الإشكالية الثانية: في العلاقات بين الناس › اللغة والفكر
وظيفة اللغة
- تحديد وظائف اللغة الثلاث وتمييز كلٍّ منها عن الأخرى
- بيان لماذا لا تنحصر وظيفة اللغة في الإخبار، مسندا ذلك إلى صاحبه ومرجعه
- شرح الوظيفة الإبداعية لِلّغة وربطها بانفتاح نظامها
- بيان كيف يتحقّق التبليغ والتواصل بالرغم من تنوّع الألسنة
- التمييز بين اللغة واللسان والكلام، وخصائص اللغة الإنسانية الخمس
- تبادلية اللغة والفكر، وأنّ اللغة ترسم معالم الفكر والفكر يؤسّس نظامها
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى النظر في علاقة اللغة بالفكر إلى أنّها علاقة تلازم متبادل: الفكر يؤسّس النظام الدلالي، واللغة ترسم معالم الفكر. غير أنّ اللغة لا تُستعمَل في الذهن وحده ؛ فهي — كما تقرّر منذ طرح المشكلة — عبارة عن إشارات ورموز نبدعها لتساعدنا على تنظيم حياتنا الداخلية، وعلى تحقيق التواصل مع غيرنا، فضلا عن تحديد علاقاتنا مع عالم الأشياء. فهذه ثلاث وظائف لا وظيفة واحدة ؛ وهي فوق ذلك تُؤدَّى بألسنة لا تُحصى، مختلفة في أصواتها وقواعدها ورموزها. فكيف يتيسّر لها أن تحقّق التبليغ والتواصل بالرغم من تنوّعها وتعدّد نشاطاتها ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
اللغة عند الإنسان لا ترتبط بالعقل فقط، بل بالإرادة أيضا ؛ وهذا هو النمط الثاني من أشكال الاتّصال، وهو الأسلوب المقصود: فالإنسان يستعمل الإشارات والرموز بوعي، ويستخدمها لتحقيق أغراضه وهو يقصد بها ذلك. ودليل خضوع التعبير اللغوي لسلطان الإرادة مقدرة الإنسان على الكذب ؛ فتطوّر وتعقّد مظاهر الحياة الاجتماعية خَلَق دوافع أخرى للكلام غير طلب الحاجة والإخبار، بل خلق أغراضا أخرى كالعبث والمراوغة والإغراء — فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتعمّد الكذب. يوسف مراد، مبادئ علم النفس، ط 8، دار المعارف بمصر، ص 287 ؛ وينظر: لندال دافيدوف، مدخل إلى علم النفس، ص 405
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الكذب فعلٌ لغويّ لا يُفسَّر بالإخبار : فمن كذب لم يفشل في الإخبار، بل قصد ألاّ يُخبر ؛ وهذا يقتضي أن يكون بيده أن يقول وألاّ يقول، وأن يقول غير ما يعتقد. فالكذب إذن ليس عيبا في اللغة، بل دليلٌ على أنّ صاحبها يملكها ولا تملكه.
- وتعدّد الدوافع يقتضي تعدّد الوظائف : فطلب الحاجة والإخبار دافعان قديمان ؛ ثمّ خلق تطوّر الحياة الاجتماعية دوافع أخرى كالعبث والمراوغة والإغراء. ولو كانت اللغة أداةَ إخبار فحسب لَما اتّسعت لهذه الأغراض كلّها.
- فالسؤال يتفرّع إلى شقّين : شقٍّ عن الوظيفة: ما الذي تفعله اللغة بنا وبغيرنا وبالعالم ؟ وشقٍّ عن الشرط: كيف يبقى التبليغ ممكنا مع تنوّع الألسنة وتعدّد النشاطات ؟
III – ثمّ كيف يتيسّر لها أن تحقّق التبليغ والتواصل، بالرغم من تنوّعها وتعدّد نشاطاتها ؟
أولا : التبليغ والتواصل الاجتماعي
إنّ الإنسان يمارس باستمرار — ليس فقط الاتّصال بعالم الأشياء وما يفترضه من إحساس وتأمّلات وتصوّرات — بل وبوجه أخصّ التواصل مع أمثاله من النّاس. وهذا التواصل ليس نقلا آليّا لرسالة، لأنّه يقوم على الأسلوب المقصود: أي أنّ المتكلّم يعلم أنّه يُعلِم، ويعلم أنّ مخاطبه يعلم ذلك — وهو ما يفرّق بينه وبين اتّصال الحيوان الذي يوصل معلومات بطريقة غير إرادية وخالية من القصد. ومن هنا كان التبليغ فعلا اجتماعيّا قبل أن يكون فعلا صوتيّا: فاللغة واقعة اجتماعية كامنة في عقول جميع الأفراد المنتمين لمجموعة لغوية معيّنة، ولولا هذا الكمون المشترك لَما بلّغ لفظٌ شيئا.
ثانيا : تنوّع اللغات وتعدّد وظائفها
- وظيفة تنظيم الحياة الداخلية : فاللغة إشارات ورموز نبدعها لتساعدنا على تنظيم حياتنا الداخلية ؛ وهذه أوّل وظائفها وأخفاها، إذ لا مخاطَب فيها إلاّ صاحبها. وبها ينتقل ما في النفس من خواطر مبهمة إلى معانٍ محدّدة يمكن حملها ونفيها ومراجعتها.
- وظيفة التواصل مع الغير : وهي تحقيق التواصل مع غيرنا ؛ وهي أظهر وظائفها، وعليها يقوم التبليغ والاجتماع البشري كلّه.
- وظيفة تحديد العلاقة بعالم الأشياء : وهي تحديد علاقاتنا مع عالم الأشياء ؛ فاللغة تشير إلى الأشياء — خاصّة المادّية — وتجرّدها في أصوات أو خطوط تُغني المتكلّم أو القارئ عن إحضارها. وهذه الوظيفة هي التي تجعل الفكر قادرا على أن يعالج ما ليس حاضرا أمامه.
- والوظائف الثلاث تُؤدَّى بأداة واحدة : ولهذا كان تعدّد نشاطات اللغة تعدّدا في الاستعمال لا انقساما في الأداة ؛ فالكلمة التي تسمّي الشيء هي نفسها التي تُبلّغه لغيرك وتنظّم بها فكرك عنه.
واللغة عند الإنسان ترتبط بالإبداعية كتنظيم كلامي مفتوح، يسمح بإنتاج وفهم عدد لا محدود من الجمل حتّى التي لم يسبق سماعها ؛ فالإنسان لا يردّد فقط ما سمعه بل يجدّد، وهذا لارتباطها بالفكر — الأمر الذي يجعلها تلائم كلّ أوضاع المتكلّم. وبالرغم من أنّ جهاز النطق الإنساني محدود الحجم والأوضاع بحيث يُنتج أصواتا محدودة: «… ومع هذا العدد المحدود من الأصوات والحركات نُنتج من التراكيب الصوتية — أي الكلمات — ما لا حصر له ؛ ولا يستنفد هذا العددُ إمكانياتِنا لإنتاج كلمات جديدة وفقا لقواعد اللغة المصطلَح عليها.» جمعة سيد يوسف، سيكولوجيا اللغة والمرض العقلي، ص 39 ؛ عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العامّ، مؤسسة الرسالة، ط 4، بيروت، 1984، ص 24
ووظيفة رابعة تتفرّع عن هذه: أنّ لغة الإنسان تتّسع للتعبير عن خبراته وتجاربه ومعارفه، بل تتعدّى ذلك إلى التعبير عن التصوّرات العقلية والقيم الجمالية والمعاني النفسية ؛ بعكس لغة الحيوان التي لا تتعدّى حاجاته البيولوجية الغريزية، أو الانفعالات الأوّلية من لذّة وألم. وهنا يظهر جواب الشقّ الثاني من السؤال: فتنوّع الألسنة لا يمنع التبليغ، لأنّ ما يتنوّع هو اللسان — أي نظام العلامات المخصوص بقوم — بينما يبقى ثابتا ما تقوم عليه اللغة: الفكرُ الذي يصنع الإنسان، والقدرةُ الرمزية التي تجعل الصوت علامةً. ولهذا أمكن للفرد أن يتعلّم لغةً خارج جماعته اللغوية — فالعربي بإمكانه أن يتعلّم لغة الفرنسي والعكس — وهو أمرٌ غير ممكن في عالم الحيوان، فالنحلة لا يمكنها أن تتعلّم لغة غيرها.
إذا كان الكذب ممكنا، أفلا تكون اللغة أداةَ تضليل بقدر ما هي أداةُ تبليغ ؟إذا كان الكذب ممكنا، أفلا تكون اللغة أداةَ تضليل بقدر ما هي أداةُ تبليغ ؟
الكذب ممكنٌ فعلا، ولكنّه مستحيلٌ لولا التبليغ. فمن يكذب إنّما يستعمل قدرةَ اللغة على أن تُبلّغ، ويعتمد على أنّ مخاطبه سيفهم ما قيل ؛ فلو لم تكن اللغة مبلِّغةً بطبعها لَما نجح كذبٌ قطّ. فالتضليل إذن طفيليّ على التبليغ لا مساوٍ له: هو استعمالٌ منحرف لوظيفة قائمة، لا وظيفةٌ ثانية بإزائها. وهذا يفسّر لماذا جُعل الكذبُ في الدرس دليلا لا عيبا: هو دليل على أنّ التعبير اللغوي يخضع لسلطان الإرادة، وأنّ الإنسان يستعمل الرموز بوعي وقصد — وهو ما يميّزه عن الحيوان الذي يوصل معلومات بطريقة غير إرادية وخالية من القصد. ومن هنا نفهم لماذا لا تكون الوظائف الثلاث في مرتبة واحدة: فتنظيم الحياة الداخلية وتحديد العلاقة بالأشياء وظيفتان لا يكذب فيهما المرء إلاّ على نفسه ؛ أمّا التواصل مع الغير فوحده الذي يفتح باب القصد — ومعه باب الصدق والكذب جميعا.
الصفحة 1/4
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net