الإشكالية الثانية: في العلاقات بين الناس › الشعور بالأنا والشعور بالغير
ضبط المفاهيم والتصورات
- ضبط مفاهيم الأنا والذات والغير لغةً واصطلاحا، وبيان ما يميّز كلّ مفهوم عن الآخرَين
- شرح التصوّر الذي يجعل الوعي مؤسِّسا للذات، وإسناد كلّ أطروحة فيه إلى صاحبها
- عرض الاعتراضات الموجّهة إلى التفسير بالوعي، والتمييز بين وعي الذات بوجودها ومعرفتها لحقيقتها
- بيان لماذا تقود هذه الاعتراضات إلى البحث عن معرفة الذات من جهة الغير
- الفرق بين ماهية الشيء (ما به الشيء هو هو) وصفاته العَرَضية
- قضية «ديكارت»: «أنا أفكّر إذن أنا موجود»، ومقياس الوضوح الذي بناها عليه
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
الإنسان كائن مدنيّ بالطبيعة، يعيش مع غيره من الناس في تفاعل وتكامل، وفي تنافر وتجاذب. وفي حركته هاته يحصل له إدراك ذاته، ويتميّز بها في الوقت نفسه عنهم. وهذا الوضع المتميّز بالحركية والتغيّر يدفعنا إلى محاولة بحثه من خلال طرح المشكلة الآتية: هل شعور الإنسان بذاته متوقّف على معرفته لغيره ؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو ؟
I – مدخل إلى المشكلة : طرح وضعيات مشكلة وتحليلها
أولا : الحكم بالمماثلة
واجهتَ مشهدا من مشاهد الحياة اليومية: أمامك امرأةٌ دموعها تسيل، تُصدر ألفاظا غير مفهومة تشبه كلّ الأصوات، وحركات جسمها يبدو عليها الاضطراب. فما عساك أن تقول إن كان لا بدّ لك من إصدار حكم ؟ هل تبكي هذه المرأة بكاء الحزن ؟ أم بكاء الفرح ؟ أم ماذا ؟ من الاحتمالات الواردة في هذه الوضعية: ـ قد تبكي لأنّها حزينة فعلا، والحزن انفعال لا تتحكّم معه في لغتها ولا في حركات جسمها ؛ ـ قد تبكي من شدّة الفرح، والفرح انفعال أيضا يغيب فيه ـ لفترة ـ الوعي والإرادة ؛ ـ قد تدمع عيناها لأنّها ممثّلة يفرض عليها دورها أن تمثّل الحزن والكآبة ؛ ـ أو لأنّها ممثّلة يفرض عليها دورها أن تمثّل الفرح الشديد ؛ ـ قد تدمع عيناها استجابةً لمنبّه، كما تصنع بعضهنّ عند حضور جنازة، بصورة اندفاعية وآلية ؛ ـ وقد تسيل دموعها لالتهاب مزمن في مدمعها.
- حكمٌ بالمماثلة : حكمك على هذه المرأة ليس بعيدا أن يكون ثمرةَ المماثلة بينك وبينها ؛ فأنت، في أحد هذه الاحتمالات أو فيها كلّها، يكون سلوكك مماثلا لسلوكها. ومعرفتنا بالغير تقوم عادة على تفسير مظهره الجسمي وسلوكاته، أقوالا وأفعالا: فهي حاصل استدلال تماثلي، نستنتج به أنّ الغير حين يصدر عنه موقف ما يشعر بالحالة النفسية نفسها التي نحسّ بها حين يكون لنا الموقف نفسه.
- ثلاثة احتمالات للتواصل مع الغير : «التآثر» معا، أي التشارك الفعلي في ألم أو فرح كما في هذه الوضعية ؛ أو مقاسمة الغير انفعاله مع اعتباره انفعالا لهذا الغير، بحضوره أو بالتفكير فيه قصدا ؛ أو التفهّم الانفعالي الذي لا يقتضي الاتّحاد، وهو أن تتفهّم فقط هذا الشخص الذي يعاني محنة أو ينتابه انفعال الفرح.
- أأنت المقياس الفصل ؟ : قد لا تستجيب بالضحك لنكتة يضحك لها غيرك، وقد لا تبكي لما يبكي له. فطبعك وثقافتك وتجربتك تتدخّل في حكمك، ولذلك لا تصيب دائما في أحكامك على الغير، حتى حين يكون المحكوم عليه من ثقافتك نفسها وقد مرّ بتجربتك نفسها ؛ بل إنّ طريقة التحية نفسها تختلف حسب المكان والزمان والحضارة والتربية، إلى حدّ التناقض والتنافر. فهذا الاستدلال التماثلي قد يخدعنا.
- السؤال المعلّق : وإذا فشلنا في معرفة غيرنا، فهل نعرف في مقابل ذلك أنفسنا ؟ هل أعرف ذاتي وأشعر بها كذات مغايرة لذوات الآخرين ؟ فقبل الحكم على الغير، من المنطقي أن أكون عارفا بذاتي أو شاعرا بها.
ثانيا : الطريق إلى معرفة الذات
لو سُئلتَ: «من أنت ؟»، فقد تجيب: ـ أنا فلان ؛ ـ أو أنا فلان بن فلان بن علان… بن «فاطمة الزهراء» بنت النبيّ محمد (ص) ؛ ـ أو أنا من اكتشف الدورة الدموية الصغرى ؛ ـ أو، في أثناء حديثك: أنا لعبت الدور السينمائي الفلاني، أو أنا توسّطت للإصلاح بين هذا وذاك. ولو سُئلتَ وأنت واقف أمام المرآة: «ما ترى ؟»، فقد تجيب: أرى وجهي (أو رأسي)، أو أرى روحي (أو نفسي، أو «عمري» بالعامّية).
- أجوبة لا تبلغ الذات : الجواب بـ«فلان» يحدّد الاسم في البيت والعائلة أو في سياق وضعية اجتماعية ما ؛ وسلسلة الأسماء تحدّد الأصل العائلي والانتساب إلى البيت الشريف ؛ والجواب الثالث يقصد المكانة العلمية في تخصّص من التخصّصات. ولكنّ هذه الإجابات كلّها لا تحمل إشارة إلى «أنا» المتكلّم كذات شاعرة، ولا كحقيقة جوهرية فردية تميّزه.
- أنا جسمي ؟ أنا طبعي ؟ أنا شخص ؟ : «أنا جزائري» جواب فضفاض ؛ و«أنا هو جسمي» يطرح سؤالا: هل جسمي هو أنا أم هو لي ؟ و«أنا هذا الطبع» قد يُقبل، ولكن هل طبعي هو أنا ؟ أمّا تعريفي بأنّي شخص فيرتقي بي نحو معرفة الذات، لأنّه اعتراف بالقيمة العالمية للهوية الموجودة في كلّ واحد منّا ؛ فالشخص فاعل أخلاقي يملك كرامة في ذاته لا تملكها الأشياء التي لها سعر. ولكنّ هذا لا يعرّفني بمن أنا كشعور: إنّه يمكّنني فقط من الحقوق والواجبات.
- من المرآة إلى الشعور : رؤية «الوجه» أمام المرآة تعبير عن الذات السطحية التي لا تتغلغل في أعماقها. ورؤية «الروح» تحتمل أن تكون كلّ ما تُظهره المرآة من جسمك، أو كلّ ما يريد الغير أو المجتمع أن يراك عليه، أو بعض ما يعبّر عن وجود أناك ؛ وفي هذا الاحتمال الثالث تتخطّى النطاق المادّي والفيزيولوجي والاجتماعي لتقف على ذاتك في مقرّها السيكولوجي. ومن هنا تبدأ معرفة الأنا بالشعور.
- الأنا شعور الذات بذاتها : إذا كان الشعور بالبرد ظاهرة فيزيولوجية، فإنّ الشعور بالإحساس الداخلي كالهدوء والعاطفة والإيمان ظاهرة نفسية ؛ والشعور بما يجري في العالم الباطني شعور تلقائي خاصّ وحميمي. فالأنا هو شعور الذات بذاتها، والكائن الشاعر بذاته هو من يعرف أنّه موجود، ويدرك ذاته بذاته من خلال حدس يسمح له ببناء تمثّل ذهني عنها. ومن الصعب هنا فصل الشعور بالذات عن معرفتها: فلكي نعرف ذواتنا لا بدّ أن نكون موجودين، ولكي نكون موجودين لا بدّ من الشعور بالذات ؛ وهذا الشعور يجسّده بعضهم بالتفكير أمثال «ديكارت» (1596–1650)، أو بالحدس أمثال «برغسون» (1859–1941). وبعد هذا المدخل نشعر بالحاجة إلى ضبط بعض المفاهيم الأساسية التي استعملناها، وإلى تحديد الوعي الذي يتولّى تشكيل الذات.
II – كيف نميّز بين الأنا، والذات والغير، للوصول إلى أنّ الوعي هو الذي يحدّد معرفة الذات ؟
أولا : التمييز بين الأنا، الذات والغير
- الأنا : هو في اللغة ضمير المتكلّم ؛ ويُستعمل في الاصطلاح للإشارة إلى النفس المدرِكة، التي هي بحسب «ابن سينا» (980–1037) «ماهية ثابتة وقارّة خلف ووراء كلّ الأعراض والمتغيّرات التي لا يتوقّف بدنه (الإنسان) عن معرفتها». وهو في التحديد الفلسفي الذات المفكِّرة العارفة لنفسها في مقابل الموضوعات التي تتميّز عنها ؛ أي الوعي الذي تملكه الذات عن فرديتها المميِّزة لها عن الأشياء ذات الوجود الخارجي المادّي الموضوعي.
- الذات : هي النفس أو الشخص ؛ وذات الشيء في اللغة نفسه وعينه. وهي في معناها الفلسفي جوهر قائم بذاته، ثابت لا يتغيّر على الرغم ممّا يلحقه من الأعراض، كالصحّة والمرض، والغنى والفقر، والصبا والهرم. ويصدق اللفظ كذلك على الماهية، أي حقيقة الشيء أو جوهره: ما يجعل الإنسان إنسانا ويميّزه عن سائر المخلوقات، كالتفكير مثلا.
- الغير : هو في اللغة العربية المخالف والمعارض، وهو في بعض الحالات الطرف المقابل الأسوأ. ويتأكّد هذا المعنى في اللاتينية، حيث إنّ الغير (autrui) مشتقّ من (alter)، وهو الأجنبي والمخالف. وهو عند الإغريقيين غير الإغريقي، ومن ليسوا إغريقيين يُدعون «البربار»، وهؤلاء عندهم ليسوا بشرا في الأصل لأنّهم خارج حضارتهم ؛ وهي ظاهرة عرفتها كثير من الشعوب والأمم عبر العصور والحضارات. أمّا في المجال الفلسفي فالغير خلاف الأنا أو الهوية: إنّه «اللاأنا» الذي يشير إلى كلّ ما هو موجود خارج الذات المدرِكة، مغاير لها ومستقلّ عنها، والآخر الذي لا يشارك الذات أحوالها من انتماء عرقي وحضاري وثقافي. وعلى هذا يتحدّد الغير في جميع الأحوال بالسلب: فهو ليس الذات أو الأنا.
ولم تلبث الفلسفة القديمة نفسها أن راجعت نظرتها إلى هذا الموضوع، منطلقة من أنّ الغير هو أنا آخر، وهذا يوحي بالتساوي والتشابه بينهما: فعلى الرغم من أنّ الغير جسم يشغل في الفضاء مكانا مغايرا لمكاني، فإنّني أعتقد له شعورا وفكرا وحياة انفعالية من الطبيعة نفسها التي تنتسب إليها حياتي الذهنية.
ثانيا : الوعي وتشكيل الذات
يُعرف الإنسان بالوعي، ونستعمل هنا الوعي والشعور بمعنى واحد. فبواسطته يدرك الإنسان أنّه موجود وأنّ العالم من حوله موجود كذلك، وبه يتأسّس الأنا (الذات) كموجود، وهو وعي يصاحبها طيلة وجودها. ومن هنا لا يخرج الوعي عن أن يكون وعيا بالذات أو وعيا بالموضوع. فالشعور يتحدّد قبل كلّ شيء بالقدرة على قول «أنا»، أي القدرة على أن يتقدّم الإنسان كفاعل، ويتفاعل في حدس وجود ذاته ووجود العالم الخارجي والغير ؛ وبالشعور يتحقّق الكائن الواعي كوجود في العالم.
يصدق «الكوجيتو» الديكارتي في هذا السياق: «أنا أفكّر، إذن أنا موجود». ويمكن أن نستبدل الفكر بجملة من العمليات الذهنية كالتأمّل والوعي والشكّ: فتأمّلي أو وعيي أو شكّي صورة من صور التفكير، ولا تفكير من غير أن أكون بالفعل موجودا. والوعي عنده لا يستطيع افتراض أنّه غير موجود: فهو جوهر ذاته، وطبيعته التفكير، لا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يخضع لشيء مادّي، فهو متميّز عن الجسم. ديكارت، مقال في المنهج، القسم الرابع ؛ تأمّلات في الفلسفة الأولى، التأمّل السادس، القسم 12
أكّد الفيلسوف الفرنسي «مين دو بيران» (1766–1824) الأمر بقوله: قبل أيّ شعور بالشيء، فلا بدّ من أنّ الذات وجود. ويقول أيضا إنّ الشعور «يستند إلى التمييز بين الذات الشاعرة والموضوع المشعور به».
ذهب الفيلسوفان «هسرل» (1859–1938) و«سارتر» (1905–1980)، من زاويتهما الظواهرية، إلى أنّ الشعور هو دائما شعور بشيء، ولا يمكنه إلاّ أن يكون واعيا لذاته. فحسب «هسرل»، كلّ شعور هو شعور بشيء ؛ و«سارتر» نفسه، بعد قوله بأنّ الشعور هو دائما شعور بشيء ما، يعترف بوجود نوع من الشعور لا يمكنه إلاّ أن يكون واعيا لذاته. E Husserl, Idées directrices pour une phénoménologie ؛ J.P. Sartre, l'Imaginaire : psychologie phénoménologique de l'imagination, p 29
ثالثا : اعتراضات على التفسير بالوعي
لكن، هل مثل هذا الشعور، أو الوعي المتفاعل مع الغير، يمكّن الذات من معرفة حقيقتها ؟ وإذا كان وعيي يسمح لي بمعرفة أنّني موجود كذات ومع الآخر، وأنّه يوجّه السلوك ويحدّد كلّ موضوع يقابله، فهل يمكّنني من معرفة من أنا ؟ لقد وُجّهت لهذا التصوّر عن الوعي انتقادات عدّة، يمكن إيرادها في النقاط الآتية:
- قلعة داخلية وهمية : يتقدّم الشعور، وخاصّة لدى «ديكارت»، كقلعة داخلية يعيش فيها الأنا منعزلا، وما باقي العالم بالنسبة إليه إلاّ خشبة مسرح وديكور يتحرّك. وهذه القلعة ليست حقيقة، وإنّما هي فيما يقول «غوسدورف»: «مجرّد خيال وإنتاج لأوهام لا تعرف بنية الفكر الحيّ ذاتها، وليس للشعور مضمون داخلي، فهو في حدّ ذاته فراغ».
- استحالة الاستبطان : وعي الذات لذاتها، وهو ما يسمّى عند علماء النفس بالاستبطان، أمر مستحيل ؛ لأنّ الذات واحدة لا يمكنها أن تشاهد ذاتها بذاتها، ولأنّ الشعور هو دائما شعور بشيء، ولأنّ المعرفة تفترض وجود العارف وموضوع المعرفة. وإذا كان شعور الذات بذاتها مستحيلا، فكيف لي أن أشعر بذات غيري وأعرفها وأحكم عليها ؟
- مصدر خداع : الشعور كمؤسِّس للأنا مصدر خداع، فقد يكون مجرّد انطباع ؛ ثمّ هل الشعور قادر على الوصول إلى معرفة اللاشعور الذي يخفيه ويختفي وراءه، حتى تتحقّق معرفة الذات بذاتها ؟ فقد يقع الإنسان في مغالطة مع ذاته، وتكون الصورة التي يشكّلها وعيه عنها خادعة.
وهذا يدفعنا إلى التمييز بين وعي الذات ومعرفتها: فالذات الواعية هي التي تعرف أنّها موجودة، وتدرك نفسها بواسطة حدس يسمح لها بتمثيل نفسها عقليا، أي بأن تتأمّل ذاتها ؛ لكن هل يتمكّن هذا الوعي دوما من تكوين معرفة أعمق بهذه الذات وبحقيقتها ؟ ألا يمكن أن يخيّب معرفتنا بذاتنا، خاصّة وأنّ حواسّنا وعواطفنا معرّضة لتأثيرات الآخرين، بل قد توقعنا في الخطأ ؟ وممّا يؤكّد صحّة هذه الانتقادات ما رآه بعض المفكّرين.
تساءل «أفلاطون» قديما عن هذه الحقيقة من خلال أسطورة الكهف المعروفة: إنّ ما يقدّمه لنا وعينا ما هو إلاّ ظلال، وخلفها تختبئ حقيقتنا كموجودات. أفلاطون، الجمهورية، الكتاب السابع
اعترض «سبينوزا» (1632–1677) على تحديد «ديكارت»، ووصف الشعور بالوهم والمغالطة: فاعتقاد الناس بحرية تصرّفاتهم ظنّ خاطئ، لعدم وعيهم بسلطان رغباتهم وشهواتهم، ولأنّهم لا يعلمون شيئا عن الأسباب المتحكّمة في شعورهم والموجِّهة له. إنّ السكّير، كما قال، يتوهّم أنّه يتحدّث بأمر حرّ صادر عن ذهنه عن تلك الأمور التي كان يودّ في صحوه ألاّ يقول عنها شيئا، ولكنّه في الواقع تحت تأثير الخمر.
ويمكن أن نضيف إلى هذا الاعتراض ما يبدو تجاوزا لتحديد «ديكارت»: فقد رأى «فرويد» (1856–1939) أنّ أفكارنا وردودنا المختلفة ما هي إلاّ نتاج تربية أكرهنا عليها الوسط الاجتماعي والعائلي، وأنّ هذا الوعي قد يكون بفعل تأثيرات لاشعورية ؛ فالوعي وحده ليس هو المحدِّد لذات الإنسان، وهذه الذات محصّلة ظواهر لا يستطيع الوعي تفسيرها. إنّنا لسنا كما نشعر، بل ما نشعر به ما هو إلاّ قناع تختبئ وراءه حقيقة ذاتنا ؛ ووراء هذا تلميح إلى دور اللاشعور. انظر: فرويد، مقدّمة في التحليل النفسي
وتعارض هذه المواقف يدفعنا إلى التساؤل: هل كلّ محاولة لمعرفة الذات لا جدوى منها، ومعرفتنا لأنفسنا مستحيلة ؟ إنّ الأخذ بهذه الرؤى يقودنا إلى البحث عن جواب لسؤالنا عن ذواتنا من وجهة نظر الغير، باعتباره أحد مكوّنات هذا الوجود: فهو يقابلنا، وللمقابلة أثر في تنبيه الذات وتحقيق معرفتها بنفسها. فالتفاعل بين الفرد والغير يجري في بيئة قد تحبطه أو تشجّعه، وهي التي تشكّل دوافعه ؛ بل إنّ إدراك الهوية الذاتية يحصل بالغير الذي يساهم في ضبط الوعي الفردي وصقله. وهذا الغير، ما دام يواجهنا، ما فتئ يحكم علينا ؛ وحتى إذا كانت أحكامه على ذواتنا غير دقيقة، فإنّها تدفعنا إلى التفكير في أنفسنا، وتذكّرنا بأنفسنا وبقيمتنا أمامه.
التجربة الأولى للأنا تجربة تلفيقية غامضة: فأنا الطفل ما زال في حالة اللاقسمة، وكأنّه ملفوف من طرف المحيط ؛ وكأنّ الإنسان يعيش بدءا وأساسا في أحضان الآخرين لا في ذاته نفسها: إنّه يعيش في الجماعة أكثر ممّا يعيش في فرده ذاته. ماكس شيلر (1873–1928)
هل يعني نقد الوعي أنّ معرفة الذات مستحيلة ؟هل يعني نقد الوعي أنّ معرفة الذات مستحيلة ؟
لا. فالاعتراضات لم تُسقط الوعي، بل أسقطت ادّعاءه الاكتفاء بنفسه. يبقى الوعي شرط كلّ معرفة، فلا معرفة للذات من غير ذات تعرف أنّها موجودة ؛ غير أنّ وعيي بأنّي موجود شيء، ومعرفتي بمن أكون شيء آخر. فالوعي يضمن الوجود ولا يضمن الحقيقة: قد يكون مجرّد انطباع، وقد يخفي لاشعورا، ولا يستطيع أن يشاهد ذاته بذاته، لأنّ المعرفة تفترض عارفا وموضوعا للمعرفة والذات واحدة. ولهذا تنتهي هذه الاعتراضات إلى أنّ كلّ معرفة للذات مشروطة: فالذات نسق من العلاقات الدينامية، هي في آن واحد ذات مفكّرة، وبنية من اللاشعور ينبغي النظر إلى مناطقها في كلّيتها وتفاعلها، ووعي للغير واتّصال معه. ومن هنا ينتقل السؤال من الداخل إلى الخارج: إذا لم يكفِ أن أنظر في نفسي، فهل أعرفها حين أقابل غيري ؟
الصفحة 1/6
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net