الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم في علوم المادة الجامدة و علوم المادة الحية

السببية، الحتمية و اللاحتمية

🔊 المعلّمة تقرأ لك
نشاهد كرة البلياردو تتحرّك وتصدم كرةً أخرى فتحرّكها. لقد رأيتَ الحركة الأولى، ورأيتَ الحركة الثانية، ورأيتَ الصدمة بينهما. ولكن هل رأيتَ السبب ؟ لم تنتقل أمام عينيك أيّ قوّة من الكرة الأولى إلى الثانية ؛ كلّ ما وقع أنّ حركةً تلَتْها حركة. ومع ذلك تقول في ثقة تامّة: «الأولى سببُ الثانية». فمن أين جاءتك هذه الكلمة الّتي لم تَرَها قطّ، والّتي يقوم عليها العلم كلّه ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تعريف مبدأ السببية وبيان الخلاف حول مصدره: أهو عقلي قبليّ أم مكتسَب من التجربة
  • التمييز بين مبدأ السببية ومبدأ اطّراد الظواهر ومبدأ الحتمية، وبيان ترابطها
  • عرض صيغة الحتمية القصوى وبيان ما تفترضه من قدرة على المعرفة
  • تحديد ما غيّرته اللاحتمية في تصوّرنا للقانون العلمي، من غير أن نستنتج منها فوضى الطبيعة
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • خطوات المنهج التجريبي وطرق «مل» الأربع
  • معنى سوابق الأحكام ودورها السلبي في البحث
  • الفرق بين الحكم القبلي والحكم البعدي، وبين الضروري والاحتمالي
إذا كان المنهج التجريبي ينبذ سوابق الأحكام، فكيف يصل الفكر إلى الانطباق مع الواقع وهو يأخذ بأحكام مسبقة غير مؤكّدة علميا ؟ وما هذه المبادئ الّتي يسلّم بها العالِم قبل أن يبدأ ؟ ومن أين جاءته: أمن العقل بفطرته، أم من التجربة والعادة ؟ ثمّ إذا كان العلم المعاصر قد أعلن أنّ الحتمية ليست دقيقة، أفتسقط هذه المبادئ ويسقط معها العلم ؟

مقدمة : طرح المشكلة

رأينا أنّ المنهج التجريبي يشترط في الباحث أن يُقبل على ملاحظة الظاهرة وهو متجرّد تماما من أحكامه المسبقة، لِما في سوابق الأحكام من خطر يهدّد مسار البحث بالانحراف. غير أنّ الباحث في واقع ممارسته للبحث ينطلق وهو مؤمنٌ مسبقا بمبادئ كلّية مجرّدة غير مُثبَتة علميا، مثل: الحتمية، والسببية، واطّراد الحوادث. فكيف السبيل إلى حلّ هذا التعارض ؟ وما طبيعة هذه المبادئ ؟ وهل زعزعتها اكتشافاتُ الفيزياء المعاصرة أم أعادت تحديد مجالها ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وضعية : ما يُعلنه الباحث وما يفعله

للوهلة الأولى يبدو أنّه من المفروض منهجيا، عند اعتماد الملاحظة وهي أوّل خطوة، تجنُّبُ أيّ سوابق أحكام ؛ فسوابق الأحكام هي جملة الآراء والتصوّرات الّتي يكوّنها العقل حول الأشياء والأشخاص والحوادث على نحو أوّليّ، دون سند من الخبرة والوقائع البعدية ؛ ومن مصادرها الأساسية: التفسير الميتافيزيقي، والغيبي، والعرف السائد، والانطباع والقناعات الشخصية. ويتّفق كلّ الدارسين على أنّها من شأنها أن تهدّد مسار منهج البحث بالانحراف عن مقاصده، بل وبتقويضه وإجهاضه قبل تطبيقه. ولكنّ الباحث نفسه، حين يشرع في عمله، لا يبدأ من فراغ: فهو يبحث عن سبب الظاهرة قبل أن يعلم أنّ لها سببا، ويعمّم نتيجته على المستقبل قبل أن يعلم أنّ المستقبل يشبه الماضي، ويصوغ قانونا قبل أن يعلم أنّ في الطبيعة قوانين. فهل هذه أحكامٌ مسبقة يجب طردها كسائر سوابق الأحكام ؟ أم أنّها من طبيعة أخرى ؟

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. التعارض حقيقي لا صوري : فالمنهج يطالب بالتجرّد، والممارسة تكشف تسليما مسبقا. ولا سبيل إلى إنكار أحد الطرفين: فلا الباحث يستطيع أن يعمل بلا هذه المبادئ، ولا المنهج يستطيع أن يتخلّى عن شرط الموضوعية.
  2. والفرق بين هذه المبادئ وسوابق الأحكام فرقٌ في الوظيفة : سوابق الأحكام تقول لك ماذا ستجد — فتغنيك عن البحث ؛ وهذه المبادئ تقول لك أنّ هناك ما يُوجَد — فتدفعك إلى البحث. الأولى تُغلق السؤال، والثانية تفتحه ؛ ولهذا لا تُطرد الثانية وإن كانت مسبقة.
  3. ومع ذلك تبقى غير مبرهَن عليها : فهي مبادئ فلسفية ضرورية غير مبرهَن عليها، وهي مسلَّمات يتأكّد صدقها وفائدتها مع استمرار الاكتشافات العلمية. ومن هنا كان لا بدّ من فحصها واحدا واحدا: السببية، فالاطّراد، فالحتمية ؛ ثمّ من سؤال ما جدّ عليها في العلم المعاصر.

III – وكيف يصل الفكر إلى الانطباق مع الواقع إذا كان يأخذ بأحكام مسبقة غير مؤكّدة علميا ؟

أولا : مبدأ السببية

هو من أسس الاستقراء التجريبي الّتي ينبني عليها، ويمثّل مصادرةً أوّلية للعقل تنصّ على «أنّ ما يقع في الطبيعة يمكن تفكيكه إلى حوادث، وأنّ هذه الحوادث يمكن جمعُها أزواجا أزواجا، بحيث تكون حادثتا كلّ زوج من الحوادث مرتبطتين إحداهما بالأخرى برابطة العلّة والمعلول». غير أنّ مصدر هذا المبدأ كان موضع خلاف بين العقليين والتجريبيين:

  1. عند العقليين : المبدأ عقليٌّ فطري، يدرك العقل بمحض فطرته بداهتَه ويقينَه، فلا يحتاج إلى التجربة بل تحتاج إليه التجربة.
  2. عند التجريبيين : مفهوم السببية يُستوحى من التجربة ؛ فقد لاحظ الناس في جميع الأجيال والعصور أشياءَ معلولةً وأخرى عللا لها، وربطوا الأولى بالثانية، فأصبحت فكرة العلّة مقترنةً بفكرة المعلول اقترانَ المتضايفَين اللذين لا يُفهم أحدهما إلاّ بالإضافة إلى الآخر ؛ وهذه الرابطة القوية الدائمة الّتي اكتُسبت بالتجربة هي أساس ما نسمّيه بالضرورة في مبدأ العلّية.
  3. وموقف «هيوم» أدقّ من ذلك : فهو لا يعترف بوجود اقتران ضروري بين الظواهر، لأنّ المشاهدة لا تُرينا وجود قوّة خالقة تنتقل من العلّة إلى المعلول ؛ فكلّ ما هنالك أنّ الحوادث يتلو بعضها بعضا، وليس بينها سوى تعاقب ثابت. وبذلك ينقل فكرة العلّية من معانيها الأرسطية إلى معنى التتابع المجرّد بين السبب والمسبَّب.
  4. غير أنّ فكرة الضرورة تبقى في الذهن لا في الأشياء : وعليه، فإنّه لمّا كانت الطبيعة الخارجية لا وجود لها إلاّ بواسطة هذا الإدراك، فلا بدّ من أن يسودها مبدأُ النظام كمسلَّمة مفادها: «في سلسلة من الأحداث، وجودُ ظاهرة لا بدّ من أن يعيّن وجود ظاهرة أخرى» ؛ وهو نوعٌ من الإسقاط العقلي.
هيوم — كرة البلياردو

«لا شيء من الأفكار يستطيع أن يحقّق لنفسه ظهورا في العقل، ما لم يكن قد سبقته ومهّدت له الطريقَ انطباعاتٌ مقابلةٌ له.» ويقول أيضا إنّ العادة «هي المرشد العظيم للحياة البشرية ؛ فهذا المبدأ وحده هو الّذي يجعل خبرتنا ذات نفع لنا، ويتيح لنا أن نتوقّع في المستقبل سلسلةً من الحوادث شبيهةً بسلسلة الحوادث الّتي ظهرت فيما مضى ؛ وبغير تأثير العادة نكون على جهل تامّ بكلّ أمر من أمور الواقع.» فنحن نشاهد كرة البلياردو تتحرّك وتصدم كرةً أخرى فتحرّكها ؛ فإنّنا هنا لم نرَ أيّة قوّة داخلية أو خارجية انتقلت من الكرة الأولى إلى الكرة الثانية، بل كلّ ما حدث هو أنّ حركة الكرة الأولى تلَتْها بعد الصدمة حركةُ الكرة الثانية، فاعتدنا القول: إنّ الحركة الأولى سببٌ والثانية مسبَّب. وقد كان يمكن عقلا أن يجيء الترتيب على صورة أخرى، لكنّه جاء هكذا. دافيد هيوم ⁦(1711-1776)⁩، وهو الأب الروحي للمذهب التجريبي ؛ رسالة في الطبيعة البشرية، عن زكي نجيب محمود، دفيد هيوم، ص 181

ثانيا : مبدأ اطّراد الظواهر ومبدأ الحتمية

  1. الاطّراد : يمكن النظر إلى مبدأَي السببية والاطّراد على أنّهما مترابطان ؛ فكما أنّ العلاقة ضرورية بين العلّة والمعلول في العقل قبل التجربة، فإنّ الاعتقاد باطّراد الظواهر في الطبيعة اعتقادٌ راسخ، وإنكارُه يفضي إلى الإيمان بفكرة عدم الانتظام والفوضى، وهو ما لا يقبله العقل. فنحن نرى الشمس تشرق كلّ صباح في زمان معيّن ومن مكان محدَّد، وتغرب كذلك ؛ وتعبّر الظواهر الأخرى عن التكرار الّذي لا يتغيّر، وهو معنى الاطّراد.
  2. الاطّراد العِلّي عند «مل» : وهذه العلاقة الوظيفية بين المبدأين هي الّتي دفعت بـ«مل» إلى الحديث عمّا أسماه بالاطّراد العِلّي، الّذي يعرّفه بوصفه «مجموعة الشروط الّتي تؤدّي إلى إحداث أثر معيّن، وأن يكون حدوث ذلك الأثر حدوثا متتابعا لا تغيّر فيه» ؛ وهو تصوّرٌ توصّل إليه العقل من خلال إدراك الارتباط المتتابع والمتكرّر بين ظاهرة وأخرى.
  3. الحتمية : وأقرب معاني هذا المبدأ إلى الذهن «أنّ الظواهر يتحتّم وقوعها متى توافرت أسبابُها، ويستحيل أن تقع مع غياب هذه الأسباب ؛ فإذا ثار بركانٌ وألقى بحممه، دلّت هذه الظاهرة على توافر أسباب أحدثتها، وهي أسباب طبيعية».
  4. وما يترتّب عليها : رفضُ القول بالطفرة والمصادفة والعشوائية واللانظام ؛ فلا معنى للاستقراء إلاّ أن يكون هناك افتراضٌ أنّ الأشياء الّتي حدثت اليوم ستحدث دائما بتوفّر أسبابها وشروطها. وهنا نفترض مسبقا عن طريق العقل «إمكانَ أن يسير الزمان والمكان كما هما الآن»، فلا نفترض فناء الشمس ولا ظهور قوّة جديدة ولا تدخُّل قوّة مفاجئة من عالَم مجهول.
لابلاس — الحتمية في صيغتها القصوى

«يجب علينا أن ننظر إلى الحالة الحاضرة للكون على أنّها معلولةٌ لحالته السابقة، وعلّةٌ لحالته اللاحقة.» «لو أنّ عقلا تطلّع في لحظة ما على سائر القوى الّتي تحرّك الطبيعة، وعلى الحالة الخاصّة بالكائنات الّتي تؤلّفها ؛ لا بل لو كان له من السعة ما يستطيع به أن يُخضع هذه المعطيات للتحليل — لاستطاع أن يُلمّ في قاعدة واحدة بحركات أكبر الأجسام في الكون وبحركات أخفّ الذرّات ؛ فلا شيء يكون محلاًّ للارتياب بالنسبة إليه، ويكون المستقبل والحاضر ماثلَين أمام عينيه.» ولاحِظ أنّ هذه ليست دعوى عن قدرة الإنسان، بل عن بنية الكون: هي تقول إنّ الكون في ذاته محدَّدٌ تحديدا تامّا، وإنّ جهلنا بالمستقبل جهلٌ في وسائلنا لا انفتاحٌ في الواقع. لابلاس (Laplace، 1749-1827)، عالم فرنسي اهتمّ بالفلك وحساب الاحتمالات

ثالثا : أزمة الحتمية واللاحتمية

فقد وقع مبدأ الحتمية في أزمة حقيقية وعلمية تصدّى لها أكثر الفلاسفة المحدثين. ويصفها «لويس دو بروي» في كتابه «المادّة والضوء»، تحت عنوان «أزمة الحتمية»: فبعد أن كان الناظر إلى الطبيعة وإلى السماء يعتقد أنّ كلّ شيء يسير بانتظام وبصورة ثابتة لا تتغيّر، وكأنّ القبّة السماوية بكلّ ما فيها عبارة عن ساعة دقيقة — اتّضح بعد دراسة نظرية الكوانتا، الّتي تفسّر المادّة على أنّها جزيئات مرتبطة بموجة، وظهور نسب اللاحتمية الّتي وضعها «هيزنبرغ»، والنظرية النسبية الّتي وضعها العلاّمة «آينشطاين» — أنّ الحتمية ليست دقيقة، وأنّ جميع القوانين الّتي نعرفها ليست دقيقة أيضا. ومهما كانت هذه النسبة في عدم الدقّة صغيرة جدّا، فإنّ القول بأنّ القوانين مطلقة — فطرية كانت أو مسلَّما بها — قولٌ لا ينطبق مع الواقع المتغيّر.

1 ـ من الكوانتا إلى نسب اللاحتمية

ولم تأتِ هذه الأزمة من الفلسفة، بل من داخل الفيزياء نفسها، وعلى يد من كانوا يبحثون عن مزيد من الدقّة لا عن نقضها:

  1. «بلانك» : لقد بيّن بنظريته المعروفة بالكوانتا — أي الكمّات — أنّ الذرّة المشعّة لا تُصدر طاقتها بصفة منتظمة أو متّصلة، وإنّما تصدرها بصفة انفصالية أو بصدمات ؛ فإصدار الطاقة الانفصالية الّذي يتمّ بالصدمات يفترض أنّ إصدار الأشعّة ظاهرة إحصائية. (بلانك، Planck، 1858-1947، عالم فيزيائي ألماني.)
  2. استحالة التعيين المزدوج : ولقد توصّل العلماء بعد «بلانك» في الميدان الفيزيائي إلى أنّه يستحيل تعيين موقع دقيقة ذرّية وسرعتها معا تعيينا مضبوطا ومباشرا ؛ فيمكن تقدير الموقع بالتدقيق، ولكنّ تدخُّل أداة الملاحِظ يحول إلى حدٍّ ما دون معرفة السرعة.
  3. «هيزنبرغ» : ويؤكّد أنّ الضبط الحتمي الّذي تؤكّد عليه العلّية وقوانينها لا يصحّ في مستوى الفيزياء الذرّية أو الميكرو-فيزياء ؛ فقد يكون من الصحيح أنّ الأسباب ذاتها تولّد النتائج نفسها في مستوى فيزياء العين المجرّدة، ولكنّ كلّ شيء يبدو على غير هذا اللون إذا حاولنا أن نطبّق مبادئ العلّية على العالَم الذرّي. (هيزنبرغ، Heisenberg، 1901-1976، عالم ألماني أحد مؤسّسي نظرية الكمّات.)
  4. والخلاصة الّتي يستخلصها النصّ : وهذا في الحقيقة ليس تقصيرا في العلم، وإنّما هو في الإنسان الّذي يدّعي المعرفة المطلقة.
لا تكرار في ظواهر الطبيعة

ثمّ إنّ القول «بعودة العلّة نفسها تستتبع عودة النتيجة نفسها» لقولٌ قاصر، لأنّه لا تكرار في ظواهر الطبيعة ؛ فالعلّة نفسها لا تتكرّر أبدا، والنتيجة نفسها لا تتكرّر أبدا، بحيث لا يمكن أن نقول عن الظاهرة الجديدة إنّها هي نفسها الحادثة الماضية. إنّ الظواهر الطبيعية وحيدةٌ وفريدة حتّى وإن تشابهت ؛ فهي تحدث مرّةً واحدة وتمضي بدون عودة. وهذه ملاحظة تمسّ الاطّراد نفسه لا الحتمية وحدها: فنحن حين نقول «الحرارة تُمدّد المعادن» لا نصف حادثةً تتكرّر بذاتها، بل نصف علاقةً ثابتة بين متغيّرات. ولهذا لا يقصد العلم الحديث إلى أيّ الظواهر سابقٌ وأيّها لاحق، وإنّما يقصد إلى القانون، وهو تعبير عن علاقات ثابتة بين الظواهر بمتحوّلات وتوابع ؛ وعندما يتمكّن من تقدير هذه المتحوّلات ومعرفة نسبتها إلى بعضها، يُضفي على العلاقات صيغةً كمّية رياضية.

إذا كانت الحتمية ليست دقيقة، أفتكون الطبيعة فوضى ولا يبقى للعلم معنى ؟

لا. ولاحِظ ما الّذي قالته اللاحتمية بالضبط، وما الّذي لم تقله. هي لم تقل إنّ الأثر يقع بلا سبب، ولم تقل إنّ الذرّة تفعل ما تشاء ؛ قالت إنّ الضبط الحتمي لا يصحّ في مستوى الميكرو-فيزياء، وإنّ إصدار الأشعّة ظاهرة إحصائية. والإحصاء ليس نقيض القانون، بل صورةٌ أخرى منه: هو يتنبّأ بسلوك المجموع بدقّة عالية وإن لم يتنبّأ بسلوك الفرد. والدليل العملي حاسم: لو كانت اللاحتمية فوضى، لَما استُثمرت في تقنيات تشتغل كلّ يوم. ثمّ إنّ النصّ نفسه يعطي القاعدة الّتي تحسم: مهما كان «الشرود المؤقّت» الّذي يشير إليه الباحثون بشأن بعض الحوادث في الفيزياء الذرّية، فإنّ معرفة طبيعة هذا النوع من الوقائع معرفةً معمّقة كفيلةٌ بتقليص ما نسمّيه بهامش الشواذّ. فما تغيّر ليس وجود النظام، بل صورة النظام ومجال صلاحية كلّ صيغة منه ؛ ولهذا قيل إنّ الأمر ليس تقصيرا في العلم، بل في الإنسان الّذي يدّعي المعرفة المطلقة.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية («هل مبدأ السببية مبدأ عقلي أم مكتسَب من التجربة ؟») أو مقالة استقصائية حول أزمة الحتمية. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① تعريف كلّ مبدأ من الثلاثة بلفظه (السببية · الاطّراد · الحتمية)، فالخلط بينها هو أوّل ما يُفقدك النقاط ؛ ② موقف «هيوم» بمثال كرة البلياردو ومرجعه، فهو أقوى ما تُساق به أطروحة التجريبيين ؛ ③ قولة «لابلاس» في الحتمية القصوى مقابل نسب «هيزنبرغ» — والمقابلة بينهما وحدها تبني جدل المقالة. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الانتهاء من اللاحتمية إلى أنّ «الطبيعة فوضى» أو أنّ «العلم سقط» ؛ والنصّ يقول صراحةً إنّ الأمر «ليس تقصيرا في العلم، وإنّما هو في الإنسان الّذي يدّعي المعرفة المطلقة». ⚠️ وخطأ ثانٍ : الخلط بين مبدأ السببية ومبدأ الحتمية ؛ فالأوّل يقول إنّ لكلّ حادثة سببا، والثاني يقول إنّ الظاهرة يتحتّم وقوعها متى توافرت أسبابها — والثاني أقوى من الأوّل، وسقوطُ صيغته القصوى لا يُسقط الأوّل.
نتيجة — لا يستغني الاستقراء عن مبادئ يسلّم بها قبل التجربة، وهي ثلاثة مترابطة. السببية: مصادرةٌ أوّلية للعقل تنصّ على أنّ ما يقع في الطبيعة يمكن تفكيكه إلى حوادث تُجمع أزواجا برابطة العلّة والمعلول ؛ وقد اختُلف في مصدرها، فجعلها العقليون فطريةً بديهية، وردّها التجريبيون إلى التجربة والعادة — حتّى ذهب «هيوم» إلى أنّ المشاهدة لا تُرينا قوّةً تنتقل من العلّة إلى المعلول، فليس بين الحوادث سوى تعاقب ثابت. والاطّراد: وهو التكرار الّذي لا يتغيّر، وقد سمّاه «مل» الاطّراد العِلّي. والحتمية: وهي أنّ الظواهر يتحتّم وقوعها متى توافرت أسبابها، ويترتّب عليها رفض الطفرة والمصادفة والعشوائية، وقد بلغت صيغتها القصوى عند «لابلاس». غير أنّ هذا المبدأ وقع في أزمة حقيقية مع نظرية الكوانتا عند «بلانك»، ونسب اللاحتمية عند «هيزنبرغ»، والنظرية النسبية كما يذكر «دو بروي» ؛ فتبيّن أنّ الحتمية ليست دقيقة، وأنّ الضبط الحتمي لا يصحّ في مستوى الميكرو-فيزياء. ومع ذلك فليس هذا تقصيرا في العلم، وإنّما في الإنسان الّذي يدّعي المعرفة المطلقة ؛ فالمبادئ لم تُلغَ، وإنّما حُدّد مجال صلاحية كلّ صيغة منها. ⟸ فإذا كانت هذه المبادئ نفسها غير مبرهَن عليها، فبأيّ حقٍّ يبرّر الاستقراءُ انتقالَه من الجزئي إلى الكلّي ؟

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net