الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس العنف والتسامح

التسامح مبدأ إنساني سامي

🔊 المعلّمة تقرأ لك
وصل إلى قسمك تلميذ جديد من ولاية بعيدة: لهجته غير لهجتكم، وعاداته في اللباس والأكل غير عاداتكم. قال أحد زملائك: «نتسامح معه ما دام يتسامح معنا، ولكلّ شيء حدود»، وقال آخر: «التسامح الذي يضع شروطا ليس تسامحا». فهل التسامح فضيلة مشروطة بحدود، أم مبدأ مطلق لا قيد له ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • ضبط مفهوم التسامح انطلاقا من تعريفاته في الحسّ المشترك، وفي الأخلاق، وفي اصطلاح أهل الاختصاص
  • عرض حجج الموقف الذي يقيّد التسامح بشروط، وإسناد ما يُسند منها إلى أصحابه
  • نقد هذا الموقف من حيث الشكل ومن حيث المضمون
  • توظيف أطروحات تجعل التسامح ثابتا عالميا ومبدأ مطلقا (فولتير، لوك، غارودي) وشواهد من الإسلام
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مفهوم العنف وأسبابه وتعليلاته
  • سلبيات العنف وإيجابيات اللاعنف
  • الفرق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر
إذا كان من الحكمة مواجهة العنف باللاعنف، واللاتسامح بالتسامح، فكيف نهذّب مبدأ التناقض القائل بأنّ المتناقضين لا يجتمعان ؟

مقدمة : طرح المشكلة

تجد مقدّمة هذه المشكلة، والوضعيّة المشكلة (حوار الحكيم والشابّ) وتحليلها، في درس «ضبط المفاهيم والتصورات»، أوّل دروس محور «العنف والتسامح».

اقرأ المقدّمة من جديد

من المبادئ الأساسية التي يعتمد عليها العقل في نشاطاته الفكرية، والتي يتأسّس عليها المنطق الصوري، مبدأ الهُويّة، ويُعرف أيضا بمبدأ عدم التناقض. وبموجبه لا يجتمع النقيضان: فإذا صحّ أحدهما ارتفع الآخر ؛ فإن ثبتت (أ) ارتفعت (لا أ)، ولا يُعقل منطقيا أن تجتمعا معا. ويمكن توسيع العلاقة بين المتناقضين لتشمل التضادّ والتعاكس، مع التغاضي عن الفروق الطفيفة التي تميّز هذه العلاقة عن تلك. أمّا المبادرة التي تسعى إلى تجاوز هذا المبدأ، فإنّ أصحابها — على ضوء مقياس المنطق الصوري — إمّا مختلطة عقولهم، وإمّا أنّ لهم منطقا آخر يصلح لمجال غير المجال الذي يعمل فيه العقل. فهل الانتقال من مجال المعاني الصورية إلى مجال المفاهيم الأخلاقية، كالعنف واللاعنف والتسامح واللاتسامح، من شأنه أن يهذّب العلاقة بين «النقيضين» ؟ وما هذه الحكمة التي تواجه هذه المفاهيم «الأخلاقية» قصد تقريبها وتبنّي المغزى منها ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

حوار بين حكيم (ح) وشابّ (ش) : أراد الحكيم أن يمتحن نباهة الشابّ، وهو في طريق العودة إلى الصواب بعد أن غُرِّر به

ـ (ح) : كيف يكون ردّ فعلك على من شتمك أو ضربك ؟ ـ (ش) : أشتمه كما شتمني، أو أضربه كما ضربني أو أكثر ؛ ـ (ح) : لماذا أكثر ؟ ـ (ش) : لأنّه تعدّى عليّ، والبادئ أظلم ؛ ـ (ح) : ولكن لو أردت أن تكون عادلا ؛ ـ (ش) : الشتم بالشتم والضرب بالضرب ؛ ـ (ح) : لو كان أحد إخوتك قد تسبّب ظلما في فقء عين خصمه، فهل كنت ستقبل تطبيق هذه القاعدة — «القصاص بالمثل» — على أخيك ؟ ـ (ش) : (صمتٌ وتردّد) ؛ ـ (ح) : لماذا هذا التردّد ؛ هل هناك ما يقلقك ؟ ـ (ش) : بصراحة، نعم ؛ ـ (ح) : إذن، عندما يمسّ القصاص بالمثل أحدَ إخوتك، تريد قصاصا أقلّ لا أكثر ممّا كنت تراه وأنت مظلوم ؟ ـ (ش) : هذا صحيح ؛ ـ (ح) : وفي هذا التنازل، هل من بديل ؟ ألا ترى في التعويض سبيلا أقلّ ضررا ؟ ـ (ش) : نعم، بالفدية أو ما يعادلها ؛ ـ (ح) : ألا يمكنك أن تنصرف من لغة الأكثر والأقلّ إلى لغة «الأحسن» ؟ ـ (ش) : ماذا تقصد ؟ ـ (ح) : ألا ترى معي بأنّ الأحسن هو إصلاحُ الجاني ومساعدتُه على الاهتداء إلى الصواب، فتقابل السوء بالطيّب والشرّ بالخير ؟ ـ (ش) : هذه دعوة صريحة إلى تشجيع أهل الشرّ ؛ ـ (ح) : فمقابلة الشرّ بالشرّ تعود بنا إلى عهد قانون الغاب، وقد نفرتَ منه قبل قليل ؛ ـ (ش) : هل تريد منّي أن أعامل صاحب السوء بالطيّب، وصاحب العنف باللاعنف ؟ ـ (ح) : ألا ترى معي أنّ الشتم بالشتم والنار بالنار يزيد الأمر تأزّما وتأجّجا دون نهاية ؟ ـ (ش) : أجل ؛ فبالإمكان مقابلة التعدّي بنقيضه أو ضدّه: السوء باللاسوء، والكراهية بالمحبّة، والعنف باللاعنف، واللاتسامح بالتسامح ؛ ـ (ح) : ألا ترى في العلاقات بين «متنافرين» البديل المنطقي المناسب للموقف ؟ ـ (ش) : وهل أفهم بأنّ التنافر في المنطق شيء، وفي العلاقات الإنسانية شيء آخر ؟ ـ (ح) : عاشر الناس بالمعروف، واصفح عنهم وقل: سلامٌ ؛ ـ (ش) : ولكنّ هذا أجمل لمن يتّعظ ؟ ـ (ح) : إنّك في طريق الصواب، فهلّا تصل ؛ فهل من متّعظ ؟ في قول الشابّ «والكراهية بالمحبّة»: كان المفروض أن تقابَل الكراهية باللاكراهية، ولكنّ المحبّة فُضِّلت ما دام التضادّ قد وُضع في حكم التناقض. وفي قول الحكيم «واصفح عنهم وقل: سلامٌ» إحالة إلى الآيات: البقرة، 109 · المائدة، 13 · الحجر، 85 · النور، 22 · الزخرف، 89 · التغابن، 14.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الفطرة بين الانتقام والتخفيف : أثبت الحوار أنّ الفطرة تقتضي أن نردّ على العدوان أو العنف بروح انتقامية ردّا مماثلا، لا بل أكثر ؛ ولكنّها تقتضي أيضا أن يُقتصّ منّا — عندما نبادر نحن بالاعتداء على غيرنا — بعقوبة أقلّ وأخفّ.
  2. من المثل الأكثر إلى المثل الأقلّ : يسّر الحوار في مرحلة أولى الاستدراجَ من المثل الأكثر إلى المثل بالمثل، ومن ثمّة إلى المثل الأقلّ.
  3. من الحساب إلى الحكمة : ثمّ وقع في مرحلة ثانية الانصرافُ من القصاص المؤسَّس على الحسابات الرياضية إلى التقدير المؤسَّس على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، فأصبح التعامل مع العنف يتّجه من الأحسن إلى الأجمل: من مقابلة الشرّ بالطيّب واللاتسامح بالتسامح، إلى مقابلتهما بالصفح الجميل والمحبّة، دون انزعاج منطقي ولا تنازع عقلي.
  4. سرّ القضية : تنتهي الوضعية إلى تساؤل يفيد بأنّ سرّ القضية هو في التعامل الإنساني الحكيم مع مقتضيات الواقع ؛ وهو تمهيد يدعونا إلى الردّ على تساؤلات أربعة: ما قانون مقابلة المثل بالمثل في القصاص ؟ ما العنف وما أسبابه وتعليلاته ؟ ما السبيل إلى الحكمة التي تقابل الشرّ بالخير ؟ ما التسامح وما طبيعته وما الحكمة من فكّ قيوده ؟
افتح الدرس: ضبط المفاهيم والتصورات

IV – ما التسامح وما طبيعته وما الحكمة من فكّ قيوده ؟

أولا : إنّ الذين حدّدوا مفهوم التسامح، وضعوا له قيودا

ويتجلّى ذلك من خلال التعاريف التالية، التي يبرز فيها الحدّ الأدنى الذي تقف عنده فضيلة التسامح:

  1. في الحسّ المشترك : هو الموقف الذي يبيح لشخص ما قبولَ أساليب الآخرين في التفكير والحياة، وهي تختلف عن أساليبه الخاصّة ؛ أو هو الموقف الذي يبدي فيه شخص ما تساهلا أو احتمالا لمفعول مؤثّر خارجي في حالة انزعاجنا، كدرجة احتمالنا لسلوكات بعضنا بعضا.
  2. بالمعنى الأخلاقي : هو درجات تختلف من شخص إلى آخر، ومن ظرف إلى آخر، وعند الشخص الواحد من حالة إلى أخرى.
  3. في اللغة الفرنسية واصطلاح أهل الاختصاص : هو عند الأطبّاء الخاصّية التي تملكها العضوية في احتمال مقادير مادّة صيدلانية ؛ وعند المصرفيين العيار — المتراوح بين الفائض والنقص — الذي تجيزه الدولة في صناعة العملة النقدية ؛ وفي لغة التقنيين الهامش المسموح به في القياسات الميكانيكية بين صناعة قطعة ونموذجها الأصلي ؛ وفي اصطلاح الإدارة العسكرية السقف المحدّد — حال استلام المواد المصنوعة من أسلحة وذخيرة — للفوارق المجازة بين المقاسات الحقيقية والمقاسات المسجّلة في جداول الصناعة أو الأشكال النموذجية.

ويتأكّد لنا أنّ القاسم المشترك في كلّ هذه التعريفات هو أنّ حدود المجال الذي ينصبّ عليه المفهوم تعيّنها قيود. ومن الحجج التي يلجأ إليها أصحاب هذا الموقف لإبراز صورة تقييده، ومن ثمّة ضبط طبيعة التسامح، يمكن عرض ستّ:

  1. الفضيلة المطلقة تنقلب إلى نقيضها : إنّ الفضيلة التي لا تملك نظاما ولا حدّا تقف عنده قد تنقلب إلى نقيضها، شأنها في ذلك شأن الحرّية أو الديمقراطية التي قد تتحوّل إلى فوضى في غياب ضوابط أخلاقية واجتماعية. فهل من المعقول أن يتصرّف الشخص كما يحلو له بحيث يتعدّى على الغير ؟ وهل من المعقول، باسم الديمقراطية، أن نصغي لأعداء الديمقراطية ؟ وهل من المعقول أن نتسامح مع أهل اللاتسامح باسم التسامح ؟
  2. التسامح الذي لا يقف عند حدّه يمهّد للعنف : إنّه يعاكس القوّة والعنف، وقد ينقلب إلى نقيضه، وهو اللاتسامح، إذا لم يتوقّف عند حدّه ؛ فكلّما اتّسعت مساحته لتشمل النقيض ضعفت قوّته وتهيّأت أسباب انحطاطه، والتسيّب والجريمة والفوضى تبدأ من هنا. وبانحطاط هذه الفضيلة تتهيّأ كلّ المبرّرات لاستعمال العنف ؛ وهو العنف الذي يعتبره «ماكيفيل» — الكاتب الإيطالي الذي مارس السياسة والفلسفة واشتهر بكتابه «الأمير» ⁦(1469–1527)⁩ — الفضيلةَ الجوهرية التي تمكّن من إنجاح أيّ إنجاز، وخاصّة في مجال الحكم ؛ وهو السلاح الطبيعي الأنسب للصراع من أجل البقاء، كما ذهب إلى ذلك «فريديريك نتشه»، وقبله التطوّريون أمثال «سبنسر».
  3. التسامح وليد محاربة الحقد الديني : ارتبط التسامح عبر التاريخ بمحاربة الحقد، وخاصّة في المجال الديني. وقد تأخّر ظهور المفهوم في الفكر الفلسفي الغربي إلى القرن السادس عشر بعد حروب دينية دامية، والقرن السابع عشر بعد مخاصمات لاهوتية، وهذا بسبب غموض الحدود التي كان يجب على التسامح الوقوف عندها ؛ وأخيرا توصّل النضال الفلسفي في أوروبا إلى تقرير حرّية الآراء، ولو كانت دينية، في المادّة العاشرة من «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الصادر في 26 أغسطس سنة 1789.
  4. القيم الأخلاقية نسبية : لأنّنا نلاحظ أنّها لا تثبت على حال ؛ فما هو مقبول في ثقافة ما مرفوض بشدّة في ثقافة أخرى. فالتسامح نسبي، تحدّه ضوابط اجتماعية من تراث أدبي وتاريخي وعقائدي، وتحدّه حقيقة التحوّلات التي يشارك الإنسان في إنجازها في عالم لا يتوقّف عن التغيّر.
  5. لا تسامح إلّا بتراضي الطرفين : لأنّه إذا تمّ التنازل من طرف واحد كان الحاصل لا شيء ؛ فلا تسامح إلّا إذا طلبه كلاهما، بحيث يقول أحدهما: لا أطمح في التسامح إلّا إذا كان هذا هو طموح الآخر. وعليه فلا بدّ من رفض كلّ أشكال الحقد والضغينة والتجبّر والإكراه، مقابل التسامح الذي يعرف في الممارسة متى يقف وأين، وإلّا انقلب إلى فوضى عشوائية.
  6. الحذر من حرب الحضارات : ينصح «هونتانغتن» الغربيين بالحذر من نزع السلاح، و«بفهم أعمق» للحضارات الأخرى، وبأن يتعايشوا دون أن يتحاربوا، وبأن يأخذوا حذرهم، لأنّ حرب الحضارات تتهيّأ لتخلف الحرب الباردة كظاهرة مركزية للسياسة العالمية.

هكذا إذن، لا تسامح إلّا متى عرف صاحبه مبلغ حدوده ومجال صلاحياته ؛ فهو مشروط بنبذ العنف على اختلاف أشكاله، ومتوقّف على تراضي المتسامحَين. ولكن، هل هذه الشروط هي في الحقيقة لصالح التسامح ؟ ألا يمكن اعتبارها عقبات في وجهه ؟

ثانيا : ما الحكمة من فكّ قيوده ؟

إنّ مذهب تقييد التسامح بشروط باطل، وذلك من مستويين: من حيث الشكل، ومن حيث المضمون.

1 ـ من حيث الشكل

  1. منطق التقييد يتقوّض من أساسه : لأنّ التسامح، على العكس من ذلك، يقبل النقيض ولا يرفضه ؛ فإذا وقع رفض الشيء انقرض، ولم يبق منه ما يقرّبه من حظوة التسامح. وتقييد التسامح في صلاحياته الشاسعة ومهامّه الحرّة الشاملة باسم النسبية معناه خنقه، وجعله تحت رحمة الأهواء والتقديرات الذاتية الضيّقة.
  2. رفض العنف عنف بدوره : ولا يغذّي سوى العنف، وهذا ليس هو المنطق الذي يلتزم به التسامح ؛ فالتسامح ليس معناه مواجهة العنف بالعنف، ولا مبرّر لوجوده إلّا بتواجد أضداده ونقائضه كالعنف واللاتسامح، فيتعامل معها بأسلوب التعاطف والجوار، سعيا وراء توجيهها نحو الغايات السامية. وإنّ التسامح يبقى لا شيء إن بقي في حدود الشرط الطفيلي الذي بموجبه يقول الطرف (أ): أنا لا أطمح إلى التسامح مع الطرف (ب) إلّا إذا هو صرّح بطموحه ؛ فماذا تكون النتيجة لو كان الطرف (ب) هو البادئ بالقول ؟ فالتسامح هو المبادر إلى الخير، مهما كان الشخص الذي يتجسّد فيه، الأوّل أو الثاني.
  3. التعايش المشروط بالحذر يرفع مرجعيته : إنّ التعايش السلمي الذي يتحدّث عنه «هونتانغتن» مطلب مشروط بالحذر، أي قائم على اضطراب الثقة من الطرفين، وبما ينجرّ عنه من رفع المرجعية التي يستند إليها التعايش نفسه، وما يقتضيه هذا التعايش من تسامح متحرّر من أيّ قيد.

2 ـ من حيث المضمون

إنّ التعريف الأخلاقي الذي انطلقوا منه تعريف ضيّق وخانق، من حيث إنّه يجعل التسامح مشروطا، والشرط مثبّط يقضي عليه ولا يحصّنه، ويمنعه ولا يشجّعه على أن يبقى مصدر رحمة وتعايش وقبول للغير بسلبياته وإيجابياته. ومعظم الذين اهتمّوا بقضية التسامح وقفوه على التعايش الديني والعقائدي بوجه أخصّ، في حين أنّ التسامح لا يشمل المجال الديني فقط ؛ فهو اليوم يتّسع لكلّ المجالات السياسية والخلقية والاجتماعية. وإذا تأخّر ظهوره كمفهوم فلسفي، فلأنّ القضية ليست في مستوى فشوّ الأحقاد الدينية بين الفرق والطوائف، بقدر ما هي في القيود الحديدية التي كانت تكبّله وتثبّطه في مهامّه ؛ وسيعود إلى التغييب إذا ما زاد تضييقا وحراسة من الذين يعتقدون تأمينه وحمايته. وللتعبير عن طابعه العالمي المتسامي، خُصّص يوم 16 من شهر نوفمبر من كلّ سنة للاحتفال باليوم العالمي للتسامح، وذلك بمبادرة من اليونسكو سنة 1995.

الإسلام — التكريم للإنسانية جمعاء

في الإسلام يُعلَن أنّ الإنسانية جمعاء تشترك في التكريم، من غير اختصاص بلون أو جنس أو أمّة ؛ قال الله تعالى: «ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا». فليس ثمّة شعب الله المختار في الإسلام، بل الإنسانية كلّها هي الخليقة المختارة في هذه الأرض، بمقتضى الإرادة الإلهية. ولقد أعطى النبيّ (ص) مثلا أعلى لمعاملة أهل الكتاب: فقد رُوي أنّه كان يحضر ولائمهم، ويشيّع جنائزهم، ويعود مرضاهم، ويزورهم ويكرمهم ؛ يقول (ص): «تصدّقوا على أهل الأديان كلّها». الإسراء، 70 · الحديث أخرجه «ابن أبي شيبة» في المصنّف، السلسلة الصحيحة: 2766

إنّ التسامح لا يساير تحوّلات الناس، إلّا لأنّه ثابت عالمي ومبدأ مطلق. فالفضيلة لا معنى لها خارج الحياة الاجتماعية التي لا تتوقّف عن التغيّر ؛ وليس من طبيعتها ولا من وظيفتها أن تنسحب أمام العقبات والعوائق، بل إنّها تطلب التفتّح والتعامل مع كلّ الظروف في روح من الشمولية، مع العلم بأنّ وراء كلّ متغيّر ثابتا مطلقا يأخذ به الناس في حياتهم المتغيّرة، كمبدأ متعالٍ يقوم على تقبّل المغاير والتحاور معه من غير سابق قيد ولا شرط. والتسامح من أمّهات الخصال التي تنسجم مع معطيات العصر، كالعولمة والاتّصال المعلوماتي وتبادل البرامج والتجارب الثقافية ؛ هو مصدر الحوار، والحوار أداة التفاهم والتعايش، يتقبّل التنوّع والاختلاف. والقيم الخلقية مصدر سلوكاتنا، وهي تنطبق على جميع الناس الذين يشتركون في نفس المصير الذي حدّده لهم الله جميعا، وليست نسبية تثبت اليوم وتُرفع غدا، بحيث يكون التسامح فضيلة تارة ورذيلة تارة أخرى ؛ فهو إن ساير تغيّر المجتمعات وتحوّلات العالم، يبقى صالحا لجميع الناس في كلّ زمان ومكان، ويبقى في جوهره مطلقا وثابتا على الدوام. وهذا هو التصوّر الذي حملته النزعة التسامحية، وهي كلّ تيّار يضمّ المواقف التي تجعل من التسامح مفهوما فلسفيا مفتوحا ومطلقا. ولنا في فلسفة «كانط» وسلوك المتصوّفة ما يؤكّد مطلقية التسامح: فالتسامح من أجل التسامح، أو من أجل توحيد الله وشكره ومحبّة عباده السمحاء والصبر لهم، كلّ ذلك من شأنه أن يعلّمنا كيف ندرك المطلقية ومرتبة التقرّب إلى الخالق المعبود.

دالامبير وفولتير — التسامح قانون الطبيعة الأوّل

في إطار هذا التصوّر اشتهرت كلمة «دالامبير»: «إنّ الفيلسوف لا يعثر بسهولة على أرقى شخص متسامح مثله». ويدعو «فولتير» في كتابه «مقالة في التسامح» إلى التسامح في جميع المجالات، وبوجه أخصّ في مجال الدين والعقيدة، باعتباره قانون الطبيعة العالمي، ووقفا على الإنسانية كافّة ؛ والوقوف في وجهه تنجم عنه مآسٍ رهيبة. يقول: إنّنا أبناء من نفس الأب، ومخلوقات من نفس الإله ؛ ويقول في «القاموس الفلسفي» (مادّة «التسامح»): إنّنا عجين من النقائص والأخطاء، لنتسامحْ حماقاتنا فيما بيننا: إنّه قانون الطبيعة الأوّل. ويضرب في «مقالة في التسامح» مثلا على ذلك: لقد كان اليابانيون أكثر الناس تسامحا: في إمبراطوريتهم قامت اثنتا عشرة ديانة وديعة ؛ ثمّ جاء اليسوعيون فأقاموا الديانة الثالثة عشرة، ولكنّهم سرعان ما أبَوا أن يتسامحوا مع غيرها، وكلّنا يعرف ما ترتّب عن ذلك: حرب أهلية مروّعة خرّبت تلك البلاد. فولتير، مقالة في التسامح، الفصلان 4 و22 ؛ القاموس الفلسفي، مادّة «التسامح»

الإسلام — لا إكراه في الدين

سبق الإسلام إلى الدعوة إلى احترام اختلاف الناس في توجّهاتهم ومللهم ؛ قال تعالى: «ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلّا من رحم ربّك، ولذلك خلقهم». وعلى هذا علم المسلمون أنّه يتوجّب عليهم ألّا يحقدوا ولا يضطهدوا من يخالفهم في الدين، لأنّ هذه هي إرادة الله التي خلقت الناس على هذا الاختلاف ؛ فهو لا يُرغم أحدا على ترك دينه واعتناق الإسلام: «لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرشد من الغيّ» ؛ ويقول تعالى مخاطبا رسوله «محمّدا» (ص): «ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعا، أفأنت تُكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين ؟». ومن آثار هذا التسامح ما رسمه الإسلام من أدب المناقشة الدينية، ومجادلة أهل الكتاب مجادلة أساسها العقل والمنطق وعمادها الإقناع: «ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن». وعلى هذا الأساس كان المسلمون في عصورهم الأولى يبيحون لأهل البلد الذي يفتحونه أن يبقوا على دينهم مع أداء الجزية، وهي نوع من الضريبة يدفعه الذمّي في أرض الإسلام ؛ وكانوا في مقابل ذلك يحمونهم ضدّ كلّ اعتداء، ويحترمون عقائدهم وشعائرهم ومعابدهم. وخير مثال على ذلك العهد الذي قطعه «عمر بن الخطّاب» على نفسه لأهل «القدس»: «أعطاهم الأمان لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملّتها: وأمر بأنّه لا تُسكَن كنائسهم ولا تُهدَم، ولا يُنتقَص منها ولا من حيّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضارّ أحد منهم». والإسلام حرّم الخمر وأقام الحدّ على شاربها من المسلمين، ومع ذلك أباح لغيرهم أن يشربوها، وحرّم لحم الخنزير وأباح لغير المسلمين أن يأكلوه ما دام دينهم لا يحرّم ذلك ؛ ولقد ذهب «أبو حنيفة» إلى أنّه إذا أراق مسلم خمرا لذمّي يعيش تحت الراية الإسلامية، أو قتل خنزيرا له، وجب عليه أن يدفع قيمة ما أتلف. هود ⁦(118–119)⁩ · البقرة، 256 · يونس، 99 · النحل، 125

الفخر الرازي — التسامح إحسان

والتسامح فضلا عن هذا وذاك بمثابة الإحسان، من حيث إنّه من الطاعات الزائدة عن المفروضة. يقول «الفخر الرازي» في تفسيره الكبير: إنّ الله تعالى لا يملّ من الإنعام على العبد، ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنّه لا يقطع عنه موادّ نعمه وروافد كرمه. ولقد اتّفق أكثر العلماء على أنّه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين، لأنّ قوله تعالى في الآية «وبالوالدين إحسانا» غير مقيّد بكونهما مؤمنين أم لا ؛ فالإحسان إليهما هو ألّا يؤذيهما البتّة، ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين، وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين. الفخر الرازي، التفسير الكبير

لوك — الفصل بين السلطتين

حفاظا على شمولية التسامح ومطلقيته، يدعو «لوك» إلى الفصل بين السلطتين: سلطة السماء وسلطة الأرض، لأنّ كلّ إنسان ينتمي إلى مجتمعين: المجتمع المدني — باعتباره مواطنا يحترم قوانينه، ويحمي حياته وحرّيته والأمن لشخصه ولأملاكه — والمجتمع الديني أو الكنسي الذي يختاره بحرّية لتحقيق خلاصه الروحي. فلو استطاع هذان المجتمعان التعايش دون تداخل، أي لو أقيم الفصل بين الدولة والكنيسة بصورة واضحة، لكان التسامح مشكلة غير قائمة. فلا يجب الخلط بين السماء والأرض، لأنّ المجتمعين المدني والكنسي يختلفان من حيث أصلهما وغايتهما وموضوعهما: إنّ سلطة الأسقف لا تعني شيئا خارج كنيسته أو أمام أشخاص أجانب عن كنيسته، وسلطة الحكّام لا تستطيع أن تبتّ في أمر خلاص الناس، ولا اختصاص لها في الميدان الروحي ؛ فالحاكم لا دخل له في العبادة أو الطقوس، لا في إدخالها ولا في منعها. ثمّ إنّ الاعتقاد بأنّ وجود الفرق أمر خطير بالنسبة إلى الدولة لهو تشاؤم مبالغ فيه: إنّ الحرّية المطلقة تنزع السلاح لأهل التطرّف ؛ ومن هذا التسامح الكلّي، وهو مفيد للنظام العمومي، ينشأ في آن واحد التنافس الروحي والرفاهية المادّية. ⁦John Locke, Lettre sur la tolérance, p (22-27)⁩

ومن أراد النيل من شمولية التسامح المطلقة بحجّة تمييع القيم الاجتماعية والأخلاقية وتسيّب حرمة النصوص القانونية، يكفيه التمييز بين الميدان الخاصّ أو الشخصي والميدان العامّ أو العمومي: فالأوّل يتعلّق بالتسيير الحرّ لتشريع الأنا، والثاني تابع للقانون. على أنّ هذا لا يعني أنّ الاختلافات بين العقائد والقيم، وبين الحضارات والثقافات، تزول بين عشيّة وضحاها ؛ ولكنّ التفاعلات بين شعوب مختلف القارّات تتضاعف مع الزمان في تقوية الشعور الإنساني، والعالم يصغر في عيوننا بالتدريج إلى أن ينكمش في بيت أو خيمة واحدة، وهذا يتطلّب جهودا لتشخيص العناصر المشتركة بين حضارات المعمورة. وهذا «روجي غارودي» — فيلسوف الحوار الحضاري — ما فتئ يدعو في عدّة مناسبات إلى اعتناق الإنسان، مهما كانت عقيدته وجنسيته، ومهما كان زمانه ومكانه، وذلك على أساس التسامح والمحبّة ؛ وعلى الرغم من أنّه أفنى عمره في تحقيق تقارب الثقافات، وكان يشرف على المعهد الدولي للحوار فيما بين الحضارات، وقضى شبابه في المعتقلات، وكان ضحيّة بشاعة العنصرية، فإنّه تعرّض لهجوم واسع النطاق، بلغ من الشدّة ما حمل بعضهم على اقتراح تسجيله في كتاب غينس للأرقام القياسية الخاصّة باللاتسامح. وإذا كنّا لا نستطيع أن نتصوّر في المستقبل حضارة عالمية واحدة، فمن باب التسامح أن يتوجّه العالم إلى بناء حضارات مختلفة، كلّ واحدة منها تسعى إلى أن تتعلّم كيف تتعايش مع غيرها من الحضارات.

أليس التسامح مع أهل اللاتسامح تشجيعا لهم ؟

هذا بالضبط اعتراض الشابّ في الحوار: «هذه دعوة صريحة إلى تشجيع أهل الشرّ». وجواب الحكيم أنّ مقابلة الشرّ بالشرّ تعود بنا إلى عهد قانون الغاب. فالتسامح لا مبرّر لوجوده أصلا إلّا بتواجد نقائضه، كالعنف واللاتسامح ؛ ولو اشترط ألّا يتسامح إلّا مع المتسامحين، لبقي لا شيء، ولانتظر كلّ طرف أن يبدأ الآخر. أمّا الخوف من أن يصير التسامح تسيّبا، فيجيب عنه التمييز بين الميدان الخاصّ، حيث التسيير الحرّ لتشريع الأنا، والميدان العامّ التابع للقانون ؛ ويضيف «لوك» أنّ الحرّية المطلقة تنزع السلاح لأهل التطرّف بدل أن تسلّحهم. فالتسامح المطلق لا يُلغي القانون، بل يرفض أن يجعل من الخوف من الآخر شرطا لقبوله.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية، مثل: «هل التسامح مطلق أم مشروط ؟» أو «هل يجب أن نتسامح مع أهل اللاتسامح ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① تعريف التسامح في الحسّ المشترك (قبول أساليب الآخرين في التفكير والحياة) وحجّتان من حجج تقييده (الفضيلة المطلقة تنقلب إلى نقيضها · لا تسامح إلّا بتراضي الطرفين)، مع «ماكيفيل» و«نتشه» شاهدين على ما يتهيّأ للعنف حين تنحطّ هذه الفضيلة ؛ ② نقد التقييد شكلا (رفض العنف عنف بدوره · الشرط الطفيلي) ومضمونا (التسامح ثابت عالمي ومبدأ مطلق) ؛ ③ أطروحتان مسندتان بمرجعهما (فولتير، القاموس الفلسفي: «قانون الطبيعة الأوّل» · لوك، رسالة في التسامح: الفصل بين السلطتين) وشاهد من الإسلام («لا إكراه في الدين»، البقرة 256)، وتاريخان (تقرير حرّية الآراء، ولو كانت دينية، في «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»، 26 أغسطس 1789 · اليوم العالمي للتسامح في 16 نوفمبر، بمبادرة من اليونسكو سنة 1995). ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين التسامح والتسيّب — والجواب في التمييز بين الميدان الخاصّ والميدان العامّ التابع للقانون. ⚠️ وخطأ ثانٍ : تقديم تعايش «هونتانغتن» على أنّه أطروحة في التسامح، وهو تعايش مشروط بالحذر، أي قائم على اضطراب الثقة.
نتيجة — التسامح، في الحسّ المشترك، قبولُ أساليب الآخرين في التفكير والحياة، وقد وضع له الذين حدّدوه قيودا: فهو عندهم فضيلة إن لم تقف عند حدّ انقلبت إلى نقيضها، ونسبيٌّ تحدّه ثقافة كلّ مجتمع، ومشروط بتراضي الطرفين. غير أنّ هذا التقييد باطل شكلا ومضمونا: فالتسامح يقبل النقيض ولا يرفضه، ولا مبرّر لوجوده إلّا بتواجد العنف واللاتسامح يتوجّه إليهما بالتعاطف والجوار، وهو المبادر إلى الخير أيّا كان البادئ ؛ وهو ثابت عالمي ومبدأ مطلق يساير تحوّلات الناس دون أن يتغيّر في جوهره — «قانون الطبيعة الأوّل» عند «فولتير»، وحرّية تنزع السلاح لأهل التطرّف عند «لوك»، وتكريم للإنسانية جمعاء في الإسلام. وهكذا يتبيّن أنّ التسامح مبدأ إنساني سامٍ، لا فضيلة مشروطة. ⟸ وإذا كان التسامح ينسجم مع معطيات العصر كالعولمة وتبادل التجارب الثقافية، فكيف يمكن تصوّر بقاء الأمم بثقافاتها المتنوّعة أمام تحدّيات العولمة ؟

الصفحة 1/4

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net