الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الرابعة: في الفن والتصوف بين النسبي والمطلق في التجربة الفنية والتجربة الذوقية

التجربة الفنية والتعبير عن الجمال

🔊 المعلّمة تقرأ لك
خذ مرآةً وأدِرْها حولك: ستظهر فيها الشمس والشجر والوجوه كاملةً في لحظة واحدة، دون أن تتعب ودون أن تتعلّم شيئا. فهل صنعتَ شيئا ؟ ثمّ انظر إلى رسّام يقضي الشهور أمام لوحته حتّى يخرج منها وجهٌ واحد — أهو أكثر من رجل يحمل مرآةً أبطأ ؟ فإن قلتَ نعم، فما الذي وضعه في اللوحة ولم يكن في المرآة ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • ضبط معنى التعبير الفنّي وتمييزه عن مطابقة الصورة للشيء الذي تمثّله
  • عرض نظرية المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو، وتحديد موضع الخلاف بينهما
  • بيان كيف يصير الحدس تعبيرا والتعبير إبداعا، مسندا ذلك إلى صاحبه ومرجعه
  • الحكم على القول بأنّ التعبير الفنّي يخلو من الإبداع، بحجّة لا برأي
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • ضبط مفاهيم الفنّ والجمال والجلال والذوق الجمالي
  • التمييز بين وصف الانفعال والتعبير عنه
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
ماذا عن تطوّر الأثر الفنّي المبدع كتعبير عن التجربة الذوقية ؟ وإلى أيّ مدى يمكن القول بأنّ التعبير الفنّي يخلو فعلا من الإبداع ؟ وإذا لم تكن اللوحة تحتوي في ذاتها على الجمال، فأين يوجد الجمال إذن ؟ وما تعليل ذلك كلّه ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهى ضبط المفاهيم إلى أنّ العمل الفنّي لا يكتمل إلاّ باستجابة متذوّقيه، وأنّ التعبير الفنّي يقوم على الذوق الجمالي كتجربة إنسانية. غير أنّ هذا يفتح سؤالا آخر لا يقلّ عنه أهمّية: فالتعبير عمّا في النفس هو بيانه والإعراب عنه، والقوّة على التعبير صفةُ بعض الآثار الفنّية الرائعة التي توحي بالصور والأفكار والعواطف. وليس المقصود بالتعبير هنا أن تكون الصورة الفنّية مطابقةً للأشياء التي تمثّلها، وإنّما المقصود به أن تكون دلالة هذه الصورة على الأشياء مصحوبةً بما يضعه الفنّان فيها من إحساسه وخياله وعناصر تجربته. فإذا كان الأمر كذلك، فماذا عن تطوّر هذا المنتوج التعبيري في الفنّ ؟ وهل ظلّ التعبير في كلّ أطواره نقلا للأشياء، أم أنّ فيه ما ليس في الأشياء ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

أفلاطون — الرسّام والمرآة، والمراتب الثلاث للوجود

لنأخذ الرسّام مثلا: إنّه يشبه — كما يرى «أفلاطون» — «… ذلك الإنسان الذي يدير مرآةً من حوله ليصنع منها مظاهر وخيالات للأشياء. فإذا رسم الفنّان كرسيّا، فلهذا الكرسي مرتبة ثالثة من حيث الوجود ؛ إذ إنّ هناك أوّلا فكرة الكرسي كما صنعها الذهن الإلهي، وهناك ثانيا الكرسي المادّي الذي يصنعه النجّار، وثالثا مظهر الكرسي أو صورته كما يرسمها الفنّان. ومعنى ذلك أنّ العمل الفنّي لا يحاكي المُثُل الثابتة للأشياء، ولا يصنع أشياء فعلية كتلك التي نراها في العالم الواقع، وإنّما يحاكي مظاهر لهذه الأشياء الجزئية فقط ؛ فهو إذن أبعد ما يكون عن الخلق والإبداع، بل إنّه أقلّ مرتبة من النجّار ذاته.» نقلا عن: شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مطابع الوطن العربي، ط 1، الكويت، 2001، ص 73 ملاحظة: المثال الّذي يضربه أفلاطون في «الجمهوريّة» (الكتاب العاشر) هو السّرير، لا الكرسيّ: فكرةُ السّرير، والسّريرُ الّذي يصنعه النجّار، وصورتُه الّتي يرسمها الرسّام.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الحكم قائم على ترتيب في الوجود، لا على ذوق : فأفلاطون لم يقل إنّ اللوحة قبيحة، بل إنّها بعيدة ؛ وبُعدها مقيس بعدد الوسائط بينها وبين المثال: فكرةٌ، فصنعةُ نجّار، فصورةُ رسّام. وهذا يجعل نقده نقدا فلسفيّا في الوجود قبل أن يكون نقدا فنّيّا.
  2. النجّار أرفع من الرسّام : وهذه هي النتيجة التي تصدم القارئ ؛ إذ يصير صانع المنفعة أقرب إلى الحقيقة من صانع الجمال، لأنّ النجّار يحاكي الفكرة والرسّام يحاكي المحاكاة.
  3. والسؤال يرتدّ إلى معنى التعبير نفسه : فإن كان التعبير نقلا للمظهر، صحّ الحكم كلّه ؛ وإن كان التعبير وضعا لشيء من الفنّان في الشيء المنقول — من إحساسه وخياله وعناصر تجربته — فقد سقط أساس الحكم. وهنا نتساءل: إلى أيّ مدى يمكن القول بأنّ التعبير الفنّي يخلو فعلا من الإبداع ؟

I – ماذا عن التجربة الذوقية الجمالية ؟ وماذا عن تطوّر الأثر الفنّي المبدع كتعبير عنها ؟

ثانيا : تطوّر المنتوج التعبيري في الفنّ

1 ـ المحاكاة من حيث هي نقد فنّي

يعود الاهتمام المنظّم بفكرة المحاكاة في نقد الفنّ إلى الفلسفة اليونانية عامّة، وإلى أفلاطون وأرسطو خاصّة. وقد نظر أفلاطون إلى الفنّ عموما وإلى الشعر خصوصا على أنّه يزيّف صورة الواقع ويقدّم لنا نموذجا مشوّها له ؛ ويعيب عليه أنّه لا يتضمّن دعوة أخلاقية، ويحكم على الفنّ كما لو لم يكن بينه وبين العلم والأخلاق أيّ رابط.

أفلاطون — وجهٌ آخر لموقفه من الفنّ

مع أنّنا نجد في أعمال أخرى له، مثل محاورات فايدروس وإيون والمأدبة على نحو خاصّ، ما يشير إلى تأييده للفنّ. وعلى الرغم من آرائه السلبية حول الفنّ والفنّانين، فإنّ محاوراته هي بمنزلة الأعمال الدرامية المثيرة للإعجاب ؛ كما تُعدّ عمليات السخرية والمفارقة وإثبات الحقيقة ونفيها بمثابة التمهيد القديم لكثير من الأفكار الحديثة في الأدب والفنّ، وخاصّة ما يتعلّق منها بالتلاعب باللغة والمحاكاة التهكّمية، وتعدّد التأويلات، والقراءات المتعدّدة للحقيقة الواحدة، وتداخل الحقيقي مع الوهمي.

أرسطو — اكتمال الشكل واعتدال الأسلوب

أمّا «أرسطو» فأكّد أنّ العمل الفنّي الجيّد يشتمل على اكتمال في الشكل واعتدال في الأسلوب، وبدرجة تضمن له أن يكون كلاًّ مشبَّعا ومقنعا في ذاته خلال إحداثه لتأثيره. وفي كتاب الشعر أكّد على أهمّية شروط الانسجام والتآلف والوضوح والكلّية في الفنون الدرامية التراجيدية القائمة على أساس المحاكاة. فالمحاكاة عنده ليست حطّا من مرتبة العمل، بل هي المجال الذي تُطلب فيه شروط الجودة ؛ ومن هنا يفترق الرجلان: أفلاطون يسأل عن موقع العمل من الحقيقة، وأرسطو يسأل عن شروط جودته في ذاته.

2 ـ الحدسية كتعبير إبداعيّ

عند إدراكنا للجمال المادّي، تقدّم الطبيعة لنا بعض المثيرات ؛ وهذه المثيرات يستقبلها العقل كانطباعات، فتُصنَّف على نحو فوري ومن ثمّ يتمّ قبولها — أو رفضها — وتركيبها ومزجها ؛ وتكون ذروة عمليات الاختيار والتركيب أو الدمج هذه هي الحدس الفنّي أو التعبير العفوي. وإذا كان الحدس متّسما بالكفاءة والوحدة في ماهيته، والتعدّد في طبيعته، فستكون النتيجة المترتّبة عليه هي الجمال ؛ ويوجد الجمال أكثر في المواقف والموضوعات المركّبة لا البسيطة، لأنّه يكون فيها أكثر وضوحا.

واللوحة الفنّية لا تحتوي — في ذاتها — على الجمال ؛ فهي مجرّد تنظيم يساهم في تزويد المتلقّي بمنظومة خاصّة من الانطباعات، التي يمكن أن تصبح بدورها المادّة الخام للتعبير التلقائي أو الحدس الفنّي. وإنتاج الجمال أو الحدس — عقليّا ونفسيّا وحسّيّا وصوفيّا — عملية تتكرّر بشكل لا ينتهي، وهي تحدث لدى المتلقّي كنتيجة مترتّبة على التعبير الذي أثارته العناصر والتنظيمات الموجودة في اللوحة، أو السيمفونية، أو القصيدة، أو حتّى في كومة من الحجارة. فما تعليل كلّ ذلك ؟

برغسون — الحدس طريقا وحيدا إلى الواقع

إنّ الفكرة الأساسية لدى «هنري برغسون» هي أنّ العالم المادّي يخضع لسيطرة قوى تُسمّى الدفعة الحيوية ⁦(Elan vital)⁩، وأنّ الفنّ يقوم على أساس الحدس ؛ والحدس هو تفهّم مباشر للواقع الذي لا يستطيع العقل أن يفهمه تلقائيّا، وهو الطريقة الوحيدة المناسبة للتعامل مع الواقع. ويقع الحدس في منزلة بين منزلتين: ملكة الغريزة التي تنشط على نحو لا شعوري، وبشكل أكبر لدى الحيوان وأقلّ لدى الإنسان ؛ وملكة العقل التي هي أكثر سيطرة لدى الإنسان وأقلّ لدى الحيوانات الأدنى منه. والحدس هو الطريقة المناسبة للحصول على المعرفة الخاصّة بعالم الديمومة، الذي يُعتبر النشاط الفنّي أحد تجلّياته. هنري برغسون ⁦(1859 – 1941)⁩

كروتشه — الحدس تعبير، والتعبير إبداع

اهتمّ عالم الجمال الإيطالي المعاصر «بنديتو كروتشه» بالتمييز بين المنطق والحدس ؛ وبيّن أنّ المنطق يتعلّق بتفهّم العلاقات ويتعامل مع المفاهيم العقلية العامّة، أمّا الحدس فيتعلّق بالتفهّم الخاصّ أو النوعي ويتعامل مع المفاهيم الخاصّة بالفرد. والعمل الفنّي هو تعبير عن هذه الحدوس التي يتوصّل إليها المرء ؛ والجمال والقبح ليسا من الكيفيات المتعلّقة بالعمل الفنّي ذاته، بل بالروح التي يعبَّر عنها حدسيّا بواسطة هذه الأعمال. والتعبير في رأيه هو جوهر الإبداع الفنّي: فالحدس يعني التعبير، والتعبير يعني الإبداع ؛ والتعبير عنده ليس خارجيّا يهدف إلى التواصل، بل هو الخيال، وهو التمثيل والجمال والفنّ، وكلّ ما يمكن إدراكه حدسيّا عن طريق المعايشة. كروتشه ⁦(B. Croce 1866 – 1952)⁩ ؛ وينظر: شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مطابع الوطن العربي، ط 1، الكويت، 2001، ص 117-119

  1. الانطباعات : عند أدنى مستويات الوعي توجد البيانات الخام التي تتعرّض لها الحواسّ أو تتلقّاها، وهي ما تُسمّى الانطباعات.
  2. الحدوس المعبِّرة : وهذه الانطباعات بدورها، عندما تُصفَّى أو تُنقّى، تصبح هي الحدوس التي يقال عنها إنّها معبِّرة.
  3. مركّبٌ من الصور : فإنّ ما يؤثّر فينا خلال تلقّينا لأحد الأعمال الفنّية ويجعلنا نشعر به باعتباره عملا فنّيّا، هو أنّنا نكتشف فيه عنصرين دائمين وضروريين ؛ أوّلهما مركّب أو مزيج من الصور.
  4. وشعورٌ يبعث فيها الحياة : وثانيهما شعور يبعث الحياة في هذه الصور ؛ فبغيره تبقى الصور تنظيما لا عملا فنّيّا.
إذا لم يكن الجمال في اللوحة، أفلا يصير حكما ذاتيّا لا ضابط له ؟

لا يلزم ذلك. فالقول إنّ اللوحة لا تحتوي في ذاتها على الجمال لا يعني أنّها لا شيء ؛ إنّها تنظيم يزوّد المتلقّي بمنظومة خاصّة من الانطباعات — وهذا التنظيم مصنوع بقصد، وقابل للحكم عليه بشروط الجودة التي تحدّث عنها أرسطو: اكتمال الشكل، واعتدال الأسلوب، والانسجام والتآلف والوضوح والكلّية. فالجمال إذن ليس صفةً في القماش، ولا هوى في المشاهد ؛ إنّه ثمرة علاقة بين تنظيم مقصود وحدسٍ يعبّر. ولهذا كان أهل هذا الاتّجاه يقولون إنّ الجمال يوجد أكثر في الموضوعات المركّبة لا البسيطة: فكلّما كثرت العناصر المنظَّمة، كثر ما يجد الحدس فيه ما يركّبه — وهو ما يفسّر لماذا لا تُستنفَد لوحة عظيمة بنظرة واحدة، بينما تُستنفَد صورة المرآة بلمحة.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية («هل الفنّ محاكاة أم إبداع ؟») أو استقصاء بالرفع لأطروحة المحاكاة، أو تحليل نصّ لكروتشه أو لبرغسون. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① نصّ المراتب الثلاث عند أفلاطون (فكرة الكرسي · الكرسي المادّي · صورته) مع مرجعه، وهو أقوى ما يُفتَتح به عرض أطروحة المحاكاة ؛ ② موقف أرسطو مقابلا له (اكتمال الشكل واعتدال الأسلوب · شروط كتاب الشعر) ؛ ③ أطروحة كروتشه في جملة واحدة تُحفَظ كما هي: الحدس يعني التعبير، والتعبير يعني الإبداع، ومعها الدفعة الحيوية والحدس عند برغسون. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : جعل المحاكاة والإبداع نقيضين لا يجتمعان ؛ فأرسطو يبني شروط الجودة داخل المحاكاة نفسها، وإهمال ذلك يُفقد المقالة تركيبها. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : الاستشهاد بنصّ الكرسي دون ذكر أنّ الرسّام عند أفلاطون أقلّ مرتبة من النجّار ؛ هذه الجملة هي بيت القصيد في النصّ، وحذفها يُفرغ الحجّة.
نتيجة — التعبير الفنّي ليس مطابقة الصورة للشيء الذي تمثّله، بل هو دلالةٌ مصحوبة بما يضعه الفنّان من إحساسه وخياله وعناصر تجربته ؛ وقد تطوّر المنتوج التعبيري في الفنّ بين صورتين. أولاهما المحاكاة، حيث نظر أفلاطون إلى الرسّام كمن يدير مرآة، فجعل للصورة مرتبةً ثالثة بعد الفكرة والشيء المادّي، حتّى صار الفنّان أقلّ مرتبة من النجّار — على أنّ في فايدروس وإيون والمأدبة ما يشير إلى تأييده للفنّ ؛ بينما جعل أرسطو المحاكاة مجالا تُطلب فيه شروط الجودة: اكتمال الشكل واعتدال الأسلوب والانسجام والتآلف والوضوح والكلّية. وثانيتهما الحدسية، حيث الفنّ عند برغسون قائم على الحدس، وهو تفهّم مباشر للواقع الذي لا يفهمه العقل تلقائيّا ؛ وحيث ينتهي كروتشه إلى أنّ الحدس يعني التعبير والتعبير يعني الإبداع، فلا يكون الجمال كيفيةً في العمل ذاته بل في الروح التي يعبَّر عنها به، ولا يكون العمل فنّا إلاّ بمركّب من الصور وشعورٍ يبعث فيها الحياة. ⟸ فإذا كان التعبير إبداعا، فكيف يمكن إثبات أنّ هذه التجربة — مع سموّها — لا تصوّر وحدها الأثر الفنّي المبدع ؟

الصفحة 1/4

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net