الإشكالية الرابعة: في الفن والتصوف بين النسبي والمطلق › في التجربة الفنية والتجربة الذوقية
ضبط المفاهيم و التصورات
- ضبط مفهوم الفنّ في معناه العامّ ومعناه الخاصّ، وتحديد موضوع علم الجمال
- التمييز بين الجميل والجليل، وردّ الفرق بينهما إلى الأثر الذي يحدثه الموضوع في الذات
- التمييز بين وصف الانفعال والتعبير عنه، وبيان لماذا لا يكون الفنّان واصفا
- توظيف أطروحة فلسفية مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في تحليل تجربة ذوقية
- الفرق بين الذاتي والموضوعي، وبين الحسّي والمعنوي
- الفرق بين المشكلة والإشكالية، وطريقة طرح مشكلة فلسفية
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
ممّا لا شكّ فيه أنّ التجربة الذوقية الجمالية وما تؤدّي إليه من أثر فنّي، تحمل لنا الشعور بتسامي الإنسان وتحرّره من حتمية الطبيعة المادّية من عدّة وجوه: الشعورَ بانفعال الوجدان أمام فكرة الانسجام والتناسق في الأشياء الطبيعية، والشعورَ الذي يعمل به الفنّان ليبدع منها أشياء جديدة، والشعورَ المنفعل الذي يتقبّل به متذوّق الفنّ معطيات ذلك الإبداع. فالفنّ الذي عرفه البدائي محاكاةً للطبيعة في مظهرها الطاغي قد تجاوز هذا الدور المحدود، وارتقى الإنسان من رسم الحيوانات على جدران الكهوف إلى التحكّم بموجات الأثير وتحميلها الصور والكلمات والنوتات الموسيقية. وفي نفس الوقت، فإنّ التجربة الذوقية التي قادت الفنّ إلى ذلك لا تقوم بوصفها تجربة ذاتية محضة، فقد فتحت مجالات عدّة مكّنت من توسيع آفاق الإنسان الفكرية والثقافية والحضارية ؛ الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: كيف يمكن إثبات القول بأنّ الآثار الفنّية ليست مجرّد تعبير عن الجمال، وبأنّ التجربة الذوقية ليست مجرّد تجربة حميمية ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
جاء في محاورة «فايدروس» لأفلاطون، على لسان سقراط قوله لصديقه: «… وهاك أخيرا الغاية من حديثي، إنّها تتعلّق بالنوع الرابع من أنواع الهوس ؛ أجل، الهوس الذي يحدث عند رؤية الجمال الأرضي، فيُذكِّر من يراه بالجمال الحقيقي ؛ وعندئذ يحسّ المرء بأجنحة تنبت فيه وتتعجّل الطيران، ولكنّها لا تستطيع، فتشرئبّ ببصرها إلى أعلى كما يفعل الطائر، وتُهمل موجودات هذه الأرض حتّى لتُوصف بأنّ الهوس قد أصابها.» أفلاطون، محاورة فايدروس، ترجمة أميرة حلمي مطر، دار المعارف، القاهرة ؛ وفيها يقدّم نظريته في الهوس (Mania)، ويرى أنّ للنوع الإلهي منه أربعة أمثلة: هوس النبوءة، وهوس أصحاب الأسرار الدينية، وهوس الشعراء، ورابعها هوس الحبّ الذي يدفع المحبّين إلى البحث عن كلّ أنواع الجمال والسموّ
وجاء في مقارنة «هيغل» بين الجمال الطبيعي والجمال الفنّي قوله: «… فالطيور زاهية الألوان تغرّد في غدوّها ورواحها دون أن تهتمّ بأن تُرى أو لا تُرى، وقد تتبدّد أغنياتها في الفضاء الرحب دون أن يسمعها أحد. كما توجد نباتات تُزهر بقوّة لمدّة ليلة واحدة ثمّ تذبل دون أن تحظى بلحظة إعجاب واحدة ؛ بل إنّ هذه الغابات والأدغال ذاتها، بكلّ ألوانها الجميلة والمبهجة والنضرة، وبكلّ روائحها العبقة التي تفوح في كلّ الأرجاء، قد تذوي دون أن يستمتع بها أحد. أمّا العمل الفنّي فهو ليس متمحورا حول ذاته مثل الطبيعة، ولا مكتفيا بهذه الذات ؛ إنّه في جوهره سؤال يتردّد ويلحّ في طلب الإجابة من كلّ تلك القلوب التي تخفق في الصدور، إنّه بمنزلة النداء الموجَّه إلى العقل والروح.» هيغل (1770 – 1831)، فلسفة الفنّ ؛ نقلا عن: شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مطابع الوطن العربي، ط 1، الكويت، 2001، ص 107
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- في المحاورة الأولى: الجمال حركة لا صفة : يحتوي الوصف في المحاورة على عديد من الصور المجازية الفرعية، مثل تلك الصورة الخاصّة بالشخص الذي يحدّق في الجمال الأرضي فيصاب بحالة من الهوس ؛ فينبت له بفعل هذا التولّه بالجمال زغبٌ صغير لا يلبث أن يصبح ريشا، يدفع المرء لأن يحاول — كالطائر — التحليق مبتعدا عن الظلّ أو العَرَض والصورة، متّجها إلى عالم النور والجوهر والمثال.
- وقراءة أخرى ممكنة: الجمال ليس شيئا واحدا : فعندما نتناسى مؤقّتا الأسس المثالية الخاصّة بالفلسفة الأفلاطونية، يمكننا أن نكتشف في هذه التعبيرات إشارات تدلّ على أنّ الجمال قد يكون أرضيّا مادّيا، ويمكن كذلك أن يكون معنويّا أو مثاليّا، أو مفارقا لعالم الواقع، أو غير ذلك من المعاني المتعدّدة للجمال.
- في نصّ هيغل: وجهان للجمال : أمّا الأوّل فيمكن حصره في أنّ الجمال الطبيعي إنّما هو جمال ثابت جامد، كما لو كان جمالا بالقوّة لا بالفعل ؛ وأمّا الوجه الثاني فيدلّ على ذلك الجمال الإنساني الحيوي النشط الذي ينقل الجمال من القوّة إلى الفعل، لأنّه يشعّ في النفس أوّلا، إنّه بمثابة ذلك النداء الباطني الذي يأتي ذاتا ذوّاقة خلاّقة.
- ومن ثمّ: العمل الفنّي لا يكتمل وحده : فهو لا يكتمل إلاّ من خلال استجابات المتلقّين له، أو بالأحرى المتذوّقين له ؛ ممّا يوحي ضمنيّا بأنّ التعبير الفنّي إنّما يتأسّس على الذوق الجمالي كتجربة إنسانية، وفي ذلك تأكيد على أهمّية الاستجابة الخاصّة بالعقل والروح للأعمال الفنّية.
- فيترتّب على الوضعية بصورتيها اختلاف في فهم طبيعة الجمال : لقد حيّر الجمال عبر تاريخ البشرية المفكّرين والفلاسفة والأدباء والفنّانين وعلماء النفس والنّاس بشكل عامّ ؛ فتعدّدت تفسيراته بتعدّد المنطلقات، وظلّ يروغ من كلّ التفسيرات ويقف هناك في الظلّ أو النور متألّقا، وعلى وجهه ابتسامة تشبه ابتسامة الموناليزا التي حيّرت الملايين منذ قرون ولا تزال. وكلّ ما استطاع هؤلاء أن يفعلوه هو أن يقتربوا منه على مسافة ما ثمّ يتأمّلوه متسائلين: ما المقصود بالجمال ؟
I – ماذا عن التجربة الذوقية الجمالية ؟ وماذا عن تطوّر الأثر الفنّي المبدع كتعبير عنها ؟
أولا : الذوق الجمالي كتجربة إنسانية
إذا نحن نظرنا إلى الإنسان نظرة شاملة متوازنة متكاملة، تكامُلَ الجسم مع الروح، كان من السهل علينا أن ندرك انبثاق فنٍّ إنساني رفيع عن هذا الشمول والتوازن والتكامل ؛ فنٍّ يشمل حياة الإنسان كلّها، باطنها وظاهرها، في عالم الضرورة القاهرة وعالم الأشواق المحلّقة، في عالم الواقع وعالم المثال، في دنيا الفرد وعالم الجماعة، في لحظة الإنتاج المادّي ولحظة الإنتاج العقلي ولحظة الإنتاج الروحي. فيكوّن من كلّ ذلك أكبر أثر مبدع يمكن أن يشهده إنسان، باعتبار أنّ التعبير الفنّي إنّما هو تجلٍّ للجمال، بل للذوق الجمالي الذي أودعه الخالق فيه فميّزه به — فضلا عن العقل — درجاتٍ عن بقية الكائنات. فما السرّ في هذه الخصوصية وهذا التميّز ؟ وحتّى نقف على حقيقته، نعرض لمعنى الجمال في صلته بالجلال والانفعال والتعبير.
1 ـ الجمال والجلال
إنّ الجمال صفة تُلحَظ في الأشياء وتبعث في النفس السرور والرضا دون تصوّر ؛ أي ما يُحدث في النفس عاطفةً خاصّة تُسمّى عاطفة الجمال. والعلم الذي يبحث في الجمال ومقاييسه ونظرياته يُسمّى علم الجمال (Esthétique). أمّا الجلال فهو العظمة والكبرياء والمجد والصفاء والبهاء ؛ والجليل (Sublime) هو المتّصف بالجلال، وله تعريفات مختلفة: منها أنّه السامي الرائع الذي يأخذ بمجامع قلوبنا، والعظيم الذي يقهرنا ويشعرنا بعجزنا، والهائل الذي يخيفنا ويولّد في نفوسنا إحساسا بالخطر والتوتّر.
الفنّ (Art) بالمعنى العامّ: جملة من القواعد المتّبعة لتحصيل غاية معيّنة، جمالا كانت أو خيرا أو منفعة. فإذا كانت هذه الغاية تحقيق الجمال سُمّي الفنّ بالفنّ الجميل، وإذا كانت تحقيق الخير سُمّي بفنّ الأخلاق، وإذا كانت تحقيق المنفعة سُمّي بالصناعة. أمّا الفنّ بالمعنى الخاصّ فيُطلق على جملة الوسائل التي يستعملها الإنسان لإثارة الشعور بالجمال، كالتصوير والنحت والنقش والتزيين والعمارة والشعر والموسيقى وغيرها. جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج 2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982، ص 165 و ص 407-408 ؛ ويُعتبر الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن (A. Baumgarten 1714 – 1762) أوّل من أطلق تسمية «إستيطيقا» انطلاقا من اللفظ اليوناني (Aisthesis) الذي يعني الحساسية
يعرّف «الجرجاني» الجمال بأنّه «نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية ؛ والجمال من الصفات: ما يتعلّق بالرضا واللطف». وأمّا الجلال «فهو نعوت القهر من الحضرة الإلهية ؛ والجلال من الصفات: ما يتعلّق بالقهر والغضب». الجرجاني، التعريفات، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار النفائس، ط 1، بيروت، 2003، ص 139-141
إذا كان الجميل والجليل موضوعين للحكم الجمالي عند «كانط»، فإنّهما موضوعان للتأمّل الجمالي عند «شوبنهاور» ؛ لأنّ موضوعهما واحد وهو المثال الأفلاطوني، والاختلاف يكمن في الأثر الذي يحدثه الموضوع في هذا التأمّل، أو في الذات التي تدرك الموضوع، بشكل يجعل من هذا التأمّل أمرا سهلا مريحا أو صعبا فيه عناء. ومعنى هذا أنّ الاختلاف هنا يكمن في طبيعة الجانب الذاتي للرؤية الجمالية، والتي وفقا لها يكون الموضوع إمّا جميلا وإمّا جليلا. وبذلك يكون الشعور بالجليل مطابقا للشعور بالجميل من حيث إنّهما يفترضان المعرفة الخالصة الخالية من الإرادة ؛ ولكنّه يتميّز عنه بخاصّة ترفعه فوق العلاقة العدائية لموضوع التأمّل: فالذات في إدراكها للموضوع الجميل تكون في حالة هدوء، في حين أنّها لا تبلغ هذه الحالة في تأمّلها للجليل إلاّ بعد مقاومة وصراع عنيف، لأنّ هذا الموضوع يخلق لديها حالة من التهديد أو الاستثارة. ويعتقد كانط أنّ الجميل والجليل يندرجان في جنس واحد، إلاّ أنّ الجميل يتّصف بالتناهي والجليل بعدم التناهي ؛ وإذا كانت طبيعة الجميل هي الانسجام، فإنّ طبيعة الجليل هي الصراع بين قوّة العقل وقوّة التخيّل [جميل صليبا، المصدر السابق، ص 404-405] ؛ وينظر: سعيد محمد توفيق، ميتافيزيقيا الفنّ عند شوبنهاور، دار التنوير للطباعة والنشر، ط 1، بيروت، 1983، ص 163-164
2 ـ الانفعال والتعبير
إنّ الوصف العلمي للانفعال إنّما هو محاولة لردّ الانفعال الفنّي إلى نوع معيّن أو إلى فكرة عامّة ؛ في حين أنّ التعبير، على العكس، يتّجه إلى التخصيص وتأكيد الفردية والتكثيف. ولهذا لا يجوز للفنّان أن يقوم بوصف الانفعال وإلاّ كان يقوم بمهمّة العالِم، لأنّ الفنّان لا يصف الانفعال وإنّما يعبّر عنه بتقديمه ؛ بل لو استعمل الشاعر مصطلحات علم النفس لكي يصف الانفعالات التي يعبّر عنها، لأضعف قدرته التعبيرية.
كان موقف «أفلاطون» من الانفعال الفنّي موقفَ الخشية، لأنّه اتّهم الفنّ بأنّه يثير فينا الانفعالات التي تهدم توازننا النفسي، بل يقوّي فينا الرغبات والشهوات. وكان رأي «أرسطو» أدقّ وأصوب من رأي أفلاطون بهذا الصدد، حين وضّح أنّ النفس حين تمرّ بتجربة انفعالية في الفنّ، فإنّما يحدث لها بفعل الانفعال الفنّي تطهير وتصفية ينتج عنهما اتّزان وسلام باطني ؛ مصدره أنّ الشاعر حين يصوّر لنا الشفقة والخوف يثير فينا الانفعال الجمالي، فلا يجعلنا عبيد الانفعالات بل يجعلنا أكثر تحكّما فيها، لأنّنا لا ننفعل بالانفعال المباشر بل بصورته.
ذهب «تولستوي» في تعريفه للفنّ عموما إلى أنّه اللغة المعبّرة عن الانفعال ؛ بل جعل من معيار العدوى الانفعالية التي يحدثها العمل الفنّي معيارا لامتياز هذا العمل، وأنّ الفنّ هو هذه الصورة المعبّرة عن الجانب الشعوري الذاتي عند الإنسان، الذي لا يمكن للّغة المنطقية أن تعبّر عنه. تولستوي (L. Tolstoï 1828 – 1910) ؛ وينظر: كامل محمد عويضة، مقدّمة في علم الفنّ والجمال، دار الكتب العلمية، ط 1، بيروت، 1996، ص 81-83
معنى ذلك أنّ الفنّ حين يزوّدنا بطاقة وحيوية انفعالية، فليس معنى هذا الانفعال أنّه مباشر كانفعالاتنا في الحياة، بل هو انفعال تغيّرت طبيعته ومعناه. لذلك اعتبر «وردزورث» الانفعال الفنّي بأنّه انفعال نتذكّره بهدوء، وهو صورة للانفعال وليس الانفعال نفسه: «… والشاعر الذي يقدّم لنا الانفعالات لا يعذّبنا، بل هو يرينا إيّاها في مرآة ؛ إنّه يكشف عن صور حياتنا الباطنية.» وردزورث (W. Wordsworth 1770 – 1850) ؛ نقلا عن: كامل محمد عويضة، مقدّمة في علم الفنّ والجمال، دار الكتب العلمية، ط 1، بيروت، 1996، ص 81-83
لماذا لا يُقاس الجمال الفنّي بمقياس الجمال الطبيعي ؟لماذا لا يُقاس الجمال الفنّي بمقياس الجمال الطبيعي ؟
لأنّ الجمال الطبيعي تامٌّ في ذاته ومكتفٍ بها: الزهرة جميلة سواء رآها أحد أو لم يرها، وجمالها لا ينقصه شيء إن لم يُرَ. أمّا العمل الفنّي فليس متمحورا حول ذاته ولا مكتفيا بها ؛ إنّه في جوهره سؤال يطلب إجابة من القلوب التي تخفق في الصدور. ولذلك كان جمال الطبيعة جمالا بالقوّة، وجمال الفنّ جمالا بالفعل: الأوّل صفة قائمة، والثاني علاقة لا تتمّ إلاّ بطرفين — ذات مبدعة وذات متذوّقة. وهذا هو السبب في أنّ ضبط مفهوم الجمال يفرض ضبط مفهوم الذوق معه: فمن قاس اللوحة بمقياس الزهرة سأل «هل هي جميلة في ذاتها ؟» — وهو سؤال لا جواب له في الفنّ ؛ ومن قاسها بمقياسها هي سأل «ماذا تقول، ولمن ؟»، فوجد التعبير والانفعال والذوق مجتمعةً في السؤال الواحد.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net