليقين، بل يقيس درجة عدم اليقين نفسها ويصرّح بها. وهذه هي أنضج صورة لتبرير الاستقراء: لا أن ندّعي ضرورةً ليست له، بل أن نُعلن احتماله معلوما مقدَّرا. توفيق الطويل، ص 174
إن كان الاستقراء لا يُبرَّر برهانا، فلماذا نثق بالعلم أكثر من ثقتنا بأيّ قول آخر ؟إن كان الاستقراء لا يُبرَّر برهانا، فلماذا نثق بالعلم أكثر من ثقتنا بأيّ قول آخر ؟
لأنّ الثقة هنا ليست في نتيجة بعينها، بل في إجراء. ولاحِظ ما اجتمع للعلم من ضمانات، مع اعترافه بأنّ استقراءه لا يبلغ الضرورة: تعميمٌ مشروطٌ بتماثل الشروط لا بكثرة الحالات ؛ وتنبّؤٌ يُعلن أنّه احتمالي ويقدّر احتماله بالإحصاء ؛ ونتائجُ تُعرَض على الاستنباط المنطقي لتُفحَص صورتها واتّساقها ؛ ثمّ بحثٌ عن وقائع تؤيّد أو تُبطل. وهذه الأخيرة هي مفتاح الجواب: العلم هو المعرفة الوحيدة الّتي تنصّ في منهجها على البحث عمّا يُبطلها. فمن قال قولا وحصّنه من كلّ إبطال، فهو لم يقل شيئا يمكن أن يكون صادقا. أمّا من عرّض قوله للسقوط ثمّ لم يسقط، فقد كسب ثقتنا — لا لأنّه برهن برهانا ضروريا، بل لأنّه خاطر ونجا. ولهذا كانت أخطاء روّاد الفضاء ببضع عشرات الأمتار حجّةً للعلم لا عليه: لأنّ العلم وحده هو الّذي يعلم أنّه أخطأ، ويعلم بكم أخطأ.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net