الإشكالية الرابعة: في الفن والتصوف بين النسبي والمطلق › في التجربة الفنية والتجربة الذوقية
الإبداع الفني بين حميمية الفرد وعمومية المجتمع (الفن بين المحاكاة والإبداع)
- عرض نظرية الإلهام في الإبداع الفنّي، ونقدها بحجّة مسندة إلى صاحبها
- بيان كيف يكون الإبداع نتاج العقل والإرادة، والتمثيل لذلك بشهادات فنّانين
- إبراز دور الخبرة المتعلَّمة والتدريب في التفضيل الجمالي وفي الإنتاج الفنّي
- تحديد نصيب المجتمع ونصيب الفنّان في تشكيل العمل الفنّي، دون ردّه إلى أحدهما وحده
- ضبط مفاهيم الفنّ والجمال والذوق الجمالي والتعبير
- الفرق بين المحاكاة والإبداع في تطوّر المنتوج التعبيري
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى النظر في تطوّر المنتوج التعبيري إلى أنّ الفنّ لا يقف عند محاكاة مظاهر الأشياء، وأنّ التعبير حين يصدر عن حدسٍ يصير إبداعا. غير أنّ هذا يفتح المسألة الأعمق: من أين يجيء هذا الإبداع نفسه ؟ فمشكلة الإبداع الفنّي من أعمق القضايا وأعقدها على حدّ سواء ؛ هي أعمقها لأنّها ترتبط بالمواهب الدفينة للفنّان التي انبثق عنها عمله، فهي لا تنظر في إنتاج فنّي ملموس قدر نظرها في منبع هذا الإنتاج وعلّته وكيفية حدوثه ؛ وهي أعقدها لأنّ البدايات الشاحبة الكامنة غالبا ما تكون غامضة ومعقّدة عن الإنتاج الظاهر، فتحتاج إلى عقلنة وتدريب. وهي بالإضافة إلى ذلك أهمّ مسائل الفنّ، باعتبار أنّ الإبداع ينمّ عن أصالة، والأصالة تنمّ عن عبقرية، والعبقرية تكشف عن عظمة الفنّان ونبوغه. ولأهمّية هذه المشكلة وتعقّدها نتناولها بالدرس والتمحيص وفق تشعّب الآراء والمواقف بصددها.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
يُذكَر في سيرة الشاعر «كوليريدج» أنّه حلم بقصيدة بلغت أبياتها ثلاثمائة بيت في نومه، وهي «كوبلاي خان» ؛ وأنّه حين استيقظ وعمد إلى كتابتها أحسّ كما لو كان واقعا تحت سحر معيّن. ويُروى عن «شوبان» أنّ الإلهام كان يأتيه تلقائيّا فجائيّا ساميا فلا يتوقّعه، ويجده دون أن يسعى إليه. فما هو الإلهام ؟ كوليريدج (S. Coleridge 1772 – 1834) · شوبان (F. Chopin 1810 – 1849) ؛ وقد عُني دولاكروا (H. Delacroix 1873 – 1937) في «سيكولوجية الفنّ» بتحليل نفسية الفنّانين وردّ الإبداع عندهم إلى الإلهام، بناءً على مقولة ليسنغ (Lessing 1729 – 1781): «إنّ شرط إقامة علم الجمال على أسس أصيلة هو الاهتمام بالفنّانين أوّلا، لأنّ كلّ عمل فنّي تعبير عن إرادة مبدعة»
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الشاهدان يقولان الشيء نفسه : عملٌ تامّ يظهر دفعةً واحدة، وصاحبه ينفي عن نفسه أنّه صنعه ؛ فالقصيدة جاءت في النوم، والنغمة جاءت دون سعي. وفي الحالتين يُنسَب الإنتاج إلى مصدر خارج عن إرادة الفنّان.
- وشهادة الفنّان على نفسه ليست حجّة قاطعة : لأنّ ما يرويه هو لحظة الظهور، لا ما سبقها ؛ ومن يرى الثمرة وحدها يظنّ أنّها لم تُزرع. فالسؤال ليس: هل حدث الإلهام ؟ بل: هل حدث من لا شيء ؟
- فتتشعّب الأجوبة ثلاثة : فمنهم من يردّ الإبداع إلى الإلهام وموهبة فطرية خاصّة، ومنهم من يردّه إلى إرادة العقل وتوقّده، ومنهم من يردّه إلى المهارة والتدريب والخبرة المتعلَّمة ؛ فما هو المدى الذي يجب أن نذهب إليه في التسليم بكلّ واحد من هذه ؟
II – كيف يمكن إثبات أنّ هذه التجربة، مع سموّها، لا تصوّر وحدها الأثر الفنّي المبدع ؟
أولا : الإبداع الفنّي والإلهام
يتّسع تفسير الإبداع الفنّي لوجهات نظر عديدة ؛ إذ تعرّض لدراسته الفلاسفة وعلماء النفس والفنّانون والنقّاد على السواء منذ أقدم العصور إلى اليوم. ولعلّ أقدم النظريات الفلسفية التي نجدها حول تفسير الخلق الفنّي هي نظرية الإلهام: تفترض موهبة معيّنة واستعدادا فطريّا خاصّا يجعل من الفنّان شخصية فريدة في نوعها، وعن هذه الشخصية يصدر الكثير من أنواع الخلق الفنّي، خاصّة في الشعر وفي الموسيقى. وينتج عن ذلك أنّ الإلهام هو المنبع الأساسي لإبداعه وإجادته، حتّى لتخبو إلى جانبه البراعة الفنّية مهما بلغت من التمكّن والمهارة ؛ وهذه الفكرة إنّما هي تجديد في النظرية القديمة التي قدّمها أفلاطون قبل ذلك.
ففي محاورة «إيون» يشبّه «أفلاطون» الشعراء بكهنة الآلهة الذين لا يرقصون إلاّ إذا فقدوا صوابهم، ويأخذهم هيام عنيف، وينزل عليهم الوحي الإلهي ؛ ويصبح شأنهم شأن كاهنات باخوس حين يهذين ولا يعين. وفي محاورة «فايدروس» يقرّر أنّ من يطرق أبواب الشعر دون أن يكون قد مسّه الهوس الصادر عن ربّات الشعر — ظنّا منه أنّ مهارته الإنسانية تكفي لأن تجعله شاعرا في آخر الأمر — فلا بدّ أن يكون مصيره الفشل ؛ ذلك لأنّ شعر المَهَرة من النّاس سرعان ما يخفت إزاء شعر الملهَمين الذين مسّهم الهوس. ومن أشهر الشعراء الذين اتّبعوا رأي أفلاطون في تفسير الإبداع في الشعر «شكسبير» (W. Shakespeare 1564 – 1616)، الذي تعمّق في تحليل نفسية المهووس والمحبّ والشاعر في مسرحياته، كما كان هو في حياته ؛ وينظر: كامل محمد عويضة، مقدّمة في علم الفنّ والجمال، دار الكتب العلمية، ط 1، بيروت، 1996، ص 141
إنّ الإلهام المفاجئ ليس إلاّ وليد التفكير المُضني المتواصل، وأنّ اللاوعي ما هو إلاّ نتاج الوعي. يقول «بوانكاري»: «… إنّ العمل اللاواعي لا يكون مثمرا ما لم يسبقه ثمّ يتبعه قدرٌ من العمل الواعي ؛ ولا يمكن لحالات الإلهام المفاجئة أن تظهر إلى الوجود ما لم يسبقها جهود ذاتية متواصلة يظنّها صاحبها عقيمة غير مجدية قد ضلّ فيها السبيل، وعجزت قريحته عن الإنتاج.» بوانكاري (H. Poincaré 1854 – 1912) ؛ نقلا عن: علي عبد المعطي محمد، فلسفة الفنّ رؤية جديدة، دار النهضة العربية، بيروت، 1985، ص 44
ومعنى ذلك أنّ التفكير الطويل في موضوع ما، وإعطاءه فرصة النضج في الذهن في حالات النوم والراحة، ينتهي عند أكثرية الباحثين وطلاّب العلم بإلهامات وحلول مفاجئة ؛ كأنّما في العقل ناحية تعمل في الخفاء أو على هامش الفكر، وتحمل إلى الذهن الواعي نتيجة عملها في أوقات مختلفة تُسمّى حالات الإلهام. فالظروف المناسبة للإلهام بهذا المعنى العقلي هي: شدّة الانصراف إلى الموضوع، والاستغراق والتأمّل فيه، وسعة الاطّلاع عنه، وحرّية الذهن من قيود التفكير ومن ضغط القديم. وبهذا لا تُنكَر واقعة الإلهام، وإنّما يُنكَر أن تكون بلا مقدّمات: فالقصيدة التي جاءت في المنام إنّما جاءت إلى ذهن كان قبلها مشغولا.
ثانيا : الإبداع الفنّي وإرادة العقل
يُعدّ «ليوناردو دافنشي» — وهو أعظم شخصية بين فنّاني عصر النهضة — نموذجا لأناس عصر النهضة الذين يصفهم «إنجلز» بأنّهم عمالقة في قوّة التفكير والعاطفة والطبع والشمولية والمعرفة ؛ ذلك أنّه كان توّاقا لمعرفة كلّ شيء. وتحت دافع من عقله الكبير ونظره الثاقب، نجده يدرس الموسيقى ويمارس الغناء والترنيم والعزف، ويفكّر في تصميم المشروعات المختلفة، ويصحّح النظريات الرياضية، ويعرض على المسؤولين أعمالا إنشائية ومعمارية. ولقد درس جميع فروع العلوم بما فيها الرياضيات والهندسة والميكانيكا وعلم طبقات الأرض والتشريح وغير ذلك ؛ وهو مع كلّ ذلك كان أديبا وشاعرا وكاتبا وناقدا. فما تعليل هذه الظاهرة ؟ وهل يعود الفضل في كلّ ذلك إلى عقله الفذّ ؟ ليوناردو دافنشي (L. De Vinci 1452 – 1519) ؛ وقد كان يعطي الأولوية القصوى في عملية الإبداع للعقل والفكر: لا آلهة عنده ولا قوى إلهامية خفيّة، ولا يحدث الإبداع فجأةً بلا مقدّمات بل نتيجة دراسة شاقّة وتفكير طويل، وبهدوء واتّزان وانضباط
إنّ عملية الإبداع الفنّي نتاج العقل ووليدة الفكر، وهي فعل مستنير واعٍ يحقّقه عقل ناضج فذّ امتلك زمام نفسه، وإرادةٌ مضاءة بنور الفكر، وتمثّلٌ ناقد، وتفكير بصير ؛ ذلك أنّ العمل بالنسبة للفنّان عملية عقلية واعية وليس مجرّد انفعال أو إلهام، وهو عمل ينتهي بخلق صورة جديدة للواقع تمثّل هذا الواقع كما فهمه الإنسان الفنّان أو أخضعه لسيطرته. فليس الانفعال كلّ شيء بالنسبة للفنّان، بل لا بدّ أن يعرف حرفته ويجد متعة فيها، وينبغي أن يفهم القواعد والأشكال والخدع والأساليب التي يمكن بها ترويض الطبيعة المتمرّدة وإخضاعها لسلطان الفنّ. ثمّ إنّ تاريخ الفنّ يُظهر لنا أنّ كثيرا من الأعمال الفنّية الممتازة قد تحقّقت على أيدي فنّانين متّزنين هادئين، لم يزعموا لأنفسهم يوما أنّهم وقعوا تحت تأثير قوى خارقة.
يقول «شارل لالو»: «الفنّ انضباط واتّزان ؛ ينتج عن الهدوء والاتّزان عدمُ المفاجأة والتدريجيةُ في الفنّ كما في الأخلاق ؛ فلا يحدث الإلهام بأعجوبة فجائية، وإنّما هو رأس مال يتجمّع تدريجيّا.» وقال «باسكال» قبله: «إنّني أستطيع أن أتصوّر إنسانا بلا يدين أو رجلين أو بلا دماغ ؛ لكنّني لا أستطيع أن أتصوّر إنسانا بلا فكر، لأنّه عندئذ يكون مجرّد صخرة أو جماد.» وقال «رودان»: «إنّ الفنّان يعرف تماما ما يفعل، وينفق وقتا وجهدا في سبك أفكاره ؛ وحتّى من يقولون بالإلهام لا ينكرون السعي والاجتهاد عند الفنّان.» وكتب «فان غوخ» إلى أحد أصدقائه: «أريدك أن تعلم أنّه إذا كان ثمّة شيء جدير بالتقدير فيما أنا بصدد إنتاجه، فإنّ هذا الشيء ليس وليد الصدفة أو الاتّفاق، وإنّما هو ثمرة لقصد حقيقي.» شارل لالو (C. Lalo 1877 – 1953) · باسكال (Pascal 1623 – 1662) · رودان (A. Rodin 1840 – 1917) · فان غوخ (V. Van Gogh 1853 – 1890) ؛ نقلا عن: علي عبد المعطي محمد، فلسفة الفنّ رؤية جديدة، دار النهضة العربية، بيروت، 1985، ص 39-40
وعلى الرغم من أنّ الفنّانين كثيرا ما يُسقطون من حسابهم عند الحديث عن إنتاجهم كلّ تلك العمليات الشعورية والإرادية التي يقومون بها في العادة عندما يبدعون، إلاّ أنّ من المؤكّد أنّنا لو استعرضنا حياة الغالبية العظمى منهم لألفيناها غامرة بالبحث والدراسة والصنعة والتحصيل الطويل والتفكير الشاقّ ؛ الأمر الذي يجعلنا نقرّر أنّ العمل الفنّي ليس مجموعة من المصادفات أو الإشراقات، بل هو ثمرة لقدرة تركيبية هائلة تتمثّل في التنظيم والصياغة. وهكذا فإنّ أصحاب النظرية العقلية يقرّرون أنّ كلّ إبداع فنّي هو نتاج فكري، وأنّ أيّ عمل فنّي — كائنا ما كان — لا يمكن أن يرى النور إلاّ إذا مسّته عصا العقل البشري وخضع لتأمّل وروية وإرادة وتصميم. وأنصار هذه النظرية كثيرون، منهم كانط الذي أرجع الفنّ إلى قوانين وشروط أوّلية مشتقّة من قوانا الإدراكية، وهيغل الذي أخضع الفنّ للفكرة المطلقة، وشوبنهاور الذي ربط بين الإبداع الفنّي والإرادة، وقريبا منهم ماكس شيلر (M. Scheler 1874 – 1928).
ثالثا : الإبداع الفنّي والخبرة المتعلَّمة
أشار عديد من الباحثين إلى أهمّية التدريب والمشاركة في عالم الفنّ في تحديد طبيعة التفضيلات الجمالية ؛ ذلك أنّ التدريب والخبرة والتعليم المناسب أمور مفيدة في تحسين معلومات الأفراد فيما يتعلّق بالأشكال والأساليب والتقاليد الخاصّة بالفنون المختلفة.
- في الفنّ التشكيلي : هناك مؤشّرات عدّة تشير إلى أنّ طلاّب الفنّ يفضّلون الأعمال الفنّية المركّبة أكثر من الطلاّب غير الدارسين للفنّ.
- وفي التمييز بين الأساليب : يستطيع طلاّب الفنّ هؤلاء أكثر من غيرهم تحديد ما إذا كانت مجموعة من اللوحات خاصّة بفنّان واحد أم بمجموعة من الفنّانين.
- وفي الموسيقى : اتّضح من دراسات عدّة أنّ التدريب أدّى إلى تحسين أداء الطلاّب في القدرة الموسيقية، وفي التعرّف على العلاقات النغمية، وفي الحساسية الجمالية، وفي إدراك الفروق بين المقطوعات الموسيقية أيضا.
- والنتيجة : أنّ هذه الأداءات الأفضل للدارسين للفنون لا تتعلّق بالفنّ التشكيلي فقط بل بالفنون الأخرى أيضا ؛ فالذوق نفسه ممّا يُكتسب ويُنمَّى، لا ممّا يُوهَب وحده. [شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، ص 283]
III – ثمّ كيف يمكن اعتبارها، ليس فقط تجربة ذاتية وحميمية، بل كذلك اجتماعية ولها أبعادها الموضوعية ؟
لننظر في واقعة من التراث الفنّي الإنساني تقول: إنّ مدينة «سيبارس» (Sybaris) اشتهرت قديما عند اليونان بتنظيم قوانين لفنّ الطهي — كصورة من صور العناية بهذا الفنّ في تلك العصور — منها أنّ من يخترع طبقا من الغذاء يكون له وحده حقّ تقديمه لمدّة سنة. وإذا كان واضحا فيما أصدرت سلطات هذه المدينة من قانون تقديرُها للمسات الفرد الإبداعية في فنّ الطبخ، كمثال لكلّ إبداع شخصي تبدو فيه معالم الجمال واضحة أخّاذة، فإنّ ثمّة أسئلة تُطرح بهذا الصدد، منها: أليس الجمال قضية شخصية فقط وهوًى ذاتيّا ؟ وإذا لم تكن قيم الجمال مجرّد أفكار في ذهن الإنسان، فهل يمكن اعتبار وجوده وجودا موضوعيّا خارجيّا مستقلاّ عن الشخص الذي يدركه ؟ ثمّ ما هي أبعاد هذا الوجود ؟
أولا : من حميمية الفرد إلى عمومية المجتمع
إنّ الفنّ ظاهرة اجتماعية من حيث إنّه إنتاج نسبيّ يخضع لظروف الزمان والمكان، وهو عمل له أصول خاصّة به وله مدارسه، ولا يُبنى على مجرّد الحميمية الفردية ؛ وهو اجتماعي أيضا من ناحية أنّه يتطلّب جمهورا يقدّره ويُعجَب به. وعلى هذا فالفنّان في نظر دوركايم لا يعبّر عن «أنا» بل عن «نحن» ؛ أي المجتمع بأسره، ولا يتمّ ذلك عن طريق التأمّل الشعوري أو عن طريق الإلهام كما يتوهّم الفنّانون حينما لا يمسكون بأيديهم خيوط التأثير الاجتماعي، التي تكون في الواقع عميقة متشابكة معقّدة ومتداخلة تماما. وعلى الرغم من أنّ المجتمع هو مصدر الأعمال الفنّية، إلاّ أنّ الأصالة الفنّية تقتضي أن يُدخل الفنّان على التراث الفنّي تعديلات وتطويرات أو تأليفات لم تكن مُدرَكة من قبل، ولكنّها مع ذلك موجودة في المجتمع ومشتقّة من كيانه [علي عبد المعطي محمد، المرجع السابق، ص 58].
- المؤثّرات الجماعية : والبيئة الطبيعية، والجنس — وهو ما يرثه الفنّان عن قومه من اتّجاهات فنّية معيّنة — ثمّ التيّارات الجمالية السائدة.
- أساليب الصنعة والتقاليد الفنّية : أي تقنية الفنّ، والتراث الفنّي عبر التاريخ.
- الوعي الجمالي للمجتمع في عصر الفنّان : فالإنتاج الفنّي عند الاجتماعيين ضربٌ من الإنتاج الجمعي وليس إنتاجا فرديّا ؛ ولهذا لم يعد الجمال عندهم عنصرا خالدا ناشئا عن مصادر أسمى، بل أصبح من ظواهر الوعي الاجتماعي لدى النّاس، مشروطا بالظروف الاجتماعية التاريخية المتغيّرة بتغيّرها. [علي عبد المعطي محمد، المرجع السابق، ص 60]
تعقيب : لا ريب في أنّ للمجتمع أثرا في تشكيل العمل الفنّي ؛ فهو جزء لا يتجزّأ من الوجود الذي هو موضوع الفنّ عامّة، والمجتمع بكلّ ما يخوضه من معارك ونضال وما يتّصل به من قضايا سياسية أو اقتصادية له تأثيره في الفنون، والعمل الفنّي قد يعكس كثيرا من صور المجتمع ومشاكله. غير أنّ هذا لا يعني أنّ المجتمع وحده هو الذي يشكّل العمل الفنّي ويحدّد قيمته أو معناه ؛ فالفنّان هو الذي يرى الوجود من خلال ذاته ويحاول إدراكه وتفسيره والتعبير عنه. والذي يحدّد قيمة العمل الفنّي في النهاية هو قدرة الفنّان ومدى تمكّنه من فنّه وسيطرته عليه وإدراكه لخفايا هذه الصنعة وإلمامه بالأعمال المعاصرة والسابقة ؛ وإذا كان هناك تأثير لمجتمع ما على فنّان، فإنّ هذا التأثير مدين للحقبة التاريخية التي عاشها، وهو مدين لها فنّيّا لا تاريخيّا، بمعنى أنّه مضطرّ أن يلتزم الأشكال الفنّية التي سادت عصره والتي انحدرت إليه من سابقيه. وفي داخل هذا الإطار العامّ من التقاليد الفنّية الموروثة يكون ابتكار الفنّان وأصالته وإبداعه [كامل محمد عويضة، المرجع السابق، ص 24-26].
ثانيا : من حميمية الذوق إلى روحانية الحضارة
من طبيعة الحياة الإنسانية أنّها تجمع بين الغيرية والأنانية ؛ فلا بدّ للحياة الفردية من أن تفيض على الآخرين، حتّى لتجود بنفسها عليهم عند الاقتضاء. وليس هذا الفيض منافيا لطبيعة الحياة، بل هو من صلب عقيدتها الدينية، وشرطٌ من شروط بقاء قيمها الأخلاقية والحضارية ؛ فالحياة ليست تغذّيا فحسب، بل هي كذلك إبداع متعالٍ يفصح عنه الفنّ، إنّها تكتسب به في إطار روحانيتها تلك قوّةً جديدة. جان ماري جويو، مسائل فلسفة الفنّ المعاصرة، ترجمة سامي الدروبي، دار اليقظة العربية، ط 1، القاهرة، 1948، ص 10-11
لقد أكّدت كلّ الشواهد ارتباط الفنّ بالدين، باعتبار أنّ الدين ظاهرة إنسانية ؛ وذهب دوركايم — مثلا — إلى أنّ الدين كنظام اجتماعي هو الأصل في نشأة الفنون جميعا، فكان عاملا هامّا في تشكيل حياة البدائيين، حيث سيطر رجال الدين والسحرة على الحياة العامّة، وتصدّروا حفلات الأعياد والمراسم ؛ وبدا العنصر الفنّي ظاهرا في مثل هذه المناسبات كالرقص والموسيقى. فمن هذه التصوّرات الدينية وحولها نشأت الأساطير، وهي أقدم شكل قصصي عرفه الإنسان، ثمّ جاء الفنّ التشكيلي ليجسّم في الصور والتماثيل هذه الأساطير، ومنذئذ أصبح الفنّ ذا مضمون. وبصفة عامّة كانت العقيدة الدينية دائما ذات أثر ملموس في كلّ الأطوار التي مرّ بها الفنّ: فبالنسبة للفنّ المصري القديم كانت عقيدة البعث من المحاور الرئيسية التي دار الفنّ بشتّى أشكاله في فلكها ؛ وإذا انتقلنا إلى الصين واليونان القديمة لوجدنا تأثير العقائد الدينية على الفنّ واضحا، وأنّ هذه العقائد قد خلقت فنّا شعريّا بالدرجة الأولى [علي عبد المعطي محمد، المرجع السابق، ص 65].
الفنّ هو التعبير الجميل ؛ ومن ثمّ يلتقي الدين والفنّ التقاءً كاملا في ذات الإنسان حسّا وذوقا، حين يكون الفنّ قائما على التصوير الإيماني للوجود والمشاعر والأفكار والسلوك والوجدان. وإنّ مرجعية القرآن تُعدّ الذخيرة المُوحية للفنّ كما هي الذخيرة المُوحية للحياة ؛ فقد كان للقرآن أثر بالغ في النفوس، وانصرف المسلمون الأوائل عن التعبير الفنّي فترة من الوقت لما في القرآن من بلاغة وبيان وجمال ودقّة في التصوير. فمن روائع ذلك التصوير قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [سورة النحل، الآيتان 5 و 6] ؛ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [سورة التوبة، الآية 109]. ومن هنا فإنّ الفنّ الإسلامي لا يجانب الفطرة ولا يتجاهل الواقع، حيث يعرض الحياة من خلال الواقع الكبير الذي يشمل الضرورة الجمالية الفنّية، ويشمل الأشواق الروحانية. محمد قطب، منهج الفنّ الإسلامي، دار الشروق، القاهرة، 1995، ص 137
إذا كان المجتمع مصدر الفنّ، فما الذي يبقى للفنّان ؟إذا كان المجتمع مصدر الفنّ، فما الذي يبقى للفنّان ؟
يبقى له ما لا يستطيع المجتمع أن يفعله بدله: الرؤية والصنعة. فالمجتمع يقدّم المادّة — تيّاراته الجمالية، وتقاليده الفنّية، ووعيه الجمالي في عصر بعينه — ولكنّه لا يرسم لوحة ولا ينظم قصيدة ؛ والذي يعطي العمل كيانه ويحدّد قيمته هو قدرة الفنّان ومدى تمكّنه من فنّه وإدراكه لخفايا صنعته. ودليل ذلك أنّ الفنّانين الكثيرين في العصر الواحد يتقاسمون التراث نفسه والتيّار نفسه، ثمّ يتفاوتون تفاوتا هائلا ؛ فلو كان المجتمع وحده هو المشكِّل، لتساوت آثارهم. ولهذا قيل إنّ الفنّان مدين لحقبته فنّيّا لا تاريخيّا: مضطرٌّ أن يلتزم أشكال عصره، حرٌّ في ما يصنعه داخلها — وفي هذا الحيّز بالذات تقع الأصالة.
خاتمة : حل المشكلة
يتّضح إذن من خلال العرض التحليلي السابق أنّ التجربة الذوقية، بما تقوم عليه من انفعال للحاسّة الجمالية وما تصل إليه من آثار فنّية إبداعية، إنّما تترجم بحقّ تميّز الإنسان من حيث هو كائن يطبعه التسامي والخلق ؛ وهو في خوضه لهذه التجربة لا يركن إلى العاطفة الفردية الحميمية فحسب، بل يعمل دوما على جعل مواهبه المُلهِمة تتفتّق صورا جمالية يزكّيها العقل، فتتجسّد آثارا وتحفا بديعة تصنعها إرادته بسندٍ من مكتسبات الخبرة والتدريب. وفضلا عن ذلك، تستمدّ التجربة الذوقية الجمالية بإبداعاتها الفنّية مبرّر وجودها ممّا هو سائد من الموروث الاجتماعي والتاريخي، ومن العقيدة الروحية والقيم الإنسانية ؛ وذلك ضمن التوجّه الحضاري العامّ الذي تساهم هي ذاتها فيه بالنصيب الأوفر على الدوام.
الصفحة 1/8
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net