اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 1 الشعر التعليمي

وصايا و توجيهات ابن الوردي

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

زَيْنُ الدّينِ عُمَرُ، المعروفُ بابنِ الوَرْديّ. وُلد بمَعَرَّةِ النُّعمانِ عامَ 689 هـ. أكبَّ على علوم اللّغة والأدب فحصَّل منها قِسْطا وافرا. كتب في التّاريخ والنّحو، ونظَم الشّعر. توفّي عامَ 749 هـ.

⭐ وفي هذه التّرجمة القصيرة مفتاحٌ يفتح لك النّصّ قبل قراءته. الرّجلُ جمَع في يدٍ واحدةٍ علمَ اللّغة والنّحو ونظمَ الشّعر: فانتظرْ إذن قصيدةً تُشبِه الدّرسَ أكثرَ ممّا تُشبِه الوجدان، تُعلِّم وهي تُنشِد. وهذا هو بابُ محورِنا: الشّعرُ التّعليميّ.

🚪تقديم النّصّ

طرقُ التّعليم متعدّدةٌ ومتنوّعة، من أهمّها التّلقينُ، والتّوجيهُ، وإعطاءُ القُدوة.

سؤالُ الدّخول: فأيَّها اختار الشّاعرُ في نصِّه هذا؟ اقرأِ الأبياتِ الاثنَيْ عشَرَ وأنت تحمل هذا السّؤالَ، واكتبْ جوابَك قبل أن تفتح إجابةً واحدة.

📜النّصّ

⚖️ الأبياتُ مرقّمةٌ من 1 إلى 12، والأرقامُ ليست زينة: أسئلةُ الدّرس كلُّها تُحيلك إليها — «ما فهمتَ من البيت ⁦(10)⁩؟»، «ما النّصّ القرآنيّ المقتبَس في البيت ⁦(6)⁩؟». فاعتَدْ أن تُرفِق كلَّ جوابٍ برقم بيتِه.
«وصايا وتوجيهات» — ابنُ الورديّ
الرّقمالصّدرالعجز
1اعْتَزِلْ ذِكْرَ الأغاني والغَزَلْوقُلِ الفَصْلَ وجانِبْ مَنْ هَزَلْ
2واتَّقِ اللهَ فتَقْوى اللهِ ماجـاوَرَتْ قَلْبَ امرِئٍ إلّا وَصَلْ
3كُتِبَ المَوْتُ على الخَلْقِ فَكَمْفَلَّ مِنْ جَيْشٍ وأَفْنَى مِنْ دُوَلْ
4أيْنَ نَمْرودُ وكَنْعانُ ومَنْمَلَكَ الأرضَ وَوَلَّى وعَزَلْ
5أيْنَ مَنْ سادُوا وشادُوا وبَنَوْاهَلَكَ الكُلُّ ولَمْ تُغْنِ القُلَلْ
6سَيُعيدُ اللهُ كُلًّا مِنْهُمُوسَيَجْزي فاعِلًا ما قَدْ فَعَلْ
7أَيْ بُنَيَّ اسمَعْ وَصايا جَمَعَتْحِكَمًا خُصَّتْ بها خَيْرُ المِلَلْ
8اُطْلُبِ العِلْمَ ولا تَكْسَلْ فَماأَبْعَدَ الخَيْرَ على أَهْلِ الكَسَلْ
9اطْرَحِ الدُّنيا فَمِنْ عاداتِهاتَخْفِضُ العالي وتُعْلي مَنْ سَفَلْ
10عِيشَةُ الرّاغِبِ في تَحْصيلِهاعِيشَةُ الجاهِلِ فيها أوْ أَقَلّْ
11فاتْرُكِ الحيلَةَ فيها واتَّكِلْإنّما الحيلَةُ في تَرْكِ الحِيَلْ
12قِيمَةُ الإنسانِ ما يُحْسِنُهُأَكْثَرَ الإنسانُ مِنْهُ أمْ أَقَلّْ

ديوان ابن الورديّ

📖أثري رصيدي اللّغويّ

شرحُ المفردات كما ورد في الدّرس، وموضعُ كلٍّ منها في القصيدة
اللّفظمعناهموضعُه
فَلَّالمقصودُ: هَزَمَ — لأنّ المعنى الحقيقيَّ يخصّ السّكّينَ أو السّيفَ حين يفقد حدَّتهبيت 3
القُلَلالجبالُبيت 5
نَمْرودُ وكَنْعانُعَلَمانِ تاريخيّان — وهما عند الدّرس من الجبابرة الّذين مَلَكوا ثمّ هلَكوا، ذكرهما الشّاعرُ للاعتباربيت 4
⭐ ولاحظْ كيف صنع الشّاعرُ من «فَلَّ» صورةً في كلمةٍ واحدة. المعنى الحقيقيُّ للفعل يخصّ الحديد: سيفٌ فُلَّ، أي تكسّر حدُّه. فلمّا أسنده إلى الموت وجعل مفعولَه الجيوشَ والدّوَلَ، صار الموتُ سيفا يُثلِم كلَّ حدّ. احتفظْ بهذه الملاحظة: ستحتاجها في مبحث البلاغة في آخر الدّرس.
والمنهجُ الّذي يطلبه منك الدّرسُ في «نمرود وكنعان»: كيف تبحث عن عَلَمٍ لا تعرفه؟
الدّرسُ لا يكتفي بأن يقول لك إنّهما من الأعلام التّاريخيّة: هو يكلّفك بحثا، في ثلاث خطوات:
  • عُدْ إلى القاموس أو إلى معجم الأعلام، وتبيَّنْ مَنْ هُما؛
  • ثمّ اسألْ: في أيِّ عصرٍ عاشا؟ — فمن غير الزّمن لا معنى للعِبرة؛
  • ثمّ ارجعْ إلى البيت 4 واسألْ: لماذا اختارهما الشّاعرُ هما بالذّات؟ الجوابُ في العَجُز نفسِه: «مَلَكَ الأرضَ وَوَلَّى وعَزَلْ» — أي أنّهما مثالٌ على أقصى ما يبلغه الإنسانُ من سلطان. فإذا هلَك هذا، فمَن يبقى؟
⚖️ وهذه هي فائدةُ العَلَم في الشّعر التّعليميّ: الحجّةُ المحسوسة. لو اكتفى الشّاعرُ بأن يقول كلُّ ذي سلطانٍ يفنى لقالها الجميع؛ فلمّا سمّى نمرودَ وكنعانَ أقام على قوله شاهدا من التّاريخ لا يُردّ.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة في النّصّ نفسِه، ولكلِّ جوابٍ بيتٌ يحمله. اكتبْ جوابَك أوّلا، ثمّ افتحْ لتقابل.
إلامَ يدعو الشّاعرُ في نصِّه؟
يدعو الشّاعرُ في نصِّه إلى أربعةٍ، مرتّبةٍ كما جاءت في الأبيات:
  • تقوى الله — البيت 2؛
  • ضرورةُ التّفكّر في الموت — الأبيات 3 و4 و5؛
  • الاستعدادُ له بالعمل الصّالح — البيت 6: «وسَيَجْزي فاعِلًا ما قَدْ فَعَلْ»؛
  • التّحلّي بالفضائل — الأبيات 7 إلى 12: العلمُ، والزّهدُ، والتّوكّلُ، والإحسان.
مَنِ المخاطَبُ الحقيقيُّ في هذا النّصّ؟ وضّحْ.
للسّؤال جوابان، والثّاني هو المقصود:
  • المخاطَبُ في الظّاهر فردٌ واحد: ابنُ الشّاعر. والدّليلُ في البيت 7: «أَيْ بُنَيَّ اسمَعْ» — نداءٌ، ثمّ أمرٌ بصيغة المفرد؛
  • والمخاطَبُ في الحقيقة كلُّ قارئٍ أو سامع. والدّليلُ أنّ الشّاعر لم يذكر في الأبيات الاثنَيْ عشَرَ أمرا واحدا يخصّ ابنَه وحدَه: كلُّها وصايا صالحةٌ لكلّ أحد؛
  • ⟸ اختار خطابَ الفرد ليجعل كلَّ سامعٍ يشعر كأنّه هو المعنيُّ بالأمر.
⭐ وستعود إلى هذه الملاحظة مرّتين: في أناقش معطيات النّصّ حين تُوازن بين خطاب الفرد وخطاب الجماعة، وفي أجمل القول في تقدير النّصّ — وهناك تجد هذه العبارةَ بنصّها: «عرَف كيف يُعمِّم خطابَه إلى جميع النّاس من خلال خطاب الفرد».
بمَ ذكَّرَنا الشّاعرُ في النّصّ؟ ولِمَ؟
ذكَّرَنا بموت الجبابرة، والغرضُ الاعتبار:
  • بمَ ذكّرنا؟ بهلاك نمرودَ وكنعانَ (بيت 4)، وبهلاك مَن سادوا وشادوا وبَنَوْا (بيت 5)؛
  • ولِمَ؟ للاعتبار — أي ليَقيسَ السّامعُ نفسَه عليهم: إن كان هؤلاء قد ملَكوا الأرضَ ثمّ هلَكوا ولم تُغْنِ عنهم القُلَلُ، فما بالُ مَن دونَهم؟
كيف يستعدُّ الإنسانُ للموت؟
يستعدُّ الإنسانُ للموت بأمرين، والنّصُّ يسمّيهما:
  • بترك ملذّات الدّنيا إلّا ما أحلَّ الله — البيتان 1 و9؛
  • وبالعمل الصّالح — البيت 6: «وسَيَجْزي فاعِلًا ما قَدْ فَعَلْ»، فالجزاءُ على الفعل، فلا بدّ من فعلٍ يُجزى عليه.
الحسُّ الدّينيُّ قويٌّ في هذا النّصّ. أين يظهر ذلك؟ وضّحْ.
يظهر في أربعة مواضع، وكلٌّ منها من بابٍ غير الآخر:
  • الأمرُ الصّريحُ بالتّقوى — بيت 2: «واتَّقِ اللهَ»، ثمّ تعليلُه في العَجُز؛
  • تقريرُ عقيدةِ الموت — بيت 3: «كُتِبَ المَوْتُ على الخَلْقِ»، ولفظُ «كُتِبَ» لفظٌ قرآنيُّ النَّفَس؛
  • الإيمانُ بالبعث والحساب — بيت 6: «سَيُعيدُ اللهُ كُلًّا مِنْهُمُ»، فهذا بعثٌ، «وسَيَجْزي فاعِلًا ما قَدْ فَعَلْ»، فهذا حساب؛
  • تفضيلُ المِلّة — بيت 7: «خُصَّتْ بها خَيْرُ المِلَلْ»، أي أنّ مصدرَ هذه الحِكَم هو الدّينُ نفسُه؛
  • ويُضاف إليها التّوكّل — بيت 11: «فاتْرُكِ الحيلَةَ فيها واتَّكِلْ».
ما هي التّوجيهاتُ الدّينيّةُ الواردةُ في النّصّ؟ عدِّدْها.
التّوجيهاتُ الدّينيّة، وموضعُ كلٍّ منها
التّوجيهموضعُه في النّصّ
تقوى اللهبيت 2
تذكُّرُ الموتبيت 3
الإيمانُ بيوم البعث والحساببيت 6
التّوكّلُ على الله وتركُ الحيلةبيت 11
ما هي التّوجيهاتُ الخُلُقيّةُ الواردةُ في النّصّ؟ عدِّدْها.
التّوجيهاتُ الخُلُقيّة، وموضعُ كلٍّ منها
التّوجيهموضعُه في النّصّ
الصّدقُ في الكلام ومجانبةُ الهازلينبيت 1: «وقُلِ الفَصْلَ وجانِبْ مَنْ هَزَلْ»
طلبُ العلم وتركُ الكسلبيت 8
الزّهدُ في الدّنياالبيتان 9 و10
الإحسانُ — أي إتقانُ العمل والنّفعُ بهبيت 12: «قِيمَةُ الإنسانِ ما يُحْسِنُهُ»
⚖️ ولاحظْ أنّ القسمَيْن ليسا منفصلَيْن. التّوجيهُ الخُلُقيُّ عند الشّاعر مبنيٌّ على التّوجيه الدّينيّ: الزّهدُ في الدّنيا (بيت 9) فرعٌ عن تذكّر الموت (بيت 3)، وتركُ الحيلة (بيت 11) فرعٌ عن التّوكّل. وهذا ما يجعل النّصَّ وحدةً واحدة رغم استقلال أبياته.
ماذا فهمتَ من البيت ⁦(10)⁩؟ اشرحْ.

البيت 10: «عِيشَةُ الرّاغِبِ في تَحْصيلِها ⟵ عِيشَةُ الجاهِلِ فيها أوْ أَقَلّْ».

والشّرحُ في ثلاث خطوات:
  • الضّميرُ في «تَحْصيلِها» و«فيها» يعود على «الدُّنيا» — والمرجعُ في البيت السّابق (بيت 9): «اطْرَحِ الدُّنيا»؛
  • «الرّاغِب» هو المُقبِلُ على جمعها الحريصُ عليها. والشّاعرُ يحكم على عيشته بأنّها عيشةُ جاهل؛
  • «أوْ أَقَلّْ» زيادةٌ في الحكم: بل هي دون عيشة الجاهل.
⭐ ولماذا الجاهلُ بالذّات؟ لأنّ الرّاغبَ في الدّنيا يتشبَّثُ بالدّار الفانية وينسى دارَ الدّوام — وهذا هو الجهلُ بعينه: لا جهلُ الحروف، بل جهلُ المآل. وقد أقام الشّاعرُ الحجّةَ على ذلك قبلَ بيتَيْن: مَن مَلَكَ الأرضَ هلَك (4 و5).
هل تَعُدُّ البيتَ ⁦(12)⁩ من الأحكام أم من النّصائح؟ علِّلْ.

البيت 12: «قِيمَةُ الإنسانِ ما يُحْسِنُهُ ⟵ أَكْثَرَ الإنسانُ مِنْهُ أمْ أَقَلّْ».

هو حُكْمٌ، لا نصيحة. والدّليلُ ثلاثةُ فروقٍ تُقاس على النّصّ نفسِه:
  • فرقُ الأسلوب: النّصيحةُ في هذا النّصّ تأتي دائما بصيغة الأمر أو النّهي («اعْتَزِلْ» 1، «واتَّقِ» 2، «اسمَعْ» 7، «اُطْلُبِ… ولا تَكْسَلْ» 8، «اطْرَحِ» 9، «فاتْرُكِ الحيلَةَ فيها واتَّكِلْ» 11). أمّا البيت 12 فجملةٌ خبريّةٌ لا أمرَ فيها ولا نهيَ؛
  • فرقُ المخاطَب: النّصيحةُ تتوجّه إلى مخاطَبٍ بعينه («أَيْ بُنَيَّ»)، والحُكْمُ يتحدّث عن «الإنسان» مطلقا، مرّتَيْن في بيتٍ واحد؛
  • فرقُ الزّمن: النّصيحةُ تطلب فعلا في المستقبل، والحكمُ يقرّر حقيقةً في كلّ زمان.
⚖️ والفائدةُ من هذا الفرق ليست تصنيفيّة فحسب. بهذا الحكم يَختِم الشّاعرُ نصَّه: بعد أن أمَر ونهى أحدَ عشَرَ بيتا، يرفع في الثّاني عشَرَ الميزانَ الّذي وُزنت به الوصايا كلُّها. فالخاتمةُ حكمٌ، لأنّ الحكمَ يبقى بعد أن تنتهيَ النّصيحة.

💬أناقش معطيات النّصّ

هنا يبدأ الحكمُ، لا الاستخراج. وأجوبةُ هذه المحطّة نوعان: ما يقوله الدّرسُ صراحةً — وهو معطًى لك — وما تبنيه أنت، ولك فيه طريقٌ لا جوابٌ جاهز.
اعتمد الشّاعرُ أسلوبَ التّلقين في توجيهه وتعليمه. هل تراه ناجعا؟ لماذا؟
أوّلا، ما يقوله الدّرس: اعتمد الشّاعرُ أسلوبَ التّلقين، وهو مفيدٌ لإقناع المستمع. ومعنى التّلقين هنا:
  • أن يُلقيَ المعلّمُ الحكمةَ جاهزةً مصوغة، فيحفظها المتعلّمُ كما هي؛
  • ولذلك جاء النّصُّ أبياتا مستقلّة، كلُّ بيتٍ وصيّةٌ تامّة تُحفَظ وحدَها؛
  • ولذلك أيضا غلبت عليه صيغةُ الأمر — والأمرُ أقصرُ الطّرق إلى الذّاكرة.
💡 وأمّا السّؤالُ عن نجاعته فحُكمٌ، والحكمُ يُبنى ولا يُتلقّى. ابنِه في ثلاث خطوات: ① سَلْ عن الغاية: هل أراد الشّاعرُ أن يُقنِعَ بالحجّة أم أن يُثبِّتَ في الذّاكرة؟ ② ثمّ عن الوسيلة: هل تخدم الأبياتُ المستقلّةُ الموزونةُ هذه الغايةَ؟ ③ ثمّ عن الحدّ: ما الّذي يخسره التّلقينُ مقابلَ ما يربحه؟ (وازِنْ بينه وبين أسلوب الحوار أو المناقشة). ⛔ ولا تُصدِرْ حكمَك قبل أن تجيبَ عن الثّلاثة.
استعان الشّاعرُ ببعض الأمثلة من التّاريخ. فيمَ تتمثّل؟ وهل تراها تخدم الهدفَ من النّصّ؟
فيمَ تتمثّل؟ في موضعَيْن اثنَيْن لا ثالثَ لهما:
  • مثالٌ مسمّى — بيت 4: «أيْنَ نَمْرودُ وكَنْعانُ»، عَلَمان بأسمائهما؛
  • مثالٌ مُبهَم عامّ — بيت 5: «أيْنَ مَنْ سادُوا وشادُوا وبَنَوْا»، وهم كلُّ مَن فعل فعلَهما ولم يُسَمَّ.
وأمّا خدمتُها للهدف، فيثبتها البناءُ نفسُه:
  • الهدفُ من النّصّ التّوجيهُ إلى الزّهد والاستعداد للموت؛
  • والمثالان حجّةٌ من التّاريخ لا تُردّ: هي وقائعُ حدثت، لا دعوى تُدّعى؛
  • والدّليلُ على أنّهما حجّةٌ لا زينة: أنّهما جاءا بين تقرير الموت (بيت 3) ونتيجتِه (بيت 6) — أي في موضع البرهان تماما.
ما الأقوى، في رأيك، لرسوخ الفكرة: خطابُ الفرد كما فعل الشّاعر، أم خطابُ الجماعة؟ علِّلْ.
أوّلا، ما يقوله الدّرس في اختيار الشّاعر:
  • خاطَبَ الشّاعرُ الفردَ عوَضَ الجماعة ليُشعِرَ القارئَ أو المستمعَ بأنّه هو المقصودُ بالتّوجيهات؛
  • فيَستنهضَ بذلك هِمّتَه، ويُقوِّمَ اعوجاجَه؛
  • وقد عمَّمَ خطابَه إلى جميع النّاس من خلال خطاب الفرد، فكلُّ قارئٍ أو سامعٍ يشعر وكأنّه هو المعنيُّ بالأمر.
💡 وأمّا الأقوى في رأيك فهو حكمُك أنت. ابنِه في أربع خطوات: ① جرِّبْ: أعِدْ كتابة البيت 8 بصيغة الجمع — اُطْلُبوا العلمَ ولا تَكْسَلوا — واقرأْ الصّيغتَيْن بصوتٍ عالٍ؛ ② سَلْ: أيُّهما يجعلك تشعر أنّ الكلامَ لك؟ ③ ثمّ سَلْ عن الثّمن: ماذا يربح خطابُ الجماعة ممّا يخسره خطابُ الفرد؟ ④ واحكمْ بحسب المقام: مقامُ الوصيّة غيرُ مقام الخطبة. ⛔ الحكمُ المطلق هنا خطأ.
هل ترى أنّ التّوجيهاتِ الّتي عرضها الشّاعرُ صالحةٌ لعصرنا هذا، أم هي مرتبطةٌ بظروف الشّاعر وبيئتِه؟ وضّحْ.
التّوجيهاتُ الّتي قدّمها الشّاعرُ غيرُ مرتبطةٍ ببيئةٍ معيّنة، بل هي:
  • صالحةٌ لكلّ زمانٍ ومكان؛
  • لأنّها مستمَدّةٌ من الدّين ومن العُرْف — وهما أثبتُ من الظّروف.
والدّليلُ على ذلك من النّصّ نفسِه، وهو ما يجعل الجوابَ برهانا لا دعوى:
  • لا يُذكَر في الأبيات الاثنَيْ عشَرَ حادثةٌ واحدةٌ من عصر الشّاعر — لا حربٌ، ولا سلطانٌ معاصر، ولا مدينة؛
  • والمثالان التّاريخيّان (بيت 4) أقدمُ من عصره بقرون — فهو نفسُه لم يستشهدْ بزمنه؛
  • وموضوعاتُه هي موضوعاتُ الإنسان لا موضوعاتُ العصر: الموتُ، والعلمُ، والكسلُ، والحرصُ على المال، وقيمةُ العمل.

🧱أحدّد بناء النّصّ

تراوحت أساليبُ النّصّ بين التّقرير والتّوجيه. وضّحْ ذلك بأمثلةٍ من النّصّ، وبيّنِ الهدفَ من ذلك.
قسمةُ الأبياتِ الاثنَيْ عشَرَ بين الأسلوبَيْن
الأسلوبالأبياتالشّاهد
التّوجيه (أسلوبٌ إنشائيّ)1 · 2 · 4 · 5 · 7 · 8 · 9 · 11أمرٌ: «اعْتَزِلْ»، «واتَّقِ»، «اسمَعْ»، «اُطْلُبِ»، «اطْرَحِ»، «فاتْرُكِ» · نهيٌ: «ولا تَكْسَلْ» · استفهامٌ: «أيْنَ نَمْرودُ»، «أيْنَ مَنْ سادُوا» · نداءٌ: «أَيْ بُنَيَّ»
التّقرير (أسلوبٌ خبريّ)3 · 6 · 10 · 12«كُتِبَ المَوْتُ على الخَلْقِ» · «سَيُعيدُ اللهُ كُلًّا مِنْهُمُ» · «عِيشَةُ الرّاغِبِ» · «قِيمَةُ الإنسانِ ما يُحْسِنُهُ»
فالغالبُ هو الأسلوبُ الإنشائيّ، لأنّ الشّاعرَ في مقام النّصح والإرشاد. وأمّا الهدفُ من المزج بينهما فيظهر في التّرتيب:
  • التّقريرُ يقيم الحقيقة: «كُتِبَ المَوْتُ» ⁦(3)⁩ — وهي حقيقةٌ لا يُجادَل فيها؛
  • ثمّ التّوجيهُ يبني عليها الأمرَ: «اطْرَحِ الدُّنيا» ⁦(9)⁩ — والأمرُ إنّما يُقبَل بعد التّسليم بالحقيقة؛
  • ⟸ لو جاء الأمرُ وحدَه لكان دعوى؛ ولمّا سبقه الخبرُ صار نتيجةً. وهذا هو منطقُ الشّعر التّعليميّ: يُقنِع ثمّ يأمر.
سجّل الشّاعرُ بعضَ الحقائق التّاريخيّة ونبّه إلى بعض الظّواهر الاجتماعيّة. ما هي؟
ما سجّله الشّاعرُ، وموضعُه
النّوعما وردَ في النّصّالموضع
حقيقةٌ تاريخيّةهلاكُ نمرودَ وكنعانَ ومَن مَلَكَ الأرضَ وولَّى وعَزَلبيت 4
حقيقةٌ تاريخيّةهلاكُ مَن سادوا وشادوا وبَنَوْا، ولم تُغْنِ عنهم حصونُهم في القُلَلبيت 5
حقيقةٌ تاريخيّةأنّ الموتَ فَلَّ الجيوشَ وأفنى الدّوَلبيت 3
ظاهرةٌ اجتماعيّةشيوعُ اللّهو: ذكرُ الأغاني والغزل، ومجالسةُ الهازلينبيت 1
ظاهرةٌ اجتماعيّةالكسلُ والزّهدُ في طلب العلمبيت 8
ظاهرةٌ اجتماعيّةالرّغبةُ في الدّنيا والحرصُ على تحصيلهابيت 10
ظاهرةٌ اجتماعيّةالاتّكالُ على الحيلة في طلب الرّزقبيت 11
⭐ والفرقُ بين القسمَيْن ليس في المضمون بل في الوظيفة. الحقائقُ التّاريخيّةُ ماضية، والشّاعرُ يسوقها حجّةً؛ والظّواهرُ الاجتماعيّةُ حاضرة، وهو يسوقها داءً يُعالَج. ولذلك تجد كلَّ ظاهرةٍ مقرونةً بأمرٍ أو نهيٍ يُصلحها: الهزلُ «جانِبْ» ⁦(1)⁩، والكسلُ «لا تَكْسَلْ» ⁦(8)⁩، والرّغبةُ «اطْرَحِ» ⁦(9)⁩، والحيلةُ «فاتْرُكِ» ⁦(11)⁩.
ما النّصُّ القرآنيُّ الّذي اقتُبِسَ منه في البيت ⁦(6)⁩؟

الاقتباسُ في البيت السّادس، وهو مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — سورة المائدة، الآية 105.

وهذا هو موضعُ الأخذ، مقطعا بمقطع
ما في البيت 6ما في الآية
«سَيُعيدُ اللهُ كُلًّا مِنْهُمُ»﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾
«وسَيَجْزي فاعِلًا ما قَدْ فَعَلْ»﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وتُسمّى هذه الظّاهرةُ: الاقتباس. وهو أن يُضمِّنَ الشّاعرُ كلامَه شيئا من القرآن أو الحديث من غير أن ينصّ على أنّه منه. ولاحظْ فيه ثلاثة أمور:
  • اقتباسٌ بالمعنى لا باللّفظ: لم ينقلْ ألفاظَ الآية، بل نقَل مضمونَها — الرّجوعَ إلى الله، ثمّ الجزاءَ على العمل؛
  • وقد حفِظ ترتيبَ الآية: الرّجوعُ أوّلا، ثمّ الجزاءُ ثانيا؛
  • وأثرُه البلاغيّ: أن يستمدَّ البيتُ سلطانَ النّصّ القرآنيّ، فلا يبقى قولا لشاعرٍ يُقبَل أو يُردّ، بل يصير تذكيرا بما يُؤمِن به السّامعُ أصلا. وهذا هو موضعُ الاقتباس من الحجّة: لا يُقنِع، بل يُلزِم.
بناءً على ذلك، في أيِّ نمطٍ كتابيٍّ تصنّف النّصَّ؟ وضّحْ.

النّمطُ الغالبُ في النّصّ: الإيعازيّ — وهو النّمطُ الّذي يوجّه المخاطَبَ إلى فعلٍ أو تركٍ.

مؤشّراتُ النّمط الإيعازيّ في النّصّ
المؤشّرالتّمثيلالموضع
الأمر«اطْرَحِ الدُّنيا»بيت 9
النّهي«لا تَكْسَلْ»بيت 8
الاستفهام«أيْنَ نَمْرودُ»بيت 4
⚖️ وقد تسأل: ما شأنُ الاستفهام في نمطٍ إيعازيّ؟ الجوابُ أنّ استفهامَ البيتَيْن 4 و5 لا يطلب جوابا: الشّاعرُ يعرف أين ذهب نمرودُ. هو استفهامٌ خرج إلى معنى التّقرير والاعتبار — أي أنّه في الحقيقة أمرٌ بالنّظر. فلمّا كان كذلك، عُدَّ من مؤشّرات الإيعاز لا من مؤشّرات الحوار.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

رتّبِ التّوجيهاتِ الواردةَ في النّصّ حسب أولويّاتها على الصّعيد الخُلُقيّ. وهل وافق ترتيبُك ترتيبَ الشّاعر؟
⛔ هذا ترتيبُك أنت، ولا جوابَ واحدا له: الأولويّةُ حكمُ قيمة. ولكنّ للحكم طريقا، وهذه هي.
الخطواتُ الأربع:
  • أحصِ التّوجيهاتِ أوّلا ولا تحكمْ قبل الإحصاء. وقد أحصيتَها في «أكتشف»: أربعةٌ دينيّة ⁦(2 · 3 · 6 · 11)⁩ وأربعةٌ خُلُقيّة ⁦(1 · 8 · 9 · 12)⁩؛
  • اختر معيارَ التّرتيب واذكرْه صراحةً: أهو عمومُ النّفع (ما ينفع النّاسَ لا صاحبَه وحدَه)؟ أم شدّةُ الضّرر عند التّرك؟ أم ما لا يقوم غيرُه إلّا به؟ ⟸ من غير معيارٍ معلنٍ لا يكون التّرتيبُ إلّا ذوقا؛
  • رتّبْ على معيارك، ثمّ اكتبْ ترتيبَك مرقّما؛
  • ثمّ قابلْه بترتيب الشّاعر — وترتيبُه ظاهرٌ في النّصّ: بدأ بالاعتزال والصّدق ⁦(1)⁩، ثمّ التّقوى ⁦(2)⁩، ثمّ العلم ⁦(8)⁩، ثمّ الزّهد ⁦(9-10)⁩، وختَم بقيمة الإنسان ⁦(12)⁩. واسألْ عند كلّ اختلاف: لماذا قدَّمَ ما أخّرتَ؟
⭐ وموضعُ الفائدة في السّؤال الأخير. الشّاعرُ قدَّم تركَ الفساد (اعتزلْ، جانِبْ) على فعل الخير (اُطْلُبِ العلمَ). فإذا خالفتَه فقدّمْ حجّتَك، وإن وافقتَه فقلْ لماذا: أهو أنّ دفعَ الضّررِ يسبق جلبَ النّفع؟ أم أنّ الأَوْلى ما لا يصلح غيرُه إلّا به؟ فهذا هو الجواب، لا التّرتيبُ نفسُه.
حاول الشّاعرُ أن يكون مُقنِعا فيما قاله. بمَ استعان في ذلك؟ مثِّلْ.
لإقناع القارئ لجأ الشّاعرُ إلى مجموعةٍ من الوسائل، والنّصُّ يشهد لكلٍّ منها:
  • الحجَجُ والبراهينُ بذكر الأمثلة — «نمرودُ وكنعانُ» (بيت 4)، و«مَن سادُوا وشادُوا وبَنَوْا» (بيت 5)؛
  • الاقتباسُ من القرآن الكريم — البيت 6، من سورة المائدة؛
  • توجيهُ النّصيحة وذكرُ النّتيجة الّتي تؤدّي إليها — وهذه أوضحُ وسائله.
📜النّصيحةُ ثمّ نتيجتُها — البنيةُ الّتي تتكرّر في النّصّ
البيتالنّصيحةالنّتيجةُ الّتي ساقها الشّاعر
2«واتَّقِ اللهَ»«فتَقْوى اللهِ ما جاوَرَتْ قَلْبَ امرِئٍ إلّا وَصَلْ»
8«اُطْلُبِ العِلْمَ ولا تَكْسَلْ»«فَما أَبْعَدَ الخَيْرَ على أَهْلِ الكَسَلْ»
9«اطْرَحِ الدُّنيا»«فَمِنْ عاداتِها تَخْفِضُ العالي وتُعْلي مَنْ سَفَلْ»
11«فاتْرُكِ الحيلَةَ فيها واتَّكِلْ»«إنّما الحيلَةُ في تَرْكِ الحِيَلْ»
⭐ وانظرْ إلى الفاء في «فتَقْوى»، و«فَما»، و«فَمِنْ». هي في كلّ مرّةٍ فاءُ التّعليل: لا يأمر الشّاعرُ ثمّ يسكت، بل يأمر ويُعلِّل في العَجُز. وهذا وحدَه يكفي جوابا عن السّؤال: الإقناعُ عنده مبنيٌّ في تركيب البيت نفسِه.
بعضُ الأبيات في هذا النّصّ مستقلٌّ بمعناه، وبعضُها مكمِّلٌ للبعض الآخر. بيّنْ ذلك مع التّمثيل والتّعليل.
يمكن التّقديمُ والتّأخيرُ في أغلب الأبيات، والظّاهرةُ تُسمّى وحدةَ البيت أو استقلاليّةَ البيت:
  • تعليلُها: كلُّ بيتٍ وصيّةٌ تامّةُ المعنى في نفسها، لا تحتاج إلى ما قبلها ولا إلى ما بعدها؛
  • تمثيلُها: البيتُ 8 (طلبُ العلم) والبيتُ 12 (قيمةُ الإنسان) — لو بادلتَ بينهما لم يختلَّ المعنى؛
  • والدّليلُ عمليٌّ: جرِّبْ أن تنقلَ البيت 12 إلى موضع البيت 8، ثمّ اقرأِ النّصَّ. لن ينكسرَ شيء — وهذا هو البرهان.
⚖️ إلّا في بعض المواضع، والاستثناءُ مسمّى: الأبياتُ 3 - 4 - 5 - 6 كانت مكمّلةً لبعضها. فالبيت 3 يقرّر أنّ الموتَ كُتِب على الخلق، والبيتان 4 و5 يسوقان الشّواهدَ عليه، والبيت 6 يذكر النّتيجة (البعثَ والجزاء). ⟸ لو قدّمتَ البيتَ 6 على البيت 3 لأتيتَ بالنّتيجة قبل مقدّمتها. فقلْ إذن: الغالبُ وحدةُ البيت، ولا تقلْ: المطلقُ.
⭐ ولماذا غلبت وحدةُ البيت على هذا النّصّ بالذّات؟ لأنّه شعرٌ تعليميّ: غايتُه أن يُحفَظ. والبيتُ المستقلُّ يُحفَظ وحدَه ويُستشهَد به وحدَه — كما يُستشهَد اليومَ بالبيت 12 من غير أن يُذكَر ما قبله. فالشّكلُ هنا خادمٌ للوظيفة.
الصّورُ البيانيّةُ الواردةُ في النّصّ: تخدم الشّكلَ أساسا أم تخدم المضمون؟ وضّحْ.

هي تخدم المضمون، والبرهانُ أن تُحلّلَ صورةً وتنظرَ ماذا تُضيف.

والصّورةُ الشّاهدُ هي صورةُ البيت التّاسع: «اطْرَحِ الدُّنيا». وتحليلُها:
  • شبّه الشّاعرُ الدّنيا بالشّيء المادّيّ الملموس، ثمّ حذف المشبَّهَ به وجاء بشيءٍ من لوازمه وهو «اطْرَحِ»؛
  • ⟸ فهي استعارةٌ مكنيّة؛
  • وأثرُها في المعنى: الطّرحُ لا يكون إلّا لِما يُحمَل باليد. فلمّا أمر بطرح الدّنيا، جعلها حِمْلا ثقيلا على الظّهر — وهذا معنًى لا تؤدّيه كلمةُ «ازهدْ».
وقِسْ عليها ما في النّصّ من صورٍ أخرى، تجدْها كلَّها في خدمة المعنى:
  • «كُتِبَ المَوْتُ على الخَلْقِ» ⁦(3)⁩ — الموتُ حكمٌ مكتوبٌ لا يُنقَض؛ فالصّورةُ تُفيد الحتمَ؛
  • «فَلَّ مِنْ جَيْشٍ» ⁦(3)⁩ — الموتُ سيفٌ يَثلِم؛ فالصّورةُ تنقل الموتَ من فكرةٍ مجرّدةٍ إلى قوّةٍ ضاربة؛
  • «تَخْفِضُ العالي وتُعْلي مَنْ سَفَلْ» ⁦(9)⁩ — الدّنيا كائنٌ يرفع ويضع؛ فالصّورةُ تُفيد تقلّبَها وعدمَ الوثوق بها.
⚖️ والحُجّةُ الجامعة: كلُّ صورةٍ في هذا النّصّ تنتهي إلى موقفٍ عمليّ يُطلَب من السّامع. ولو كانت للشّكل لَتَزَيَّنَ بها الشّاعرُ في مواضع الفخر أو الوصف — وليس في النّصّ فخرٌ ولا وصفٌ. ⟸ وهذا نفسُه ما ينبّه إليه الدّرسُ في أجمل القول في تقدير النّصّ: الصّورُ والمحسّناتُ هي الّتي نُدرِك من خلالها نزعتَه الدّينيّة.
هل تظهر نزعةُ الشّاعر من خلال النّصّ؟ كيف؟
نعم، وهي نزعةٌ دينيّة. وتظهر من طريقَيْن، لا من التّصريح:
  • من طريق الصّور والمحسّنات — وهي الّتي نُدرِك من خلالها نزعتَه: «كُتِبَ المَوْتُ على الخَلْقِ» ⁦(3)⁩ · «وقُلِ الفَصْلَ» ⁦(1)⁩ · «اطْرَحِ الدُّنيا» ⁦(9)⁩ · «تَخْفِضُ العالي وتُعْلي مَنْ سَفَلْ» ⁦(9)⁩؛
  • ومن طريق المرجع الّذي يحتكم إليه — فهو لا يحتجّ بالعقل وحدَه ولا بالعُرف، بل بالقرآن (اقتباسُ البيت 6) وبالمِلّة (بيت 7: «خُصَّتْ بها خَيْرُ المِلَلْ»).
⭐ ولاحظْ أنّ النّزعةَ تظهر في اللّفظ قبل أن تظهر في المعنى. «كُتِبَ»، «خير المِلَل»، «سَيُعيدُ اللهُ»، «واتَّكِلْ» — معجمٌ دينيٌّ كامل. وهذه طريقةٌ تُعاد على أيّ نصّ: اجمعْ ألفاظَه في حقولٍ معجميّة، وأكبرُ حقلٍ يدلّك على نزعة صاحبه.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

لقد انطلق الشّاعرُ من روح المربّي والمعلّم الّذي يسعى إلى خدمة المجتمع (اسمعْ وصايا جمعتْ حِكَما). وعرَف كيف يُعمِّم خطابَه إلى جميع النّاس من خلال خطاب الفرد، فكلُّ قارئٍ أو سامعٍ يشعر وكأنّه هو المعنيُّ بالأمر.

وحتّى يُقنِعَنا الشّاعرُ بتعليماته دعانا إلى الاعتبار بمن سبقنا (أين نمرود وكنعان)، وحتّى يجلب انتباهَنا ويشدَّنا إلى التّعليمات الموجَّهة اختار الأسلوبَ الإنشائيَّ بصيغٍ منها: النّداءُ، الاستفهامُ، الأمرُ…

كما طعَّم نصَّه بمجموعةٍ من الصّور والمحسّنات الّتي ندرك من خلالها نزعتَه الدّينيّة (كتب الموت على الخلق — قل الفصل — اطرح الدنيا — تخفض العالي وتعلي من سفل…). فلم يخرجْ إذن عن طريقة شعراء عصره في ميلهم إلى الصّنعة والتّقليد.

⚖️ واحفظِ الجملةَ الأخيرة، فهي حكمُ الدّرس على الشّاعر لا مدحُه. ابنُ الورديّ لم يخرجْ عن طريقة عصره: عصرٌ مالَ شعراؤه إلى الصّنعة والتّقليد. فالنّصُّ إذن ابنُ زمانه، ووصاياه — على صلاحها لكلّ زمان — جاءت في القالب الّذي كان سائدا. ⟸ وهكذا يجتمع في حكمٍ واحد: مضمونٌ باقٍ، وشكلٌ من عصره.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 : في مجال القواعد اللّغويّة (الهمزة المزيدة في أوّل الأمر)

⭐ كلُّ أمثلة هذا الدّرس مأخوذةٌ من قصيدة ابن الورديّ نفسِها. وهذا مقصود: القاعدةُ هنا ليست دَرْسا مستقلّا أُلحِق بالنّصّ، بل نتيجةً من نتائجه. وستجد أنّ النّصَّ يكفي وحدَه لبناء القاعدة كلِّها تقريبا.

أوّلا — الملاحظة. عُدْ إلى النّصّ وتأمّلْ قولَ الشّاعر:

البيت الأوّل
الصّدرالعجز
اعْتَزِلْ ذِكْرَ الأغاني والغَزَلْوقُلِ الفَصْلَ وجانِبْ مَنْ هَزَلْ
استخرجْ أفعالَ الأمر الواردةَ في البيت.
في البيت الأوّل ثلاثةُ أفعال أمر:
  • اعْتَزِلْ — وأوّلُه همزةٌ؛
  • قُلِ — وليس في أوّله همزة؛
  • جانِبْ — وليس في أوّله همزة.
⭐ وهذا الاختلافُ هو بابُ الدّرس كلِّه. لماذا احتاج «اعْتَزِلْ» إلى همزةٍ في أوّله ولم يحتجْ إليها «قُلِ» ولا «جانِبْ»؟ احملِ السّؤالَ معك.
تأمّلِ الفعلَ «اعتزل»: ما هو ماضيه؟ وما مضارعه؟
تصريفُ «اعتزل»
الماضيالمضارعالأمر
اعْتَزَلَيَعْتَزِلُاعْتَزِلْ
وقد تعلّمتَ أنّ فعل الأمر يُصاغ من الفعل المضارع بعد حذف حرف المضارعة دون تغيير:
  • يَعْتَزِلُ ← احذفِ الياء ← عْتَزِلْ؛
  • ثمّ يُجزَم آخرُه بالسّكون ← اعْتَزِلْ بعد زيادة الهمزة.

ثانيا — من أين جاءتِ الهمزة؟ تأمّلْ قولَ الشّاعر في البيت التّاسع:

البيت التّاسع
الصّدرالعجز
اطْرَحِ الدُّنيا فَمِنْ عاداتِهاتَخْفِضُ العالي وتُعْلي مَنْ سَفَلْ
ائتِ بفعل الأمر من «تَخْفِضُ» في العبارة السّابقة، واضبطْ حركةَ النّطق به.
اِخْفِضْ، بكسر الهمزة. وإليك الطّريق:
  • المضارعُ تَخْفِضُ، احذفْ حرفَ المضارعة (التّاء) ← خْفِضْ؛
  • وقد صار أوّلُ الكلمة ساكنا (الخاءُ ساكنة)؛
  • ولا يُبتدأ بساكنٍ في اللّغة العربيّة؛
  • فنزيد في أوّله همزةً متحرّكة ننطق بها ← اِخْفِضْ.
ما العلاقةُ الموجودةُ بين الفعل المضارع وبين فعل الأمر؟
فعلُ الأمر مأخوذٌ من المضارع، والعلاقةُ بينهما في ثلاثة أشياء:
  • حروفُ الأصل واحدة: يَعْتَزِلُ / اعْتَزِلْ — لم يتغيّرْ حرفٌ من الأصل؛
  • حرفُ المضارعة يُحذَف: (يـ) (تـ) (أ) (نـ)؛
  • وحركةُ الآخر تصير سكونا: تَخْفِضُ ← اخْفِضْ.
ماذا تلاحظ عندما يُحذَف حرفُ المضارعة من الفعل الثّلاثيّ؟ وهل يمكن أن نبدأ بساكنٍ في اللّغة العربيّة؟ وإلى ماذا تلجأ حتّى يمكن النّطقُ بهذا السّاكن؟
ثلاثةُ أشياء متسلسلة:
  • الملاحظة: يبقى أوّلُ الفعل ساكنا — تَخْفِضُ ← خْفِضْ، تَطْرَحُ ← طْرَحْ؛
  • والحكم: لا يمكن الابتداءُ بساكنٍ في اللّغة العربيّة؛
  • والحلّ: نلجأ إلى زيادة همزةٍ متحرّكةٍ في أوّله — وهي الهمزةُ المزيدة، موضوعُ درسنا.
ولماذا سُمّيت هذه الهمزةُ المزيدةُ في أوّل فعل الأمر بـ«همزة الوصل»؟
لأنّها تُنطَق في الابتداء وتسقط في النّطق إذا وُصِلَتْ بما قبلها. والنّصُّ نفسُه يُقيم لك الدّليل — قارنْ بين هذه المواضع:
  • في الابتداء: «اعْتَزِلْ ذِكْرَ الأغاني» (بيت 1) — البيتُ يبدأ بها فتُنطَق؛ وكذلك «اطْرَحِ الدُّنيا» (بيت 9)؛
  • وفي الوصل: «فاتْرُكِ الحيلَةَ» (بيت 11) — دخلت الفاءُ قبلها فسقطت في النّطق: تقول «فَتْرُكِ» لا «فَاتْرُكِ»؛ وكذلك «واتَّقِ اللهَ» (بيت 2) و«واتَّكِلْ» (بيت 11) بعد الواو؛
  • ⟸ فهي همزةٌ تُوصَل بما قبلها فتذهب، ومن هنا اسمُها.

ثالثا — القاعدة.

همزةُ الوصل: هي همزةٌ تأتي في أوّل الكلمة لكي لا تُبتدأ بساكن. وهمزةُ القطع: هي الهمزةُ الّتي تُكتَب وتُقرَأ في الابتداء والوصل جميعا.

① مواضعُ همزة الوصل — وحركةُ النّطق بها:

أ – في أمر الفعل الثّلاثيّ: الحركةُ تُؤخَذ من عين المضارع
عينُ المضارعالحركةُ على الهمزةالشّاهدُ من النّصّالميزان
مكسورةمكسورة«اِخْفِضْ» — من «تَخْفِضُ» (بيت 9)خَفَضَ · يَخْفِضُ · اِخْفِضْ
مفتوحةمكسورة«اسمَعْ» (بيت 7) · «اطْرَحِ» (بيت 9)سَمِعَ · يَسْمَعُ · اِسْمَعْ
مضمومةمضمومة«اُطْلُبِ العِلْمَ» (بيت 8) · «فاتْرُكِ» (بيت 11)طَلَبَ · يَطْلُبُ · اُطْلُبْ
ب – في الخماسيّ والسّداسيّ: الهمزةُ مكسورةٌ دائما، في الماضي والأمر والمصدر
الفعلالماضيالأمرالمصدرالشّاهد
خماسيّاِعْتَزَلَاِعْتَزِلْاِعْتِزال«اعْتَزِلْ» — بيت 1
خماسيّاِتَّقَىاِتَّقِاِتِّقاء«واتَّقِ اللهَ» — بيت 2
خماسيّاِتَّكَلَاِتَّكِلْاِتِّكال«واتَّكِلْ» — بيت 11
سداسيّاِسْتَقْبَلَاِسْتَقْبِلْاِسْتِقْباللا شاهدَ له في النّصّ

② موضعُ همزة القطع:

همزةُ القطع في فعل الأمر — إذا كان الماضي مبدوءا بها
الحالةالماضيالأمرالمصدرالشّاهد
الرّباعيّ (أَفْعَلَ) — تبقى الهمزةُ قطعا مفتوحةأَفْنَىأَفْنِإفناء«وأَفْنَى مِنْ دُوَلْ» — بيت 3
الرّباعيّ (أَفْعَلَ)أَقْدَمَأَقْدِمْإقداملا شاهدَ له في النّصّ
الثّلاثيُّ المهموزُ الفاء — تُحذَف همزتُه في الأمرأَكَلَ · أَخَذَكُلْ · خُذْأَكْل · أَخْذلا شاهدَ له في النّصّ
⚖️ ثلاثةُ مواضعَ في هذا الدّرس لا شاهدَ لها في القصيدة: السّداسيُّ، والرّباعيُّ «أَقْدَمَ»، والثّلاثيُّ المهموزُ الفاء. وقد جيء لها بأمثلةٍ من خارج النّصّ لأنّ النّصَّ لا يخدمها — وما عداها فمن القصيدة كلُّه.
⭐ والآن السّؤالُ الّذي حملتَه من أوّل الدّرس: لماذا لم تحتجْ «قُلِ» و«جانِبْ» (بيت 1) إلى همزةٍ في أوّلهما؟
لأنّ العلّةَ الّتي من أجلها زِيدتِ الهمزةُ غيرُ موجودةٍ فيهما. أعِدِ الاشتقاق:
  • قُلِ ← من «يَقُولُ»: احذفْ حرفَ المضارعة تجدْ أوّلَه متحرّكا (قُـ)، لا ساكنا ⟸ فلا حاجةَ إلى همزة؛
  • جانِبْ ← من «يُجانِبُ»: احذفْ حرفَ المضارعة تجدْ أوّلَه متحرّكا (جا) ⟸ فلا حاجةَ إلى همزة؛
  • بخلاف «يَعْتَزِلُ» ← «عْتَزِلْ»، و«تَخْفِضُ» ← «خْفِضْ»: أوّلُهما ساكن، فلزمتِ الهمزة.
⭐ وهذه هي القاعدةُ الحقيقيّةُ وراء القاعدة: الهمزةُ لا تُزاد لأنّ الفعلَ ثلاثيّ، بل لأنّ أوّلَه سكَن بعد حذف حرف المضارعة. فمتى لم يسكنْ، لم تُزَدْ. ⟸ فقلْ: الغالبُ أنّ أمرَ الثّلاثيّ يبدأ بهمزة وصل — ولا تقلِ: المطلق.
تطبيقٌ على النّصّ: استخرجْ من القصيدة كلِّها أفعالَ الأمر، وبيّنْ نوعَ الهمزة في كلٍّ منها وحركتَها.
أفعالُ الأمر في «وصايا وتوجيهات» — تسعةٌ
الفعلالبيتنوعُ الفعلالهمزةالتّعليل
اعْتَزِلْ1خماسيّوصلٌ مكسورةالخماسيُّ همزتُه مكسورةٌ دائما
قُلِ1ثلاثيٌّ أجوفلا همزةَ فيهأوّلُه متحرّكٌ بعد الحذف
جانِبْ1ثلاثيٌّ مزيدٌ بالألفلا همزةَ فيهأوّلُه متحرّكٌ بعد الحذف
واتَّقِ2خماسيّوصلٌ مكسورةوقد سقطت نطقا بعد الواو
اسمَعْ7ثلاثيّوصلٌ مكسورةعينُ مضارعه مفتوحة: يَسْمَعُ
اُطْلُبِ8ثلاثيّوصلٌ مضمومةعينُ مضارعه مضمومة: يَطْلُبُ
اطْرَحِ9ثلاثيّوصلٌ مكسورةعينُ مضارعه مفتوحة: يَطْرَحُ
فاتْرُكِ11ثلاثيّوصلٌ مضمومةعينُ مضارعه مضمومة: يَتْرُكُ
واتَّكِلْ11خماسيّوصلٌ مكسورةوقد سقطت نطقا بعد الواو
⭐ ولاحظْ في «ولا تَكْسَلْ» (بيت 8): هي نهيٌ لا أمر — فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بـ«لا» النّاهية. ولذلك لم تدخلْ في الجدول: درسُنا في الهمزة المزيدة في أوّل الأمر، والنّهيُ يحتفظ بحرف المضارعة فلا يسكن أوّلُه ولا يحتاج إلى همزة.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2 : في مجال البلاغة (بلاغة المجاز العقليّ والمجاز المرسل)

أوّلا — الملاحظة. تأمّلِ العباراتِ الآتيةَ الواردةَ في النّصّ:

ثلاثُ عباراتٍ من القصيدة، وحقيقةُ كلٍّ منها
العبارةالبيتالحقيقةُ الّتي أرادها
«اعتزلْ ذِكْرَ الأغاني»1انْسَ ذِكْرَ الأغاني
«كُتِبَ المَوْتُ»3تحقَّقَ الموتُ (ثَبَتَ)
«اطْرَحِ الدُّنيا»9لا تَهْتَمَّ بالدّنيا وما فيها
⭐ لعلّك تبيّنتَ أنّ كلَّ هذه العبارات جاءت على وجه المجاز: فليس في الأولى نسيانٌ بالمعنى الحرفيّ للاعتزال، ولا في الثّانية كتابةٌ بقلم، ولا في الثّالثة طرحٌ باليد. ⟸ فما المجاز؟ وما أنواعه؟

ثانيا — تذكيرٌ بما عرفتَه سابقا.

المجازُ اللّغويّ هو استخدامُ ألفاظ اللّغة وتراكيبِها في غير ما وُضِعَتْ له. وللمجاز أنواعٌ، أهمُّها المجازُ العقليّ، والمجازُ المرسل.

ثالثا — المجازُ العقليّ.

المجازُ العقليّ: هو إسنادُ الفعل — أو ما في معناه (كاسم الفاعل أو المصدر) — إلى غير ما هو له في الظّاهر، لعلاقةٍ بينه وبين الفاعل الحقيقيّ: كالمكان، والزّمان، والمفعوليّة، والفاعليّة.
مثالُ الدّرس

«مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ ساءَتْهُ أَزْمانُ»

والتّحليل:
  • أُسنِدَتِ الإساءةُ والسّرورُ إلى الزّمن؛
  • وهو لم يفعلْهما — إنّما الفاعلُ الحقيقيُّ غيرُه؛
  • ⟸ فالمجازُ عقليّ، وعلاقتُه الزّمانيّة.
ومثالان آخران يزيدانِك تمكّنا — الأوّلُ في الإسناد إلى الزّمن، والثّاني في الإسناد إلى المفعول.
المثالُ الأوّل

«أشابَ الصّغيرَ وأفنى الكبيرَ ⟵ كَرُّ الغَداةِ ومَرُّ العَشِيّ»

🔍التّحليل:
  • أسند الشّاعرُ الفعلَيْن «أشابَ» و«أفنى» إلى كَرِّ الغداة ومَرِّ العشيّ؛
  • أي إلى غير فاعلهما الحقيقيّ، لأنّ المُشيبَ والمُفنيَ هو اللهُ سبحانه وتعالى؛
  • ⟸ مجازٌ عقليّ.
المثالُ الثّاني

«كانتِ المدرسةُ عامرةً وأقسامُها مضيئةً»

🔍التّحليل:
  • المدرسةُ لا تَعْمُر غيرَها، وإنّما هي معمورةٌ بالتّلاميذ؛
  • والأقسامُ ليست مضيئةً لأنّ الإضاءةَ لا تقع منها وإنّما تقع عليها، فهي مُضاءة؛
  • ⟸ في كلٍّ من «عامرة» و«مضيئة» مجازٌ عقليّ علاقتُه المفعوليّة، لِذِكْرِ اسم الفاعل وإرادةِ اسم المفعول.
تطبيقٌ على نصِّنا: في البيت الثّالث إسنادٌ يستحقّ الوقوفَ عنده. اطلبْه.
البيت الثّالث
الصّدرالعجز
كُتِبَ المَوْتُ على الخَلْقِ فَكَمْفَلَّ مِنْ جَيْشٍ وأَفْنَى مِنْ دُوَلْ
طبِّقْ خطواتِ المثال الأوّل حرفا بحرف:
  • ما الفعلان؟ «فَلَّ» و«أَفْنَى»؛
  • إلى مَن أُسنِدا في الظّاهر؟ إلى الموت؛
  • ومَنِ الفاعلُ الحقيقيّ؟ الشّاعرُ نفسُه يقولها في البيت السّادس: «سَيُعيدُ اللهُ كُلًّا مِنْهُمُ» — فالمُفني هو الله؛
  • ⟸ مجازٌ عقليّ، تماما كإسناد «أفنى» إلى «كَرِّ الغَداة» في المثال الأوّل — وهو الفعلُ نفسُه.
⭐ وانظرْ ما أفاده هذا الإسنادُ في المعنى: لو قال «أفنى اللهُ الدّوَلَ» لكان تقريرَ عقيدة؛ فلمّا أسنده إلى الموت جعل الموتَ قوّةً ماثلةً تعمل أمام عينيك، وهذا أدعى إلى الاعتبار — وهو غرضُ النّصّ كلِّه.

رابعا — المجازُ المرسل.

المجازُ المرسل: هو تعبيرٌ بلاغيٌّ يقوم فيه الجزءُ مقامَ الكلّ، أو الكلُّ مقامَ الجزء، أو يقوم فيه العامُّ مقامَ الخاصّ والخاصُّ مقامَ العامّ، أو السّببُ مقامَ المسبَّب والعكس، وهكذا. ⛔ وعلاقتُه ليست المشابهة أبدا — وبهذا يفترق عن الاستعارة. ولا بدّ معه من قرينةٍ تمنع إرادةَ المعنى الحقيقيّ.
والشّاهدُ من نصِّنا — أين المجازُ المرسل في القصيدة؟
البيت الرّابع
الصّدرالعجز
أيْنَ نَمْرودُ وكَنْعانُ ومَنْمَلَكَ الأرضَ وَوَلَّى وعَزَلْ
«أيْنَ نَمْرودُ وكَنْعانُ»: مجازٌ مرسل.
  • حقيقتُه: أينَ قومُ نمرودَ وقومُ كنعانَ…؛
  • والعلاقةُ جزئيّة — ذكَر الجزءَ (الرّجلَ الواحد) وأراد الكلَّ (قومَه وملكَه ودولتَه)؛
  • والقرينة: أنّ السّؤالَ بـ«أين» عن رجلٍ ماتَ قبل قرونٍ لا يُطلَب به خبرُه هو، وإنّما مصيرُ ما بناه.

والقرينةُ نوعان، ولا يخلو مجازٌ مرسلٌ منهما:

نوعا القرينة
النّوعمتى تكون
لفظيّةإذا وُجِد في العبارة لفظٌ يوضّح قصدَ المتكلّم
حاليّةإذا كان قصدُ المتكلّم قد فُهِم من واقع الحال ومن السّياق
علاقاتُ المجاز المرسل كثيرة — فما أشهرُها؟ (وهذا هو الجدولُ الّذي تعود إليه في كلّ إعراب بلاغيّ)
تسعُ علاقاتٍ، وشاهدُ كلٍّ منها
العلاقةتعريفُهاالشّاهدالتّحليل
السّببيّةأن نُطلِقَ السّببَ ونريدَ منه المسبَّب«أطولُكنّ يدا» — حديثٌ شريفاليدُ سببُ العطاء، والمرادُ العطاءُ نفسُه
المسبَّبيّةأن نُطلِقَ المسبَّبَ ونريدَ منه السّبب﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ — غافر: 13الرّزقُ لا ينزل من السّماء، وإنّما ينزل المطرُ وهو سببُه
الكلّيّةأن نُطلِقَ الكلَّ ونريدَ منه الجزء﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ — آل عمران: 167لا يتحدّث الإنسانُ بالفم كلِّه بل باللّسان؛ والقرينةُ «يقولون»
الجزئيّةأن نُطلِقَ الجزءَ ونريدَ منه الكلّ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ — البقرة: 43الرّكوعُ جزءٌ من الصّلاة، والمرادُ الصّلاةُ كلُّها؛ والقرينةُ حاليّة
المحلّيّةأن نُطلِقَ المحلَّ ونريدَ منه الحالَّ فيه﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ — الشّرح: 1الصّدرُ محلٌّ، والمرادُ القلبُ الحالُّ فيه؛ والقرينةُ «نشرحْ»
الحاليّةأن نُطلِقَ الحالَّ ونريدَ منه المحلّ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ — المطفّفين: 22النّعيمُ حالُ المؤمن، والمرادُ الجنّةُ وهي محلُّه
اعتبارُ ما كانأن نسمّيَ الشّيءَ بالاسم الّذي كان يحمله في الماضي﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ — النّساء: 2اليتيمُ الحقيقيُّ لم يبلغْ، والمرادُ مَن بلَغ؛ والقرينةُ «آتوا»
اعتبارُ ما سيكونأن نسمّيَ الشّيءَ بالاسم الّذي سيؤول إليه في المستقبل﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ — الزّمر: 30الخطابُ للنّبيّ ﷺ وهو حيّ؛ والقرينةُ كافُ الخطاب في «إنّك»
الآليّةأن نسمّيَ الشّيءَ باسم الآلة الّتي يُؤدَّى بها﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ — مريم: 97اللّسانُ آلةُ اللّغة، والمرادُ اللّغةُ؛ والقرينةُ «يسّرناه»
⚖️ وثلاثُ ملاحظاتٍ تُغنيك عن الحفظ الأعمى: ① العلاقاتُ متقابلةٌ مثنى مثنى (سببيّة/مسبَّبيّة · كلّيّة/جزئيّة · محلّيّة/حاليّة · ما كان/ما سيكون)، فاحفظْها أزواجا. ② القرينةُ هي مفتاحُ التّعرّف، لا العلاقةُ: ابحثْ عنها أوّلا. ③ ⛔ إن كانت العلاقةُ مشابهةً فليس مجازا مرسلا بل استعارة.

خامسا — فما الّذي يقدّمه المجازُ العقليُّ والمجازُ المرسلُ للكلام بلاغيّا؟

لا شكّ أنّه — زيادةً على التّنويع في الكلام وفتح المجال للخيال الفنّيّ — يُسهم في:
  • تقويةِ المعنى وتجسيدِ المفاهيم؛
  • إيجازِ الكلام؛
  • وإشغالِ ذهن المتلقّي بالبحث والتّأمّل وإثارةِ الفضول، فيثير ذلك فيه الإعجابَ والدّهشةَ ومتعةَ الاكتشاف والإحساسَ بجمال البلاغة.
⭐ وقِسْ ذلك على نصِّنا لتراه عيانا. «اطْرَحِ الدُّنيا» (بيت 9) كلمتان، وحقيقتُهما «لا تهتمَّ بالدّنيا وما فيها» ستُّ كلمات: فهذا الإيجاز. وصورةُ الدّنيا حِمْلا يُطرَح: فهذا التّجسيد. وتوقّفُك عند «كُتِبَ المَوْتُ» لتسأل: مَن كتَب؟ فهذا إشغالُ الذّهن.

سادسا — تطبيق.

وإليك، أخيرا، هذا المثالُ لتستخرجَ منه المجازَ اللّغويّ وتبيّنَ نوعَه وبلاغتَه:
المثالُ المطلوب
الصّدرالعجز
فلسطينُ العزيزةُ لا تُراعيفعَيْنُ اللهِ راصدةٌ تُراعي
الطّريقُ إلى الحلّ — أربعُ خطواتٍ تُعاد على أيّ نصّ، مطبَّقةٌ على الشّطر الأوّل.
الخطواتُ الأربع:
  • ابحثْ عن لفظٍ استُعمِل في غير معناه الظّاهر — أو عن فعلٍ أُسنِد إلى غير فاعله الحقيقيّ؛
  • ابحثْ عن القرينة الّتي تمنع المعنى الحقيقيّ: ألفظيّةٌ هي أم حاليّة؟
  • حدّدِ النّوعَ ثمّ العلاقة: إن كان الأمرُ إسنادا فهو مجازٌ عقليّ، وعلاقتُه من (المكان · الزّمان · المفعوليّة · الفاعليّة)؛ وإن كان لفظا مفردا فهو مجازٌ مرسل، وعلاقتُه من الجدول ذي التّسع علاقات؛
  • بيّنِ الأثر: ماذا أفاد المجازُ ممّا كانت الحقيقةُ تعجز عنه؟
والتّطبيقُ على الشّطر الأوّل: «فلسطينُ العزيزةُ لا تُراعي»
  • الفعلُ «تُراعي» أُسنِد إلى «فلسطين»، وهي مكانٌ — والمراعاةُ فعلُ عاقل، والفاعلُ الحقيقيُّ أهلُها؛
  • فالقرينةُ حاليّة: يُفهَم من المقام أنّ الأرضَ لا تُراعي ولا تَذْهَل؛
  • ⟸ مجازٌ عقليّ، علاقتُه المكانيّة — أُقيم المكانُ مقامَ أهله؛
  • وأثرُه: أن تصير فلسطينُ شخصا يَصمُد، لا أرضا يُتنازَع عليها. وهذا هو التّجسيد الّذي ذكرناه في الفقرة الخامسة.
⭐ والشّطرُ الثّاني موضعُ تطبيقك أنت: «فعَيْنُ اللهِ راصدةٌ تُراعي». أعِدْ عليه الخطواتِ الأربعَ بالتّرتيب، وابدأْ بالسّؤال: هل «العين» هنا لفظٌ مفردٌ استُعمِل في غير معناه، أم إسنادٌ إلى غير فاعله؟ الجوابُ عن هذا السّؤال يعيّن لك نصفَ الحلّ، وجدولُ العلاقات التّسع يعيّن لك نصفَه الآخر.
في البكالوريا يأتي هذا الدرس في سؤالين على النصّ: «استخرج المجاز، وبيّن نوعه وعلاقته وبلاغته»، و«استخرج أفعال الأمر، وبيّن نوع الهمزة في كلّ منها وحركتها». جهّز ثلاثة عناصر: ① الخطوات الأربع: لفظ استُعمل في غير معناه أو فعل أُسند إلى غير فاعله الحقيقي، ثمّ القرينة (لفظية أو حالية)، ثمّ النوع والعلاقة — الإسناد مجاز عقلي (المكان، الزمان، المفعولية، الفاعلية) واللفظ المفرد مجاز مرسل (السببية، المسببية، الكلية، الجزئية…)، ثمّ الأثر ؛ ② أثر المجاز: الإيجاز، وتقوية المعنى وتجسيده، وإشغال ذهن المتلقّي ؛ ③ قاعدة الهمزة: همزة الوصل تُزاد لأنّه لا يُبتدأ بساكن، وتُضمّ في أمر الثلاثي إذا كانت عين المضارع مضمومة (اُطلب) وتُكسر فيما عدا ذلك (اِخفض، اِسمع)، وهي مكسورة دائما في الخماسي والسداسي، أمّا أمر «أَفْعَلَ» فهمزته قطع مفتوحة (أَفْنِ). ⚠️ الخطأ الشائع: تسمية المجاز المرسل استعارة ؛ علاقته ليست المشابهة أبدا، ولا يكتمل جوابك دون القرينة التي تمنع إرادة المعنى الحقيقي.

الصفحة 1/9

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net