الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس العنف والتسامح

العلاقة بين العولمة والخصوصيات الثقافية

🔊 المعلّمة تقرأ لك
في بيتكم، تحضّر جدّتك الكسكس يوم الجمعة وتروي الحكايات بلهجة المنطقة، وأخوك الصغير يتابع على هاتفه مسلسلا أجنبيا، ويطلب طعاما لم يعرفه أهله، ويردّد عبارات لم يسمعها في البيت. الشاشة نفسها التي تحمل إليه العالم يمكن أن تحمل إلى العالم ما عندنا. فهل تذيب العولمة خصوصيّاتنا الثقافية، أم يمكن أن تعيش هذه الخصوصيّات في قلبها ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض مخاطر العولمة على الأمم وخصوصياتها الثقافية، من الردّ على منطقها إلى موقف الحوار الحضاري والقوميات الوطنية
  • توظيف أطروحات مسندة إلى أصحابها (كليمانطا، سمير أمين، غارودي، ليفي ستراوس) في نقد العولمة المتوحّشة
  • بيان العلاقة الجدلية بين العالمي والخصوصي، كما يطرحها الهيجليون و«كانط»
  • الدفاع عن أولوية المحدود على اللامحدود (أرسطو، روسو، أراند)، وعن عالمية الإسلام في مواجهة التصنيف المجحف
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مفهوم التسامح وطابعه العالمي، وانسجامه مع معطيات العصر
  • الفرق بين الكلّي والجزئي، وبين العامّ والخاصّ
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
كيف يمكننا تصوّر بقاء الأمم بثقافاتها، وإثبات الذات، أمام تحدّيات العولمة التي تقرّر مرجعيات المستقبل ؟

مقدمة : طرح المشكلة

نصوغ الوضعية المشكلة في هذه الجملة من التساؤلات المحرجة: هل في إرجاع الكثرة إلى الوحدة، واستيعاب الشمول للتنوّع، نعمةٌ لاستمرار حياة الشعوب والأمم باختلاف خصوصياتها الثقافية، أو نقمةٌ عليها ؟ ألا يُخشى من الوحدة أن تسحق الكثرة سحقا، ومن الشمول أن يبتلع التنوّع ابتلاعا ؟ هل بين ما يسمّى بالعولمة أو الشوملة، والخصوصية، تناقض أم تجانس ؟ هل العلاقة بين المجموعة وعناصرها علاقة تذويب وابتلاع، أو تمايز واجتماع ؟ هل يجوز الحديث عن عولمة تطمس حدود الأمم وخصوصياتها، وتذهب بفضاءات شعوبها الترابية منها والتراثية ؟ هل العولمة، في مستوى هذه التساؤلات، قدرٌ محتوم ؟ وهل يفترض انتشارها تصادما أو حوارا بين جميع الشعوب، فقيرها وغنيّها، شرقيّها وغربيّها، محافظها ومتفتّحها ؟ ويمكن أن نضيف تساؤلات أخرى: كيف نتصوّر حقوق الإنسان العالمية في ظلّ عالم يقوم على التنوّع الثقافي ؟ ألا يجب أن تتغيّر هذه الحقوق من ثقافة إلى أخرى ؟ وهل الإنسان واحد، بالنظر إلى حدوده الزمانية والمكانية النسبية، حتّى تنطبق عليه الحقوق العالمية للإنسان ؟ وفي كلمة: كيف يمكننا تصوّر بقاء الأمم بثقافاتها المتنوّعة، وإثبات الذات، أمام تحدّيات العولمة التي تقرّر مرجعيات المستقبل ؟ لمحاولة الردّ على هذه التساؤلات، يتعيّن علينا الوقوف على النقاط الأربع الآتية: لماذا العولمة ؟ وما هي فلسفتها ؟ وما مخاطرها ؟ وأخيرا، كيف يمكن إدراك عولمة بين التناقض والتهذيب ؟

III – وما مخاطرها ؟

أولا : الردّ على منطقها

  1. إيديولوجيا ضيّقة أحادية البعد : إنّ الإيديولوجيا المؤسَّسة على مجرّد اقتصاد السوق العالمية، وباسم العالمية، تبدو ضيّقة، لأنّها أحادية الأبعاد لا تقوى على التوفيق بين مختلف الأبعاد الأساسية التي ينطوي عليها الكائن البشري، بما فيها البعد المادّي نفسه.
  2. تبادل حرّ يتنافى وطبيعة البشر : إنّ التبادل الحرّ الذي يشذّ عن التخطيط وينفلت من شرعية الردع، لا لشيء إلّا لأنّه متروك لأمر قوانين الكون، لتبادلٌ يتنافى وطبيعة البشر، التي تدرك بما أوتيت من عقل وضمير ضرورةَ تنمية الوازع السياسي والتنظيم الاجتماعي والرفع من مكانة القيم الأخلاقية السامية. ثمّ إنّ هذا التبادل يفيد الأقوياء ويسحق الضعفاء، كما تؤكّده الوضعية المزرية التي آل إليها عدد من دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية ؛ وإلّا فكيف ينمّي عمالقة السوق ثرواتهم ويوسّعون سيطرتهم، إن لم يكن على حساب الضعفاء ؟
  3. لا تجانس بلا عدل : لم يعد لبناء مجتمع متجانس معنى إلّا إذا تحقّق في جوّ من العدل والاحترام والتسامح ؛ وهذا لا يدخل إطلاقا في ولاية الليبرالية الشرسة.
  4. المسيح معروف بالمحبّة لا بالجشع : وأمّا من يقرن حرّية التبادل بالمسيحية، فإنّ المسيح عليه السلام معروف بالمحبّة لا بالجشع، ومملكته التي ورد الكلام عنها في الإنجيل ليست من طينة هذه الحياة الدنيوية، ولا تمتّ بصلة إلى مملكة قانون الغاب. والتاريخ يذكّرنا بمقولة حُمر أمريكا عندما غزا الغزاة بلادهم: «كنّا قبل مجيئهم نملك الأرض وكانوا يملكون الإنجيل ؛ وبعد مجيئهم صرنا نملك الإنجيل وصاروا هم يملكون الأرض».
  5. الهدم لا يعني إلّا الهدم : وأمّا الحكمة المتداولة في أوساط الليبرالية المفرطة، القائلة إنّ «الهدم مصدر للحركة والإبداع»، فإنّ الهدم في هذه الفلسفة لا يعني إلّا الهدم، ما دام لم يتّجه نحو الإصلاح والتهذيب أو الثورة على الظلم والهوان.

ثانيا : من أكاذيب العولمة لدى كليمانطا

كليمانطا — أكاذيب العولمة العشر

يعرض «هارالد كليمانطا» في كتابه «أكاذيب العولمة العشر» مخاطر العولمة، أهمّها: «أنّ العولمة تنفلت من المراقبة ؛ فهي لم تسقط من السماء كقضاء محتوم، إنّها مقصودة، وتتحكّم فيها قيادة المنظّمات الدولية، كصندوق النقد الدولي، والمنظّمة العالمية للتجارة، خليفة «كاط»». ويقول عن الأكذوبة العاشرة: «إنّ العولمة تجلب التنوّع في جميع أنحاء العالم»، في حين أنّ هناك تناقصا في أنواع التفاح، وأنّ كلّ الأفلام تقريبا هي أمريكية، وأنّ الليبرالية الجديدة تُعرض على أنّها الاختيار السياسي الوحيد. ⁦Gerald Boxberger & Harald Klimenta, Les 10 mensonges de la globalisation⁩

ثالثا : موقف الحركة الحماياتية

وأمام هذه الإيديولوجيا، تجنّد ناشطو حركة احتجاجية باسم الحقوق الاجتماعية، من «سيطلي» إلى «جين» مرورا بـ«نيس» و«كطيبورغ»، من أجل التنديد بوحشية العولمة الليبرالية. فهناك، ضمن المنظّمات الدولية الكبرى، منظّمة وحيدة تتولّى الدفاع عن حقوق العمّال، هي المنظّمة الدولية للعمل، ولكنّها ليست هي الأقوى، ولا هي الأكثر اهتماما من طرف الحكومات. وممّا أثاره هؤلاء الاحتجاجيون حلّ أربع قضايا:

  1. الشغل : إنّ العولمة الرأسمالية ما فوق الليبرالية لا تحمي الشغل بل تحاربه، فالنموّ الاقتصادي في إطارها يؤدّي إلى تخفيض عدد مناصب الشغل، لأنّ بعض القطاعات، وخاصّة الإلكترونيات والإعلاميات والاتصال، لا تحتاج إلّا إلى عدد قليل من العمّال. والعمل عنصر محدِّد لوجود الأفراد، ووسيلة للحفاظ على حياتهم وتلبية حاجاتهم الأساسية، ونشاط يؤكّدون بفضله هويّتهم الشخصية واستقرارهم الاجتماعي ؛ وغيابه يذكي نار المشاحنات والعنف، ويرمي الأطفال خارج المدرسة نحو تعاطي المخدّرات. ولا يمكن معاملة الناس كما نعامل البضائع التي تتحدّد قيمتها بالسوق.
  2. الفقر : محاربة الشغل معناها تفشّي الفقر والكفاف، وهذا يتنافى مع فلسفة التنمية التي تنشدها العولمة. وقد اعترفت الأمم المتّحدة صراحة، في منتصف التسعينيات، بأنّ «الفقر والحرمان الاجتماعي يمسّان كرامة الإنسان، ولذلك فالأمر يتطلّب اتّخاذ التدابير اللازمة لوضع حدّ لهما»، وخصّصت عقدا للقضاء على الفقر بدأ عام 1997 وينتهي في العام 2006، وجعلت يوم 17 أكتوبر اليوم العالمي لمكافحة الفقر. ومحاربة الفقر تتوقّف على خلق أسباب العدل بين الأفراد والضعفاء ؛ يقول الإمام «عليّ» رضي الله عنه: «ما جاع فقيرٌ إلّا بما متّع به غنيّ».
  3. الخدمات العمومية : تحارب العولمة، بلغة السوق الليبرالية، حقوق المواطنين الأساسية والخدمات العمومية، وخاصّة خدمات الصحّة والتربية ؛ ونسبة كبيرة من الفساد المنتشر في دول العالم الثالث هي من صنع آلياتها، من شركات متعدّدة الجنسيات ومؤسّسات مالية وتجارية تُغرق هذه الدول بالديون وفوائد الديون. وهنا يكون المجتمع في خدمة الاقتصاد، بدلا من أن يكون العكس.
  4. فاشية نقدية : تمارس العولمة تحكّما ديكتاتوريا في الأسواق المالية، حيث يستطيع شخص بمفرده أن يقرّر نسبة الفوائد، ومن ثمّة مستوى البطالة في العالم. ويفرض صندوق النقد الدولي على الدول «المستفيدة» أن تصدّر دائما أكثر حتّى لا تتأخّر عن سدّ خدمات ديونها، فتضطرّ إلى إعادة توجيه إنتاجها الفلاحي، أو إلى استغلال مفرط لثرواتها الطبيعية، على حساب الاستهلاك المحلّي واحترام التوازنات الإيكولوجية ؛ وتطبّق «اشتراكية مقلوبة»: تخوصص الأرباح وتعمّم الخسائر. ولقد كان «غاندي» محقّا عندما قال سنة 1942، وهي سنة اعتقاله: «لا يمكن أن توجد مساواة ولا حرّية بين شريكين غير متساويين».

رابعا : موقف الحوار الحضاري والقوميات الوطنية

  1. العولمة نوعان : حسنة وسيّئة ؛ الأولى إنسانية لأنّها تقوم على العالمية اللامّة للشمل، والثانية سيّئة ومتوحّشة لأنّها تقوم على الغريزة وحبّ الاستعلاء.
  2. التبعية : إنّ العولمة المتوحّشة — وهي النوع الذي يطغى عليها أكثر — ترهن الأمّة، وتدوس حقوق أهلها العالمية، وتقذف بها إلى التبعية والاستعمار ؛ إنّها تحوّل، بواسطة معاهدات استثمارية، نظام أمّة منتخبة ديمقراطيا إلى هيئات إدارية غير منتخبة تخدم مصالح النخبة العالمية للأعمال.
  3. تثبيط إرادة الأمّة : إنّ الإمبريالية هي الظلّ الملازم للعولمة الفاحشة، تخطّط لمحق كلّ الانتصارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نتجت عن قرن من النضالات الاجتماعية والثورات التحريرية، ولرسم خريطة جديدة للعالم تتوافق مع مصالحها، لا حدود فيها خاصّة بكلّ دولة، وتقضي على شعور أهلها الوطني. فمصير الدولة في ظلّ العولمة هو الزوال والاضمحلال، وهذا مصير لا خير فيه، وخاصّة في العالم الثالث، حيث تتحوّل التناقضات الثانوية، بفعل الصراع بين قلّة غنيّة وأغلبية فقيرة، وبفعل الجهل ونقص التعليم والثقافة والوعي، إلى تناقضات رئيسية، مثل الصراعات القبلية والسلالية والطائفية والدينية.
  4. الثقافة والتدمير الأخلاقي : في ظلّ هذه القرية الكونية الواحدة، تنتشر سلطة العولمة عن طريق مئات الأقمار الصناعية، فتُرسَل البرامج المنوّعة كلّ يوم إلى كلّ عائلة، وينتشر نفوذها من غير استئذان، ولا اعتراف بحدود وطنية ولا بخصوصية ثقافية، ومن دون رقيب من دولة أو أمّة أو دين. والقصد من هذا النفوذ محو الموروث الشعبي وإفراغه من انتماءاته وأصالته وثقافته وأنظمته الاجتماعية، والترويج لمغريات الحياة الرأسمالية الأمريكية وأنماطها الاجتماعية والأخلاقية في التفكير واللباس والأكل والترفيه، وفتح أبواب الإباحية التي تؤدّي إلى هدم الأسرة وشلّ سلطة الأبوين.
سمير أمين — نظام قائم على الانفجار المستمرّ

يقول «سمير أمين»: «إنّ هذا النوع من العولمة لا يمكن أن ينتج أيّ نوع من السلام أو القبول الاجتماعي ؛ فهو نظام قائم على الانفجار المستمرّ: على انفجارات وانتفاضات مستمرّة. فسياسة إدارة الأزمات [تتمّ] إمّا من خلال التدخّل العسكري المباشر، كما حدث في حرب الخليج الثالثة، أو من خلال تحريك القوّة التي تؤدّي إلى التخلّص من نظم الدولة باسم الإثنية والدين واللامركزية، لدرجة أنّ الهدف هو «إدارة الأزمة» من خلال ضرب النظم الحكومية، نظم الدولة، وكسرها نهائيا، وتفتيت المجتمعات إلى مجتمعات لا نهاية لها على أسس إثنية ودينية وغيرها». سمير أمين، ندوة العرب والنظام العالمي الجديد

غارودي — الليبرالية بدون حدود

يقول الفيلسوف الفرنسي «غارودي»: «والتيّار المهيمن في صفوف الاقتصاديين الرسميين والسياسيين هو الدفاع عن الليبرالية بدون حدود، والداعي إلى اختفاء الدولة أمام السلطة المطلقة للسوق، وحتّى لا يبقى أيّ عائق أمام الاحتلال الاقتصادي».

خامسا : رأي الهيجليين

عندما يأخذ تجانس الأفراد ضمن القرية الكونية في النشوء والتطوّر، يُفترض أن يكون مشروعا أجمعت عليه الفئات البشرية بمختلف اتّجاهاتها الثقافية ؛ وإلّا يكون تجانسا يحلم به الخيال، بقدر خرافية فكرة إلغاء الفوارق بين الشعوب وبين الأمم. إنّ الأفراد لا يحرصون على الارتباط بالأمّة بفكرة مسبقة يسهل التخلّص منها ؛ ففي الأمّة سيرورة في التعرّف على الكينونة، وهو تعرّف يسمح لنا بتعيين وجودنا، وهو تحديد في الكينونة يفترض الاختلاف. وفي لغة الهيجليين، هناك هويّة الهويّة وهويّة الاختلاف ؛ وبهذه اللغة يمكن الكلام عن العلاقة بين ما هو عالمي وما هو خصوصي: فالعالمي ليس فعّالا إلّا داخل شعب خصوصي، والعالمي لا يوجد إلّا في الخصوصي، وإلّا فسيكون هذا العالمي مجرّدا فارغا، أو قل هو عالمي سيّئ. فالعولمة هي هذا العالمي الموحّد، العالمي الذي يستوعب الخصوصية ؛ وبالتالي فإنّ الكونانية الحقيقية والعولمة الاقتصادية، اللتين تقدّمتا كظاهرتين متلاحمتين، تدخلان في صراع على مستوى أوسع فأوسع.

ليفي ستراوس ومارك أوج — ثقافات لا ثقافة

يقول «ليفي ستراوس»: «لا وجود لثقافة إنسانية، وإنّما هناك ثقافات إنسانية، وعدد تجلّيات ما هو إنساني يقدَّر بعدد الثقافات في لغاتها وتقاليدها وأعرافها [...] ولا يُعقل أن يتصوّر أحدنا أفرادا متشابهين على وجه المعمورة: يسمعون نفس الموسيقى، ويرتدون نفس الملابس، ويشربون نفس المشروب، ويتناولون نفس الأكلة، ويتكلّمون نفس اللغة». ويقول «مارك أوج»: «يجب أن نتكلّم عن عوالم وليس عن عالم». ⁦Marc Auge, Pour une Anthropologie des mondes contemporains, p (127-129)⁩

وباختصار، إنّ العولمة في شكلها المتوحّش مجال مفتوح لسيطرة النموذج الرأسمالي على العالم بعد انتهاء الشيوعية: فتذوب في ظلّه الحدود الجغرافية، ما دامت الشركات المتعدّدة الجنسيات تخترق حدود الدول ؛ وتتضعضع الدول، وخاصّة الضعيفة منها، وتُبتلع عن طريق التحرّك تحت مظلّة الشرعية الدولية للتدخّل المباشر في شؤونها ؛ وتُطمس الهويّة، وتندثر الخصوصيات الثقافية. وكلّ هذا ينذر بنهاية الوازع الديني والأخلاقي، ومن ثمّة نهاية ما في الإنسان من الإنسان.

IV – وكيف يمكن في مجال التنوّع الثقافي، إدراك عولمة بين التناقض والتهذيب ؟

أولا : بين الخاصّ والعامّ

إنّ العولمة يُفترض أن تُدرك بأنّه بين الخاصّ والعامّ، بين مقتضيات الخصوصية ومقتضيات العالمية، تكامل ووئام ؛ وبأنّه لا يُصنع ما هو عامّ ولا ما هو عالمي من لا شيء. وقد يبدو لنا ما هو خصوصي غير متجانس مع غيره بحجّة فردانيته، ولكنّه في حقيقته يحمل بذور العالمية، لأنّ وراءه إنسانا يتوق إلى التعالي ويسعى إلى اعتناق أمثاله في كلّ أصقاع الكرة الأرضية، مهما كانت حدودهم الزمانية والمكانية. فالإنسان الذي يشارك في صنع الثقافة هو في الوقت نفسه واحد ووحيد: واحد من حيث إنّه يشارك في بناء الحضارة كأمثاله من الناس، ووحيد لأنّه يبدع ما يميّزه ويعمل على تعميقه عندما يرجع إلى نفسه. وإذا فهمنا الخصوصيات بهذا المعنى، أدركنا أنّ الاختلاف والتشتّت يطمح كلاهما إلى الوحدة، كما أنّ الوحدة تفتقد وتستثمر العناصر والأجزاء التي تتألّف منها ؛ فإذا كانت العالمية تلعب دورها في ترقية الخصوصيات ورفعها إلى قمّة الطموحات الروحية، فكذلك يجب على الخصوصيات أن تساهم إيجابيا في بناء غايات العالمية وتحقيقها.

1 ـ تجاوز المتناقضات ورفع معنى التجانس

  1. عودة العالم البشري إلى وحدته : كلّ ما هو مخلوق، الحيّ منه والجامد، يخضع لقوانين التطوّر. وكما كان عالم الناس في الأصل متّحدا ومتكتّلا على المستوى الترابي واللغوي والإثني والاجتماعي، ثمّ انفصلت أجزاؤه وانتشرت عبر القارّات بحكم فضول الإنسان وطبيعته في الاستقرار، فقد صار بالإمكان، مع التطوّر التكنولوجي والعلمي في الاتصال والتوسّع التجاري السريع، مشاهدة حركة واسعة وعميقة في الارتداد: حركة إعادة العالم البشري إلى وحدته وكتلته.
  2. روح واحدة تضمّ الخصوصيات : كلّ ما ينتجه الإنسان من عادات وتقاليد وقيم أخلاقية وفنّ، وما يمارسه من ديانة وفلسفة، ينتمي إلى روح واحدة تضمّه وتخلع عليه الوحدة وتمنحه ما هو كلّي فيه. وقد يقع نكوص العالمية بسبب عدم التجاوب بين النسبي والمطلق، لاحتمالين: إمّا لأنّ الخصوصيات لم تعد تدرك مستوى الإنسانية فتؤثّر سلبا في العالمية، وإمّا لأنّ هذه العالمية انفردت بتصوّر لا يتماشى وطموحات الثقافات الخصوصية.
  3. من حضارة ذات بعد واحد إلى الوئام : كانت الحضارات السابقة لحضارة العولمة متعدّدة الأبعاد، ولكنّ الحضارة الحالية تتقدّم كحضارة ذات بعد واحد، بل أخذ الإنسان الذي يعيش في ظلّها يتحوّل هو الآخر إلى إنسان ذي بعد واحد. ولهذا فإنّ الانتقال من التشتّت إلى الوحدة الكاملة يحتاج إلى بعض التهذيب، ليتحقّق الوئام بين أنصار العولمة وأصوات المتظاهرين، وبين أهل الشمولية وأهل الأمّة والوطن، وبين أصحاب الثقافة وتنوّع الثقافات.

2 ـ كانط والعالمية الثابتة

كانط — العالمية الثابتة وتعدّدية الدول الحرّة

يقف «كانط» ضدّ انصهار الدول وذوبانها، لأنّ للدولة شرعيتها الشعبية، وليس لأحد الحقّ في اختراق قدسيتها ؛ وهو يدرك الجدلية بين ما هو عالمي وما هو خصوصي، ويفضّل التعدّد على الاختلاط لو خُيِّر بينهما. ففي «مشروعه للسلم الدائم» يقف بوضوح ضدّ ذوبان «الدول-الأمم» في مجموعات فوق-أممية، لأنّ الدولة جذع له جذوره الخاصّة به، ينظّمها العقد الاجتماعي المؤسِّس لشرعيتها ؛ ولهذا فإنّ «إدماج الدولة في دولة أخرى كمجرّد تطعيم، معناه اختزالها من شخصيتها المعنوية إلى حالة شيء ؛ وهذا يناقض فكرة العقد الاجتماعي الذي بدونه لا يمكن تصوّر حقّ التصرّف ضدّ شعب». وهو يدافع بهذا عن «عالمية ثابتة» يتصوّرها بديلا لنهوض الأممية وللتعدّد الثقافي. فالكونانية الكانطية تفترض تعدّدية الدول الحرّة لا اختلاطها الخرافي ؛ والدول لا يمكنها أن تكون حرّة حقيقة إلّا متى ارتبطت باتّحادية لا علاقة لها بالتفوّق على الدول، ارتباطا لا يُفقد الحرّية لكلّ دولة تشارك فيها، وهذا لا يستوجب إنشاء دولة فوق-أممية. ويفترض هذا التأليف شرطين: أن تكون الدول المشاركة في هذا الاتّحاد القائم من أجل السلم الدائم جمهورية، أي لها تمثيليتها ؛ وأن يقف حقّ الكونانية عند حقوق الناس، أي عند «شروط الضيافة العالمية». والفضل الأكبر في اقتراحات «كانط» أنّها تسمح بالتفكير عمليا في هذه الجدلية بين العالمي والخصوصي: فالمنظور العالمي يفتننا ويخيفنا، لأنّه يمثّل لدينا إلغاء الآخر، ولأنّه يثير في الحركة نفسها قلقا قويّا جدّا، فنتساءل: من نحن، وهل ألغينا الآخر ؟ وما مصيرنا لو مكثنا، نحن المتشابهين، وحدنا أمام كون أخرس ؟ ⁦Kant, Projet de paix perpétuelle, Œuvres, t. 3, Pléiade, Gallimard, p. 335-348⁩

ثانيا : الأمة والعولمة

  1. العولمة أمر واقع : لا بدّ من الاعتراف بأنّ العالم يسير في اتّجاه العولمة ؛ وبأنّ الصراع بين أشكال الحياة المختلفة أمر لا مفرّ من مواجهته، سواء اتّخذت هذه المواجهة شكل دعوة إلى حوار الحضارات عند المتفائلين، أو شكل دعوة إلى صراع الحضارات عند المتشائمين ؛ وبأنّه يبقى على كثير من الأمم أن تعيد النظر في مسلّماتها الثقافية والتربوية والأخلاقية انطلاقا من الحقائق الراهنة للعالم، لا بقصد التكيّف معها فحسب، وإنّما بقصد المشاركة في إنتاجها أيضا، حتّى لا تنساق إلى الانزواء والتهميش. ولهذا لا يمكننا مثلا مناقشة مشكلة إصلاح المنظومة التربوية إلّا إذا سلّمنا بأنّ العولمة معطى حقيقي وواقع لا يمكننا تجاهله ؛ ومن هنا برزت الحاجة إلى صياغة إستراتيجية جديدة للتربية الجزائرية في مطلع القرن الحادي والعشرين، متلائمة مع متطلّبات العالم الجديد. وإذا كان الولاء للوطن والأمّة أمرا لا يشكّ أحد في أهمّيته وقيمته، فقد أصبح من الضروري أن ينضاف إليه احترام البيئة، من خلال العمل على حماية المحيط الكوني الذي يحيا فيه الجميع.
  2. ضرورة المشاركة فيها : لا معنى لأمّة من الأمم أرادت أن تبقى خارج التاريخ، لأنّ استمرارها موقوف على الطاقة الداخلية التي يتمتّع بها أهلها في دفع المستوى الحضاري إلى درجة أعلى وأعمق، للتقرّب من بلوغ العالمية المطلقة.
  3. أولوية المحدود على اللامحدود : ولنا هنا أن نسأل: ألا يمكن اعتبار المدينة والوطن أساس أيّ وحدة عالمية ؟
أرسطو وروسو — المدينة والوطن أساس الوحدة العالمية

أشار «أرسطو» إلى أنّه لبناء صرح بشري أوسع لا بدّ من الانطلاق من المدينة كفضاء محدّد ؛ وكما أنّ الفرد يتشكّل كشخصية مستقلّة في قدرتها على وعي التمييز بين ما هو ذات وما هو غير ذلك، فكذلك الفضاء السياسي، حيث يؤكّد الأفراد حرّيتهم، لا يمكن أن يُبنى إلّا إذا تعيّنت حدوده. أمّا العالم فليس فضاء يمتدّ على مقاس الناس، إنّه «معدوم الحدود»، اللامقيس واللامعيَّن. فالأمّة هي قبل كلّ شيء المكان الذي تجمع فيه الناسَ روابطُ مشتركة منذ الولادة ؛ فهناك أمّة إثنية، ولكن يمكن أن تقابلها أمّة سياسية مؤسَّسة على عقد، هو أنضج شكل من أشكال التفكير في الحياة الاجتماعية لأنّه يتأسّس على العقل. وعندما أقام «أرسطو»، ولأوّل مرّة، قواعد الفلسفة السياسية، صنعها بتعيين المدينة فضاءً يمكن فيه نشر الحرّية، والمدينة تعريفا فضاء محدّد. وفي هذا الإطار، يرى «روسو» أنّه يجب الانطلاق من محبّة الوطن، أي من رقعة ترابية محدودة، لأنّ محبّة القانون المؤسَّسة عن دراية يجب أن تفوز بدعم عاطفي ؛ فالعقد الاجتماعي يجد جذوره لا داخل اجتماع مجرّد من الأفراد، ولكن داخل خصوصية الشعب، ولهذا تعتمد محبّة القانون على محبّة الوطن. وفي رأي «روسو» لا معنى للقواعد العقلية العامّة إلّا من خلال التقاليد التاريخية الخصوصية، بحيث يتعيّن بناء ما نسمّيه اليوم العولمة انطلاقا من احترام الخصوصيات أوّلا.

هانّه أراند — ليس الإنسان، وإنّما هم الناس

في كتابها «أصول الحكم الكلياني» ⁦(1951)⁩، تسجّل «هانّه أراند» أنّ الحكم الكلياني لم يلتمس الالتزام السياسي من المواطنين، بل يعتمد تحديدا على تفتيت المجتمع، وعلى الطمس التدريجي لـ«الحسّ العامّ»، أي الوعي بالحياة مع الآخرين في فضاء مشترك ؛ فالكليانية بهذا المعنى هي اللاسياسي. وتؤكّد في كتابها «شروط الإنسان الحديث» على ضرورة الحفاظ على ثلاثة عوامل حيوية: الشغل ويقاس بالساعات، والآثار وتقدَّر بالمنفعة الدائمة، والنشاط الذي يمارَس في فضاء مدني حيث يتعامل الناس مباشرة بعضهم مع بعض. وفي الجوّ المدني يأخذ الإنسان في الوعي بالتعدّدية، وهي الجوهر الذي تتميّز به الحقيقة الإنسانية: «فالذي يعيش على الأرض ويسكن العالم ليس الإنسان، وإنّما هم الناس». وفي إنشاء هذه الأمّة من المتساوين ترى «أراند» عهد عالم من غير هيمنة ولا عنف، عالم إنساني أصلا، يكون قد تمكّن من إبعاد أشباح الكليانية والبربرية. ⁦Hannah Arendt (1906–1975) : Condition de l'homme moderne, Calmann-Lévy, 1961 ; Le système totalitaire, Seuil, 1972⁩

ثالثا : عالمية الإسلام

على الرغم من الجهود التي بذلها رجال الدين والفكر والعلم عبر العصور، ما زلنا نشاهد ذهنيات قديمة من خلال بعض الممارسات، كالتمييز بين الناس من حيث السلالة أو الدين أو الجهة. وأخطر ما في هذه الممارسات التصنيف المثير للانفعال والحقد والكراهية، ومنه تصنيف المجتمعات البشرية إلى «ثقافات عليا» و«جماعات بدائية». فقد كانت أوروبا في القرنين 18 و19 تفتخر بتقدّمها العلمي والتقني، وتعتقد بذلك أنّها تجسّد النموذج الثقافي العالمي، فتصنّف كلّ أمّة لا تقلّد هذا النموذج في خانة «البرابرة» أو «المتوحّشين» أو «البدائيين» ؛ ولقد ثبت اليوم أنّ النموذج الغربي ليس المثال الذي يُحتذى به، وأنّ هذا التمييز بين التحضّر والوحشية لا تخفى سخافته، ولم يعد له أيّ مبرّر. ولقد ساهم الإسلام، كدين جامع للناس، وما يزال يساهم في هذا المبتغى: إنّه يبارك في الخير ويدعو إليه، وينبذ الشرّ ويندّد به وينهى عنه. وفي قوله تعالى: «وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» دعوة إلى السعي إلى الخير العالمي: فالتعاون على البرّ والتقوى معناه التعاون على المؤاخاة في كلّ عمل ينتج عنه الخير، والنهي عن الإثم والعدوان معناه الترفّع عن كلّ عمل يعود على النفس أو المجتمع بالفساد، كالظلم والتعدّي والاستعلاء. وفي القرآن ما يدلّ على أنّ الاختلاف والتعدّد ظاهرة ربّانية وطبيعية: «ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة» (المائدة، 48).

غارودي — عالمية الإنسان

لا يفوتنا، ونحن نتحدّث عن عالمية الإنسان، أن نشير إلى أنّ الفيلسوف الفرنسي المعاصر «روجي غارودي»، فيلسوف الحوار، اكتشف من خلال العالم ثقافات إنسانية عريقة، تقوم كلّ واحدة منها على قيم سامية، وسجّل اعترافا بما أبدعته عبقرية الإنسان عبر الحضارات من إنتاجات ثقافية، وبما جاد به المسلمون على وجه الخصوص من إضافات أثروا بها التراث العالمي. روجي غارودي، وعود الإسلام، ص ⁦(178–179)⁩

لماذا لا يوجد العالمي إلّا في الخصوصي ؟

لأنّ العالمي الذي لا يسكن شعبا بعينه يبقى، بلغة الهيجليين، عالميا مجرّدا فارغا، أو «عالميا سيّئا». فالإنسان الذي يصنع الثقافة واحد ووحيد في آن: يشارك الناس جميعا في بناء الحضارة، ويبدع في الوقت نفسه ما يميّزه ؛ ولو ذابت خصوصيته لما بقي له ما يقدّمه للعالم. ولهذا يفضّل «كانط» تعدّدية الدول الحرّة على اختلاطها، وينطلق «أرسطو» من المدينة المحدّدة، و«روسو» من محبّة الوطن، لبناء ما هو أوسع. ومن هنا يُفهم الخطر الذي تمثّله العولمة المتوحّشة: فهي حين تطمس الهويّة وتذيب الخصوصيات باسم العالمية، تهدم الأرض التي لا تنبت العالمية إلّا فيها. أمّا العولمة الحسنة، القائمة على العالمية اللامّة للشمل، فتجعل الخصوصيات تساهم في بناء غايات العالمية، وتجعل العالمية ترقّي الخصوصيات.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية، مثل: «هل العولمة تهديد للخصوصيات الثقافية ؟» أو «هل يمكن التوفيق بين العالمية والخصوصية ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① مخاطر العولمة على الخصوصيات مع شاهد مسند (كليمانطا، أكاذيب العولمة العشر: الأكذوبة العاشرة «العولمة تجلب التنوّع» · سمير أمين: «نظام قائم على الانفجار المستمرّ») ؛ ② أطروحة الجدلية بين العالمي والخصوصي (الهيجليون: «العالمي لا يوجد إلّا في الخصوصي» · ليفي ستراوس: «لا وجود لثقافة إنسانية، وإنّما هناك ثقافات إنسانية») ؛ ③ أطروحة التوفيق مسندة بمرجعها (كانط، مشروع للسلم الدائم: تعدّدية الدول الحرّة · روسو: الانطلاق من محبّة الوطن · أراند، شروط الإنسان الحديث: «ليس الإنسان، وإنّما هم الناس»). ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : رفض العولمة جملة أو قبولها جملة — والمطلوب التمييز بين العولمة الحسنة، القائمة على العالمية اللامّة للشمل، والعولمة المتوحّشة القائمة على الغريزة وحبّ الاستعلاء. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الخلط بين العالمية، وهي قيم إنسانية مشتركة، والتجانس المفروض الذي يطمس الهويّات.
نتيجة — العلاقة بين العولمة والخصوصيات الثقافية علاقة جدلية، لا علاقة ابتلاع. فالعولمة في شكلها المتوحّش ترهن الأمم وتدوس حقوق أهلها، وتحارب الشغل والخدمات العمومية، وتمارس فاشية نقدية، وتغزو العقول بالبرامج من غير استئذان لتمحو الموروث الشعبي ؛ وهي تزعم أنّها تجلب التنوّع، في حين أنّها تفرض نموذجا واحدا. غير أنّ العالمي لا يوجد إلّا في الخصوصي، وإلّا كان مجرّدا فارغا ؛ ولهذا يدافع «كانط» عن عالمية ثابتة تفترض تعدّدية الدول الحرّة، وينطلق «أرسطو» و«روسو» من المحدود — المدينة والوطن — لبناء ما هو أوسع، وتجعل «أراند» التعدّدية جوهر الحقيقة الإنسانية، ويقدّم الإسلام نفسه دينا جامعا للناس يرى في الاختلاف ظاهرة ربّانية. فبقاء الأمم بثقافاتها ممكن حين تشارك في العولمة بخصوصياتها، لا حين تذوب فيها. ⟸ ولكن، لماذا العولمة أصلا، وما هي فلسفتها ؟

الصفحة 1/8

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net