الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس العنف والتسامح

طبيعة العولمة

🔊 المعلّمة تقرأ لك
تشتري حذاء رياضيا صُمّم في بلد، وصُنع في بلد ثانٍ، ويُعرض عليك بعملة بلد ثالث، وتدفع ثمنه بتطبيق على هاتفك، وتشاهد إشهاره في المباراة نفسها التي يشاهدها معك ملايين الناس في القارّات الخمس. لم تسافر خطوة، ومع ذلك صار العالم كلّه بين يديك. فما هذه العولمة التي تجعل العالم قرية واحدة ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • ضبط مفهوم العولمة وتمييزه عن مترادفاته: الدوللة والشوملة والكونانية والعالمية
  • تحديد أصل كلمة العولمة في اللغة العربية، ومعناها في الاصطلاح
  • عرض مدخل العولمة إلى «اقتصاد القرية الكونية» ومراحل النظام العالمي الجديد
  • تحليل فلسفة العولمة: إيديولوجيتها، وسوقها العالمية، وأهدافها ووسائلها، وأقطابها الفاعلين
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مخاطر العولمة على الخصوصيات الثقافية، والعلاقة الجدلية بين العالمي والخصوصي
  • الفرق بين الاقتصاد الليبرالي (اقتصاد السوق) والاقتصاد الموجّه في خطوطهما العامّة
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
كيف يمكننا تصوّر بقاء الأمم بثقافاتها، وإثبات الذات، أمام تحدّيات العولمة التي تقرّر مرجعيات المستقبل ؟

مقدمة : طرح المشكلة

تجد مقدّمة هذه المشكلة ووضعيّتها المشكلة في درس «العلاقة بين العولمة والخصوصيات الثقافية»، أوّل درسَي العولمة.

اقرأ المقدّمة من جديد

نصوغ الوضعية المشكلة في هذه الجملة من التساؤلات المحرجة: هل في إرجاع الكثرة إلى الوحدة، واستيعاب الشمول للتنوّع، نعمةٌ لاستمرار حياة الشعوب والأمم باختلاف خصوصياتها الثقافية، أو نقمةٌ عليها ؟ ألا يُخشى من الوحدة أن تسحق الكثرة سحقا، ومن الشمول أن يبتلع التنوّع ابتلاعا ؟ هل بين ما يسمّى بالعولمة أو الشوملة، والخصوصية، تناقض أم تجانس ؟ هل العلاقة بين المجموعة وعناصرها علاقة تذويب وابتلاع، أو تمايز واجتماع ؟ هل يجوز الحديث عن عولمة تطمس حدود الأمم وخصوصياتها، وتذهب بفضاءات شعوبها الترابية منها والتراثية ؟ هل العولمة، في مستوى هذه التساؤلات، قدرٌ محتوم ؟ وهل يفترض انتشارها تصادما أو حوارا بين جميع الشعوب، فقيرها وغنيّها، شرقيّها وغربيّها، محافظها ومتفتّحها ؟ ويمكن أن نضيف تساؤلات أخرى: كيف نتصوّر حقوق الإنسان العالمية في ظلّ عالم يقوم على التنوّع الثقافي ؟ ألا يجب أن تتغيّر هذه الحقوق من ثقافة إلى أخرى ؟ وهل الإنسان واحد، بالنظر إلى حدوده الزمانية والمكانية النسبية، حتّى تنطبق عليه الحقوق العالمية للإنسان ؟ وفي كلمة: كيف يمكننا تصوّر بقاء الأمم بثقافاتها المتنوّعة، وإثبات الذات، أمام تحدّيات العولمة التي تقرّر مرجعيات المستقبل ؟ لمحاولة الردّ على هذه التساؤلات، يتعيّن علينا الوقوف على النقاط الأربع الآتية: لماذا العولمة ؟ وما هي فلسفتها ؟ وما مخاطرها ؟ وأخيرا، كيف يمكن إدراك عولمة بين التناقض والتهذيب ؟

افتح الدرس: العلاقة بين العولمة والخصوصيات الثقافية

I – لماذا العولمة ؟

أولا : تعريف

ليس من السهل تعريف مفهوم العولمة، نظرا إلى تعدّد المترادفات التي تشير إليه، واختلاف المعنى الذي يُعطى لكلّ واحد منها. فمن المترادفات التي تتناولها المقالات والخطب: الدوللة والشوملة والكونانية والعالمية، وهي مفاهيم يكثر استعمالها في مجالات التجارة والمالية ؛ ويوصف بالعالمي كلّ ما هو مشترك بين جميع الكائنات البشرية، ويمتدّ على سائر مساحة الكرة الأرضية، ويهمّ الناس جميعا.

  1. الدوللة : ظاهرة قديمة تعود إلى عدد من القرون، وبمقتضاها تتّسع قواعد منتوجات المنشآت وخدماتها ما وراء حاجات السوق المحلّية أو «الوطنية»، قصد البحث عن أكبر حصّة من الربح ؛ فانطلاقا من القاعدة الوطنية ترقى المنشآت إلى المستوى الدولي لتأمين مؤنها وربح تكاليف النقل، بغزو أسواق البيع بعيدا عن الحدود المحلّية.
  2. العولمة : تتخطّى عتبة منطق المنشآت، لنزوعها نحو الانتشار الأفقي والعمودي لقدرتها على الإنتاج، من أجل خطّة أكثر صرامة في غزو منهجي للسوق العالمية، مع الاعتماد على قواها الذاتية أكثر منها على قوى الدول التي ساعدت على حمايتها في مرحلة الدوللة. وقد أدركت ذروتها في آخر القرن العشرين، مع انتصار الليبرالية واقتصاد السوق على الشيوعية أو الاقتصاد الموجّه ؛ فنهاية الاقتصاد الموجّه، ورفع العوائق عن التجارة الدولية والدفق المالي، كان كلّه في صالحها.
  3. الشوملة : المرحلة القصوى أو شبه القصوى التي تسعى إلى بلوغها العولمة، والتي يسمّيها الفلاسفة، في إطار القيم الإنسانية، بالشمولية المتعالية. ويرى بعض المفكّرين أنّها سائرة نحو تلاقي الاشتراكية والليبرالية في رؤية جديدة للعالم وتسييره ككلّ لا يقبل القسمة، وللبشرية ككيان جماعي غير قابل للفصل ؛ وبهذا المعنى تُعتبر إيديولوجيا الألفية الجديدة، وكأنّها دين جديد لعالم الأعمال والنخبة السياسية. ومن هنا يمكن التمييز بين العولمة كظاهرة انتشار، هي في الحقيقة مفيدة، والشوملة كجهاز قيادي للعالم من طرف مصالح اقتصادية قويّة عابرة للأمم وفوق الدول ؛ وهكذا يمكن القول: إنّنا سائرون من العولمة إلى الشوملة. وقد استُعمل لفظ العولمة بالمعنيين على حدّ سواء في أثناء تغطية إعلامية لقمّة «سيتلي»، وربّما وقع انطباق العولمة مع المنظّمة العالمية للتجارة، وهي منظّمة تستلهم سياستها من فكرة الوحدوية الاقتصادية ذات الطابع الليبرالي الحديث.
  4. في اللغة العربية : أصل العولمة القريب هو من «عالَم»، جمعه عوالم وعالَمون، ومعناه كلّ مخلوق ؛ ولقد جمعه القرآن الكريم في لفظ «العالَمين»، وقصد به، حسب المفسّرين، وخاصّة منهم «الزمخشري» و«الفخر الرازي»، كلّ موجود سوى الله تعالى ؛ وبهذا فإنّ العالَمين تشمل كلّ جنس ممّا سوى الله. والعولمة كلمة عربية مهذّبة يعرفها مجمع اللغة العربية، ولا تشذّ عن قواعد اللسان العربي الحديث.
  5. في الاصطلاح : في الاصطلاح الشائع لدى رجال الأعمال والسياسيين وبعض المفكّرين، إذا كان الإنجليز يستعملون لفظ العولمة، فإنّ بعض الفرنسيين يستعملون لفظين: الشوملة، عندما تتّجه القوى الاقتصادية بوجه أخصّ إلى صالح وحدوية اقتصادية تنجرّ عنها وحدوية ثقافية ؛ والعولمة، وهي ظاهرة أكثر اتّساعا، حيث تنفتح الحدود، وتنمو الاتصالات والتكنولوجيات الجديدة، وينتقل الأشخاص والأفكار، وتتلاقح الثقافات فيما بينها. ومهما يكن من أمرهما، فإنّ هذه الإيديولوجيا إستراتيجية تنموية جديدة تتحكّم فيها الأسواق المالية. ومن التعاريف المتداولة في مجال الاقتصاد، وهو مجالها الأصلي، قول بعض الأخصّائيين: «إنّها الحرّية التي يتمتّع بها كلّ شركة من زمرتي، من أجل الاستثمار حيث ما أراد، ومتى أراد إنتاج ما يريد، وشراء وبيع ما يريد، مع تحمّل أقلّ ضغط ممكن يقتضيه التشريع الاجتماعي».

ثانيا : مدخل إلى العولمة

1 ـ اقتصاد القرية الكونية

بعد أن عرف القرن الماضي، وبالتحديد إلى غاية 1990، مجابهةَ إيديولوجيتين سائدتين، الليبرالية والشيوعية، وبعد أن شهد العالم انهيار الإيديولوجيا الثانية، فإنّ القرن الواحد والعشرين داخلٌ في عالم متقلّص وسط قرية كونية صغيرة. فالتغيير العجيب الذي عرفته العلاقات الإنسانية، والذي أنشأه في أواخر القرن الماضي التطوّرُ المثير للتقنيات الجديدة للإعلام والاتصال، قد شكّل بعمق سلوك الإنسان، بفرضه على هؤلاء وأولئك مقاييس يصعب، لا بل يستحيل، جهلها على الدوام ؛ وهذه التقنيات تفرض نفسها، بحكم فائدتها ووفرتها، حتّى على الجماهير الأكثر عزلة وتهميشا. وبفضل شبكات الأقمار الصناعية وإمكانات الإنترنت، سيتوفّر في كلّ مكان الصوت والصورة والخطاب بصورة تفاعلية وبتكلفة أقلّ ؛ وسيندفع المرء، أمام اختيارات لا متناهية في الثقافة والترفيه، إلى قبول المعايير السائدة في العالم الذي أضحى مجرّد قرية كونية، وهي معايير تعيّن له موضعه في المجتمع العالمي. وفي عالم يتحوّل إلى قرية كونية، يكون من المحتمل أن يحتلّ الحوار المكان الأرحب بدلا من الحروب، وتتّجه عولمة الاقتصاد إلى طور أعلى تسعى فيه إلى حلّ مشاكل محيط سياسي ومؤسّساتي واقتصادي واجتماعي وثقافي تكون قد ساهمت في خلقه. وما دامت التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال قد قلّصت المسافات والزمان، فيتعيّن على الإنسان أن يتهيّأ جدّيا للدخول في عصر تلتقي فيه كلّ اهتماماته وتطلّعاته، وهو عصر يستوجب الاستمرار في بذل الجهد والانكباب على المشاركة في بناء مستقبل جديد.

2 ـ مراحل النظام العالمي الجديد : العولمة

  1. العولمة الأولى : ظهرت ضمن المركانتيلية، أي ضمن الحركة التجارانية، بين ⁦(1498–1763)⁩.
  2. العولمة الثانية : ظهرت تحت دفع التوسّع الرأسمالي بين ⁦(1763–1883)⁩.
  3. العولمة الثالثة : حملتها الحركة المتعدّية للأمم بين ⁦(1883–1980)⁩.
  4. العولمة الرابعة : وهي التي أخذت تُعرف بشوملة العولمة، انطلاقا من ⁦(1980–1988)⁩.
  5. العولمة الخامسة : في أوروبا، وبدافع من التاتشرية — نسبةً إلى «مرغريت تاتشر» رئيسة الوزراء البريطانية — في بداية الثمانينيات، ثمّ بحماس من طرف مختلف حكومات القارّة، تحوّلت إلى سياسة «الفرنك القويّ» وحرّية تنقّل رؤوس الأموال المقرّرة في 1988، لتصل إلى تتويجها في معاهدة «ماستريش»، ثمّ في عقد استقرار الميزانية لسنة 1997. وهذا النظام العالمي، الذي يخدم مصالح المال الأمريكي، ويسعى إلى رفع كلّ العقبات التي تقف في وجه حرّية الحركات الرأسمالية على المستوى الكوني، احتاج بعد ذلك عددا كبيرا من الدول «المستفيدة» من قروض مؤسّسات «بروطن وود» واعتماداتها، تحت خنق «إجماع واشنطن» ؛ وهي قروض مشروطة يفرضها صندوق النقد الدولي، تتزايد حتّى تفقد الدول المستقرضة القدرة على دفع الديون، فاتّسعت الهوّة بين الدول الغنية والدول الفقيرة ضعفين.
  6. العولمة السادسة : وهي المرحلة الحالية، أعيدت فيها مراجعة الشوملة بعد 11 سبتمبر 2001.

II – ما هي فلسفة العولمة ؟

أولا : إنّها إيديولوجيا

ريمون أرون — طبيعة الإيديولوجيا

الإيديولوجيا اصطلاحا هي علم الأفكار ؛ أمّا «ريمون أرون» فيرى أنّ طبيعتها واحدة، تتمثّل في كلّ ما هو فكري، بغضّ النظر عن كونها الانعكاس الطبيعي للواقع أو أنّها العنصر المجسّد له ؛ فالإيديولوجيا قد يكون مصدرها عرقيّا، وقد يكون دينيّا، وقد يكون لغويّا، وقد يكون اقتصاديّا. عن محمد إبلعيدن، الفلسفة والمحيط الإيديولوجي والسياسي في الجزائر (مقال)، الملتقى الوطني الثاني في مادّة الفلسفة، تلمسان، من 15 إلى 17 جانفي 2001

  1. سقوط جدار «برلين» والتفكير الأحادي : لقد انتصرت الليبرالية في أواخر القرن الماضي، وبالتحديد منذ سقوط جدار «برلين» الذي يرمز إلى فشل الشيوعية التي تدين بالتخطيط ؛ فخلا الجوّ للتفكير الأحادي لصنع القرار في بناء المشاريع، وهو يصنعه آخذا مرجعيته من تيّار فكري ينشد إقامة سوق عالمية كبيرة ومفتوحة ومتحرّرة من كلّ العوائق، فيتحكّم في العالم بواسطة سياسة اللامركزية، بحيث يتنازل الحكم الوطني عن سلطته ومسؤوليته بنسبة فائقة إزاء شعبه.
  2. مجتمع متجانس : أكبر مشروع يناسب الليبرالية الجديدة هو بناء مجتمع متجانس، تأخذ فيه القواعد الضابطة للعلاقات بين الفاعلين في التناغم والوحدة ؛ وهو مجتمع يهدف إلى توحيد الأمم لأنّه يتوق إلى العالمية. والعالمية، باعتبارها صخرة الإنسانية، تُعدّ في المألوف قيمة إيجابية، لأنّها تجمع البشر المتفرّقين منذ قرون بسبب الجغرافيا والثقافة والدين أو اللغة. ومن السبل المتّجهة نحو هذا المبتغى أن تقرّر الشركات مثلا تكييف منتوجها وخدماتها مع المتطلّبات اللغوية والثقافية للمستعمل النهائي، وأن تغتنم فرصة الثورة الإنترناتية لإنشاء وجود وهمي لها في السوق الدولية بفضل موقع متعدّد اللغات.

ثانيا : سوقها العالمية

  1. مقاييس معولمة : تقوم العولمة على السوق العالمية نفسها، وتفقد مبرّر وجودها خارج هذه السوق، لأنّها مصدر كلّ رفاهية وسعادة. ولهذا فهي تريد إشراك المتعاملين في بناء فضاء متماسك أمام الجميع، أي بناء مقاييس موحّدة للتنافس والمردودية على المستوى الكوني، وجعل الأُجَراء في أصقاع العالم مباشرة في حالة تنافس ؛ والحرّية المطلقة في مرور رؤوس الأموال هي المحرّك الأساسي للحصول على هذه النتيجة. فالسوق العالمية تحدّد المقاييس المرجعية للقطاعات التي تدخل المنافسة الدولية ؛ وهكذا يمكن القول بأنّ الاقتصاد المفتوح معناه مجتمع مفتوح.
  2. الهدم مصدر للحركة والإبداع : هذه من الحِكم المشهورة والمتداولة في أوساط الليبرالية المفرطة، والتي تعبّر عن مغزى السير وفقا لما يمليه نظام الكون والطبيعة: فعندما تغلق المعامل أبوابها ويصاب الأُجَراء بالبطالة، يجب أن نقول: هذا أمر عادي. والمذاهب الفكرية في هذا السياق تعلّمنا أنّ الهدم يمكن أن يكون خلّاقا ومصدرا لمحرّك التغيّر والتقدّم، بل إنّه الشرط الأوّل للإبداع ؛ وإذا كان العالم قائما على اللاإبداع، فإنّه لا محالة صائر إلى الخراب والتدمير.

ثالثا : أهدافها ووسائلها

  1. تحقيق الثراء وتحسين مصير الفقراء : من الدول والأشخاص، عن طريق صندوق النقد الدولي، وذلك لأنّ التجارة هي العلاج العالمي المناسب والكفيل بتقديم الإجابة الصحيحة عن الأمراض الاجتماعية، شريطة أن تُزاح جميع العوائق التي تقف في وجه التبادل العالمي ؛ ومن الأهداف التي تسير بالموازاة مع ذلك تدعيم وسائل الإعلام والاتصال والخدمات الطبّية.
  2. تعميم وسائل الاتصال وشمولية الاستقلال الفعلي : إنّ الفرد اليوم جزء من منظومة عالمية للاتصال والمواصلات، تجعله في ارتباط، وفي وقت حقيقي، مع مراسله الموجود في أيّة نقطة في العالم ؛ فبفضل شبكات الأقمار الصناعية تتمّ الارتباطات الهاتفية والرسائل المكتوبة والصور على أساس شبكة عالمية، وتكون تكاليف الاتصالات متطابقة مهما كانت المسافة التي تفرّق بين المتّصلين. وفي إطار الشوملة لا يُستبعد أن يتحسّن ذلك، ليصبح تلبية أحسن للحاجات الأساسية للأفراد في مجال التربية والصحّة والسكن والأمن والعدالة والثقافة والترفيه، واستكمالا للمعارك الكبرى الجارية من أجل إثبات قدسية الحرّيات والحقوق الأساسية للإنسان ؛ وهذا يزيد من توسيع دائرة الاستقلال الفردي.
  3. قيام مجتمع عالمي : تحلم العولمة بقيام مجتمع عالمي هو القرية الكونية أو «القرية الشاملة»، الاسم الجديد لعالم الناس اليوم، حيث تُلغى كلّ الحدود وكلّ تمييز، وطنيا كان أو قوميا أو دينيا ؛ فتبقى الشفافية والذوبان الفضيلتين الوحيدتين اللتين يتميّز بهما الإنسان المعولَم: فيكون شفّافا لأنّه كائن الاتصال، ويكون ذائبا لأنّ علاقته بالغير تنصبّ على عالم إلغاء كلّ انفصال ورفض كلّ مسافة. ولكن مهما كانت درجة النجاح التي حقّقها الاستنساخ في مجال إنتاج الكائنات البيولوجية المتطابقة، فإنّ «الاستنساخ الثقافي»، إن جاز التعبير، أمر مستبعد جدّا.

رابعا : أقطابها الفاعلون

وهم رجال أعمال الاقتصاد الأمريكي، ثمّ التاتشرية البريطانية، ثمّ «ماستريش»، ونخبة من البنكيين، وخاصّة أولئك الذين ينتمون إلى الدول الخمس العظمى، من مصرفيين وأرباب شركات عالمية. وأصبح واضحا وشائعا لدى الملاحظين أنّ الحكم السياسي لدى القطب العملاق، وهو الولايات المتّحدة، يقوم على حكومتين: إحداهما دائمة والثانية مؤقّتة.

روكفيلير وجورج بوش — منطق السوق العالمية

في سياق التذكير بآثار الثروة والمال الإيجابية، يتصوّر «دافيد روكفيلير»، أحد رؤساء هذا التجمّع السرّي للعمالقة، أنّ العالم يكون في حالة جيّدة لو كان محكوما من طرف جماعة نخبوية «تتألّف من بنكيين». وفي سياق الردّ على من يعارضون منطق السوق العالمية، وخاصّة منهم الحماياتيون ومتظاهرو «جينس» في جويليه 2001 — وهي مظاهرة معادية للعولمة وقعت على إثر انعقاد قمّة الثمانية في مدينة «جينس» بإيطاليا، وتصدّت لها السلطة بالنار والحديد والحبس — قال «جورج بوش»، بعد أن وصفهم بأنّهم «عصابة من المتهوّرين»: «إنّ كلّ من يقف ضدّ حرّية التبادل هم ضدّ الفقراء». ولقد استعمل بعض المسؤولين السياسيين والصناعيين أسلوبا آخر، فيه نفحات دينية مسيحية، في قولهم: «يسوع المسيح هو حرّية التبادل ؛ وحرّية التبادل هي يسوع المسيح».

  1. الحكومة الدائمة : وهي التي تحكم البلاد في الحقيقة، وتتألّف من أكبر الشركات الأمريكية، وأكبر مكاتب محامي واشنطن التي تنفّذ العمل القضائي لصالحها، وأكبر المحلّات ذات العلاقات العمومية بواشنطن التي تشتغل بإشهاراتها وعلاقاتها العمومية، والوظيف العمومي الأعلى المدني والعسكري.
  2. الحكومة المؤقّتة : وتقوم على رجال السياسة الذين تشغّلهم الحكومة الدائمة أو النظام الثابت ؛ وكلّ أربع سنوات يُنظَّم مهرجان يسمّى انتخابا، يُنتقى فيه الممثّلون السياسيون، ويتقدّمون على ساحة المهرجان لتنفيذ السيناريوهات المكتوبة من طرف الحكومة الدائمة، ثمّ تُنفق المال اللازم من أجل توجيه انتخابهم. والحكومة الدائمة لها كامل التأثير في مصير الدول الاقتصادي أكثر ممّا هو لدى الرؤساء ورؤساء الحكومات.
لماذا تُعدّ العولمة إيديولوجيا، لا مجرّد ظاهرة اقتصادية ؟

لأنّ الإيديولوجيا، كما يرى «ريمون أرون»، تتمثّل في كلّ ما هو فكري، وقد يكون مصدرها اقتصاديا ؛ والعولمة ليست تبادلا للسلع فقط، بل تصوّر كامل للعالم: لها لحظة ميلاد رمزية، هي سقوط جدار «برلين» الذي خلا بعده الجوّ للتفكير الأحادي ؛ ولها مشروع، هو مجتمع متجانس يتوق إلى العالمية ؛ ولها حِكم تبرّر بها ما يحدث، مثل «الهدم مصدر للحركة والإبداع» ؛ ولها وعود، هي تحقيق الثراء وتحسين مصير الفقراء وقيام مجتمع عالمي شفّاف ؛ ولها أقطاب يدافعون عنها بلغة تكاد تكون دينية: «يسوع المسيح هو حرّية التبادل». ولهذا وُصفت الشوملة بأنّها «إيديولوجيا الألفية الجديدة، وكأنّها دين جديد لعالم الأعمال والنخبة السياسية». ومن يكتفي بتعريف العولمة تعريفا اقتصاديا يفوته أنّها تدفع المرء إلى قبول المعايير السائدة في القرية الكونية، أي إلى تبنّي طريقة في النظر إلى العالم، لا إلى شراء سلعة فحسب.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة، مثل: «هل العولمة ظاهرة اقتصادية أم إيديولوجيا ؟»، أو في صيغة ضبط لمفهوم: «ما العولمة ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① التمييز بين الدوللة (توسّع المنشآت انطلاقا من القاعدة الوطنية) والعولمة (غزو منهجي للسوق العالمية) والشوملة (جهاز قيادي للعالم فوق الدول)، مع أصل الكلمة في العربية («عالَم»، و«العالَمين»: كلّ موجود سوى الله) ؛ ② لحظة التحوّل — انهيار الشيوعية والاقتصاد الموجّه وسقوط جدار «برلين» — ومراحل العولمة الستّ ؛ ③ فلسفتها بشواهدها المسندة (ريمون أرون: طبيعة الإيديولوجيا · روكفيلير: عالم تحكمه جماعة من البنكيين · جورج بوش: «كلّ من يقف ضدّ حرّية التبادل هم ضدّ الفقراء»). ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين العولمة والعالمية — العالمية ما هو مشترك بين جميع البشر ويهمّ الناس جميعا، والعولمة غزو منهجي للسوق العالمية قد يصير شوملة. ⚠️ وخطأ ثانٍ : عرض أهداف العولمة (الثراء، الاتصال، المجتمع العالمي) على أنّها حقائق، وهي وعود تحتاج إلى فحص.
نتيجة — العولمة ليست مجرّد الدوللة التي تتّسع بها المنشآت انطلاقا من قاعدتها الوطنية، بل غزو منهجي للسوق العالمية بلغ ذروته في آخر القرن العشرين مع انتصار الليبرالية واقتصاد السوق، وقد يصير شوملة، أي جهازا يقود العالم من طرف مصالح اقتصادية فوق الدول. وأصلها في العربية «العالَم»، أي كلّ مخلوق ؛ وقد مرّت بمراحل ستّ، من المركانتيلية إلى مراجعة الشوملة بعد 11 سبتمبر 2001. وهي في طبيعتها إيديولوجيا: تفكير أحادي خلا له الجوّ بعد سقوط جدار «برلين»، ومشروع مجتمع متجانس، وسوق عالمية تفرض مقاييسها، ووعود بالثراء وبمجتمع عالمي شفّاف، وأقطاب يرون أنّ من يقف ضدّ حرّية التبادل يقف ضدّ الفقراء. ⟸ وإذا كانت هذه طبيعة العولمة، فكيف يطمح الناس إلى العيش في ظلّ عولمة يعود فيها الشتات إلى شمله ؟

الصفحة 1/6

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net