اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 11 الفن المسرحي في المشرق

"كابوس في الظهيرة" (حسين عبد الخضر)

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

حسين عبد الخضر عيّال كاتبٌ مسرحيٌّ عراقيّ، وعضوُ اتّحاد المسرحيّين العراقيّين. من مواليد النّاصريّة (جنوب العراق) عام 1973م.

رغم تخصّصه المهنيّ في قطاع البترول، إلّا أنّ ولوعه بالأدب جعله يمارس الإبداع الأدبيّ منذ بداية التّسعينات.

ومن أعماله:
  • الرّوائيّة: مواسم العطش · أوهام يوم الخلاص؛
  • المسرحيّة: رماد أحزان الكوفة · لعبة الخوف · كابوس في الظّهيرة — الّتي منها هذا النّصّ.
⭐ احتفظْ بمعطًى واحد وأنت تقرأ: الكاتب من مواليد 1973، وقد عاش شبابَه وكتب في بلدٍ تعاقبت عليه الحروب. والمسرحيّةُ الّتي بين يديك تجعل من الحرب لا حدثا يُروى، بل يوما عاديًّا في بيتٍ عاديّ.

🚪تقديم النّصّ

إذا كانت الحربُ تخلّف الدّمارَ والموتَ والفقر، فما هي الآثار الخفيّة لها؟ ما الّذي يصيب الأحياءَ النّاجين من دمارها المادّيّ من اهتزازاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّة؟..

أسئلةٌ يحاول هذا النّصّ الغَوْرَ في أعماق الإجابات عنها.

💡 اقرأِ النّصَّ وأنت تحمل هذا السّؤال: الخسارةُ الّتي لا تُحصى في التّقارير ما هي؟ لن يعدّ عليك الكاتبُ قتلى ولا بيوتا مهدّمة؛ سيريك امرأةً واحدة بعد الظّهيرة.

📜النّصّ

[صالة بيتٍ عراقيّ. صور شخصيّة لثلاثة رجال معلّقة على الجدار. شبّاك يطلّ على الحديقة. أريكتان متقابلتان تجلس عليهما امرأتان]

[أصوات لعبٍ وجريٍ لأطفال تُسمع من الحديقة]

الضّيفة: كم يكون الأطفال مزعجين عندما يلعبون!

الأمّ: لا تتصوّري مدى سعادتي بصَخَبهم وجَرْيِهم المتواصل.

الضّيفة: يا لهم من أشقياء لا يملّون الرّكض والصّراخ، أطفالي مثلا، لا أعرف لماذا يركضون ويتصايحون دائما وكأنّهم في حربٍ مستمرّة!

الأمّ: يركضون علّهم يبلغون أبواب السّنين القادمة. انظري إليهم وهم يطلقون في الهواء طائراتهم الورقيّة، كأنّهم يحلّقون معها، إنّ للأطفال عالَمهم الحالِمَ يا عزيزتي، إنّهم نعمةٌ رزَقَنيها الله بعد وحدةٍ طالت بي.

الضّيفة: (تضحك ببرود) نعم إنّهم يكبرون فجأةً ليصبحوا رجالا.

الأمّ: لن أسمح لهذا أن يحدث، إنّني أراقبهم كلّ ليلة وألاحق التّغيّرات الّتي تطرأ على سَحَنِهم. وفي كلّ ليلةٍ أجد أنّ هناك تغيّراتٍ جديدةً، شعيرات ناعمة أخذت تشقّ طريقها على ذقن عليّ وترسم ملامح شابٍّ جميلٍ سيقف أمامي بعد سنوات. إنّ ذلك يثير فيَّ شعورا ناعما ويجعلني غير طامعةٍ بشيءٍ غير البقاء في ذروة هذا الشّعور الّذي يشبه النّوم على فراشٍ أو بلا فراش، هكذا كأنّما أتأرجح في الهواء.

الضّيفة: (تنظر إلى الصّور) هذه صور الغائبين؟

الأمّ: (بألم) نعم إنّها صور الأحباب الرّاحلين (تشير إلى الصّور واحدةً بعد أخرى) هذه صورة زوجي فقدته في الحرب الأولى عندما كنت حاملا بوسام، وهذه لأخي الأكبر فقدته في الحرب الثّانية عندما أدرك وسام الكلام، أمّا هذه فإنّها لأخي الأصغر فقدته قبل سنواتٍ ولا أدري أين هو الآن.. آه لقد أفقدتني الحربُ أعزَّ الأحبّة.

الضّيفة: (تنظر إلى السّاعة) أتركك لتنامي فأنا أعرف أنّك تحبّين نومَ الظّهيرة رغم أنّه لا يمكن لأحدٍ أن ينام اليوم كما أعتقد.

الأمّ: ما زال الوقت مُبكِّرا كي تذهبي، فالظّهيرة لم تحلّ بعد.

الضّيفة: ربّما تكون قد حلّت الآن.

الأمّ: لا، مازال هناك بعض الوقت، إنّني أعرف هذا تلقائيًّا، ولا يمكن لظهيرةٍ أن تفوتَني.

الضّيفة: أنا لا أنام ظهرا، لا يتسنّى لي ذلك غالبا، لأنّني أكون مشغولةً في مثل هذا الوقت من النّهار، أمّا اليوم فلا أعتقد بأنّني سأنام.

الأمّ: إنّكِ تفوّتين على نفسك فرصةَ شعورٍ رائع، كم أتمنّى أن أبقى في هذا الحدّ إلى ما لا نهاية! المشكلة الوحيدة هي أنّني لا أعرف ما الّذي سيواجهني في عالم النّوم، وذلك أمرٌ يخيفني.

الضّيفة: الخوف هناك أيضا، إنّه لمن الحزن أن نقضي أعمارنا خائفين. أيّامُنا في توتّرٍ دائم، اليوم أيضا هناك توتّرٌ والجميع يترقّب. لقد ألبسنا الخوفُ ثوبَ الحذر والحزن.

الأمّ: مهما كان الأمر، لقد تعوّدنا التّوتّرات ولم يعد عندي من الرّجال من أخشى عليه منها، لقد دارت بهم رحاها جميعا.

الضّيفة: (تنتبه إلى الوقت) أتركك لتنامي بسلام، لكنّها الظّهيرة ويجب أن تُدخلي الأولاد.

الأمّ: لا خوفَ عليهم. إنّهم يلوذون من حرّ الشّمس بظلال الأشجار ويراوغون أشعّتها بمهارة، لنتركهم يلهون ما تبقّى لهم من الوقت، فلقد رزقهم الله نشوةً فقدناها منذ مدّة.

(تودّع الضّيفةَ حتّى الباب، تطلّ على أطفالها من الشّبّاك وتطلب منهم أن يلعبوا بهدوء. تتمدّد على الأريكة وتبدأ رحلتها إلى عالم النّوم.. بعد قليل، يرتفع صوت مطرقةٍ كبيرةٍ تضرب سندانا تستيقظ الأمّ وسط الخراب).

الأمّ: يا إلهي، في أيّ كابوسٍ أنا؟ هذا البيت كأنّه بيتي والأثاث أثاثي، أشكّ بأنّني أعرف تلك الكفَّ الطّريّة وهذه الطّائرة، إنّها تشبهها تماما... كلّ شيءٍ هنا يشبه ما لديَّ عدا أنّه محطَّمٌ مثلي تماما الآن. أيُّ كابوسٍ كريهٍ هذا الّذي تقودني إليه شبّاكُ الوَسَن؟ أيُّ كابوس؟ (تدور بعينيها في المكان فتسمع في الخارج أصوات لطمٍ وبكاءٍ يختلط بصفير سيّارات الإسعاف والإطفاء) كأنّني في حربٍ أو في نهاية معركة، أيُّ مزحةٍ سخيفةٍ تلك الّتي جلبت الكابوس إلى بيتي وحيّي؟ لا، لابدّ أن أستيقظ من كلّ هذا سريعا وإلّا فإنّي سأُجَنَّ.

[تدور الأمّ في المدينة، مشعثةً ممزَّقةَ الثّياب، وهي تبحث عن بابٍ في الهواء تعود منه إلى عالمها. بعض روّاد المقهى يلعبون الدّومينو. يمرّ بها الآخرون وهم يحملون موتاهم في عرباتٍ غير مبالين بها. تحاول أن تستوقف أحدهم.]

الأمّ: أخبرني أيّها السّيّد. من أيّ بابٍ يمكنني الخروج من عالمكم فأنا غريبةٌ هنا وأودّ العودة إلى بيتي وأطفالي؟

أحدهم: (إلى صاحبه في المقهى) أظنّ أنّني أعرف هذه المجنونة.

الآخر: نعم، نعم إنّها أمّ عليّ من الزّقاق الآخر، تظنّ أنّها في كابوس، مسكينة. لقد فقدت كذا وكذا من أفراد أسرتها.

أحدهم: تظنّ أنّها في كابوس؟

رجل 2: (ساخرا) أوَ ليست هذه المجنونة مجنونة؟ دعونا منها.

رجل 1: لا، إنّها ليست مجنونة وما يدريك أنت ما الجنون: إنّها تتفادى جنونها فقط بالبحث عن بابٍ يخرجها ممّا تظنّه كابوسا، الْعَبْ.

رجل 2: حربٌ ومجانين، حربٌ ومجانين. لقد انتهيت تماما يا عزيزي اسحب كلَّ ما على الطّاولة وابدإِ العدَّ... كم كسبت؟

رجل 1: حسنا لقد انتهيت، كما انتهى كأيّ غيرك.

من مسرحيّة «كابوس في الظّهيرة»

📖أثري رصيدي اللّغويّ

في معاني الألفاظ
  • السَّحَن: السَّحْنة هي هيئةُ وشكلُ ولونُ البشرة.
  • يتسنّى: يتاح ويتهيّأ.
  • يترقّب: يتابع وينتظر.
  • يلوذ: يأوي ويلجأ.
  • كابوس: حلمٌ مزعج.
  • مشعثة: متلبّدةُ الشّعر.
⭐ لاحظْ أنّ لفظين من هذه الألفاظ يخصّان المظهر: السَّحَن (وجهُ الطّفل النّامي)، مشعثة (وجهُ الأمّ بعد الكارثة). كلمتان تكفيان لقياس المسافة بين أوّل المسرحيّة وآخرها.
في الحقل المعجميّ — استخرجْ من النّصّ المعجم اللّغويّ الدّالّ على سعادة الأمّ قبل الحادثة، ثمّ عن تعاستها بعدها.
قبل الحادثة — معجمُ النّعمة والطّمأنينة:
  • سعادتي — «لا تتصوّري مدى سعادتي»؛
  • نعمة — «إنّهم نعمةٌ رزَقَنيها الله»؛
  • عالَمهم الحالِمَ — «إنّ للأطفال عالَمهم الحالِمَ يا عزيزتي»؛
  • شعورا ناعما — «إنّ ذلك يثير فيَّ شعورا ناعما»؛
  • أتأرجح في الهواء — «هكذا كأنّما أتأرجح في الهواء».
بعد الحادثة — معجمُ الاقتلاع:
  • كابوس — «في أيّ كابوسٍ أنا؟»؛
  • مجنونة — «أظنّ أنّني أعرف هذه المجنونة»؛
  • مشعثة — «مشعثةً ممزَّقةَ الثّياب»؛
  • غريبة — «فأنا غريبةٌ هنا».
⚖️ وقابِلْ بين المعجمين تجدْ مفارقةً كاملة: الأوّل كلُّه خفّةٌ وارتفاع (تحليق، طائرات ورقيّة، تأرجحٌ في الهواء)، والثّاني كلُّه تمزّقٌ وتشعّث. الصّورة نفسُها انقلبت: كانت تتأرجح في الهواء نائمةً، فصارت تبحث عن بابٍ في الهواء يقظى.
في الحقل الدّلاليّ — تردّدت في النّصّ الكلمات: الكابوس، الجنون، الحرب. ما الّذي يجمع بين هذه الدّلالات من خلال سياق المسرحيّة؟

يجمع بينها أنّها ثلاثةُ أسماءٍ لحقيقةٍ واحدة: انقطاعُ الإنسان عن واقعٍ يستطيع أن يعيش فيه. والنّصُّ يقيم هذا الرّبط بنفسه في ثلاثة مواضع:

  • الحربُ تُسمّى كابوسا: تقول الأمّ وهي في الخراب: «كأنّني في حربٍ أو في نهاية معركة»، ثمّ «أيّ مزحةٍ سخيفةٍ تلك الّتي جلبت الكابوس إلى بيتي وحيّي؟» — الحربُ الواقعة تُدرَك على أنّها حلمٌ مزعج؛
  • الكابوسُ يفضي إلى الجنون: «لابدّ أن أستيقظ من كلّ هذا سريعا وإلّا فإنّي سأُجَنَّ» — الأمُّ نفسُها تعلن هذا الطّريق قبل أن تسلكه؛
  • والحربُ تُقرَن بالجنون صراحةً في آخر النّصّ: «حربٌ ومجانين، حربٌ ومجانين».
⭐ والجامع الدّقيق: كلٌّ من الثّلاثة يُلغي الحدَّ بين الحقيقيّ والمتخيَّل. ولذلك قال رجل 1 أدقَّ جملةٍ في المسرحيّة: «إنّها تتفادى جنونها فقط بالبحث عن بابٍ يخرجها ممّا تظنّه كابوسا» — أي إنّ تسميةَ الواقع كابوسا هي آخرُ ما يحميها من الجنون.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة في النّصّ نفسِه: اقرأْ أوّلا، وابحثْ عن الشّاهد، ثمّ افتحْ الجواب لتقابله بما وجدتَ.
ما الّذي أراد الكاتب أن يعبّر عنه من منظر الأطفال وهم يلعبون، ومنظر الحديقة والظّلّ وأشعّة الشّمس؟

أراد الكاتب من خلال هذه الصّورة إبرازَ طبيعة الحياة وجمالها، والّتي يمكن أن تتحوّل في لحظةٍ إلى مأساةٍ بسبب الحرب المدمّرة.

وتفصيلُ الصّورة في النّصّ:
  • اللّعب والجري: أصواتٌ تُسمع من الحديقة قبل أن نرى شيئا — الحياةُ تدخل المشهدَ صوتا؛
  • الطّائرات الورقيّة: «كأنّهم يحلّقون معها» — صعودٌ وخفّةٌ ومستقبل؛
  • الظّلّ وأشعّة الشّمس: «يلوذون من حرّ الشّمس بظلال الأشجار ويراوغون أشعّتها بمهارة» — أذًى صغيرٌ يعرف الأطفالُ اتّقاءه.
⚖️ وهنا موضع الأثر: الأذى الوحيدُ الّذي يتقيه الأطفال في المشهد هو حرُّ الشّمس. وبعد سطورٍ قليلة يأتي أذًى لا مهارةَ تراوغه. الجمالُ في هذا المشهد ليس زينةً؛ هو المقياسُ الّذي سيُقاس به الخراب.
ما هي الرّسالة الإنسانيّة الّتي أراد الكاتب إرسالها من خلال موضوع المسرحيّة؟

الرّسالة الإنسانيّة الّتي أراد أن يرسلها الكاتب هي أنّ الأطفال الأبرياء هم المتضرّر الأوّل من الحرب، وكذلك أمّهاتهم.

⭐ ولاحظْ كيف بُنيت هذه الرّسالة بلا خطبة: لا أحد في النّصّ يدين الحرب بجملةٍ مباشرة. الإدانةُ كلُّها في ترتيب المشاهد: نعمةٌ، ثمّ نوم، ثمّ خراب.
فيمَ تمثّلت مأساة هذه الأمّ؟ هل هي مأساةٌ فرديّة؟

تمثّلت مأساة الأمّ في فقدانها لزوجها في الحرب الأولى، وأخيها الأكبر في الحرب الثّانية، وأخيها الأصغر «قبل سنوات»، ثمّ أطفالِها وبيتِها في قصف اليوم، ممّا سبّب لها كابوسا وجنونا.

وشواهدُها في النّصّ:
  • «هذه صورة زوجي فقدته في الحرب الأولى عندما كنت حاملا بوسام»؛
  • «وهذه لأخي الأكبر فقدته في الحرب الثّانية عندما أدرك وسام الكلام»؛
  • «أمّا هذه فإنّها لأخي الأصغر فقدته قبل سنوات»؛
  • ثمّ الخلاصة على لسانها: «آه لقد أفقدتني الحربُ أعزَّ الأحبّة».

وهذه المأساة جماعيّة عايشتها أغلب الأسر العراقيّة، وما الأمّ إلّا نموذجٌ.

⚖️ والدّليل على أنّها جماعيّةٌ لا فرديّة في النّصّ نفسِه، لا خارجَه: الرّجل الآخر يعرفها بلا تعريف — «إنّها أمّ عليّ من الزّقاق الآخر... لقد فقدت كذا وكذا من أفراد أسرتها» — وحين يُختصر عددُ الموتى بـ«كذا وكذا» فذلك لأنّه صار مألوفا. ثمّ يُعمَّم صراحةً: «حربٌ ومجانين، حربٌ ومجانين».
ماذا مثّل حادثُ الانفجار الّذي سبّبه القصف بالنّسبة لتطوّر شخصيّة الأمّ؟

مثّل تطوّرا دراميًّا بين وضعِ شخصيّةٍ كانت تغمرها السّعادة بمنظر أطفالها وهم يلعبون، وشخصيّةٍ تعيش مأساةً بسبب جنونها بعد القصف.

⭐ وانتبهْ إلى أنّ الانفجار لا يُرى ولا يُسمَع في النّصّ: لا تجد له وصفا. بينه وبين القارئ ستارٌ هو نومُ الأمّ. نحن نستيقظ معها على النّتيجة، لا على الحدث — وهذا ما يجعل الصّدمة صدمتَها هي.
صوّر الكاتب موقفين متناقضين تماما لشخصيّة الأمّ. ما الّذي أراده من ذلك؟
الموقف الأوّل — قبل النّوم:
  • امرأةٌ مطمئنّة، غنيّةٌ بأطفالها: «إنّهم نعمةٌ رزَقَنيها الله بعد وحدةٍ طالت بي»؛
  • تخطّط للسّنوات القادمة وتراقب نموَّ ذقن ابنها: «سيقف أمامي بعد سنوات»؛
  • خوفُها الوحيد خوفٌ من الحلم: «لا أعرف ما الّذي سيواجهني في عالم النّوم».
الموقف الثّاني — بعد اليقظة:
  • امرأةٌ لا تعرف بيتَها: «هذا البيت كأنّه بيتي والأثاث أثاثي»؛
  • تجول في المدينة «مشعثةً ممزَّقةَ الثّياب» تبحث عن بابٍ في الهواء؛
  • غريبةٌ عن عالم النّاس: «فأنا غريبةٌ هنا»، ويسمّيها الآخرون «هذه المجنونة».

⟸ وما أراده الكاتب أن يُري بالمقابلة، لا بالخطاب، أنّ المسافة بين النّعمة والخراب لحظةٌ واحدة؛ فالشّخصيّة لم تتغيّر بخطأٍ منها، وإنّما انتقلت من النّقيض إلى النّقيض بفعل حدثٍ خارجيٍّ واحد، ثمّ تدرّج انهيارُها بعده شيئا فشيئا (من الكابوس إلى الجنون).

⚖️ وأقسى ما في المقابلة مفارقةٌ دقيقة: خوفُها الوحيد كان ممّا سيواجهها في عالم النّوم؛ فإذا الّذي واجهها إنّما هو في عالم اليقظة. وهذا هو معنى العنوان: الكابوسُ لم يعد في النّوم، بل في الظّهيرة.
تتبّعِ التّطوّر الدّراميّ للنّصّ، وارصدْ أهمّ أحداثه ومدى تفاعل الشّخصيّة المحوريّة معه.
أهمّ أحداث الموقف الدّراميّ، بالتّرتيب:
  • زيارة الضّيفة؛
  • الحديث الّذي دار بين الضّيفة والأمّ؛
  • نوم الأمّ؛
  • استيقاظ الأمّ بعد القصف وفقدانها لعقلها بسبب كارثة القصف.

وقد تفاعلت الشّخصيّة مع الأحداث تفاعلا دراميًّا أدّى بها في النّهاية إلى الجنون بفعل عدم تحمّلها للمأساة: دمارُ البيت وفقدانُ الأطفال.

⭐ ولاحظْ أنّ الحدثين الأوّلين حديثٌ فقط، والثّالث صمتٌ، والرّابع انقلاب. ثلاثةُ أرباع النّصّ حوارٌ هادئ — وهذا الهدوءُ هو الّذي يصنع أثرَ الرّبع الأخير.

💬أناقش معطيات النّصّ

هل استطاع الكاتب — من خلال هذا العمل المسرحيّ — أن ينقل للقارئ المعاناة الإنسانيّة من جرّاء الحروب؟ فمن خلال مَن وُفِّق في ذلك؟

استطاع الكاتب من خلال هذا العمل أن يترجم معاناة الإنسان من جرّاء الحرب؛ وقد وُفِّق في ذلك من خلال شخصيّة الأمّ الّتي مات أطفالها وخرِب منزلُها ففقدت أعصابها.

⚖️ وبأيّ ميزانٍ يُقال إنّه وُفِّق؟ بثلاثة، وكلُّها قابلةٌ للتّحقّق في النّصّ: ① أن تكون المعاناةُ مُرَاةً لا مقولة — ولا توجد في النّصّ جملةٌ واحدة تدين الحرب مباشرة؛ ② أن يكون الشّاهدُ فردا نعرفه لا رقما — ولذلك سمّى الكاتبُ ابنَيْها: عليًّا ووسامًا؛ ③ أن يبقى الأثرُ بعد انتهاء المشهد — والجملةُ الأخيرة تفعل ذلك: «لقد انتهيت، كما انتهى كأيّ غيرك».
ما الدّور الّذي لعبته المرأة الضّيفة في الكشف عن شخصيّة الأمّ؟

الدّور الّذي لعبته المرأة الضّيفة هو الكشف عن أغوار نفسيّة الأمّ: سعادتُها بأبنائها، وتأقلمُها مع مظاهر القصف والحرب.

وكيف فعلت ذلك؟ بالمخالفة، لا بالسّؤال:
  • تقول الضّيفة «كم يكون الأطفال مزعجين عندما يلعبون!» فتردّ الأمّ بنقيضها: «لا تتصوّري مدى سعادتي بصَخَبهم»؛
  • تقول «إنّهم يكبرون فجأةً ليصبحوا رجالا» فتنكشف مخافةُ الأمّ: «لن أسمح لهذا أن يحدث»؛
  • تقول «الخوف هناك أيضا... أيّامُنا في توتّرٍ دائم» فينكشف تأقلمُ الأمّ: «لقد تعوّدنا التّوتّرات».
⭐ وهذه تقنيةٌ مسرحيّةٌ معروفة: شخصيّةٌ ثانويّة لا وظيفةَ لها إلّا أن تستدرج الشّخصيّةَ المحوريّة إلى البوح. ولذلك لا اسم لها: هي «الضّيفة» فقط.
علّلِ الغاية الفنّيّة الّتي من أجلها قدّم الكاتب شخصيّة الأمّ بتلك النّظرة التّفاؤليّة للحياة قبل الحادث.

إنّ النّظرة التّفاؤليّة للأمّ قبل الحادثة تكمن في سعادتها بأطفالها وهم يلعبون، فعقدت الأمل من أجلهم.

والغايةُ الفنّيّة من ذلك ثلاث:
  • بناء المفارقة: كلّما ارتفع التّفاؤل عَظُم أثرُ السّقوط. ولو قدّمها حزينةً من البداية لما كان للقصف أثرٌ دراميّ؛
  • تسويغ الجنون: الجنونُ في آخر المسرحيّة لا يُصدَّق إلّا إذا كان ما فُقد عظيما في نفس صاحبته — ولذلك عدّدت نِعَمها قبل أن تفقدها؛
  • إدانةُ الحرب بغير كلام: التّفاؤلُ هنا شهادةٌ على ما كان ممكنا. والحربُ لم تقتل أطفالا فقط، بل قتلت مستقبلا موصوفا: «شابٌّ جميلٌ سيقف أمامي بعد سنوات».
ما دلالة عدم رغبة الأمّ في أن يصير أطفالها رجالاً؟

قولُها «لن أسمح لهذا أن يحدث» جاء جوابا مباشرا على قول الضّيفة «إنّهم يكبرون فجأةً ليصبحوا رجالا». فالرّفضُ ليس رفضا للزّمن، بل لما يعنيه الرّجولة في سياق هذه المسرحيّة.

والدّلالة تُستخرج من النّصّ في خطوتين:
  • ما معنى الرّجل هنا؟ كلُّ الرّجال في هذه المسرحيّة صورٌ على الجدار: الزّوج، والأخ الأكبر، والأخ الأصغر. وتقول الأمّ صراحةً: «ولم يعد عندي من الرّجال من أخشى عليه منها، لقد دارت بهم رحاها جميعا»؛
  • ⟸ فالرّجولةُ في هذا العالم مرادفٌ للقابليّة للفقد. أن يكبر الطّفلُ معناه أن يدخل دائرةَ الحرب.
⚖️ ودلالةٌ ثانية أعمق: هي تريد إيقافَ الزّمن عند لحظة النّعمة — «كم أتمنّى أن أبقى في هذا الحدّ إلى ما لا نهاية». وهذا في ذاته مؤشّرٌ على الخوف قبل وقوع الكارثة: الأمّ الّتي فقدت ثلاثةً تعرف ما ينتظر الرّابع.
ما سرّ بقاء الأمّ حيّةً وموتِ أطفالها من النّاحية الدّراميّة؟
السّرُّ دراميٌّ خالص، وهو في ثلاثة وجوه:
  • لو ماتت لانتهت المسرحيّة عند القصف: الموتُ يُنهي الحكاية، أمّا البقاءُ فيفتحها. ولذلك يبدأ المشهدُ الثّاني حيث كان يمكن أن ينتهي النّصّ؛
  • المأساةُ تحتاج شاهدا: الأطفالُ ماتوا فلم يعودوا يتألّمون؛ الألمُ كلُّه بقي في من بقيت. ولذلك جعل الكاتبُ الحيّةَ هي بطلة الفاجعة لا القتلى؛
  • الجنونُ هو الشّكل الّذي يأخذه البقاء: لا تستطيع أن تعيش هذا الواقعَ وتظلّ عاقلة، ولا تستطيع أن تموت؛ فيبقى طريقٌ ثالث سمّاه رجل 1 بدقّة: «إنّها تتفادى جنونها فقط بالبحث عن بابٍ يخرجها ممّا تظنّه كابوسا».
⭐ ⟸ الخلاصة: أقسى ما تصنعه الحربُ ليس القتل، بل ما تتركه للأحياء. وهذا بعينه ما أعلنه تقديم النّصّ في مطلع الدّرس: ما الّذي يصيب الأحياءَ النّاجين من دمارها المادّيّ من اهتزازاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّة؟
هل نجح الكاتب في بناء الموقف الدّراميّ من خلال معجمه اللّغويّ؟ علّلْ ذلك.

نجح الكاتب في بناء الموقف الدّراميّ من خلال معجمه اللّغويّ؛ فالكلمات الّتي وظّفها تبرز المعاناة والدّمار والخراب: بكاء، صفير سيّارات الإسعاف والإطفاء، ممزَّقة الثّياب، فقدت كذا وكذا.

وتعليلُ ذلك أنّ المعجم يتحرّك مع الموقف، لا بجانبه:
  • في القسم الأوّل معجمُ الخفّة والعلوّ: طائرات ورقيّة، يحلّقون، أتأرجح في الهواء، شعورا ناعما؛
  • في لحظة الانقلاب معجمُ الضّرب والصّوت: «يرتفع صوت مطرقةٍ كبيرةٍ تضرب سندانا»؛
  • في القسم الثّاني معجمُ التّمزّق والضّجيج: «أصوات لطمٍ وبكاءٍ يختلط بصفير سيّارات الإسعاف والإطفاء»، «مشعثةً ممزَّقةَ الثّياب»، «محطَّمٌ مثلي تماما».
⚖️ والدّليل القاطع على أنّ المعجم مقصود: كلمةُ «الطّائرة» تظهر مرّتين في النّصّ — مرّةً ورقيّةً في يد طفل، ومرّةً حطاما في البيت المهدَّم: «أشكّ بأنّني أعرف تلك الكفَّ الطّريّة وهذه الطّائرة». اللّفظُ واحد، والمعنى انقلب. هذا ليس اتّفاقا.

🧱أحدّد بناء النّصّ

يعتمد العمل المسرحيّ على النّمط الحواريّ عمودا وهيكلا للمسرحيّة. بيّنْ خصائصه في هذا النّصّ من حيث: ملاءمتُه للشّخصيّة، قدرتُه على رسم ملامحها، مساهمتُه في التّطوّر الدّراميّ.

نمطُ النّصّ هو النّمط الحواريّ، الّذي هو عمودُ المسرحيّة. ومن خصائصه في هذا النّصّ:

① ملاءمتُه للشّخصيّة
  • كلُّ شخصيّة تتكلّم اللّغة الّتي تناسبها؛ من ذلك مثلا كلامُ الأمّ عن الأطفال — لغةٌ فيها الحنوّ والتّفصيل والتّأمّل («شعيرات ناعمة أخذت تشقّ طريقها على ذقن عليّ»)؛
  • ويقابله كلامُ الرّجلين في المقهى: جملٌ قصيرةٌ باردة، تنتهي بأمرٍ من لعبة: «الْعَبْ»، «كم كسبت؟».
② قدرتُه على رسم ملامحها
  • أي إنّ الحوار يجسّد ملامحَ الشّخصيّة نفسيًّا وجسمانيًّا؛ من ذلك مثلا الحوار الّذي دار بين الرّجلين، وقد صوّر به الكاتبُ مأساةَ الأمّ من جرّاء القصف — فنحن لا نراها في هذا المشهد إلّا بأعينهما.
③ مساهمتُه في التّطوّر الدّراميّ
  • ساهم الحوار في تأزّم الموقف الدّراميّ والوصول به إلى الذّروة: العقدة، ثمّ توقّعُ القصف، ثمّ موتُ الأطفال وتدميرُ البيت، ثمّ جنونُ الأمّ؛
  • ⭐ ولاحظْ أنّ الحوار نفسَه يُنذر: «رغم أنّه لا يمكن لأحدٍ أن ينام اليوم كما أعتقد»، و«اليوم أيضا هناك توتّرٌ والجميع يترقّب». الخبرُ موجودٌ في الكلام قبل أن يقع.
ما الّذي أضفاه الحوار في آخر مشهد من المسرحيّة؟
مشهدُ المقهى الأخير يضيف أربعةَ أشياء لا يستطيعها غيرُ الحوار:
  • النّظرة من الخارج: صرنا نرى الأمَّ بعيون النّاس لا بعينيها — «أظنّ أنّني أعرف هذه المجنونة». فينكشف أنّها فقدت، مع بيتها وأولادها، صورتَها عند الآخرين؛
  • فكرةُ المسرحيّة على لسان شخصيّة: يقول رجل 1: «لا، إنّها ليست مجنونة وما يدريك أنت ما الجنون: إنّها تتفادى جنونها فقط بالبحث عن بابٍ يخرجها ممّا تظنّه كابوسا» — وهو أدقُّ تعليقٍ على النّصّ كلِّه؛
  • البرود واللّامبالاة: الحوار يجري فوق طاولة دومينو، ويقاطَع بـ«الْعَبْ» و«كم كسبت؟». وهذا البرودُ يجعل المأساة أفظع، لأنّه يقول إنّها صارت مألوفة؛
  • التّعميم والنّهاية المفتوحة: «حربٌ ومجانين، حربٌ ومجانين» تُخرج المأساة من الفرد إلى الجماعة؛ ثمّ تُختم المسرحيّة بجملةٍ عن اللّعبة تصلح للحرب كلِّها: «حسنا لقد انتهيت، كما انتهى كأيّ غيرك».
⭐ جملةُ الختام ذاتُ وجهين، وهذا سرُّ قوّتها: ظاهرُها أنّ لاعبا خسر دورَه في الدّومينو؛ وباطنُها حكمٌ على كلّ من دخل الحرب. ⟸ الكاتب ينهي المسرحيّة بأتفه كلام ممكن، فيصير أثقلَه.
تخلّلت المسرحيّةَ بعض المقاطع الوصفيّة والسّرديّة. هل تراها جزءا من العمل المسرحيّ؟ ولماذا؟

نعم، هي جزءٌ من العمل المسرحيّ. فقد تخلّل الحوارَ بعضُ المقاطع الوصفيّة والسّرديّة الّتي ساهمت في بنائه، وهي جزءٌ منه لأنّها تُبرز الشّخصيّات والبيئةَ المكانيّة والزّمانيّة، وتسرد الأحداث.

وأمثلتُها في النّصّ:
  • وصفُ المكان في الافتتاح: «صور شخصيّة لثلاثة رجال معلّقة على الجدار. شبّاك يطلّ على الحديقة. أريكتان متقابلتان تجلس عليهما امرأتان» — ثلاثةُ أسطرٍ تكفي لتقول: بيتٌ فيه غيابٌ، ونافذةٌ على الحياة؛
  • سردُ ما لا يُقال: «تتمدّد على الأريكة وتبدأ رحلتها إلى عالم النّوم» ثمّ «يرتفع صوت مطرقةٍ كبيرةٍ تضرب سندانا تستيقظ الأمّ وسط الخراب» — القصفُ كلُّه في هذا السّطر؛
  • وصفُ حال الشّخصيّة: «مشعثةً ممزَّقةَ الثّياب»؛ ونبراتُ الأداء: «(تضحك ببرود)»، «(بألم)»، «(ساخرا)».
⚖️ وهذه المقاطع في المسرح تسمّى الإرشادات المسرحيّة: لا تُقال على الخشبة، لكنّها تُنفَّذ. فهي مكتوبةٌ للمخرج والممثّل، ويقرؤها القارئُ ليرى ما كان سيراه لو حضر. ⟸ حذفُها من النّصّ يُفقد المسرحيّة نصفَ معناها.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

لقد حافظ الكاتب على النّسق المسرحيّ ممّا جعل الأحداث منسجمة. فهل اعتمد من أجل ذلك على بناء الشّخصيّة المحوريّة بناءً تطوّريًّا متناميا، أم على بناء الأحداث؟ علّلْ بشواهد من النّصّ.

لقد اعتمد الكاتب في تقديم الأحداث على الشّخصيّة المحوريّة: الأمّ، بناءً تطوّريًّا متناميا مع بناء الأحداث؛ إذ إنّ شخصيّة الأمّ هي المسيطرة من البداية إلى النّهاية، كما أنّ الأحداث جاءت مرتّبةً ترتيبا محكما.

والشّواهد على سيطرة الشّخصيّة:
  • لا يخلو مشهدٌ منها: هي في الصّالة، ثمّ نائمة، ثمّ في الخراب، ثمّ في المدينة؛ وحتّى في المشهد الأخير — حيث لا تتكلّم — يدور الحديث كلُّه عنها؛
  • كلُّ الشّخصيّات الأخرى بلا أسماء ولا تاريخ: الضّيفة، أحدهم، الآخر، رجل 1، رجل 2. وجودُها كلُّه في خدمة الكشف عنها.
والشّواهد على إحكام ترتيب الأحداث:
  • الزّمنُ متّصلٌ لا قفزَ فيه: ظهيرةٌ واحدة، من قبل النّوم إلى بعده؛
  • كلُّ عنصرٍ في القسم الأوّل يعود في الثّاني مقلوبا: الطّائرةُ الورقيّة ⟸ الطّائرة المحطَّمة؛ نومُ الظّهيرة ⟸ كابوسُ الظّهيرة؛ «أتأرجح في الهواء» ⟸ «تبحث عن بابٍ في الهواء».
لقد ساهم الحوار في البناء الدّراميّ المتناسق. وضّحْ ذلك من خلال العلاقة العضويّة بين النّصوص الحواريّة المتبادلة (السّؤال والجواب، ردود الأفعال)، وأدوات الرّبط، وأدوات الاستفهام والجواب.
① السّؤال والجواب — كلُّ ردٍّ يمسك بما قبله:
  • «هذه صور الغائبين؟» ⟸ «(بألم) نعم إنّها صور الأحباب الرّاحلين»؛
  • «فالظّهيرة لم تحلّ بعد» ⟸ «ربّما تكون قد حلّت الآن» ⟸ «لا، مازال هناك بعض الوقت»؛
  • «تظنّ أنّها في كابوس؟» ⟸ «أوَ ليست هذه المجنونة مجنونة؟» ⟸ «لا، إنّها ليست مجنونة».
② ردود الأفعال — الحوار يتقدّم بالمخالفة لا بالموافقة:
  • «كم يكون الأطفال مزعجين» ⟸ «لا تتصوّري مدى سعادتي»؛
  • «إنّهم يكبرون فجأةً ليصبحوا رجالا» ⟸ «لن أسمح لهذا أن يحدث»؛
  • ⭐ وهذا هو ما يصنع التّوتّر: لو وافقت كلُّ شخصيّةٍ الأخرى لتوقّف الحوار.
③ أدوات الرّبط — تحمل منطقَ المشهد:
  • التّعليل: «لا يتسنّى لي ذلك غالبا، لأنّني أكون مشغولةً في مثل هذا الوقت من النّهار»؛ وبالفاء: «فأنا غريبةٌ هنا وأودّ العودة إلى بيتي وأطفالي»، «لنتركهم يلهون ما تبقّى لهم من الوقت، فلقد رزقهم الله نشوةً فقدناها منذ مدّة»؛
  • الاستدراك: «لكنّها الظّهيرة ويجب أن تُدخلي الأولاد»؛ «مهما كان الأمر»؛
  • الشّرط: «لابدّ أن أستيقظ من كلّ هذا سريعا وإلّا فإنّي سأُجَنَّ» — و«إلّا» هنا «إنْ» الشّرطيّةُ مدغمةً في «لا» النّافية (وإنْ لم أستيقظْ)، والفاءُ رابطةٌ لجواب الشّرط؛ وهي الأداةُ الّتي تختصر مصير الشّخصيّة.
④ أدوات الاستفهام — وهي في النّصّ إنشاءٌ لا استفهام:
  • «في أيّ كابوسٍ أنا؟» و«أيُّ كابوسٍ كريهٍ هذا؟» و«أيُّ مزحةٍ سخيفة؟» — تكرارُ «أيّ» ثلاث مرّاتٍ في فقرةٍ واحدة ليس طلبَ خبر، بل تعجّبٌ وإنكار؛
  • «من أيّ بابٍ يمكنني الخروج من عالمكم؟» — سؤالٌ لا جواب له، ولذلك لا يجيبها أحد: يتحوّل الرّدُّ إلى كلامٍ عنها لا معها.
كيف ساهم حادثُ الانفجار في البناء الدّراميّ؟

ساهم حادثُ الانفجار في الوصول بالموقف الدّراميّ إلى الذّروة؛ فقد جسّد لنا الخرابَ والفناءَ والعدم، وكذلك مأساة الإنسان من جرّاء الحروب.

⭐ وموقعُه في البناء دقيق: هو نقطةُ الانقلاب الّتي تفصل قسمَي المسرحيّة. قبله حوارٌ هادئٌ في مكانٍ واحد، وبعده تشتُّتٌ في مدينةٍ كاملة. ⟸ الانفجارُ لم يهدم البيتَ فقط، بل هدم وحدةَ المكان الّتي كانت تمسك المشهد.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

يعرض علينا الكاتب مشهدا مسرحيًّا دراميًّا يعبّر عن موقفه المستنكِر للحرب والصّراع المسلّح الّذي يعود بالخراب على أضعف المخلوقات (موتُ الأطفال وجنونُ الأمّ).

وقد صوّر لنا هذه المأساة في أبشع صورها وأعلى درجات المأساة الدّراميّة، حين يجعل من الموت والقصف والدّمار جزءا من يوميّات الإنسان، وشيئا مألوفا لديه.

وقد بنى الكاتب الشّخصيّة الدّراميّة بناءً ناميا ينتقل شيئا فشيئا من النّقيض إلى النّقيض بفعل قنبلةٍ واحدة تدمّر كلَّ الحياة، وتقضي على المستقبل، في لغةٍ بسيطة وحوارٍ مبنيٍّ بناءً محكما.

⚖️ خذْ من هذا التّقدير ميزانا لحكمك: قيمةُ النّصّ ليست في هول ما يرويه — فالحروب أهولُ ممّا يُروى — بل في الاقتصاد: بيتٌ واحد، وظهيرةٌ واحدة، وامرأتان، وقنبلةٌ لا نراها. وبهذا القليل قِيلت الحربُ كلُّها.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — في مجال قواعد اللّغة (الأفعال المتعدّية إلى مفعولين)

الفعل إمّا لازمٌ وإمّا متعدٍّ؛ والمتعدّي هو الّذي يحتاج إلى مفعولٍ به لإتمام معنى الجملة. لكن هل تعلم أنّ هناك أفعالا لا تكتفي بمفعولٍ واحد؟.. عُدْ إلى النّصّ وتأمّلْ هذه الجمل:

الجمل الثّلاث — كلُّها من نصّ الدّرس

① «لقد أفقدتني الحربُ أعزَّ الأحبّة.» ② «ألبسنا الخوفُ ثوبَ الحذر والحزن.» ③ «رزقهم الله نشوةً فقدناها.»

أكتشف أحكام القاعدة

إذا سألتَ نفسك وقلت: مَن أفقدَتِ الحربُ؟ وماذا أفقدَتْ؟ فماذا يكون الجواب؟
الجواب عن هذا السّؤال سيكون:
  • الأمّ (وهي ياء المتكلّم في «أفقدتني») ⟸ جوابُ «من؟»؛
  • ثمّ «أعزَّ» (أعزَّ الأحبّة) ⟸ جوابُ «ماذا؟»؛
  • وكلاهما مفعولٌ به: الأوّل ثمّ الثّاني.
والشّيءُ نفسه بالنّسبة للفعلين «ألبَسَ» و«رزَقَ». حدّدْ مفعوليهما.
فكلاهما يحتاج إلى مفعولين:
  • ألبَسَ: الضّمير «نا» (مفعولٌ أوّل) ثمّ «ثوبَ» (مفعولٌ ثانٍ)؛
  • رزَقَ: الضّمير «هم» (مفعولٌ أوّل) ثمّ «نشوةً» (مفعولٌ ثانٍ).

فماذا نستنتج؟ أنّ بعض الأفعال قد تتعدّى من مفعولٍ إلى مفعولين؛ ومن ذلك الأفعال: أفقد، ألبس، رزق، كسا، أطعم، سقى، أهدى، علّم...

أعرب الجمل الثّلاث

أعربْ: «لقد أفقدتني الحربُ أعزَّ الأحبّة».
  • لقد: اللّام لامُ التّوكيد، و«قد» حرفُ تحقيقٍ مبنيّ، لا محلّ له من الإعراب؛
  • أفقدَتْ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، والتّاء تاءُ التّأنيث السّاكنة، لا محلّ لها؛
  • ـني: النّون للوقاية، والياء ضميرٌ متّصلٌ مبنيٌّ في محلّ نصب مفعولٍ به أوّل؛
  • الحربُ: فاعلٌ مرفوعٌ وعلامة رفعه الضّمّة الظّاهرة؛
  • أعزَّ: مفعولٌ به ثانٍ منصوبٌ وعلامة نصبه الفتحة الظّاهرة، وهو مضاف؛
  • الأحبّةِ: مضافٌ إليه مجرورٌ وعلامة جرّه الكسرة.
أعربْ: «ألبسنا الخوفُ ثوبَ الحذر والحزن».
  • ألبسَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتح؛
  • ـنا: ضميرٌ متّصلٌ مبنيٌّ في محلّ نصب مفعولٍ به أوّل؛
  • الخوفُ: فاعلٌ مرفوعٌ وعلامة رفعه الضّمّة؛
  • ثوبَ: مفعولٌ به ثانٍ منصوبٌ وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضاف؛
  • الحذرِ: مضافٌ إليه مجرورٌ وعلامة جرّه الكسرة، والحزنِ: اسمٌ معطوفٌ عليه بالواو مجرورٌ مثلُه.
⭐ ولاحظْ أنّ المفعول الأوّل هنا ضمير، والثّاني اسمٌ ظاهر. وهذا هو الغالب في هذا الباب: يتقدّم من وقع عليه الفعلُ أوّلا، ثمّ يأتي ما وقع به.
أعربْ: «رزقهم الله نشوةً».
  • رزقَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتح؛
  • ـهم: ضميرٌ متّصلٌ مبنيٌّ في محلّ نصب مفعولٍ به أوّل؛
  • اللهُ: لفظُ الجلالة، فاعلٌ مرفوعٌ وعلامة رفعه الضّمّة؛
  • نشوةً: مفعولٌ به ثانٍ منصوبٌ وعلامة نصبه الفتحة.
⛔ الميزانُ الّذي يمنعك من الخلط: بعد أن تعيّن الفاعل، اسألِ الفعلَ سؤالين: «مَن؟» ثمّ «ماذا؟». إن أجاب عن الاثنين معا فهو متعدٍّ إلى مفعولين. وإن اكتفى بواحدٍ فهو متعدٍّ إلى مفعولٍ واحد. ⚖️ وانتبهْ: الضّميرُ المتّصل بالفعل مفعولٌ به لا جزءٌ من الفعل — «أفقدتني» ليست كلمةً واحدة في الإعراب، بل فعلٌ وتاءُ تأنيثٍ ساكنة (حرف) ونونُ وقاية وياءُ المتكلّم (مفعولٌ به أوّل)، أمّا الفاعلُ فاسمٌ ظاهرٌ بعدها: «الحربُ».

أبني أحكام القاعدة — تصنيف الأفعال المتعدّية إلى أكثر من مفعول

أوّلا: الفعل المتعدّي إلى مفعولين — هو الفعل الّذي لا يكتفي بمفعولٍ واحد لإتمام المعنى، وإنّما يتعدّى إلى مفعولٍ ثانٍ. وهو نوعان:

(أ) المتعدّي إلى مفعولين أصلُهما مبتدأٌ وخبر — وهي ثلاث طوائف:
  • أفعال الظّنّ: وهي الّتي تفيد رجحان وقوع شيء، منها: ظنَّ – خالَ – حسِبَ – جَعَلَ – حَجا – عدَّ – زعمَ – هَبْ (بمعنى افرِضْ)؛
  • أفعال اليقين: وهي الدّالّة على الاعتقاد الجازم، منها: رأى – علِمَ – درى – تعلَّمْ (بمعنى اعلمْ) – وجَدَ – ألفى؛
  • أفعال التّحويل: وهي الّتي بمعنى صيَّرَ، منها: صيَّرَ – ردَّ – تركَ – تخِذَ واتّخذَ – جعَلَ.
(ب) المتعدّي إلى مفعولين ليس أصلُهما مبتدأً وخبرا
  • وهي أفعالٌ منها: منح – وهب – أعطى – كسا – سأل – ألبس – منع.
  • ⭐ وأفعالُ نصّ الدّرس الثّلاثة من هذا القسم: أفقدَ، ألبسَ، رزَقَ.
⛔ كيف تفرّق بين القسمين؟ بالاختبار، لا بالحفظ: احذفِ الفعلَ واجعلِ المفعولين جملةً اسميّة. ① «ظننتُ الجوَّ صحوا» ⟸ «الجوُّ صحوٌ»: جملةٌ مفيدة ⟸ أصلُهما مبتدأ وخبر. ② «ألبسنا الخوفُ ثوبَ الحذر والحزن» ⟸ «نحن ثوبُ الحذر والحزن»: لا معنى لها ⟸ ليس أصلُهما مبتدأً وخبرا.
ثانيا: الأفعال المتعدّية إلى ثلاثة مفاعيل
  • منها: أرى – أخبَرَ – أنبأ – أعلَمَ.
  • ⚖️ وهي أقلُّ ورودا، وأصلُها أفعالُ اليقين والرّؤية بعد أن دخلت عليها همزةُ التّعدية: «رأى» تتعدّى إلى مفعولين، فإذا صارت «أرى» تعدّت إلى ثلاثة.
⭐ وممّا يستحقّ الوقوف عنده في هذا النّصّ: الأفعالُ الثّلاثة المدروسة كلُّها تدور على الأخذ والإعطاء: «رزقهم الله نشوةً» عطاء، و«أفقدتني الحربُ أعزَّ الأحبّة» أخذ، و«ألبسنا الخوفُ ثوبَ الحذر والحزن» عطاءٌ في صورة أخذ. ⟸ حتّى قاعدةُ النّحو هنا مأخوذةٌ من موضوع المسرحيّة نفسِه: ما وهبته الحياةُ وما انتزعته الحرب.

الصفحة 1/6

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net