الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم في العلوم الإنسانية

طبيعة الموضوع والعوائق الابستيمولوجية في: التاريخ

🔊 المعلّمة تقرأ لك
افتح كتابا مدرسيا للتاريخ عندنا، وآخر عند شعب آخر، وابحث فيهما عن السنوات نفسها: ستجد الحادثة نفسها موصوفة بكلمتين مختلفتين، ويُبنى عليها حكمان مختلفان. ولا أحد من المؤلّفَين اخترع الوقائع. بل إنّ حكومة ذات نظام جديد قد تغيّر كلّ المؤلّفات التاريخية السابقة في التعليم، في حين أنّها لا تفكّر في تجديد كتب الرياضيات أو الكيمياء. فلماذا يقبل التاريخ ما لا تقبله الكيمياء ؟ وهل يستطيع المؤرّخ أن يكتب ما جرى كما جرى ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديد طبيعة موضوع علم التاريخ، وتمييز الظاهرة الإنسانية من الظاهرة الفيزيائية في الشيء الواحد
  • عرض العوائق الابستيمولوجية الخمسة التي تعترض دراسة الحادثة التاريخية، وربط كلّ عائق بخاصية في الحادثة نفسها
  • بيان كيف تجاوز المؤرّخون هذه العوائق: تطويع مفهوم التجريب، نقد المصادر، إعادة بناء الحادثة
  • تقويم نتائج علم التاريخ: ما لا تبلغه من دقّة، وما تحقّقه مع ذلك من فهم وفائدة
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • شروط المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية: الملاحظة، الفرضية، التجربة، القانون
  • مبدأ الحتمية: نفس العلل تصنع نفس النتائج، وما يترتّب عليه من إمكان التنبّؤ
  • الفرق بين الموضوعي والذاتي، وبين الوصف والتفسير
هل نتحدّث عن العلوم الإنسانية أم علوم الإنسان ؟ وهل نستطيع أن نتنبّأ بما يصدر عن الإنسان من سلوكات إذا ما استطعنا الوصول إلى دراسته وعرفنا قواعد النظام الذي يحكمه ؟ إنّ الظاهرة الإنسانية ليست ظاهرة شبيهة بالظواهر الأخرى، وهذا ما يشكّل عقبات أمام تطبيق مقياس التجربة المعروف في العلوم الطبيعية. تُرى ما هي هذه العقبات على مستوى التاريخ ؟ وهل تحول دون أن يكون التاريخ علما ؟

مقدمة : طرح المشكلة

كثر التساؤل عن مكانة العلوم الإنسانية ودورها في فهم الواقع البشري، وعمّا إذا كان مستوى فهمها هذا يمكّنها من استثماره في مجالات الحياة العامّة، كما هو شأن كلّ العلوم الطبيعية. ويأخذ هذا التساؤل في علم التاريخ صورته الأشدّ حدّة: فالمؤرّخ لا يعاين موضوعه، لأنّ موضوعه مضى ؛ ولا يعيد إنتاجه في مخبر، لأنّ الزمن لا يعود ؛ ولا يقف منه موقف المتفرّج المحايد، لأنّه هو نفسه ابن عصره ومجتمعه. فهل يبقى بعد ذلك مجالٌ للحديث عن علم للتاريخ ؟ وللرّدّ على هذا التساؤل نمهّد لفهم المشكلة بالمدخل التالي.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

من حوار بين صديقين (أ) و(ب) حول ورقة مخطوطة

ـ (أ) : إنّي منشغل بهذه الورقة المخطوطة ؟ ـ (ب) : إنّها مثل الأوراق التي تراها أمامك وقد سقطت من الأشجار ؛ ـ (أ) : لا بل قل: إنّها ليست كذلك، وليست شيئا كالأشياء الأخرى ؛ ـ (ب) : ومع ذلك، فلو رميتَها في الفضاء لسقطت مثل جميع الأجسام ؛ ـ (أ) : فماذا لو علمتَ بأنّ هذه الورقة هي وثيقة خطّتها أنامل «الأمير عبد القادر الجزائري» ؟ فهل من مجتهد ؟ ـ (ب) : أهذا هو خطّه حقّا ؟ وما هذه الأشكال المتنوّعة التي تراها، أليست رسما لبندقية قديمة ولقطعة نقدية يصعب قراءتها ؟ ـ (أ) : فبشيء من الاجتهاد يكون بإمكانك استقراء هذه المعطيات وما ترمز إليه ؛ ومن ثمّة تهتدي إلى أنّ الوثيقة ظاهرة خاصّة ؛ فهي ليست جسما فيزيائيا ولا بيولوجيا ؛ إنّها ظاهرة تحمل سمات كائن بشري ؛ ـ (ب) : هذا صحيح ؛ إنّها لحظة تاريخية، ونفحة نفسية، ومرآة عاكسة لمؤثّرات اجتماعية ؟ ـ (أ) : وكائن من هذا القبيل يحتاج إلى عناية منهجية خاصّة ؛ لأنّ الباحث العلمي في هذا المجال يتساءل مثلا وبكلّ شرعية: هل الوثيقة ترجع إلى الزمن الذي تنتمي إليه أم أنّها قد وُضعت فيما بعد ؟ وهل وصلت إلينا كما هي أم طرأ عليها بعض التغيير في فترات أخرى ؟ وهل مادّة الورق ونوعية الحبر وأشكال الخطوط والرسوم تناسب العصر الذي ينتمي إليه صاحبها ؟ وهل الموثِّق من حيث نفسيّته صادق فيما دوّنه من معلومات ؟ لا بل هل هذه المدوَّنة مدوَّنتُه ؟

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الشيء الواحد وظاهرتان : مهما اختلفت الأجسام في طبيعتها فإنّها تتّفق في خضوعها لقانون الجاذبية، وهذه حتمية عالمية لا ينفلت منها أيّ كائن ؛ فالورقة تسقط كما تسقط جميع الأجسام. ولكنّ ما ينفرد به الإنسان أنّ ما يصدر عنه من سلوكات يحمل طابعا مميّزا.
  2. فرقٌ بين ورقة الشجر ووثيقة الإنسان : فهناك فرق واضح بين ورقة متروكة للطبيعة وأخرى مرّت بها يد الإنسان ؛ الأولى ظاهرة فيزيائية تنتمي إلى عالم الأشياء، والثانية ظاهرة إنسانية نفخ فيها الإنسان من روحه، ولا تكتسي معناها الحقيقي إلاّ في علاقتها به. وتفرض كلّ واحدة منهما عند الدراسة العلمية طريقتها المنهجية الخاصّة بها.
  3. الإنسان كائن أبعاد ثلاثة : فالظاهرة الإنسانية معقّدة جدّا لأنّ عوامل إنتاجها متداخلة، ومترامية الأطراف لأنّ المؤثّرات النفسية والاجتماعية تتفاعل فيها ضمن حدود الزمان. ويشترك في تجلية جوانبها جملةٌ من العلوم أهمّها ثلاثة: علم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس.
  4. سؤالٌ ترك معلّقا : ولم ينتهِ الحوار إلى نتيجة ؛ إنّه ترك الباب مفتوحا والاستفهام معلّقا: كيف يُدرَس ما لا يُعاد ولا يُقاس ولا يُشاهَد ؟

I – ضبط مفهوم العلوم الإنسانية وموضع التاريخ منها

أُطلق مصطلح العلوم الإنسانية على العلوم التي تتّخذ من أحوال الناس وسلوكاتهم موضوعَ بحث بطريقة منهجية منظّمة ؛ فهي تتناول الواقع الإنساني، سواء تعلّق بالإنسان منفردا أو مرتبطا بغيره، لغاية فهمه وتحديد ثوابته. ويتحدّد موضوعها في كلّ ما يصدر عن الإنسان من أنواع السلوك: فهو يحيا ويتكلّم ويدرك ويتصوّر ويتألّم، له ميول وعواطف، ويعيش في جماعة، ويترك وراءه أحداثا تدلّ على حضوره ووجوده. وهذا الأخير بالذات هو موضوع علم التاريخ. ويفضّل بعضهم تسميتها علوم الإنسان لاهتمامها بموضوع الإنسان، متجاوزةً نسبة «الإنسانية» نظرا إلى ما تثيره من تأويلات تتعلّق بالقيم والأخلاق ؛ فنحن نقول «إنسانية» نسبةً إلى موضوعها، كما نقول «تجريبية» نسبةً إلى منهجها، و«معيارية» نسبةً إلى المعيار الذي يُقدَّر على مثاله السلوك.

أولا : طبيعة موضوع علم التاريخ

موضوع علم التاريخ هو الإنسان من حيث إنّه يشكّل لحظة من لحظات التاريخ: يباشر الحاضر ليتحوّل إلى ماضٍ. وهو بهذا موضوع من طبيعة خاصّة: الظاهرة الإنسانية ذاتية وقصدية، توجّهها جملة من القيم والقواعد، ولا تثبت على حال لأنّها مصدر ابتداع وحرية. وهذه الخصائص تجعلها متباينة عن ظواهر الطبيعة المادية، لأنّها متّصلة ببيئة الإنسان وبأخلاقه وثقافته وبعواطفه ومبادئه، ولا يمكن التنبّؤ بها. ويضاف إلى ذلك في التاريخ خصوصية لا يشاركه فيها علمٌ آخر: موضوعه غائب. فالمؤرّخ لا يبلغ الحادثة، وإنّما يبلغ ما خلّفته من آثار ووثائق ؛ فهو يشتغل على أثرِ الموضوع، لا على الموضوع نفسه.

ثانيا : العوائق الابستيمولوجية للحادثة التاريخية

  1. إنّها حادثة ذات سمة فردية : تجري في زمن محدّد ومكان اجتماعي معيّن ؛ فليست نموذجا يتكرّر في كلّ الأزمنة.
  2. لا تتكرّر : لأنّ الزمن الذي حدثت فيه لا يعود من جديد، والإطار الاجتماعي الذي اكتنفها لا يبقى هو نفسه. أمّا الحتمية التي تُعتبر مبدأ أساسيا في علوم المادّة، والتي تقتضي أنّ نفس العلل تصنع نفس النتائج، فيبدو أنّها لا تنطبق على التاريخ، ما دامت الحوادث التاريخية حوادث تمضي ولا تعود.
  3. غير قابلة للإعادة الاصطناعية ولا للتكميم : فالمؤرّخ لا يمكنه التأكّد من صحّة افتراضه عن طريق التجربة العملية ؛ أي أنّه لا يستطيع مثلا أن يُحدث حربا «تجريبية» حتّى يتثبّت من فرضيته. واستحالة إجراء التجارب تَحُول دون الوصول إلى القوانين، وبالتالي إلى مرحلة التنبّؤ بمستقبل الحادثة.
  4. يصعب تحديد بدايتها الواضحة : وأصولها البعيدة، ونتائجها وقت حدوثها ؛ فحلقات الأسباب شديدة التسلسل.
  5. انفلاتها من الدراسة الموضوعية النزيهة : لأنّ المؤرّخ إنسان ينتسب إلى عصر معيّن ومجتمع معيّن. فهو لا يستطيع — على الرغم من اجتهاده في أن يكون موضوعيا — أن يكتب التاريخ إلاّ طبقا للواقع الذي يحياه، فيعيشه من خلال قيمه واهتماماته وتربيته ؛ ذلك لأنّ الماضي يُعاد بناؤه تبعا لمقتضيات الحاضر.

هذا فضلا عن أنّ العلم يقرّب الناس والتاريخ يعمل على تشتيتهم: فكلّ شعب وتاريخُه، أو أسلوبه في تمثّله للتاريخ. فالشابّ في هذا القطر لا يتعلّم نفس التاريخ الذي يتعلّمه الشابّ في قطر آخر. وهذه العوائق مجتمعةً هي التي تجعل تطبيق مقياس التجربة، بالمفهوم المستعمل في العلوم التجريبية، متعذّرا في التاريخ. فكيف استطاع الباحثون اقتحامها على منوالهم ؟

ثالثا : تجاوز العوائق

يعود الفضل في تذليل هذه العقبات إلى «عبد الرحمن بن خلدون»، ومن أعقبه بعد فترة من المؤرّخين الأوروبيين انطلاقا من القرن التاسع عشر — وخاصّة في فرنسا مع «رينان» و«تين» و«فوستال دي كولانج». وكان أوّل مبدأ في اجتهادهم احترام طبيعة الحادثة التاريخية وخصائصها، لا إجبارها على منهج صُنع لغيرها ؛ لأنّ طبيعة الموضوع هي التي تحدّد المنهج.

ابن خلدون

«إنّ النفس إذا كانت على حال من الاعتدال في قبول الخبر، أعطته حقّه في التمحيص والنظر.» وينصح المؤرّخَ أيضا بأن يكون عالما بما يحيط بالخبر: «يحتاج صاحب هذا الفنّ إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار … والسِّيَر والأخلاق والعوائد والنِّحَل والمذاهب وسائر الأحوال.» ابن خلدون، المقدمة، ص 35 و ص 28

  1. عن فرديّتها : إذا كانت الحادثة فردية فليس معنى ذلك أنّها تنفلت من دائرة الفهم ومن حتمية الأسباب ؛ فإنّ لها مؤثّرات نفسية واجتماعية، فضلا عن الظروف الطبيعية التي تحتضنها.
  2. عن عدم تكرارها : إذا كانت لا تتكرّر لأنّها مضت والماضي لا يعود، فذلك لا يعني عدم إحيائها انطلاقا من آثارها.
  3. عن تعذّر التجريب : يتعيّن تطويع مفهوم التجريب وتهذيبه بحيث ينسجم مع طبيعة الحادثة التاريخية ؛ فللمؤرّخ وسيلة تقوم مقام التجربة وتلائم طبيعة الأحداث الماضية، وهي المقارنة التاريخية: فمن دراسة الدول القوية يمكن الوصول إلى أنّ عامل المصلحة الاقتصادية جوهري في تدخّلها في شؤون غيرها.
  4. عن صعوبة تحديد البداية : يرتّب المؤرّخ افتراضاته في تحديد منطلق الحادثة ويختار أقربها إلى الموضوعية، مع وعيه بأنّ حلقات الأسباب والمقدّمات شديدة التسلسل.
  5. عن الموضوعية : يجب توسيع مفهومها وربطها بخصوصيات الحادثة التي تقع تحت الدراسة ؛ والوعي بصعوبة التجرّد يجب أن يدفع المؤرّخ إلى اتّخاذ مزيد من الاحتياطات، لا إلى التخلّي عن الموضوعية.

رابعا : من المصادر إلى إعادة البناء

وعلى أساس هذه الخصائص راح المؤرّخ يتناول الحادثة من خلال الآثار والوثائق، وقد صُنّفت إلى فئتين: المصادر غير الإرادية التي لم يتدخّل قصدٌ ولا نيّة في صناعتها والاحتفاظ بها، كالأبنية الأثرية والنقود والأسلحة والأوسمة والتراث الفكري والأدبي ؛ والمصادر الإرادية أو المباشرة التي احتفظ بها الناس قصدا لتكون شاهدا عليهم، كالرواية وكتب التاريخ. ويبقى على المؤرّخ أن يتحقّق من صدق هذه الأخيرة بوجه أخصّ وتجرّدها من كلّ طابع شخصي، لأنّه لا يطمئنّ إليها كثيرا ؛ وهذا هو التحليل التاريخي: فقبل أن يعيد بناء الحادثة يمارس النقد.

  1. النقد الخارجي : يتناول المؤرّخ الوثيقة ليتفحّص شكلها: هل ترجع إلى الزمن الذي تنتمي إليه ؟ هل وصلت إلينا كما هي ؟ فيتفحّص المادّة التي يتألّف منها المصدر، كنوع الورق والحبر أو شكل الخطّ ؛ وإذا كان المصدر سلاحا أو نقودا أو أوسمة تفحّص نوع المعادن ؛ ويتفحّص طبيعة المواد الكيميائية إذا كان من الآثار الفنّية أو القديمة.
  2. النقد الباطني : يختبر مضمون المصدر، فيتحقّق من أنّ ما ورد فيه يتماشى وعقلية العصر الذي ينتسب إليه، ولا يخرج عن إطار الحوادث الأخرى لذلك الزمن، فيكون متّفقا مع ما سبقه من العوامل وما تلاه من النتائج ؛ ويتحقّق من أنّ معاني النصّ متردّدة في مراجع تاريخية أخرى مستقلّة عنه — فالمرجع الواحد غير كافٍ لإثبات حادثة، ويجب أن تكون المراجع مختلفة المشرب حتّى لا يكون بعضها منقولا عن بعض.
  3. نقد الراوي : وعندما يتعرّض المؤرّخ للآثار المروية لا بدّ من أن يتفحّص نفسية صاحب الرواية والمؤثّرات التي من شأنها أن تدفعه إلى تشويه الحقائق: التحزّب لعقيدة سياسية أو دينية، والكذب، وسعة الخيال، وضعف الذاكرة، والتملّق للحكام، والذهول عن المقاصد.
  4. إعادة البناء : وأخيرا يعيد بناء الحادثة، فيؤلّف بين أجزائها ويرتّبها حسب تسلسلها الزمني، ويُدرجها مع الحوادث العامّة بعد اصطفائها تبعا لأهميتها أو نوعها.

خامسا : قيمة نتائج علم التاريخ وحدودها

لم يعد المؤرّخ اليوم يرى في الموضوعية بالمفهوم التقليدي غايةً قابلة للتحقيق، ذلك لأنّ التجرّد من العواطف في دراسة التاريخ أمر صعب المنال ؛ فهو قبل كلّ شيء إنسان، ومهما يكن مستقلاّ عن وقائع الآخرين فلا بدّ من أن يشاركهم بعض المشاعر لأنّه واحد منهم. وهو يلجأ إلى خياله لملء الفجوات التي يتعرّض لها عند بنائه للحادثة، فيبعث الزمن من جديد بأناسه وأبطاله ويجعلنا نعيش معهم — وهذا هو التعاطف، مع الحذر من الانسياق إلى المجاملة. فعملية الاسترجاع ليست أبدا إعادةً صادقة للماضي، وإنّما هي إعادة تنظيم للماضي بشكل جديد فاقدٍ للحرارة الأصلية.

محمد عبد الغني حسن

«يلزم المؤرّخ أن يكون صاحب إحساس وعاطفة وتسامح وخيال بالقدر الذي يتيح له أن يدرك آراء الغير ونوازع الآخرين … ويحسّ ما جاش بصدورهم من شتّى العواطف، ويفهم الدوافع التي حرّكتهم لاتّخاذ سلوك معيّن في الزمن الماضي … لأنّ المؤرّخ المجيد تتحدّث آثار الإنسان إلى قلبه، ويجد في ثناياها صدى نفسه، فتتجلّى فيه روح الفنّ والعلم، ويبعث التاريخ حيّا يحيا في التاريخ ويعيش للتاريخ.» محمد عبد الغني حسن، علم التاريخ عند العرب، ص 34

  1. المستوى الأفقي : تفتّح التاريخ على كلّ العلوم، وخاصّة منها العلوم الإنسانية ؛ فاستفاد من المنهج العلمي وكيّفه مع خصوصية ميدانه، وعزّز علاقاته بعلوم الإنسان واستعار بعض تقنياتها في تحرّي الخبر — من فقه اللغة وعلم قراءة النصوص القديمة وعلم الأثريات وعلم اللغات وعلم النقوش وعلم المسكوكات والجيولوجيا وعلم النبات. ذلك أنّ الحادثة التاريخية تشارك في إنتاجها عوامل متعدّدة لا ينفرد بتحليلها علمٌ مغلق يكتفي بذاته.
  2. المستوى العمودي : طموح المؤرّخين إلى ربط سائر الأحداث بخيط عمودي يجمع الشتات في وحدة شاملة، فيصل الأجزاء بمجموعها ويخلع عليها العقلانية التي تناسبها ؛ فمهمّة التاريخ لا تكتفي بسبر أغوار الأحداث الجزئية، وإنّما تطمح إلى بلوغ المنطق العامّ الذي يحرّك هذه الأحداث — وهذه مهمّة تجمع بين التاريخ وفلسفة التاريخ.

أمّا الفائدة فإنّ التاريخ يوقفنا على أحوال الماضين من الناس في حياتهم المدنية وأخلاقهم وسياستهم ودياناتهم وأساليبهم في الإنتاج والتجارة، ومنه نأخذ العبر ونستوحي الحكم. ويساهم من جهة أخرى في منح الإنسان هويّته وتحديد فضائه في العالم، لأنّه يُقرّ بأنّ له أصلا وبأنّه ليس حلقة لا سلسلة لها ؛ فيحصّنه من الذوبان في الغير، ويزيد الشعوب المضطهَدة قوّةً لمواجهة الغزو والهيمنة. على أنّ التاريخ يجترّ كلّ شيء، الصالح منه والفاسد: فإلى جانب المغازي والمناقب مآسٍ وكوارث تسبّب فيها الإنسان — وهذا لا يطعن في علم التاريخ الذي يبقى مصدر العبر والدروس، وخاصّة عندما تتعامل معه الإرادات المهذّبة والسياسات الثقافية والتربوية الهادفة.

غوته

إنّ التاريخ، أبعد من أن يرهق الإنسان بأثقال زائدة، هو على العكس من ذلك أداة تتيح للإنسان فهم الماضي وتحضير المستقبل.

إذا كان المؤرّخ لا يستطيع التجريب ولا التنبّؤ، فبأيّ حقّ نسمّي التاريخ علما ؟

لأنّ العلم لا يُعرَّف بأدواته، بل بصرامة الطريق الذي يسلكه نحو موضوعه — وطبيعة الموضوع هي التي تحدّد المنهج. فمن يطلب من التاريخ حربا تجريبية يطلب منه أن يكون فيزياء، وهو طلبٌ فاسد قبل أن يكون مستحيلا. والتاريخ يملك ما يقوم مقام التجربة: نقد المصادر خارجيا وباطنيا، وتعدّد المراجع المختلفة المشرب، والمقارنة التاريخية التي تكشف عن عوامل تتكرّر في حوادث لا تتكرّر. ويملك وعيا بحدوده — وهو نفسه شرطٌ علمي: فالمؤرّخ الذي يعلن أنّ موضوعيته مشروطة بعصره أكثرُ علميةً من ذاك الذي يزعم أنّه يكتب من خارج الزمن.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة استقصائية بالوضع أو بالرفع: «هل يمكن للتاريخ أن يكون علما ؟» أو «هل تحول خصوصية الحادثة التاريخية دون دراستها دراسة علمية ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① ثلاثة عوائق تُسمّى بأسمائها (الفردية · عدم التكرار · تعذّر التجريب والتكميم) مع عائق الذاتية الذي يخصّ المؤرّخ لا الحادثة ؛ ② المقابل المنهجي لكلّ عائق (إحياء الحادثة من آثارها · تطويع مفهوم التجريب بالمقارنة التاريخية · النقد الخارجي والباطني · توسيع مفهوم الموضوعية) — فالمطلوب مقابلةٌ لا سردٌ ؛ ③ اسمٌ مسند بمرجعه: «ابن خلدون» في المقدمة. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين خصائص الحادثة (فردية، لا تتكرّر) وذاتية المؤرّخ — وهما عائقان من طبيعتين مختلفتين، والمصحّح ينتظر منك التمييز. ⚠️ وخطأ ثانٍ : أن تنتهي المقالة إلى «التاريخ ليس علما» بحجّة غياب التنبّؤ ؛ فالحجّة الصحيحة أنّ التنبّؤ مقياس مستعار من علوم المادّة، وطبيعة الموضوع هي التي تحدّد المنهج.
نتيجة — موضوع علم التاريخ هو الإنسان من حيث إنّه لحظة من لحظات التاريخ ؛ وهو موضوع غائب لا يُبلَغ إلاّ من خلال آثاره. ومن طبيعته هذه تنشأ عوائقه: حادثة فردية، لا تتكرّر، لا تقبل الإعادة الاصطناعية ولا التكميم، يصعب تحديد بدايتها، ويكتبها مؤرّخٌ ابنُ عصره لا يتجرّد من قيمه. غير أنّ هذه العوائق لم تُخرج التاريخ من دائرة العلم، لأنّ العلماء بدل أن يفرضوا عليه منهج علوم المادّة، طوّعوا المنهج لطبيعة موضوعه: إحياء الحادثة من آثارها، ونقد المصادر خارجيا وباطنيا، وتعدّد المراجع، والمقارنة التاريخية، وتوسيع مفهوم الموضوعية. فالتاريخ علمٌ على منواله: نتائجه لا تبلغ دقّة القانون الفيزيائي، ومع ذلك فقد تقدّم بها فهمُنا للإنسان أفقيا وعموديا، وأفادتنا عبرةً وهويةً وتحصينا من الذوبان في الغير.

الصفحة 1/7

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net