الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الرابعة: في الفن والتصوف بين النسبي والمطلق في التجربة الفنية والتجربة الذوقية

التصوف تجربة إنسانية إسلامية

🔊 المعلّمة تقرأ لك
يقول لك من فقد عزيزا: «لن تفهم ما أنا فيه حتّى تذوقه». وتقول أنت لصديق عن طعام لم يذقه: «صِفْه لي كما شئت، لن تعرفه حتّى تذوقه». في الحالتين معرفةٌ لا تنتقل بالكلام، ولا يُغني عنها وصفٌ ولا برهان — ومع ذلك لا يشكّ صاحبها فيها لحظة. فإذا كانت في تجارب الحياة العادية معرفةٌ لا تُنال إلاّ بالذوق، فهل يجوز أن تكون في تجربة الإنسان مع الله معرفةٌ من هذا النوع ؟ وإن جاز، فما اسمها، وما طريقها، وبأيّ ميزان تُوزن ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • ضبط معنى الحقيقة الذوقية، وتمييز طريقها عن طريق البرهان العقلي
  • التمييز بين الفناء والحلول ووحدة الوجود، وردّ كلّ مذهب إلى صاحبه
  • بيان لماذا يقوم التصوّف على مجاهدة النفس لا على منطق العقل
  • تحديد موقع الحقائق الذوقية من أصناف الحقيقة، ومن ثنائية النسبي والمطلق
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • أصناف الحقيقة ومقاييسها، والفرق بين الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية
  • الفرق بين الحدس والبرهان، وبين المعرفة المباشرة والمعرفة الاستدلالية
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
كيف يمكن إثبات بطلان القول بأنّه لا مجال لتوفير سبل التقاء النسبي بالمطلق، وبأنّ التصوّف لا دخل له في تحقيق ذلك وفي رسم مناهج بلوغ السعادة المطلقة ؟ وقبل ذلك: ماذا عن التصوّف كتجربة ذوقية وروحية ؟ وماذا عن انبثاقه وتطوّر مذاهبه ؟

مقدمة : طرح المشكلة

تنقسم الحقائق أصنافا بحسب مجالاتها وموازينها: فمنها المطلقة التي يطمح إليها الفيلسوف أو الحكيم، ومنها النسبية وهي حقائق المجال العلمي، ومنها ما هو بين المطلق والنسبي. وبينها صنفٌ لا يُقاس بميزان أيٍّ منها: الحقائق الذوقية، وهي الشعور الذي يستولي على المتصوّف عند بلوغه الحقيقة الربّانية المطلقة ؛ فهو يستقي علمه من الله رأسا، وذلك عن طريق الحدس. وهنا يقع الإشكال: فإنّ الذوق حالٌ في نفس صاحبه، لا يشاركه فيه غيره ولا يُنقَل إليه ؛ وهو مع ذلك يدّعي بلوغ ما هو مطلق. فكيف يلتقي ما هو نسبيّ في صاحبه بما هو مطلق في ذاته ؟ وهل التصوّف تجربة تُرسم لها مناهج، أم حالٌ عارضة لا منهج لها ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

ثلاثة أجوبة عن سؤال واحد : كيف يتّصل النسبيّ بالمطلق ؟

لقد أخذ الصوفية «المتفلسفة» يستهدفون، انطلاقا من القرن الثالث للهجرة، الاتّصال بالله ؛ غير أنّهم لم يسلكوا إليه طريقا واحدة: ـ فمنهم من قصد الاتّحاد بالله عن طريق الفناء، كما هو عند «أبي يزيد البسطامي» (ت 261 هـ) ؛ ـ ومنهم من قصده عن طريق حلول الله في مخلوقاته، فيما ذهب إليه «الحلاّج» (ت 309 هـ) ؛ ـ ومنهم من قصده عن طريق التقاء وجود الخالق ووجود المخلوق إثباتا لوحدة الوجود، فيما يقول «محيي الدين بن عربي» (ت 638 هـ). ولا يتمّ ذلك في الطرق الثلاث إلاّ بمجاهدة النفس، وليس بعناء البحث في الحقيقة اللاهوتية وتوكيد تعاليمها بمنطق العقل، كما يفعل فلاسفة الكلام واللاهوت.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. سؤال واحد يجمعهم : فالثلاثة لا يختلفون في أنّ الغاية هي الاتّصال بالله ؛ وإنّما يختلفون في كيفية هذا الاتّصال — أيكون بفناء الذات، أم بحلول الحقّ في الخلق، أم بوحدة الوجود ؟ فالخلاف بينهم خلافٌ في المنهج داخل تجربة واحدة، لا خلاف في الغاية.
  2. وطريقٌ واحد يجمعهم : وهو مجاهدة النفس، لا النظر العقلي ؛ وهذا هو موضع الفرق الحاسم بينهم وبين المتكلّمين والفلاسفة، الذين يبلغون الحقيقة اللاهوتية بعناء البحث وتوكيد التعاليم بمنطق العقل.
  3. فتنشأ المشكلة من هنا : إذ كيف يكون لتجربةٍ لا تقوم على البرهان مناهجُ ومذاهب ومراتب ؟ وكيف يُقال إنّ الذوق نسبيّ في صاحبه ثمّ يُقال إنّه يبلغ المطلق ؟ وهذا ما يقتضي أن نفحص أوّلا طبيعة هذه التجربة ومصدر معرفتها.

I – ماذا عن التصوّف كتجربة ذوقية وروحية ؟ وماذا عن انبثاقه وتطوّر مذاهبه ؟

أولا : التصوّف تجربة إسلامية إنسانية

إنّ الحقائق الذوقية هي الشعور الذي يستولي على المتصوّف عند بلوغه الحقيقة الربّانية المطلقة ؛ فهو يستقي علمه من الله رأسا، وذلك عن طريق الحدس. وتنبجس الحقيقة الذوقية بنورٍ يشرق في النفس من مصدر يقوم وراء العقل والعلم عند أهله ؛ يجيء عن طريق الحدس — أو الذوق أو الكشف أو العيان — الذي يقابل البرهان العقلي عند الفلاسفة والمتكلّمين. والحقيقة اللدنّية تجيء بارتفاع حجاب الحسّ المرسَل بين القلب واللوح المحفوظ ؛ ومن هذا النبع تفيض المعرفة اليقينية.

1 ـ الذوق طريقا إلى المعرفة، لا حالا عارضة

  1. مصدره : الله رأسا، لا الحواسّ ولا الاستدلال ؛ ولهذا سُمّيت المعرفة الحاصلة به لدنّية، أي من لَدُن الله.
  2. أداته : الحدس، وله عند القوم أسماء أربعة تدلّ عليه — الذوق والكشف والعيان والحدس — وكلّها تقابل البرهان العقلي، لا تنافيه في موضوعه بل في طريقه.
  3. شرطه : ارتفاع حجاب الحسّ المرسَل بين القلب واللوح المحفوظ ؛ فالحجاب هو المانع، ورفعه هو الشرط، ولذلك كانت المجاهدة عملا لا انتظارا.
  4. غايته : الاتّصال بالله اتّصالا مباشرا، تتحقّق به السعادة الكاملة ؛ فالمعرفة هنا ليست غايةً في ذاتها كما عند العالِم، بل وسيلةٌ إلى وصال.
أبو يزيد البسطامي — الاتّحاد عن طريق الفناء

استهدف «أبو يزيد البسطامي» الاتّحاد بالله عن طريق الفناء. والفناء في هذا السياق ليس عدما، بل هو غياب الذات عن شهود نفسها حتّى لا يبقى في الشهود إلاّ المشهود ؛ فمقصد هذه الطريق أن يُرفع الحاجز من جهة العبد لا من جهة الربّ، وذلك بأن تفنى دعوى الأنا. أبو يزيد البسطامي (ت 261 هـ)

الحلاّج — الاتّصال عن طريق الحلول

وذهب «الحلاّج» إلى أنّ الاتّصال يكون عن طريق حلول الله في مخلوقاته. فبينما يقوم الفناء على انمحاء العبد، يقوم الحلول على نزول معنى الألوهية في المخلوق ؛ فالحركة في الأوّل صاعدة من العبد، وفي الثاني نازلة إلى العبد — والغاية في الحالين واحدة: أن يزول الحدّ الفاصل بين النسبيّ والمطلق. الحلاّج (ت 309 هـ)

محيي الدين بن عربي — وحدة الوجود

وذهب «محيي الدين بن عربي» إلى أنّ الاتّصال يكون عن طريق التقاء وجود الخالق ووجود المخلوق، إثباتا لوحدة الوجود ؛ حيث يكون الله والمخلوقات — كما قال — حقيقةً واحدةً هي علّة نفسها ومعلولة لنفسها. فالمذهب الثالث لا يرفع الحاجز بفناء ولا بحلول، بل ينفي أن يكون ثمّة حاجزان أصلا ؛ إذ الوجود عنده واحد، وما التعدّد إلاّ في مراتب التجلّي. محيي الدين بن عربي (ت 638 هـ)

2 ـ ما يميّز طريق الصوفية عن طريق المتكلّمين والفلاسفة

لا يتمّ شيء من ذلك إلاّ بمجاهدة النفس، وليس بعناء البحث في الحقيقة اللاهوتية وتوكيد تعاليمها بمنطق العقل كما يفعل فلاسفة الكلام واللاهوت. فالفرق ليس في الموضوع — إذ الموضوع واحد وهو الله — وإنّما في الطريق وفي ما يُطلب من الطريق: فالمتكلّم يطلب تصديقا يقوم به البرهان، والمتصوّف يطلب وصالا تقوم به التجربة. ولهذا اختلفت غاية كلّ منهما في السعادة أيضا: فالسعادة تتحقّق عند الفلاسفة بمجرّد اتّصال الحكيم بالله دون اندماجه في الذات الإلهية، بينما تتحقّق عند الصوفية بالاتّصال المباشر الذي يزول فيه الحدّ.

ويتّضح موقع هذه التجربة من ثنائية النسبي والمطلق إذا ضبطنا اللفظين: فالنسبيّ لغةً هو المتعلّق بغيره من حيث هو غيره ؛ فإذا دلّ المطلق على الموجود على ذاته وبذاته، دلّ النسبيّ على ما يتوقّف وجوده على غيره. والتجربة الصوفية تقوم بأسرها على هذه الثنائية: صاحبها نسبيّ، ومطلوبها مطلق ؛ ولذلك كان سؤالها الأوّل هو سؤال الطريق — لا سؤال الوجود.

لماذا لا يُطالَب المتصوّف ببرهان على ما يقول ؟

ليس لأنّ ما يقوله فوق النقد، بل لأنّ البرهان ميزانٌ صُنع لغير ما يُوزن به هنا. فالبرهان العقلي أداة المتكلّم والفيلسوف، ينتقل من مقدّمات مشتركة إلى نتيجة يلزم كلَّ عاقلٍ التسليمُ بها ؛ أمّا الحقيقة الذوقية فتنبجس بنورٍ يشرق في النفس من مصدر يقوم — عند أهله — وراء العقل والعلم، ولا تنتقل مقدّماتها إلى غير صاحبها. ومطالبة المتصوّف ببرهان تجريبي أو عقلي خالص خطأٌ في المنهج قبل أن يكون خطأً في النتيجة، تماما كمطالبة العالِم ببداهة عقلية خالصة. غير أنّ هذا لا يجعل التجربة بلا ضابط: فضابطها مجاهدة النفس، وهي عملٌ منظّم له مراتب تُقطَع، لا حالٌ تُنتظَر — وهذا بعينه ما يجعل للتصوّف مناهجَ ومذاهبَ يمكن عرضها ونقدها، بدل أن يكون شعورا فرديّا لا يُقال فيه شيء.

يُوظَّف هذا المورد في البكالوريا في مقالة جدلية حول أصناف الحقيقة ومقاييسها («هل الحقيقة واحدة أم متعدّدة ؟»)، وفي كلّ سؤال يتناول الحقيقة الذوقية ومكانتها. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① تعريف الحقيقة الذوقية في جملة واحدة (شعورٌ يستولي على المتصوّف عند بلوغه الحقيقة الربّانية المطلقة، يستقي علمه من الله رأسا عن طريق الحدس) ؛ ② المذاهب الثلاثة منسوبةً بدقّة إلى أصحابها مع تواريخ وفاتهم (الفناء: البسطامي ت 261 هـ · الحلول: الحلاّج ت 309 هـ · وحدة الوجود: ابن عربي ت 638 هـ) ؛ ③ الفرق بين طريق الصوفية وطريق المتكلّمين (مجاهدة النفس مقابل البرهان العقلي). ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين الفناء والحلول ووحدة الوجود وجعلها اسما واحدا لمذهب واحد ؛ اضبط الفرق في سطر: الفناء انمحاء العبد، والحلول نزول الحقّ في الخلق، ووحدة الوجود نفيٌ لاثنينية الوجود أصلا. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : نسبة قول إلى متصوّف لم تسمّه الدروس ؛ الأسماء الثلاثة كافية، والزيادة عليها بلا سند تُسقط الفقرة كلّها.
نتيجة — التصوّف تجربة ذوقية روحية لها موضوع ومصدر وطريق وغاية، لا حالٌ عارضة. فموضوعها الحقيقة الربّانية المطلقة، ومصدر علمها الله رأسا، وأداتها الحدس — أو الذوق أو الكشف أو العيان — وهي تقابل البرهان العقلي عند الفلاسفة والمتكلّمين ؛ وشرطها ارتفاع حجاب الحسّ المرسَل بين القلب واللوح المحفوظ، ومن هذا النبع تفيض المعرفة اليقينية اللدنّية. وقد انبثقت مذاهبها انطلاقا من القرن الثالث للهجرة عند الصوفية «المتفلسفة» في ثلاث طرق: الاتّحاد بالفناء عند أبي يزيد البسطامي، والحلول عند الحلاّج، ووحدة الوجود عند محيي الدين بن عربي حيث يكون الله والمخلوقات حقيقةً واحدةً هي علّة نفسها ومعلولة لنفسها. ولا يتمّ شيء من ذلك إلاّ بمجاهدة النفس لا بمنطق العقل ؛ والغاية في كلّ الحالات الاتّصال بالله اتّصالا مباشرا تتحقّق به السعادة الكاملة، بينما تتحقّق عند الفلاسفة بمجرّد اتّصال الحكيم بالله دون اندماجه في الذات الإلهية. ⟸ فإذا كان الذوق حالاً في صاحبه، فكيف يمكن إثبات أنّ نسبيّته لا تمنعه من تصوّر مناهج الالتقاء بمطلقية الكشف ؟

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net