اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 2 نثر الحركة العلمية

نثر الحركة العلمية — حركة التأليف في عصر المماليك

🔊 المعلّمة تقرأ لك

📜النّصّ

بطرس البستانيّ — والنّصّ فصلٌ من كتابه أدباء العرب. وموضوعُه: حالُ النّثر وحركةِ التّأليف في عصر المماليك ثمّ العثمانيّين — ما أصاب النّثرَ من ضعف، ولماذا ازدهر التّصنيفُ رغم ذلك.

في عصر الضّعف لم يكن النّثرُ أَوْفَرَ حظًّا من الشّعر فيَعدُوَه الإسفافُ، وكلاهما رُزِئَ ببلاغته، ومضى عهدُ فرسانِه المُجَلِّينَ. وربّما كانت مُصيبةُ النّثر أفدَحَ، وخَطْبُه أعمَّ، لأنّ عددَ المتطفّلينَ عليه أكثرُ من عدد المتطفّلينَ على الشّعر. وكانت النّكبةُ في إنشاء المترسّلينَ أشدَّ منها في إنشاء المُصنّفينَ.

فقد اصطبغ إنشاءُ المترسّلينَ بألوان الشّعر، فغلب عليه الخيالُ والمجازُ، وقامت سَجَعاتُه مقامَ القوافي، فلم يكن يَنقُصُه غيرُ الأوزان. ومتى أُفرِغَ النّثرُ في قالب الشّعر ضاقت أغراضُه، وتحدّدت موضوعاتُه، فما يصلح إلّا للأشياء الّتي يطفو عليها الخيالُ الشّعريُّ كالوصف والرّسائل ومقدّمات الكتب والمقامات وما أشبه ذلك. وأمّا المباحثُ العلميّةُ والأدبيّةُ والتّاريخيّةُ فتَنبو عنه، ولا تخضع له إلّا على كُرهٍ ونِفارٍ. فأسَفَّ نثرُ المترسّلينَ، وجفّتْ صناعتُهم، وثقُلتْ ألفاظُهم، وقَبُحتْ محسّناتُها. ثمّ وافى هذا العصرُ فاحتُضِرتِ البلاغةُ بين يديه، وحاول كتّابُه أن يُجاروا مَن تقدّمهم في الصّناعة من التزام التّوريةِ والسّجعِ والجناسِ، لأنّ في صناعة الألفاظ سِتْرًا لعجزهم عن توليد المعاني واختراعِها، فلم يستقمْ لهم الأمرُ، وجاءت عباراتُهم تتمطّى متثاقلةً ومتثائبةً.

وأمّا إنشاءُ المصنّفينَ فلم تَعُمَّه الصّناعةُ اللّفظيّةُ كما عمّتْ فنَّ التّرسُّلِ، ولكنّه لم يخلُصْ من التّعقيد والتّطويل، ثمّ دبّ الفسادُ في لغتهم كما دبّ في لغة المترسّلينَ، فكاد أن يكونَ النّثرُ عامّيًّا كما يبدو في قصص بني هلال وتاريخ ابن إياسٍ وما شاكل ذلك.

وكانت حركةُ التّأليف في العلوم والآداب في دولة المماليك محمودةً لكثرة المدارس عندهم، وإقبالِ العلماء عليها، وانصرافِهم إلى التّأليف بأكناف السّلاطين؛ ولكنْ مصنّفاتُهم قلَّ فيها الاستنباطُ لتصلُّب الأذهان، فجاءت في معظمها جَمْعًا وتَحْشِيةً وشَرْحًا. فمن الّذين اشتغلوا بالنّحو ابنُ مالكٍ الطّائيُّ، وأَلْفِيّتُه المشهورةُ والكافيةُ الشّافيةُ؛ ومنهم ابنُ هشامٍ الأنصاريُّ وله «قَطْرُ النّدى وبَلُّ الصّدى»؛ ومنهم صاحبُ الآجُرُّومِيّةِ.

ومن الّذين اشتغلوا بتصنيف المعاجم اللّغويّة ابنُ منظورٍ صاحبُ «لسان العرب»؛ ومنهم الفيروزآباديُّ وله «القاموس المحيط»، وغيرُهما كثيرٌ. وكان حظُّ التّاريخ حَسَنًا، والنّشاطُ له عظيمًا، فظهرت فيه كتبٌ جليلةٌ يصحّ الرّكونُ إليها. وكان للمغرب يدٌ على فلسفة التّاريخ وعلم الاجتماع في مقدّمة ابن خلدون لـ«كتاب العِبَر» في تاريخ العرب والعجم والبربر. ومن الّذين اشتُهروا في مصنّفاتهم التّاريخيّة ابنُ خلّكانَ وله «وفيات الأعيان»، وهو مصنّفٌ نفيسٌ؛ ومنهم شمسُ الدّين الذّهبيُّ وله «تاريخ الإسلام».

وكذلك الجغرافيا، فإنّ أصحابَها ما انفكّوا يُعانون الرَّحلاتِ في سبيلها، وأشهرُهم القَزوينيُّ وله «عجائب المخلوقات» في الفَلَك والجغرافية الطّبيعيّة عند العرب. وابنُ بطّوطةَ الرّحّالةُ المشهور وله كتاب «تحفة النّظّار»، ويُعرف برحلة ابن بطّوطة. والمَقريزيُّ وله خُطَطُه الّتي بيّن فيها أقاليمَ مصرَ وأحوالَ سكّانِها، وأَوْدَعها من الأخبار والحوادث التّاريخيّة طائفةً حسنةً.

وكان للعلم الطّبيعيِّ دورٌ هامٌّ في كتاب «حياة الحيوان الكبرى» للدَّمِيريِّ. واشتغل جماعةٌ من العلماء بوضع الكتب الجامعة لشتّى العلوم والآداب، كالنُّوَيْريِّ وله كتاب «نهاية الأَرَب في فنون الأدب»، ويبحث في الفَلَكِ وتقويمِ البلدانِ والتّاريخِ الطّبيعيِّ واللّغةِ والأدبِ؛ والأُبْشِيهيِّ وله «المستطرَف في كلِّ فنٍّ مستظرَف»، ويشتمل على أدبٍ وسياسةٍ واجتماعٍ وتاريخٍ وجغرافيةٍ وتاريخٍ طبيعيٍّ ونحوِ ذلك.

ولمّا أَدالَ اللهُ العثمانيّينَ ضَعُفتِ الحركةُ العلميّةُ، فلم يكن للتّصنيف والمصنّفينَ شأنٌ يُذكَر، لولا تلك الشُّهُبُ الّتي تلوح الفَيْنةَ بعد الأخرى، فتُنيرُ سوادَ هذا اللّيلِ الدّامسِ، ثمّ يتوارى شعاعُها في الحُجُبِ الكثيفةِ، فيستبدُّ الظّلامُ. فمن هذه الشُّهُبِ عبدُ القادر البغداديُّ صاحبُ «خزانة الأدب ولُبِّ لُباب لسان العرب»، شرَح فيه شرحَ الكافيةِ في النّحو وضمّنه مباحثَ في التّاريخ والأدب؛ ومنها السّيّدُ مرتضى الزَّبيديُّ صاحبُ «تاج العروس»، يشرح فيه قاموسَ المحيطِ للفيروزآباديِّ. وعُرف من المؤرّخينَ المُحِبِّيُّ وله «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»، والمَقَّريُّ وله «نفح الطّيب من غصن الأندلس الرّطيب». واشتَهر من مؤلّفي الكتب الجامعة بهاءُ الدّين العامليُّ صاحبُ «الكشكول»، فيه أدبٌ ورياضيّاتٌ وفلسفةٌ وعلومٌ إسلاميّةٌ.

هذا غَيْضٌ من فَيْضٍ ممّا عُرف من آلاف التّصانيف الّتي طُبعتْ أو الّتي ما زالت مخطوطةً، وهي تُبرزُ الحركةَ التّأليفيّةَ والموسوعيّةَ الكبرى في العصر المملوكيِّ والعثمانيِّ. وما لا يُدرَكُ كلُّه لا يُتركُ جُلُّه.

المصدر: أدباء العرب — ج 3

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ: اقرأْ أوّلا، ثمّ افتحْ الجوابَ لتقابلَه بما وجدْتَ.
لماذا كانت مصيبةُ النّثر أفدَحَ وخَطْبُه أعمَّ بالمقارنة مع الشّعر؟
العلّةُ منصوصةٌ في الفقرة الأولى، ولا تحتاج استنباطا:
  • «لأنّ عددَ المتطفّلينَ عليه أكثرُ من عدد المتطفّلينَ على الشّعر»؛
  • ولماذا هم أكثر؟ لأنّ الشّعر يحرسه الوزنُ والقافية: مَن لا يُحسنهما لا يستطيع أن يدّعيَه. أمّا النّثرُ فلا حارسَ له، فيدخله كلُّ أحد؛
  • ⟸ فالفرقُ ليس في قيمة الفنّين، بل في البابِ المفتوح على أحدهما.
⚖️ ولا تخلطْ بين حكمين في الجملة نفسِها: النّصّ يبدأ بأنّ النّثرَ لم يكن أوفرَ حظًّا من الشّعر — أي أنّ كليهما أصابه الضّعف («وكلاهما رُزِئَ ببلاغته»). ثمّ يزيد أنّ مصيبةَ النّثر أفدح. فالمقارنةُ في الدّرجة، لا في أنّ الشّعرَ سلِم.
ما المقصود بإنشاء المترسّلينَ؟
هو النّثرُ الّذي أُلِّف بخصائصَ قريبةٍ من الشّعر. والنّصّ يعدّد هذه الخصائصَ واحدةً واحدةً في الفقرة الثّانية:
  • اصطبغ بألوان الشّعر: «فقد اصطبغ إنشاءُ المترسّلينَ بألوان الشّعر»؛
  • غلب عليه الخيالُ والمجازُ، وهما أداتا الشّاعر لا أداتا النّاثر؛
  • قام السّجعُ مقامَ القوافي: «وقامت سَجَعاتُه مقامَ القوافي»؛
  • ⟸ فلم يبقَ بينه وبين الشّعر إلّا الوزن: «فلم يكن يَنقُصُه غيرُ الأوزان».
وثمرةُ ذلك — وهي أهمُّ من التّعريف نفسِه:
  • ضاقت أغراضُه وتحدّدت موضوعاتُه؛
  • فلم يصلح إلّا للوصف والرّسائل ومقدّمات الكتب والمقامات؛
  • وأمّا المباحثُ العلميّةُ والأدبيّةُ والتّاريخيّةُ فتَنبو عنه، «ولا تخضع له إلّا على كُرهٍ ونِفارٍ»؛
  • ⟸ حين يلبس النّثرُ ثوبَ الشّعر يفقد ما كان به نثرا: القدرةَ على حمل الفكر.
⭐ تذكّرْ هذه النّتيجةَ جيّدا: ستراها مقلوبةً في النّصّ الأدبيّ من هذا المحور نفسِه (علم التّاريخ لابن خلدون) — نثرٌ خالٍ من السّجع، لأنّه يحمل مبحثا علميًّا لا يحتمل الزّخرفة. النّصّان يشرح أحدُهما الآخر.
لِمَ انصرف العلماءُ في هذا العصر إلى الجمع والتّصنيف والشّرح والتّحشية؟
السّببُ في الفقرة الرّابعة، وهو سببٌ ذهنيٌّ لا سياسيّ:
  • «ولكنْ مصنّفاتُهم قلَّ فيها الاستنباطُ لتصلُّب الأذهان»؛
  • فما الاستنباط؟ أن يستخرج العالِمُ حكما جديدا لم يقلْه مَن قبله؛
  • وما تصلُّب الأذهان؟ أن يعجز الذّهنُ عن الإبداع فيكتفيَ بترتيب ما ورِث؛
  • ⟸ فحين يعجز العقلُ عن التّوليد، يلجأ إلى الجَمع: «فجاءت في معظمها جَمْعًا وتَحْشِيةً وشَرْحًا».
ثلاثةُ أعمالٍ لا تُنتج جديدا
العملما يفعله صاحبُه
الجَمْعيضمّ ما تفرّق في الكتب في مصنَّفٍ واحد
الشَّرحيفسّر متنَ غيرِه ويُبيّن مقاصدَه
التَّحْشيةيكتب على حاشية الشّرح تعليقا عليه — أي شرحٌ للشّرح
⚖️ ولا تقرأْ في هذا ذمًّا مطلقا: النّصّ نفسُه يصف حركةَ التّأليف بأنّها كانت «محمودةً» لكثرة المدارس وإقبال العلماء. فالحكمُ مزدوجٌ: كثرةٌ في الكمّ، قلّةٌ في الابتكار. وهذا هو الحكمُ الدّقيق.
ما الدّافعُ إلى الإكثار من المحسّنات البديعيّة في التّآليف الأدبيّة؟
الدّافعُ منصوصٌ، وهو دافعٌ نفسيٌّ صريح:
  • «لأنّ في صناعة الألفاظ سِتْرًا لعجزهم عن توليد المعاني واختراعِها»؛
  • ⟸ فالبديعُ هنا قِناعٌ: يُشغِل عينَ القارئ بما يُرى، لكيلا يسأل عمّا يُفهَم؛
  • ودليلُ فشل الحيلة في النّصّ نفسِه: «فلم يستقمْ لهم الأمرُ، وجاءت عباراتُهم تتمطّى متثاقلةً ومتثائبةً».
⭐ لاحظِ الصّورةَ الأخيرة: التّمطّي والتّثاؤب. الكاتبُ لم يقلْ كانت عباراتُهم ضعيفة، بل جعلها جسدا كسولا يتثاءب. وهذه هي الطّريقةُ الّتي يحكم بها النّاقدُ الأدبيُّ: بصورةٍ تُري الحكمَ بدل أن تُعلنَه.
اذكرْ بعضَ التّآليف الأخرى الّتي لم ترِدْ في النّصّ.
⛔ هذا بحثٌ توثيقيّ، لا سؤالُ استظهار: المطلوب أن تعود إلى مرجعٍ فتُضيفَ إلى قائمة النّصّ، لا أن تسترجعَ جوابا محفوظا. وهذه طريقتُه.
خطوات البحث:
  1. اِبنِ الجدولَ الّذي يوجِّه بحثَك من النّصّ نفسِه: هو يصنّف التّأليفَ في ستّة ميادين — النّحوُ، والمعاجمُ، والتّاريخُ، والجغرافيا، والعلمُ الطّبيعيُّ، والكتبُ الجامعةُ. اِبحثْ داخل هذه الميادين، لا خارجَها.
  2. اِنطلقْ من الأعلام الّذين يسمّيهم النّصّ: ابنُ مالكٍ، ابنُ هشامٍ، ابنُ منظورٍ، الفيروزآباديُّ، ابنُ خلّكانَ، الذّهبيُّ، القَزوينيُّ، ابنُ بطّوطةَ، المَقريزيُّ، الدَّمِيريُّ، النُّوَيْريُّ، الأُبْشِيهيُّ… واسألْ عن بقيّة مصنَّفات كلِّ واحدٍ منهم.
  3. استعملِ الأداةَ الّتي يسمّيها النّصّ نفسُه: المعاجمُ وكتبُ التّراجم. ووفيات الأعيان لابن خلّكان — المذكورُ في النّصّ — هو بالضّبط كتابُ تراجمَ يُذكر فيه لكلِّ عالمٍ ما ألَّف.
  4. دوِّنْ لكلِّ كتابٍ ثلاثةَ أشياء: اسمَه كاملا، ومؤلِّفَه، وميدانَه من الميادين السّتّة. ⛔ ولا تُثبتْ عنوانا لم تقرأْه في مرجعٍ: عنوانٌ مقارَبٌ خطأٌ كاملٌ.
⭐ وثمرةُ البحث ليست الطّولَ: هي أن تكتشف بنفسك أنّ ما ذكره النّصّ «غَيْضٌ من فَيْضٍ» كما يقول في خاتمته — وأنّ آلافَ التّصانيف «ما زالت مخطوطةً» لم تُطبعْ بعد.
ماذا يعني الكاتبُ بقوله «الكتب الجامعة»؟
النّصّ يُعرِّفها بنفسه، ثمّ يُمثِّل لها ثلاثَ مرّات. والتّعريفُ في الجملة الّتي تُقدّمها:
  • «واشتغل جماعةٌ من العلماء بوضع الكتب الجامعة لشتّى العلوم والآداب»؛
  • ⟸ فهي كتبٌ لا تختصّ بفنٍّ واحد، بل تجمع علوما وآدابا متباعدةً في مصنَّفٍ واحد.
والأمثلةُ الثّلاثةُ تُثبت التّعريف
الكتابصاحبُهما يجمعه — بنصّ الكاتب
نهاية الأَرَب في فنون الأدبالنُّوَيْريّ«الفَلَكِ وتقويمِ البلدانِ والتّاريخِ الطّبيعيِّ واللّغةِ والأدبِ»
المستطرَف في كلِّ فنٍّ مستظرَفالأُبْشِيهيّ«أدبٍ وسياسةٍ واجتماعٍ وتاريخٍ وجغرافيةٍ وتاريخٍ طبيعيٍّ ونحوِ ذلك»
الكشكولبهاءُ الدّين العامليّ«أدبٌ ورياضيّاتٌ وفلسفةٌ وعلومٌ إسلاميّةٌ»
والاسمُ الّذي نسمّيها به اليوم موجودٌ في النّصّ، في آخر سطرٍ منه:
  • «وهي تُبرزُ الحركةَ التّأليفيّةَ والموسوعيّةَ الكبرى»؛
  • ⟸ الكتبُ الجامعةُ هي المَوسوعات. والكاتبُ لم يترك التّسميةَ لنا: وضعها في خاتمته.
💡 الطّريقةُ لتستخرجَ تعريفا من نصٍّ دون معجم: ابحثْ عن ثلاثة مواضعَ — الجملةِ الّتي تُقدّم المصطلحَ، والأمثلةِ الّتي تليه، والكلمةِ الّتي يعود بها الكاتبُ إليه في خاتمته. اجتماعُ الثّلاثة يعطيك التّعريفَ كاملا.

💬أناقش معطيات النّصّ

عرّفك النّصُّ بإنشاء المترسّلينَ وحكَم عليه. وقد آن أن ترى النّموذجَ بعينك، فتَحكُمَ بنفسك بدل أن تتلقّى الحكم. وإليك نموذجينِ من هذا الإنشاء.

النّموذج الأوّل — لسان الدّين بن الخطيب، من رسالةٍ وجّهها إلى ابن خلدون

أمّا الشَّوقُ فحدِّثْ عن البحر ولا حرَجْ، وأمّا الصّبرُ فسَلْ به أيّةَ درَجْ، بعد أن تجاوز اللَّوى والمُنعرَجْ، لكنّ الشِّدّةَ تَعشَقُ الفرَجْ، والمؤمنُ يَنْشَقُ من رَوح الله الأرَجْ… وهل للعين أن تَسْلُوَ سُلوَّ المُقصِّرِ، عن إنسانِها المُبصِرِ، أو تذهلَ ذُهولَ الزّاهدِ عن سرِّها الرّائي والمُشاهِدِ، وفي الجسد مُضغةٌ يصلُحُ إذا صلَحَتْ، فكيف حالُه إن رحلَتْ عنه ونزَحَتْ؟

اِستنبطْ من هذا المقتطَف خصائصَ هذا النّوع من الأدب. وهل تجد فيه طبْعًا أو تكلُّفًا؟
أوّلا — الخصائص، وهي أربعٌ تُعدّ في المقتطَف نفسِه:
  • السّجعُ المتراكم: حرَجْ / درَجْ / المُنعرَجْ / الفرَجْ / الأرَجْ — خمسُ فواصلَ على رويٍّ واحد في سطرين. ثمّ سلسلةٌ ثانية: المُقصِّرِ / المُبصِرِ / المُشاهِدِ. ثمّ ثالثةٌ: صلَحَتْ / رحلَتْ / نزَحَتْ؛
  • الجناسُ وتشابهُ الأطراف: «صلَحَتْ… رحلَتْ… نزَحَتْ» — كلماتٌ متّفقةٌ في الوزن والحرف الأخير، مختلفةٌ في المعنى؛
  • غلبةُ الخيال والمجاز: الشّوقُ بحرٌ يُحدَّث عنه بلا حرج، والصّبرُ دَرَجٌ يُسأل عنه، والعينُ لها إنسانٌ؛
  • قِصَرُ الجُمَل وتقطيعُها: العبارةُ تتكسّر إلى وحداتٍ صغيرةٍ متساويةٍ — وهذا هو قيامُ السّجعات مقامَ القوافي الّذي نصَّ عليه النّصّ.
ثانيا — أطبْعٌ هو أم تكلُّف؟ الجوابُ: تكلُّفٌ، وهذه ثلاثةُ أدلّةٍ تُثبِتُه:
  • دليلُ الكمّ: خمسُ فواصلَ على رويٍّ واحد لا تجتمع بالطّبع. اللّغةُ لا تُقدّم خمسةَ ألفاظٍ متجانسةِ الآخِرِ وصحيحةِ المعنى إلّا لمن ذهب يبحث عنها؛
  • دليلُ المعنى: جرِّبْ أن تكتب مضمونَ المقتطَف كلِّه بعبارتك — ستجده يُختصر في سطرين: شوقٌ لا يُوصَف، وصبرٌ نافد، وقلبٌ إن رحَل صاحبُه اختلّ. معنًى قليلٌ في لفظٍ كثير — وهذا هو التّكلُّف بعينه؛
  • دليلٌ من النّصّ المدروس: يقول البستانيُّ إنّ في صناعة الألفاظ «سِتْرًا لعجزهم عن توليد المعاني واختراعِها». فالمقتطَفُ تطبيقٌ حرفيٌّ لهذا الحكم.
⚖️ ولكنِ احترسْ من الإطلاق: ليس كلُّ سجعٍ تكلُّفا. السّجعُ الّذي يجيء عفوَ الخاطر ولا يُغيِّر المعنى طبْعٌ؛ والّذي يُغيَّر له المعنى، أو يُختار له لفظٌ أضعفُ لأنّه يوافق الرّويّ، تكلُّفٌ. المِحَكُّ إذن سؤالٌ واحد: أخدَم اللّفظُ المعنى، أم خدَم المعنى اللّفظَ؟
النّموذج الثّاني — ابن زيدون، من رسالته الهزليّة

أمّا بعدُ، أيّها المصابُ بعقلِه، المورَّطُ بجهلِه، البيِّنُ سقطُه، الفاحشُ غلطُه، العاثرُ في ذيل اغترارِه، الأعمى عن شمس نهارِه، السّاقطُ سقوطَ الذّبابِ على الشّرابِ، المتهافتُ تهافتَ الفَراشِ في الشِّهابِ، فإنّ العُجْبَ أكذبُ، ومعرفةَ المرءِ نفسَه أصوبُ.

وهذا النّموذجُ الثّاني يؤكّد الحكمَ نفسَه، وإن كان أقدمَ من عصر الضّعف (ابنُ زيدون، ت 463 هـ):
  • المبالغةُ في توظيف البديع: السّجعُ (عقلِه / جهلِه · سقطُه / غلطُه · اغترارِه / نهارِه · الشّرابِ / الشِّهابِ) والطِّباقُ (الأعمى ↔ شمس نهارِه)؛
  • التّكلُّفُ على حساب المعنى: تكلّف الكاتبُ كثيرا من أجل سجع عباراته، والمعنى ينبغي أن يكون جليًّا. ومن ذلك قولُه «تهافتَ الفَراشِ في الشِّهابِ»: صورةٌ اختيرت لِرَوِيِّها قبل أن تُختار لمعناها؛
  • ⟸ نموذجانِ من عصرينِ وبلدينِ، والدّاءُ واحد: لفظٌ يعلو على المعنى.

وظهرت كثيرٌ من المتون لغايةٍ تعليميّة، من مثل ألفيّة ابن مالك — وقد ذكَر النّصُّ صاحبَها بين مَن اشتغلوا بالنّحو — الّتي يقول فيها:

من ألفيّة ابن مالك
الصّدرالعجز
بِتا فعلْتَ وأتَتْ ويا افعَليونونِ أقبِلَنَّ فِعْلٌ يَنْجَلي
عمَّ يتحدّث ابن مالكٍ في هذا البيت؟
يتحدّث عن علاماتِ الفعل — أي العلامات الّتي إذا قبِلَتْها الكلمةُ عُرِف أنّها فعلٌ. والبيتُ يعدُّ أربعا، كلٌّ منها بمثالها:
  • تاءُ الفاعل: «بِتا فعلْتَ»؛
  • تاءُ التّأنيث السّاكنة: «وأتَتْ»؛
  • ياءُ المخاطَبة: «ويا افعَلي»؛
  • نونُ التّوكيد: «ونونِ أقبِلَنَّ»؛
  • ⟸ ومعنى «فِعْلٌ يَنْجَلي»: بهذه العلامات ينكشف الفعلُ ويتميّز عن الاسم والحرف.
⭐ ولاحظْ لماذا أوردَ الكاتبُ هذا البيتَ هنا: ليُريَك ما يعنيه بـالمتون. المتنُ نظمٌ تعليميّ: يُصاغ العلمُ شعرا ليُحفظ. وهذه ثمرةٌ من ثمرات ما قاله النّصّ — عصرٌ همُّه الجمعُ والحفظُ لا الاستنباط، فحوّل العلمَ إلى أبياتٍ تُستظهَر.

✅أستخلص وأسجّل

هذه المحطّةُ حصيلةٌ تُسجَّل: اقرأْها بعد أن تكون قد أجبتَ عن المحطّتينِ قبلها، وقابلْ بها ما استخلصتَه أنت.
فيمَ انحصرت موضوعاتُ النّثر الفنّيّ خلال عصر الضّعف؟
انحصرت في ثلاثةٍ:
  • الكتابةُ الدّيوانيّة (نثرُ الدّواوين والمراسلات الرّسميّة)؛
  • الرّسائلُ الأدبيّة؛
  • المناظرات؛
  • ⟸ وهذا الانحصارُ نتيجةٌ مباشرةٌ لما قرأتَه في الفقرة الثّانية: «ومتى أُفرِغَ النّثرُ في قالب الشّعر ضاقت أغراضُه، وتحدّدت موضوعاتُه».
بمَ امتاز أسلوبُ هذا العصر؟ وبمَ اهتمّ الكتّابُ؟ وإلامَ انصرفوا؟
ثلاثةُ أجوبةٍ لثلاثة أسئلة:
  • الأسلوب: أصبح الأسلوبُ غايةَ الكتابة — بعد أن كان وسيلتَها؛
  • اهتمامُ الكتّاب: بالزّخرفة البديعيّة، الّتي صارت هي المقصودةَ لذاتها؛
  • إلامَ انصرفوا: إلى التّأليف في الأدب والتّاريخ واللّغة والعلوم الدّينيّة، جامعينَ، مُلخِّصينَ، مُذيِّلينَ.
⚖️ اِقرأْ هذه الكلماتِ الثّلاثَ الأخيرةَ ببطء، فهي خلاصةُ النّصّ كلِّه: جامعٌ يضمّ ما تفرّق · مُلخِّصٌ يختصر ما طال · مُذيِّلٌ يُلحِق بالكتاب ذيلا. ثلاثةُ أعمالٍ تدور حول كتب الغير — ولا واحدَ منها يُنشئ كتابا جديدا. وهذا هو معنى «قلَّ فيها الاستنباطُ».

الخلاصةُ الّتي تُسجَّل

لقد انحصرت موضوعاتُ النّثر الفنّيّ خلال عصر الضّعف ضمن نطاق الكتابة الدّيوانيّة والرّسائل الأدبيّة والمناظرات، وأصبح الأسلوبُ غايةَ الكتابة. فاهتمّ الكتّابُ بالزّخرفة البديعيّة، وكثيرا ما انصرفوا إلى التّأليف في الأدب والتّاريخ واللّغة والعلوم الدّينيّة جامعينَ، مُلخِّصينَ، مُذيِّلينَ.

كما جرى الشّعرُ في طريقينِ هما: الإباحيّةُ والزّهدُ تقليدا واقتباسا وزيادةً في الزّخرفة؛ وأفرَط الشّعراءُ في أقوال الهَجْو بألفاظٍ عاريةٍ صريحةٍ، كما أفرَطوا في نظم قصائد المديح النّبويّ.

⭐ لماذا خُتمت الخلاصةُ بالشّعر وهو ليس موضوعَ النّصّ؟ لأنّ النّصّ فتَح بالمقارنة بينهما («لم يكن النّثرُ أَوْفَرَ حظًّا من الشّعر»)، فوجَب أن يُغلَق بها. وهكذا تُبنى الخلاصةُ الجيّدة: تُغلِق ما فتَحه النّصّ، ولا تكتفي بإعادة وسطِه.
تطبيقٌ: لخِّصْ مضمونَ النّصّ في ستّة أسطر، ثمّ اخْتِمْ بجملةٍ جامعة.
⛔ هذا إنتاجٌ منك، لا جوابٌ تُطالعه. ولذلك تجد هنا الطّريقَ إلى الملخّص، ثمّ نموذجا تقابل به عملَك — بعد أن تكتبَه.
① خطّةُ الأسطر السّتّة — سطرٌ لكلِّ فكرة، بترتيب النّصّ:
  • الحال العامّة: ضعُف النّثرُ والشّعرُ معا، ومصيبةُ النّثر أفدح لكثرة المتطفّلين؛
  • داءُ المترسّلينَ: نثرٌ اصطبغ بألوان الشّعر فضاقت أغراضُه؛
  • سببُ البديع: سترُ العجز عن توليد المعاني؛
  • حالُ المصنّفينَ: تعقيدٌ وتطويلٌ ودبيبُ العامّيّة؛
  • ما ازدهر رغم ذلك: حركةُ تأليفٍ محمودةٌ في النّحو والمعاجم والتّاريخ والجغرافيا والعلم الطّبيعيّ والكتب الجامعة؛
  • ما بعد المماليك: ضعْفٌ في العهد العثمانيّ، لا يُنيره إلّا شُهُبٌ متفرّقة.
② قواعدُ التّلخيص الّتي تحكم هذه الأسطر:
  • احذفْ قوائمَ الأعلام والعناوين واحتفظْ بالميدان الّذي تمثّله (لا تُسمِّ ابنَ منظورٍ والفيروزآباديَّ: قلْ ازدهر تصنيفُ المعاجم)؛
  • احذفِ الصّورَ («تتمطّى متثاقلةً ومتثائبةً»، «تُنيرُ سوادَ هذا اللّيلِ الدّامسِ») وأبقِ معناها؛
  • لا تنقلْ جملةً من النّصّ كما هي — أعِدْ صياغتَها بلغتك؛
  • احتفظْ بأدوات الرّبط الّتي تحمل المنطق: «ولكنْ»، «لأنّ»، «ومتى»، «ولمّا».
نموذجٌ محلولٌ — حاولْ أوّلا، ثمّ قابلْ ملخّصَك بهذا

في عصر الضّعف أصاب الوهنُ النّثرَ والشّعرَ معا، وكان حظُّ النّثر أسوأَ لأنّ بابَه مفتوحٌ لمن ليس من أهله. فأخذ نثرُ المترسّلينَ يلبس ثوبَ الشّعر بالخيال والسّجع، فضاقت موضوعاتُه ونبَتْ عنه المباحثُ العلميّةُ والتّاريخيّة. وأكثر الكتّابُ من البديع سِتْرًا لعجزهم عن توليد المعاني، فجاءت عباراتُهم ثقيلةً. أمّا المصنّفون فسلِموا من الصّناعة اللّفظيّة ولم يسلموا من التّعقيد ولا من دبيب العامّيّة. ومع ذلك ازدهرت حركةُ التّأليف في دولة المماليك لكثرة المدارس، فأُلِّف في النّحو والمعاجم والتّاريخ والجغرافيا والعلم الطّبيعيّ والكتب الجامعة، غير أنّ أكثرَه كان جمعا وشرحا لا استنباطا. ثمّ ضعُفت الحركةُ في العهد العثمانيّ فلم يبقَ منها إلّا أعلامٌ متفرّقون.

والجملةُ الجامعةُ الّتي تختم بها:
  • كان عصرُ المماليك عصرَ كتبٍ لا عصرَ أفكار: كثُر فيه المؤلِّفون وقلَّ فيه المبتكِرون.
⚖️ قابلْ ملخّصَك بهذا لا لتنسخَه، بل لتُحصيَ: كم فكرةً أساسيّةً سقطت منك؟ وهل بقي فيه اسمُ عَلَمٍ أو عنوانُ كتابٍ كان يجب حذفُه؟ وهل نقلتَ جملةً من النّصّ كما هي؟
③ الجملةُ الجامعةُ تُبنى من طرفينِ متقابلينِ وردا في النّصّ: طرفِ الازدهار («حركةُ التّأليف… محمودةً») وطرفِ الجدب («قلَّ فيها الاستنباطُ»). صُغْهما في جملةٍ واحدة، ولا تنسَ أنّ الجملةَ الجامعةَ تحكم ولا تسرد.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — في مجال قواعد اللّغة: تصريف الأجوف

⭐ قاعدةُ هذا الدّرس خرجت من النّصّ نفسِه: المقتطَفُ الّذي نتأمّله هو جملةٌ قرأتَها قبل قليل في الفقرة الثّانية. تأمّلْ ولاحظْ.
المقتطَف — من الفقرة الثّانية من النّصّ

فقد اصطبغ إنشاءُ المُتَرَسِّلينَ بألوان الشّعر، فغلب عليه الخيالُ والمجازُ، وقامت سَجَعاتُه مقامَ القوافي، فلم يكن يَنقُصُه غيرُ الأوزان.

تعلّمتَ أنّ الفعلَ نوعان: صحيحٌ ومعتلٌّ، وأنّ المعتلَّ أنواعٌ.

أكتشف أحكامَ القاعدة

استخرجْ من هذا المقتطَف فعلا معتلًّا واذكرْ نوعَه.
في المقتطَف فعلانِ معتلّانِ من النّوع نفسِه:
  • قامَتْ — من الفعل قام؛
  • يكُنْ — من الفعل كان؛
  • ونوعُهما: الأجوفُ، لأنّ حرفَ العلّة فيهما هو الحرفُ الثّاني من أصول الفعل (قَ‑ا‑مَ · كَ‑ا‑نَ).
💡 كيف تتعرّف عليه بسرعة؟ رُدَّ الفعلَ إلى الماضي المفرد الغائب (قامَتْ ⟵ قام · يكُنْ ⟵ كان)، ثمّ اُنظرْ إلى حروفه الثّلاثة: إن كان الأوسطُ حرفَ علّةٍ فهو أجوف.
ما موقعُ حرف العلّة من الميزان الصّرفيّ؟
موقعُ حرف العلّة
الميزانُ الصّرفيُّ للثّلاثيّ هو **فَعَلَ**: **الفاء** = الحرفُ الأوّل · **العين** = الحرفُ الثّاني · **اللّام** = الحرفُ الثّالث. ⟸ في **الأجوف** يقع حرفُ العلّة في موضع **العين**، ولذلك يقال: **هو فعلٌ اعتلّتْ عينُه**.
ثلاثةُ مواضعَ، ثلاثةُ أنواع
موقعُ حرف العلّةاسمُ الفعلالمثال
الفاء (الحرف الأوّل)المِثالوصَل
العين (الحرف الثّاني)الأجوفقال · قام · سار · باع
اللّام (الحرف الثّالث)النّاقصبكى
⚖️ وهذه الوحدةُ لا تدرس إلّا الأجوفَ. ذُكِر الآخرانِ ليتبيّن لك موقعُه بينهما، لا لتُصرِّفَهما.
هاتِ أمثلةً أخرى عن الفعل الأجوف.
كلُّ فعلٍ ثلاثيٍّ أوسطُه حرفُ علّة، ومنه:
  • قال · قام · سار · باع · خاف · نام · رام؛
  • ومن نصِّك: «قامت سَجَعاتُه مقامَ القوافي» · «فلم يكن يَنقُصُه» · «ثمّ وافى هذا العصرُ» — تأمّلْ هذا الأخيرَ جيّدا: وافى ليس أجوفَ بل معتلُّ الفاء والآخِر، فلا تخلطْ.
اذكرْ صيغَ الأفعال الآتية في المضارع: قال · خاف · باع. ماذا تلاحظ؟
الماضي والمضارع
الماضيالمضارععينُ المضارع
قالَيَقولُواو
خافَيَخافُألف
باعَيَبيعُياء
والملاحظةُ في شقّين:
  • في الماضي: العينُ ألفٌ في الثّلاثة — فالماضي وحدَه لا يُميّز بينها؛
  • في المضارع: تنكشف العينُ في ثلاث صيغٍ مختلفة — واوٍ، وألفٍ، وياءٍ؛
  • ⟸ فالقاعدةُ العمليّة: المضارعُ هو الّذي يكشف عينَ الأجوف، لا الماضي.
كم هي أنواعُ الفعل المعتلّ الأجوف؟
أنواعُ الأجوف — نوعان
**الفعلُ الأجوف: هو فعلٌ اعتلّتْ عينُه**، وهو نوعان: ① **أجوفُ واويٌّ**: قامَ ⟵ يَقومُ ② **أجوفُ يائيٌّ**: سارَ ⟵ يَسيرُ
⭐ والتّقسيمُ مبنيٌّ على أصل العين، لا على شكلها في الماضي: فالعينُ في الماضي ألفٌ دائما، وإنّما تعود إلى أصلها في المضارع أو عند الإسناد.

القاعدة — تصريف الأجوف

① في الماضي
الماضي الأجوفُ الّذي عينُه ألفٌ (قال · باع · سار): **إذا أُسنِد إلى ضمائر الرّفع المتّصلة المتحرّكة** — وهي **تاءُ الفاعل** و**نا** و**نونُ النّسوة** — حدثت ثلاثةُ أشياءَ معا: ① **تسكُن لامُه** (الحرفُ الثّالث)؛ ② **تُحذَف عينُه**، منعًا لتتابع السّاكنين أو اجتنابًا للثِّقَل؛ ③ **تُضَمُّ فاؤه**: قُلْتُ · رُمْتُ — **أو تُكسَر فاؤه**: بِعْتُ · سِرْتُ.
② في المضارع
المضارعُ الأجوفُ الّذي عينُه واوٌ أو ياءٌ أو ألفٌ: ① **تُحذَف عينُه إذا اتّصلت به نونُ النّسوة**: يَخَفْنَ · تَسِرْنَ · يَسِرْنَ · يَقُلْنَ · تَقُلْنَ؛ ② **تُحذَف عينُه إذا كان مجزومًا بالسّكون** (أي لم يُسنَدْ إلى ضميرٍ متّصل): لم يَخَفْ · لم يَسِرْ · لم يَرُمْ.
⭐ قانونٌ واحدٌ يجمع الحالتين، وهو الّذي يجعل القاعدةَ تُفهَم بدل أن تُحفَظ: تُحذَف عينُ الأجوف كلّما سكَنتْ لامُه. اُنظرْ: قُلْتُ (اللّامُ ساكنة) · يَقُلْنَ (ساكنة) · لم يَسِرْ (ساكنة). فإن تحرّكت اللّامُ عادت العينُ: قامَ · قامَتْ · قاموا.
لماذا تُحذَف العينُ في «قُلْتُ» ولا تُحذَف في «قاموا»؟
البرهانُ في أربع خطوات، وهو تطبيقٌ مباشرٌ للقانون أعلاه:
  1. اُنظرْ إلى الضّمير: التّاءُ في «قُلْتُ» ضميرُ رفعٍ متّصلٌ متحرّك؛ وواوُ الجماعة في «قاموا» ضميرُ رفعٍ متّصلٌ ساكن.
  2. اُنظرْ إلى أثرِه في اللّام: الضّميرُ المتحرّك يفرض تسكينَ اللّام قبله (قال + تُ ⟵ قالْتُ)؛ والضّميرُ السّاكنُ لا يفرض ذلك (قام + وا ⟵ قامُوا).
  3. اُنظرْ ماذا يحدث حينئذ: في «قالْتُ» يلتقي ساكنانِ — الألفُ (العين) واللّام السّاكنة. والعربيّةُ لا تجمع بينهما، فتُحذَف العينُ: قَلْتُ ⟵ ثمّ تُضَمُّ الفاءُ فتصير قُلْتُ.
  4. وفي «قاموا» لا يلتقي ساكنان، لأنّ الميمَ متحرّكةٌ بالضّمّ (قامُوا) — فلا موجِبَ للحذف، وتبقى الألفُ.
⚖️ فالحذفُ إذن ليس قاعدةً تعسّفيّة: هو حلٌّ لمشكلةٍ صوتيّةٍ اسمُها التقاءُ السّاكنين. ومتى زالت المشكلةُ زال الحذف.

اضبطِ الفعلَ المعتلَّ بالشّكل في الأمثلة الآتية

الشّاهدُ الأوّل — قال تعالى

﴿وإذا رأيتَهم تُعجِبُكَ أجسامُهم، وإن يَقولوا تَسمَعْ لقولِهم﴾ — المنافقون: 4

ما الفعلُ الأجوف في الآية؟ ولماذا لم تُحذَفْ عينُه؟
الفعلُ الأجوف: «يَقولوا» — من قال · يَقولُ، أجوفُ عينُه واو.
  • وهو مجزومٌ بـ«إنْ» الشّرطيّة؛
  • ولكنّه لم يُجزَمْ بالسّكون، بل بحذف النّون لأنّه من الأفعال الخمسة (يَقولون ⟵ يَقولوا)؛
  • ⟸ فلمّا لم تسكُنْ لامُه بقيت عينُه (الواو). وهذا تطبيقٌ للقانون: لا حذفَ إلّا حيث تسكُن اللّام.
⛔ وهنا فخٌّ يقع فيه كثيرون: يظنّون أنّ كلَّ مضارعٍ مجزومٍ تُحذَف عينُه. لا: القاعدةُ تقول «المجزومُ بالسّكون». فإن كان الجزمُ بحذف النّون — كالأفعال الخمسة — أو بحذف حرف العلّة من آخره، فلا حذفَ للعين.
الشّاهدُ الثّاني — قال الشّاعر ابن الوردي

من أبياته في وصيّته المشهورة:

ابن الوردي
الصّدرالعجز
أينَ مَنْ سادوا وشادوا وبَنَوْاهَلَكَ الكُلُّ ولم تُغْنِ القُلَلْ
استخرجْ من البيت الفعلَينِ الأجوفَينِ، وبيِّنْ لماذا بقيت عينُهما.
الفعلانِ الأجوفانِ: «سادوا» و«شادوا» — من ساد وشاد، وعينُ كلٍّ منهما ألفٌ في الماضي.
  • وقد أُسنِدا إلى واو الجماعة، وهي ضميرُ رفعٍ متّصلٌ ساكن؛
  • فلم تسكُنْ لامُهما (الدّالُ متحرّكةٌ بالضّمّ: سادُوا · شادُوا)؛
  • ⟸ فلم تُحذَفِ العينُ، وبقيت الألفُ ظاهرةً.
وأمّا بقيّةُ أفعال البيت فليست أجوفَ، والتّمييزُ نفسُه تمرين:
  • بَنَوْا — من بنى: حرفُ العلّة في آخره، فهو ناقصٌ لا أجوف؛
  • هَلَكَ — حروفُه الثّلاثةُ صحيحةٌ، فهو فعلٌ صحيح؛
  • تُغْنِ — من أغنى: معتلُّ الآخِر، وقد حُذِفت ياؤه للجزم بـ«لم».
⭐ قابلْ هذا الشّاهدَ بالّذي قبله لتُمسك القاعدةَ من طرفيها: في «يَقولوا» جزمٌ بلا سكونٍ ⟸ لا حذف؛ وفي «سادوا» إسنادٌ إلى ضميرٍ ساكنٍ ⟸ لا حذف. المُوجِبُ واحدٌ في الحالتين: سكونُ اللّام.
الشّاهدُ الثّالث — قال الشّاعر زهير بن أبي سُلمى

من معلّقته:

زهير بن أبي سُلمى
الصّدرالعجز
سَئِمْتُ تكاليفَ الحياةِ ومَنْ يَعِشْثمانينَ حَوْلًا لا أبا لَكَ يَسْأَم
أين الأجوفُ في هذا البيت؟ ولماذا جاء على هذه الصّورة؟
الأجوفُ هو «يَعِشْ» — من عاشَ · يَعيشُ، أجوفُ عينُه ياء.
  • وأصلُه: يَعيشُ؛
  • وقد جُزِم لأنّه فعلُ الشّرط بعد «مَنْ»؛
  • وجزمُه بالسّكون (لأنّه صحيحُ الآخِر مفردٌ)، فسكَنتْ لامُه (الشّين)؛
  • ⟸ فالتقى ساكنان: الياءُ (العين) والشّينُ، فحُذِفتِ العينُ: يَعيشْ ⟵ يَعِشْ. وهذا هو عينُ ما تقوله القاعدةُ في المضارع المجزوم بالسّكون.
⭐ وهذا هو أجملُ شاهدٍ في الدّرس، لأنّه يُريك أنّ القاعدةَ ليست اختراعَ نحويّ: زهيرٌ نظَم بيتَه في الجاهليّة، والوزنُ نفسُه يفرض «يَعِشْ» ولا يستقيم بـ«يَعيشُ». فالقاعدةُ وصفٌ لِما تفعله العربيّةُ، لا أمرٌ فُرِض عليها.

تطبيقٌ — ضعْ جدولا لتصريف فعل «جاءَ» في الماضي مع جميع الضّمائر، مع مراعاة الشّكل

كيف أبني الجدولَ قبل أن أراه؟ (اِعملْ أوّلا، ثمّ افتحْ)
ثلاثُ خطواتٍ، لا أكثر:
  1. عيِّنْ نوعَ الفعل: مضارعُ جاءَ هو يَجيءُ ⟸ عينُه ياء ⟸ أجوفُ يائيّ.
  2. استحضرِ القاعدة: مع ضمائر الرّفع المتّصلة المتحرّكة (تُ، تَ، تِ، تُما، تُم، تُنَّ، نا، نَ) ⟵ تسكُن اللّامُ، وتُحذَف العينُ، وتُضَمُّ الفاءُ أو تُكسَر. وأخواتُه اليائيّةُ تُكسَر فاؤها (بِعْتُ · سِرْتُ) ⟸ فالفاءُ هنا مكسورة: جِئْـ.
  3. اُتركْ ما سوى ذلك على حاله: مع الضّمائر السّاكنة (ألفُ الاثنين، واوُ الجماعة) أو مع الغائب المفرد ⟵ لا حذفَ: جاءَ · جاءَا · جاؤوا.
تصريفُ «جاءَ» في الماضي
الضّميرالصّيغةأحُذِفتِ العينُ؟
أناجِئْتُنعم — الضّميرُ متحرّك
نحنجِئْنانعم
أنتَجِئْتَنعم
أنتِجِئْتِنعم
أنتماجِئْتُمانعم
أنتمجِئْتُمنعم
أنتنَّجِئْتُنَّنعم
هوجاءَلا — لا ضميرَ متّصلا
هيجاءَتْلا — التّاءُ ساكنةٌ لا متحرّكة
هما (للمذكّر)جاءَالا — ألفُ الاثنين ساكنة
هما (للمؤنّث)جاءَتالا
همجاؤوالا — واوُ الجماعة ساكنة
هنَّجِئْنَنعم — نونُ النّسوة متحرّكة
⚖️ راجعْ عملَك بمِحَكٍّ واحد: في كلِّ سطرٍ حُذِفت فيه العينُ يجب أن تجد فاءً مكسورةً ولامًا ساكنة (جِـ + ئْ). وفي كلِّ سطرٍ بقيت فيه، يجب أن تجد ألفًا بعد الجيم. إن وجدتَ سطرا يخالف هذا فأعِدِ النّظر فيه.
⭐ وقارنْ بفعلٍ واويّ لترى الفرقَ في الفاء وحدَها: قامَ ⟵ قُمْتُ · قُمْنا · قُمْنَ (فاءٌ مضمومة)؛ وجاءَ ⟵ جِئْتُ · جِئْنا · جِئْنَ (فاءٌ مكسورة). أمّا الحذفُ فواحدٌ فيهما.
تمرينٌ ختاميّ: أسنِدِ الفعلَ «كانَ» — الوارد في مقتطَف النّصّ — إلى «نا» وإلى نون النّسوة.
طبِّقِ الخطواتِ الثّلاثَ نفسَها:
  • النّوع: مضارعُه يَكونُ ⟸ عينُه واو ⟸ أجوفُ واويّ؛
  • أخواتُه الواويّةُ من باب فَعَلَ يَفْعُلُ تُضَمُّ فاؤها (قُلْتُ · رُمْتُ) ⟸ الفاءُ هنا مضمومة: كُنْـ؛ أمّا الواويُّ من باب فَعِلَ فتُكسَر فاؤه (خافَ ⟵ خِفْتُ)؛
  • النّتيجة: مع «نا» ⟵ كُنّا · مع نون النّسوة ⟵ كُنَّ؛
  • ⟸ ولاحظْ أنّ النّونَ في «كُنّا» و«كُنَّ» مشدّدةٌ لأنّ نونَ الفعل التقتْ بـنون الضّمير بعد حذف العين.
⭐ وبهذا تكون قد أغلقتَ الدّائرةَ الّتي فتحها المقتطَف: الفعلُ «يكن» الّذي قرأتَه في نصِّ البستانيِّ ليس صيغةً غريبة — هو يكونُ مجزومٌ بالسّكون بـ«لم»، فحُذِفت عينُه. القاعدةُ خرجت من النّصّ، وعادت إليه.
في البكالوريا يأتي هذا الدرس في سؤال على النصّ من نوع تطبيقاته: «استخرج فعلا أجوف، وبيّن لماذا حُذفت عينه أو بقيت»، أو «أسند الفعل إلى نا وإلى نون النسوة، واضبطه بالشكل». جهّز ثلاثة عناصر: ① التعرّف: ردّ الفعل إلى الماضي، فإن كان أوسط حروفه الثلاثة حرف علّة فهو أجوف، والمضارع هو الذي يكشف أصل عينه (يقول واويّ، يسير يائيّ) ؛ ② القانون الجامع: تُحذف عين الأجوف كلّما سكنت لامه — مع تاء الفاعل ونا ونون النسوة (قُلْتُ، بِعْتُ، يَقُلْنَ)، وفي المضارع المجزوم بالسكون (لم يَسِرْ) ؛ ③ حركة الفاء بعد الحذف: تُضمّ كما في قُلْتُ وكُنّا، أو تُكسر كما في بِعْتُ وسِرْتُ وجِئْتُ. ⚠️ الخطأ الشائع: حذف العين من كلّ مضارع مجزوم ؛ القاعدة تقول «المجزوم بالسكون»، فإن جُزم بحذف النون كالأفعال الخمسة («وإن يقولوا») بقيت العين. ⚠️ وخطأ ثانٍ: عدّ «وافى» أجوف، وهو معتلّ الفاء والآخر.

الصفحة 1/4

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net