الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم › في علوم المادة الجامدة وعلوم المادة الحية
تجاوز العوائق الابستمولوجية في البيولوجيا
- بيان المبدأ الّذي قام عليه تجاوز عوائق البيولوجيا: تكييف المنهج لا نقله ولا إلغاؤه
- عرض تحليل «كلود برنار» للعضويات المركّبة وما ترتّب عنه من مشروعية الدراسة الفيزيائية الكيميائية
- الاستشهاد بتجربتين مؤرَّختين تُثبتان أنّ العوائق تُقتحم فعلا
- تحديد مستويَي المنهج التجريبي، وبيان في أيّهما يقع التكييف
- طبيعة الموضوع الحيّ وخصائصه الثلاث، والعوائق الأربعة النابعة عنها
- طرق «مل» الأربع، وخاصّةً التلازم في الحضور والتلازم في الغياب
- معنى أنّ نتائج العلوم التجريبية ليست مطلقة ولا دقيقة
مقدمة : طرح المشكلة
انتهينا إلى أنّ العوائق الّتي تصطدم بها البيولوجيا ليست عارضةً: فهي تنبع من كون الحيّ كلاًّ لا يُفكَّك، وفردا لا يُصنَّف، ومرتبطا بوسط لا يُنقَل عنه ؛ ولذلك لا تُرجى إزالتها. غير أنّ الواقع يقول شيئا آخر: فالبيولوجيا تقدّمت وازدهرت، وأدرك تقدّمها ذروته مع تسخير المورّثات في مجال الاستنساخ. فبين استحالةٍ نظرية وتقدّمٍ فعليّ، لا بدّ أن يكون قد وقع شيء ثالث: لا إلغاءُ العائق ولا الوقوفُ عنده، بل طريقةٌ في العمل تدور حوله. فما هي ؟ وبأيّ ثمن ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
لم يتوقّف الإنسان بفضوله عن محاولة كشف النقاب عن الكائنات الحيّة منذ القدم، على الرغم ممّا تغلغل فيه من اعتقادات تحذّره من الاقتراب منها ؛ واستعمل في عملية الكشف أساليب متنوّعة، بعضها معلَن عنه، وبعضها الآخر تمّ تحت ستار الكتمان. وهي أساليب تقنية ساهمت في إنتاجها الفطرةُ وتجاربُ التطبيب التقليدي. وظلّت هذه العملية عبر التاريخ تخطئ وتصيب، تفسد وتصلح، إلى عهد نضج فيه تطبيق المنهج العلمي، فألهم بعض العلماء والمفكّرين إلى الاستئناس به، أمثال «كلود برنار». ولاحِظ ما تصفه هذه الفقرة: قرونٌ من العمل على الحيّ من غير منهج — لا لأنّ الناس لم يريدوا، بل لأنّ الطريق لم يكن قد اتّضح. فالمشكلة إذن لم تكن في الرغبة ولا في الجرأة، بل في الشكل الّذي يجب أن يتّخذه العمل حتّى يصير علما.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الفضول سابقٌ على المنهج، والمنهج هو الّذي حوّله إلى معرفة : فالإنسان لم ينتظر إذنا ليقترب من الحيّ ؛ وما تغيّر مع «كلود برنار» ليس أنّ الاقتراب صار مباحا، بل أنّه صار منظَّما ومحاسَبا على نتائجه. ومن هنا خرجت البيولوجيا من طور «تخطئ وتصيب» إلى طور تُعرف فيه أسباب الخطأ.
- والسرّية علامةٌ على غياب المنهج لا على وجود ممنوع فقط : فقولُه «بعضها تمّ تحت ستار الكتمان» يصف عملا لا يُعرَض ولا يُراجَع ولا يُعاد ؛ وهذه نقائض الشروط الّتي يقوم عليها العلم. فالمنهج حين جاء، لم يُبِح ما كان محظورا فحسب، بل أخرج العمل إلى العلن حيث يُمتحَن.
- والسؤال يتحدّد بدقّة : لقد عرف «كلود برنار» كيف يستثمر هذا المنهج الّذي وُضع خصّيصا لدراسة المادّة الجامدة، ويكيّفه في دراسة المادّة الحيّة مع حفاظه على خصوصية هذه المادّة. فالمطلوب إذن أمران معا لا أحدهما: أن يُستعمل المنهج، وأن تُصان الخصوصية. وقد عبّر عن محاولته هذه في كتابه «مدخل لدراسة الطبّ التجريبي».
IV – وإذا كانت العوائق نابعةً من طبيعة الموضوع، فكيف اقتُحمت من غير أن تُهدَر خصوصيته ؟
أولا : المبدأ — أن يُوصَل الحيّ بالخام لا أن يُردّ إليه
إنّ أوّل ما قرّره «كلود برنار» ليس أنّ الحيّ جامدٌ، بل أنّ خصائص المادّة الحيّة لا يمكن معرفتها إلاّ بعلاقتها مع خصائص المادّة الخام. ولاحِظ دقّة الصيغة: «بعلاقتها مع» لا «بردّها إلى» ؛ فالمعرفة تُطلب في العلاقة بين النظامين، لا في إلغاء أحدهما. وقد أسّس ذلك على تحليل بيّن أنّ في العضويات المركّبة ثلاثة أنواع من الأجسام:
- الأجسام البسيطة كيميائيا : ستّة عشر منها فقط تدخل في تركيب عضوية الإنسان، وهي أكثر العضويات تركيبا ؛ ولكن من تفاعل هذه الأجسام تتألّف مختلف الذوات السائلة والصلبة والغازية.
- المبادئ غير المباشرة : وهي تدخل كعناصر مؤلِّفة وجوهرية في تكوين الأجسام الحيّة ؛ فمنها ما يُؤخذ من العالَم الخارجي مباشرةً تامَّ التكوين، كالأملاح الترابية والفوسفات والكلورور والسلفات ؛ ومنها ما ليس مستعارا من العالَم الخارجي بتاتا، لأنّه من تكوين العضوية الحيوانية أو النباتية، كالنشاء والسكّر والشحم والألبومين. وهذه المبادئ المقتطَفة من الجسم تحتفظ بخصائصها لأنّها لم تبقَ حيّة ؛ إنّها منتوجات عضوية ولكنّها غير منظَّمة.
- العناصر التشريحية المنظَّمة : وهي الأجزاء الوحيدة الّتي تعرف النظام والحياة ؛ سريعةُ التهيّج، وتُبدي تحت تأثير منبّهات متنوّعة خصائصَ تميّز الكائنات الحيّة بصفة كلّية، ولا يمكن أن تنفصل عن العضوية دون أن تفقد حيويتها.
- وما يجمع الفئات الثلاث : أنّها مع اختلافها قادرةٌ كلّها على أن تعطي عمليات فيزيائية كيميائية تحت تأثير منبّهات خارجية كالحرارة والضوء والكهرباء ؛ وعلى هذا الأساس يبيح العالِم الفيزيولوجي لنفسه فهمَ الظواهر الحيّة وتفسيرَها اعتمادا على المبادئ الّتي ترتدّ إليها المادّة الجامدة.
وعلى هذا الأساس لا بدّ من أن تكون الدراسة العلمية للحوادث الحيوية دراسةً فيزيائية كيميائية ؛ فعملية التنفّس مثلا ترتدّ في النهاية إلى أكسدة اليحمور وإلى تأكسدات خاصّة بالخلايا. ولاحِظ أنّ التقسيم الثلاثي هو الّذي جعل هذا ممكنا من غير مصادرة على المطلوب: فالمبادئ غير المباشرة تحتفظ بخصائصها لأنّها لم تبقَ حيّة، فهي إذن موضوعٌ مشروع للتحليل الكيميائي، ولا يُتّهم من حلّلها بأنّه قتل ما يدرسه — فهي أصلا غير منظَّمة. وأمّا العناصر التشريحية المنظَّمة فهي وحدها الّتي تعرف النظام والحياة، وهي وحدها الّتي لا تنفصل دون أن تفقد حيويتها. فـ«برنار» لم يقل إنّ التحليل جائزٌ على كلّ شيء في الحيّ ؛ قال أين يجوز وأين لا يجوز. وهذا هو معنى صيانة الخصوصية داخل المنهج لا خارجه.
ثانيا : التجاوز في الميدان
ولقد اجتهد «ك. برنار» من أجل إخراج العلوم البيولوجية من مجال التحجّر إلى مجال الازدهار والتقدّم، وذلك بسعيه إلى تطبيق مناهج البحث في الدراسات الفيزيائية الكيميائية ؛ ورأى أنّه إذا كنّا لم نتمكّن من اكتشاف قوانين المادّة الخام إلاّ بالتغلغل في الأجسام، فإنّنا لا نستطيع الوصول إلى معرفة قوانين وخصائص المادّة الحيّة إلاّ بتفكيك العضويات الحيّة للنفوذ في دواخلها.
وبفضل ذلك استطاع «ك. برنار» أن يقلب حيوانات ذات دم حارّ إلى حيوانات ذات دم بارد، حتّى يستقصي خصائص عناصرها الهستولوجية. وتأمّل كيف يلتفّ هذا التصميم على العائق الأوّل بالذات. فالعائق أنّ نزع عضو من كائن يجعله يستجيب كوحدة جديدة، فتتعذّر طريقة التلازم في الغياب. فماذا صنع ؟ لم ينزع شيئا: غيّر شرطا عامّا — نظام الحرارة — وترك الكائن كاملا. فالمتغيّر واحد، والكلّ محفوظ، والقاعدة المنهجية محترمة. كلود برنار (C. Bernard، 1813-1878)، عالم فيزيولوجي فرنسي، أثبت وظيفة الكبد السكّرية، واكتشف دور الأعصاب الودّية في انقباض الأوعية الدموية وتمدّدها (الجملة المحرّكة للأوعية) ؛ اشتهر بكتابه «مدخل لدراسة الطبّ التجريبي» حيث حدّد المبادئ الأساسية الخاصّة بالبحث العلمي
وبفضل هذا المنهج العلمي صحّح «باستور» الفكرةَ القائلة بالنشوء العفوي للجراثيم، مثبتا أنّ هذه الجراثيم منشؤها في الهواء ؛ وبفضل طريقتَي التلازم في الحضور والتلازم في الغياب استطاع أن يحارب مرض الجمرة الخبيثة الّذي كان يصيب الشياه: وذلك بأن أخذ مجموعتين من الشياه، فطعّم إحداهما بلقاح مضادّ، ثمّ نقل المرض إلى المجموعتين معا ؛ وأثمرت العملية، إذ المجموعة المطعَّمة قاومت المرض فعلا، والمجموعة الثانية هلكت. وهذا هو الحلّ الثاني للعائق نفسه: فبدل أن يُحذف عاملٌ من كائن — وهو ما يُفسده — يُقابَل بين مجموعتين متماثلتين، فيقع الحذف بين الكائنات لا داخلها. وبهذا التصميم بقيت طرق «مل» صالحة في ميدان قيل إنّها لا تصلح فيه. لويس باستور (L. Pasteur، 1822-1895)، عالم كيميائي وبيولوجي فرنسي، من أهمّ إنجازاته إعداد اللقاح المضادّ لمرض الجمرة الخبيثة واللقاح المضادّ للكَلَب
ثالثا : الحكمة من فلسفة المناهج
وتقدّمت العلوم البيولوجية وازدهرت تدريجيا بفضل منهج التجريب، وعرف العلماء كيف يطوّرون وسائله وأساليبه، ولم يعودوا يكتفون بالتشريح على الميّت فقط، بل اتّسع مفهوم التجريب ليشمل أيضا التشريح على الحيّ ؛ وهذا يعني أنّهم على وعي بأنّ هذا المنهج هو منهجهم، وبأنّ لخصوصيات الظاهرة المقياسَ المنهجي الفصل.
1 ـ مستويا المنهج التجريبي
وتدفعنا الحكمة إلى القول بأنّ للمنهج التجريبي مستويين، وأنّ فهم هذا التمييز هو ما يحسم النزاع كلّه بين من يقول إنّ المنهج لا يصلح للحيّ ومن يقول إنّه يصلح لكلّ شيء:
- مستوًى نظري : يعكس المبدأ المنهجي كما يتصوّره المنظّرون ؛ وهو أكاديميٌّ يقوم على الصرامة والتقنين الدقيق. وفي هذا المستوى لا يُعدَّل شيء: فقواعد الاستقراء وطرق «مل» تبقى كما هي.
- ومستوًى عملي : يواجه واقع البحث كما يمارسه العلماء الملاحظون والتجريبيون ؛ وهو ميدانيٌّ مفتوح على عالَم التغيّرات والتطبيقات. وفي هذا المستوى يقع التكييف كلّه: تصميمُ «برنار»، ومجموعتا «باستور».
- ولهذا المستوى الثاني وعدٌ مفتوح : فالمنهج التجريبي في مستواه الثاني يعد باستيعاب موضوعات ما تزال مستعصية على البحث الموضوعي، كما هو الشأن في العلوم الإنسانية. أي أنّ ما وقع في البيولوجيا يمكن أن يقع في غيرها.
- وأمّا الشواذّ فتُقلَّص ولا تُنكَر : فمهما كان «الشرود المؤقّت» الّذي يشير إليه الباحثون بشأن بعض الحوادث في الفيزياء الذرّية أو بعض سلوك العضويات الطارئ في البيولوجيا، فإنّ معرفة طبيعة هذا النوع من الوقائع معرفةً معمّقة كفيلةٌ بتقليص ما نسمّيه بهامش الشواذّ ؛ والدليل على ذلك أنّ المنهج القائم على مبدأَي الحتمية والاطّراد مكّن العلماء في مجال الكائنات الحيّة من إحراز تقدّم مذهل.
لقد برهن المنهج التجريبي على أنّه حقيقةً المقياسُ المثالي لكلّ بحث يريد لنفسه أن يكون علميا، أي موضوعيا تحترمه كلّ العقول البشرية ؛ فهو المحكّ الّذي يزن مصداقية العلوم ويقدّر نتائجها، والمنهل الّذي تُستقى منه المعارف، والأداة الطيّعة الّتي تساعد على غزو مناطق ما تزال شائكة. وإذا سجّلنا بعض القصور في صرامة تطبيق خطواته، فلأنّ هناك المبدأ المنهجي، وهناك أمامه الواقع العملي ؛ فإذا كان المنظّرون يشجبون الانطلاق من أحكام سابقة، فإنّ العلماء الميدانيين يأخذون بدءا بمسلَّمات أو مبادئ فلسفية ضرورية غير مبرهَن عليها، مثل مبدأَي الحتمية والاطّراد، وهي مسلَّمات يتأكّد صدقُها وفائدتها مع استمرار الاكتشافات العلمية. وإذا لم تكن العلوم التجريبية دقيقةً في استخلاص نتائجها، فلأنّها ليست علوما استنتاجية محضة ولا علوما صورية تبحث في المعاني الرياضية والتصوّرات المجرّدة ؛ إنّما تتعامل مع العالَم المحسوس الّذي ليس في مأمن مطلق عن التغيّر.
إذا كان التكييف يقع في المستوى العملي وحده، أفلا يكون كلّ باحث حرّا في أن يكيّف كما يشاء ؟إذا كان التكييف يقع في المستوى العملي وحده، أفلا يكون كلّ باحث حرّا في أن يكيّف كما يشاء ؟
لا، لأنّ التكييف مقيَّدٌ من جهتين معا. من جهة فوق، بالمبدأ المنهجي نفسه: فتصميم «باستور» لم يخترع قاعدة جديدة، بل طبّق طريقتَي التلازم في الحضور والغياب بحذافيرهما ؛ وكلّ ما فعله أنّه نقل موضع تطبيقهما من داخل الكائن إلى ما بين مجموعتين. فمن كيّف بحيث خرق القاعدة، لم يكيّف بل خرج. ومن جهة تحت، بطبيعة الظاهرة: وهذا معنى العبارة الحاسمة «وبأنّ لخصوصيات الظاهرة المقياسَ المنهجي الفصل». فالخصوصية هي الّتي تُملي شكل التصميم، لا ذوق الباحث ولا سهولة العمل. ولهذا كان لا بدّ من درس طبيعة الموضوع قبل درس التجاوز: من لم يعرف لماذا يفسد التحليلُ الخليةَ، لن يهتدي إلى تصميم يتجنّب إفسادها. فالحرّية هنا حرّية المهندس لا حرّية الرسّام: له أن يختار الشكل، وليس له أن يخالف قانون الجاذبية.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net