المحور 3 › النزعة الإنسانية في الشعر المهجري
النزعة الإنسانية في الشعر العربي المعاصر
📜النّصّ
إذا تَأَمَّلْنا شِعْرَنا العربيَّ وَجَدْناهُ يَزْخَرُ على امتداد عصوره بأشعارٍ تطفح بالمشاعر الإنسانيّة النّبيلة الصّادقة طارت لها شهرةٌ في الآفاق، وأولاها الباحثون والدّارسون اهتمامًا وعنايةً خاصَّين. وإحصاءُ تلك الأشعار أمرٌ عسيرٌ نظرًا لكثرتها، ولعلّ ضربَ بعض الأمثلة كافٍ للإشارة إلى تلك النّزعة الشّعوريّة الرّاقية. أذكرُ في هذا المضمار قصيدةَ ابن الرّوميّ في رثاء ولدِه الّتي يقول فيها:
| الصّدر | العجز |
|---|---|
| بُنَيَّ الّذي أهدتْهُ كفّايَ للثّـــرى | فيا عِزَّةَ المُهدَى ويا حسرةَ المُهدي! |
| عجبتُ لقلبي كيف لم ينفطرْ لهُ | ولو أنّه أقسى من الحجــرِ الصَّلدِ |
وفي هذا السّياق نتذكّر رثاءَ المتنبّي جدّتَه، ورثاءَ جريرٍ زوجتَه، ورثاءَ محمود سامي البارودي أمَّ أولاده:
| الصّدر | العجز |
|---|---|
| يـا دهْرُ فيمَ فجعتَنـي بِحَليلَـةٍ | كانتْ خلاصةَ عُدَّتي وعَتـــادي |
| إنْ كُنتَ لَمْ تَرحَمْ ضَناي لفقدِها | أفلا رَحِمْتَ مِن الأســى أولادي |
| أفـرَدْتَهُــنَّ فَلَـمْ ينمْـنَ تَوَجُّعًا | قَرْحى العيونِ رواجفَ الأكبـــادِ |
| لو كان هذا الــدَّهْرُ يقبَلُ فِدْيَةً | بالنَّفْسِ عنكِ لَكُنتُ أوّلَ فَـــادِ |
وكذلك رِثاءُ شوقي جدّتَه. إذًا تلك الأشعارُ في أغلبها كانت صادرةً عن نفسٍ مفجوعةٍ بقريبٍ لها ذي رحمٍ، أمّا الأشعارُ الّتي تتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه، تصوّر آلامَه وتبلور أحلامَه وتبرز إحساسَه، فأشعارٌ قليلةٌ بالمقارنة مع بقيّة ضروب النّظم وأغراضه في شعرنا العربيّ لا سيّما الحديث، كقصيدة «الشّريد» لعليّ الجارم وقصيدة إيليا أبي ماضي «النّفس الشّقيّة».
ولعلّ الشّاعرَ العراقيَّ الكبيرَ معروف الرّصافي (1875-1945م) واحدٌ من قلّةٍ من الشّعراء الّذين نزعوا في شعرهم هذه النّزعةَ الإنسانيّةَ الصّادقةَ الفيّاضةَ بالتّعاطف والتّألّم والتّفجّع بمآسي أولئك المعذَّبين البائسين، والتّطلّعِ إلى تخليصهم من آلامهم ومواساتِهم في محنِهم وأزماتِهم، نجد ذلك النّزوعَ بارزًا في قصائده «أمّ اليتيم»، «المطلّقة»، «الأرملة المرضعة»، «اليتيم في العيد»، «دار الأيتام»، «الفقر والسّقام»، «اليتيم المخدوع»، «ثالثة الأثافي»، «أمّ الطّفل في مشهد الحريق».
وتَتَبَلْوَرُ نَزْعَةُ الرَّصافي في أساليبَ كثيرة. فهُوَ يَرْسُمُ الشّخصيّةَ المتألّمةَ من الخارج فيصوّر تلك الشّخصيّة، ملابسَها، شحوبَها، دموعَها، صوتَها، مسكنَها، عويلَها.. ، وصفًا دقيقًا كأنّه الصّورة الفوتوغرافيّة. من ذلك وصفُه الخارجيّ لليتيم في قصيدته «اليتيم في العيد»:
| الصّدر | العجز |
|---|---|
| صبيٌّ صبيحُ الوَجهِ أسمرُ شاحبٌ | نحيفُ المباني أدعجُ العينِ أنـزعُ |
| ويرسلُ من عينيهِ نظرةَ مُجهِشٍ | وما هو بالباكي ولا العينُ تدمــعُ |
| لـه رجفةٌ تنتابُه وهــو واقـفٌ | عَلى جَانِبٍ والجوُّ بالبَرْدِ يَلْسَعُ |
وَهُوَ ينفذ إلى أعماق تلك الشّخصيّة البائسة المنكسرة المحزونة، يبلور ما تحسُّ به ويستخرج ذلك الرّكامَ من الأحاسيس المفعمة بالمرارة والكآبة والألم والضّنك والأسى في سياقٍ شعوريٍّ متناغمٍ مع ذلك الوصف الخارجيّ.. فمن قصيدة «أمّ الطّفل في مشهد الحريق»، يُسمِعُنا الشّاعرُ أنّاتِ وعويلَ أمٍّ احترق طفلُها في حريقٍ شبَّ فلم تُبْقِ نارُه ولم تذرْ، فما كان منها إلّا أن أخذت تولول وتصرخ وتلطم خدَّيها وحُقَّ لها ذلك في حالٍ أقربَ إلى الجنون وهي تقول:
| الصّدر | العجز |
|---|---|
| إنّي تجرَّدتُ من دُنيــايَ خاسـرةً | مالي سوى طفلِيَ الباكي بها مالُ |
| أَوْدى الحــريـقُ بـدارٍ أسْكنُهــا | وكنتُ من بعضِها للقوتِ أكتـالُ |
| يارَبِّ قد ضِقْتُ ذرعًا بالحياةِ فما | أدري حنانَيْكَ ربّي كيف أحتـالُ |
وَهُوَ بارعٌ في طرح تلك المشكلات المُلِحّة المؤلمة الّتي تشكّل في حقيقتها مأساةَ الإنسانيّة جمعاء في صراعها مع الفقر والبؤس والمرض والتّشرّد والجوع والخوف والاضطهاد، يبرع شاعرُنا في تصوير معاناةِ أولئك البائسين في قالبٍ قصصيٍّ سَرْديٍّ مشوّقٍ تتوافر فيه عناصرُ القصّة كاملةً من بدايةٍ وتطوّرٍ ونهايةٍ وحلٍّ.
وهذه قصيدةٌ تنبض بكثيرٍ من المشاعر الإنسانيّة الصّادقة وتتجلّى فيها رقّةُ الشّاعر وإحساسُه المفعم الفيّاض الصّادق بآلام المعذَّبين المقهورين المحرومين. قصّةُ فقيرٍ معدَمٍ يُدعى بشيرًا، كان يعمل أجيرًا ليلَه ونهارَه، ليس له في هذه الدّنيا إلّا أختٌ حنونٌ اسمُها فاطمة، أُصيب بمرض القلب، وانتهى به المطافُ إلى الموت:
| الصّدر | العجز |
|---|---|
| قالتِ الأختُ: أمَّ سلمى أنظريـهِ | ثَكِلَـتْ روحُ أُمِّـهِ وأبيــــهِ |
| فَـرَأَتْ منه إذْ دنَتْ نحوَ فيهِ | نفَسًا مبطئَ التَّرَدُّدِ فيهِ |
| ثمّ قد غالَه الــرَّدى باقتضابٍ | |
| وَجَمَتْ حيــرةً وَبعدَ قليلٍ | رَمَقَتْ فاطمًا بطَرْفٍ كَليــلٍ |
| فيه حِملٌ على العزاءِ الجميلِ | |
| أيَّها الواقفون لا تُهمِلـــوهُ | دونكُمْ أدْمُعي بها فاغْسِلـوهُ |
| ثمّ بالثّوبِ ضافيًا كَفِّنــوهُ | وادْفِنوهُ لكنْ بِقَلْبي ادْفنـوهُ |
وإذا تأمَّلْنا ما سَبَقَ وَجَدْنا فَيضًا من الرِّقّة والشّعور بآلام الآخرين. وَلْيَكُنْ كَمَا يُرَادُ لَهُ شِعْرًا يَحْمِلُ رسالةً للبشريّة جمعاء تدعو إلى الخير والحبّ والصّلاح والسّلام والتّعاون والوئام، فلا سُدومُ همٍّ تُؤَرِّقُ بالًا ولا إسارُ حرمانٍ يَهْصِرُ مُهَجًا ولا دُكونُ ألمٍ يمنع انبلاجَ مسرَّةٍ.
معاوية كوجان — عن الأنترنيت
🔍أكتشف معطيات النّصّ
هل الاهتمامُ بالنّفس البشريّة أمرٌ جديدٌ في الشّعر العربيّ؟هل الاهتمامُ بالنّفس البشريّة أمرٌ جديدٌ في الشّعر العربيّ؟
- الكاتب لا يتحدّث عن عصرٍ بعينه، بل يقول إنّ شعرَنا يزخر بهذه المشاعر «على امتداد عصوره»؛
- وهي عنده «المشاعر الإنسانيّة النّبيلة الصّادقة»، لا مشاعرَ عابرة؛
- ودليلُ قِدَمِها أنّ «إحصاء تلك الأشعار أمرٌ عسير» لكثرتها — والكثرةُ لا تجتمع في زمنٍ قصير.
- ⟸ الاهتمامُ بالنّفس البشريّة قديمٌ في شعرنا، وجِدَّتُه إنّما هي في الشّكل الّذي أخذه حديثا، وهو ما سيبيّنه بقيّةُ النّصّ.
مَنْ مِنَ الشّعراء العرب جسَّد النّزعة الإنسانيّة قديمًا؟مَنْ مِنَ الشّعراء العرب جسَّد النّزعة الإنسانيّة قديمًا؟
- ابن الرّوميّ — في رثاء ولدِه (البيتان 1-2)؛
- المتنبّي — في رثاء جدّتِه؛
- جريرٌ — في رثاء زوجتِه؛
- محمود سامي البارودي — في رثاء أمّ أولادِه (الأبيات 1-4)؛
- أحمد شوقي — في رثاء جدّتِه.
هل كانت نزعةً إنسانيّةً بالمفهوم الحقيقيّ؟ أم مجرّدَ انطباعٍ عابرٍ نتيجةَ تجربةٍ خاصّة؟ وضّحْ.هل كانت نزعةً إنسانيّةً بالمفهوم الحقيقيّ؟ أم مجرّدَ انطباعٍ عابرٍ نتيجةَ تجربةٍ خاصّة؟ وضّحْ.
هي في أغلبها انطباعاتٌ عابرة، لا نزعةٌ إنسانيّةٌ بالمفهوم الحقيقيّ. والنّصّ يعطيك المقياسَ الّذي تُميّز به، فطبِّقْه:
- هي الّتي «تتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه، تصوّر آلامَه وتبلور أحلامَه وتبرز إحساسَه»؛
- أي أن يكون موضوعُها الإنسانَ من حيث هو إنسان، لا شخصًا بعينه.
- يقول النّصّ إنّها «كانت صادرةً عن نفسٍ مفجوعةٍ بقريبٍ لها ذي رحمٍ»؛
- فالباعثُ فيها ذاتيٌّ خاصّ: ولدُ ابن الرّوميّ، زوجةُ البارودي، جدّةُ المتنبّي؛
- وهي مشاعرُ صادقة، لكنّها مقيَّدةٌ بصاحبها، تنتهي بانتهاء مناسبتها.
- ⟸ تلك الأشعارُ انطباعاتٌ عابرة نتيجةَ تجربةٍ خاصّة، لا نزعةٌ إنسانيّة؛
- ⟸ والدّليلُ الحاسم أنّ النّصّ يَعُدّ الأشعارَ الإنسانيّةَ بالمفهوم الحقيقيّ «قليلةً بالمقارنة مع بقيّة ضروب النّظم» — ولو كان الرّثاءُ منها لَما كانت قليلة.
مَنْ مِنَ الشّعراء العرب جسَّد النّزعة الإنسانيّة في عصرنا الحديث؟مَنْ مِنَ الشّعراء العرب جسَّد النّزعة الإنسانيّة في عصرنا الحديث؟
- عليّ الجارم — بقصيدته «الشّريد»؛
- إيليا أبو ماضي — بقصيدته «النّفس الشّقيّة»؛
- معروف الرّصافيّ (1875-1945م) — وهو الّذي أفرد له الكاتبُ بقيّةَ النّصّ.
ونصُّ التّعليل في القصيدة الرّصافيّة: إنّه «واحدٌ من قلّةٍ من الشّعراء الّذين نزعوا في شعرهم هذه النّزعة الإنسانيّة الصّادقة الفيّاضة بالتّعاطف والتّألّم والتّفجّع بمآسي أولئك المعذَّبين البائسين»، مع «التّطلّع إلى تخليصهم من آلامهم». ⟸ فليس عنده تعاطفٌ فحسبُ، بل تعاطفٌ يطلب الخلاص، وهذا ما يفصله عن شعراء الرّثاء.
عمَّ عبَّر ابنُ الرّوميّ في المقطع المذكور في النّصّ؟عمَّ عبَّر ابنُ الرّوميّ في المقطع المذكور في النّصّ؟
- البيت 1 — «بُنَيَّ الّذي أهدتْهُ كفّايَ للثّرى»: يدَ الأبِ هي الّتي وارتِ الابنَ التّرابَ، ثمّ «فيا عِزَّةَ المُهدَى ويا حسرةَ المُهدي!» — طباقُ الحال بين المُهدَى (الابنِ) والمُهدي (الأبِ)؛
- البيت 2 — «عجبتُ لقلبي كيف لم ينفطرْ لهُ»: يعجب من قلبٍ لم ينشقَّ، وهو «أقسى من الحجــرِ الصَّلدِ».
- ⟸ فجيعةٌ شخصيّةٌ في ابنٍ، لا في الإنسان عامّةً.
عمَّ عبَّر البارودي في المقطع المذكور في النّصّ؟عمَّ عبَّر البارودي في المقطع المذكور في النّصّ؟
- البيت 1 — الخطابُ للدّهر ومعاتبتُه: «يـا دهْرُ فيمَ فجعتَنـي بِحَليلَـةٍ»، وهي عنده «خلاصةَ عُدَّتي وعَتـــادي»؛
- البيت 2 — يتجاوز نفسَه إلى أبنائه: «أفلا رَحِمْتَ مِن الأســى أولادي»؛
- البيت 3 — يصوّر حالَهنّ بعده: «فَلَـمْ ينمْـنَ تَوَجُّعًا»؛
- البيت 4 — يبلغ الغايةَ فيفدي بنفسه: «بالنَّفْسِ عنكِ لَكُنتُ أوّلَ فَـــادِ».
- ⟸ وهو كسابقه: فجيعةٌ بذي رحمٍ، لا بالإنسان من حيث هو إنسان.
لماذا سلَّط كاتبُ النّصِّ الضّوءَ على معروف الرّصافيّ؟لماذا سلَّط كاتبُ النّصِّ الضّوءَ على معروف الرّصافيّ؟
لأنّه — وحدَه تقريبا — حقّق شرطَ النّزعة الإنسانيّة: أن يكون موضوعُ الشّعر الإنسانَ البائسَ، لا القريبَ المفقود. ويعدّد النّصّ ثلاثةَ أوجهٍ لهذا التّفرّد:
- «أمّ اليتيم» · «المطلّقة» · «الأرملة المرضعة» · «اليتيم في العيد» · «دار الأيتام»
- «الفقر والسّقام» · «اليتيم المخدوع» · «ثالثة الأثافي» · «أمّ الطّفل في مشهد الحريق»
- فيه «التّعاطف والتّألّم والتّفجّع بمآسي أولئك المعذَّبين البائسين»؛
- وفيه «التّطلّع إلى تخليصهم من آلامهم ومواساتهم في محنهم وأزماتهم».
- الفقر · البؤس · المرض · التّشرّد · الجوع · الخوف · الاضطهاد
كيف استطاع هذا الأخيرُ أن يحقّق النّزعةَ الإنسانيّةَ في الشّعر العربيّ الحديث؟كيف استطاع هذا الأخيرُ أن يحقّق النّزعةَ الإنسانيّةَ في الشّعر العربيّ الحديث؟
بأسلوبٍ ذي ثلاث درجاتٍ متلاحقة، هي بناءُ النّصّ نفسِه من الفقرة الخامسة إلى السّابعة:
- «يَرْسُمُ الشّخصيّةَ المتألّمةَ من الخارج»، فيصوّر ملابسَها وشحوبَها ودموعَها وصوتَها ومسكنَها وعويلَها، «وصفًا دقيقًا كأنّه الصّورة الفوتوغرافيّة»؛
- شاهدُه من «اليتيم في العيد»، البيت 1: «صبيٌّ صبيحُ الوَجهِ أسمرُ شاحبٌ».
- «ينفذ إلى أعماق تلك الشّخصيّة» فيبلور ما تحسُّ به، ويستخرج «ذلك الرّكامَ من الأحاسيس المفعمة بالمرارة والكآبة والألم والضّنك والأسى»؛
- والشّرطُ الفنّيّ الّذي يذكره النّصّ: أن يجيء ذلك في سياقٍ شعوريٍّ «متناغمٍ مع ذلك الوصف الخارجيّ» — فلا ينفصل الباطنُ عن الظّاهر؛
- شاهدُه من «أمّ الطّفل في مشهد الحريق»، البيت 1: «إنّي تجرَّدتُ من دُنيــايَ خاسـرةً».
- يصوّر المعاناةَ في «قالبٍ قصصيٍّ سَرْديٍّ مشوّقٍ»؛
- «تتوافر فيه عناصرُ القصّة كاملةً من بدايةٍ وتطوّرٍ ونهايةٍ وحلٍّ»؛
- شاهدُه قصّةُ بشيرٍ وأختِه فاطمة: بدايةٌ (فقيرٌ أجيرٌ)، تطوّرٌ (مرضُ القلب)، نهايةٌ (الموت)، وحلٌّ («وادْفِنوهُ لكنْ بِقَلْبي ادْفنـوهُ»).
💬أناقش معطيات النّصّ
هل مِن السّهل على الأديب أن يغوصَ في أعماق النّفس البشريّة ويحلّلَها؟ اشرحْ.هل مِن السّهل على الأديب أن يغوصَ في أعماق النّفس البشريّة ويحلّلَها؟ اشرحْ.
ليس بالأمر الهيّن، لأنّه يشترط اجتماعَ أربعةِ أمورٍ في وقتٍ واحد:
- التّصويرُ والوصفُ في وجهيهما معًا: الدّاخليّ والخارجيّ؛
- انتقاءُ الموضوعات — فليس كلُّ موضوعٍ يحتمل هذا الغوص؛
- استعمالُ لغةٍ دقيقة تُصيب الإحساسَ بلفظه؛
- الموضوعيّةُ — أي ألّا يُسقِط الأديبُ نفسَه على من يصف.
وشاهدُ ذلك في النّصّ نفسِه: لم يبلغْ هذه المنزلةَ إلّا «قلّةٌ من الشّعراء»؛ ولو كان الأمرُ هيّنا لكثُر أهلُه.
لماذا، في رأيك، لَمْ تتبلورِ النّزعةُ الإنسانيّةُ بشكلٍ كبيرٍ في الشّعر العربيّ القديم رغم إحساس الشّعراء المرهف؟ استندْ في إجابتك على أبياتٍ تحفظها من الشّعر القديم.لماذا، في رأيك، لَمْ تتبلورِ النّزعةُ الإنسانيّةُ بشكلٍ كبيرٍ في الشّعر العربيّ القديم رغم إحساس الشّعراء المرهف؟ استندْ في إجابتك على أبياتٍ تحفظها من الشّعر القديم.
السّببُ ليس ضعفَ الإحساس، بل وِجهتَه: لأنّها اعتمدت الذّاتيّةَ. كان الشّاعرُ القديم يكتب من ألمِه هو وفي مَن يخصُّه هو، فلم يتّسع الشّعورُ ليشمل الإنسانَ من حيث هو إنسان.
ومن الشّاهد على ذلك قولُ ابن الرّوميّ في رثاء ابنه:
| الصّدر | العجز |
|---|---|
| أُلامُ لِما أُبدي عليكَ من الأسى | وإنّي لأُخفي منكَ أضعافَ ما أُبدي |
- الضّمائرُ كلُّها بين متكلّمٍ ومخاطَبٍ واحد: «أُلامُ»، «أُبدي»، «عليكَ»، «إنّي»، «منكَ»؛
- ولا يظهر فيه طرفٌ ثالث — لا فقيرٌ ولا يتيمٌ ولا محرومٌ؛
- ⟸ فالبيتُ في ذروة الصّدق، وهو مع ذلك ذاتيٌّ خالص — وهذا بعينه ما منع النّزعةَ الإنسانيّة من التّبلور.
هل يستطيع الشّعراءُ أن يُسهموا في تغيير مآسي الإنسان بواسطة الشّعر؟ أم أنّ ذلك موكولٌ إلى أهل الاختصاص؟هل يستطيع الشّعراءُ أن يُسهموا في تغيير مآسي الإنسان بواسطة الشّعر؟ أم أنّ ذلك موكولٌ إلى أهل الاختصاص؟
نعم يستطيعون، لأنّ في الشّعر رسالةً دقيقةً موجّهةً إلى الطّبقات المستضعفة. ومثالُه إيليا أبو ماضي، الّذي أراد السّموّ مبتغيا تجسيدَ القيم الأدبيّة والأخلاقيّة الملتزمة مع الموضوعيّة.
- الشّعرُ عند الكاتب يجب أن يحمل «رسالةً للبشريّة جمعاء تدعو إلى الخير والحبّ والصّلاح والسّلام والتّعاون والوئام»؛
- والرّصافيُّ لم يقفْ عند التّصوير، بل بلغ «التّطلّع إلى تخليصهم من آلامهم»؛
- ⟸ فدورُ الشّاعر التّوعيةُ وتحريكُ الضّمير، ودورُ أهل الاختصاص المعالجةُ؛ وهما متكاملان لا متعارضان: لا يتحرّك المختصُّ في قضيّةٍ لم يشعرْ بها المجتمعُ.
في كلّ نصٍّ أدبيٍّ لا بُدَّ أن نَلْمَسَ بُعْدًا إنسانيًّا، ولو إشارةً. هل لاحظتَ ذلك فيما درسْتَ من نصوصٍ أدبيّةٍ هذه السّنة؟ قِفْ على نموذجٍ منها وحلِّلْ هذا البُعدَ في فقرةٍ موجزة.في كلّ نصٍّ أدبيٍّ لا بُدَّ أن نَلْمَسَ بُعْدًا إنسانيًّا، ولو إشارةً. هل لاحظتَ ذلك فيما درسْتَ من نصوصٍ أدبيّةٍ هذه السّنة؟ قِفْ على نموذجٍ منها وحلِّلْ هذا البُعدَ في فقرةٍ موجزة.
- هل فيه إنسانٌ يتألّم، أو فئةٌ تتألّم؟ (لا فكرةٌ مجرّدة)
- هل يتجاوز الشّاعرُ فيه نفسَه إلى غيره؟
- هل ينتهي إلى موقفٍ — دعوةٍ أو رفضٍ أو مواساة؟
- ⟸ إن أجبْتَ بنعم ثلاثَ مرّاتٍ فالنّصّ صالحٌ؛ وإن كانت واحدةٌ فقط، فالبعدُ فيه إشارةٌ لا أكثر — وهذا كافٍ، فصيغةُ السّؤال نفسِها تقول: «ولو إشارةً».
- حدّدِ الفئةَ الّتي وقف عندها النّصّ (يتيمٌ، أرملةٌ، مشرّدٌ، شعبٌ مستعمَرٌ...)؛
- استخرجْ شاهدًا واحدًا — بيتًا أو عبارةً — واذكرْ رقمَه؛
- بيّنِ الوسيلةَ الفنّيّة: أوصفٌ خارجيٌّ هو، أم نفاذٌ إلى الدّاخل، أم قالبٌ قصصيّ؟ (وهي الدّرجاتُ الثّلاثُ الّتي عدّدها هذا النّصّ عند الرّصافيّ)؛
- اختمْ بالغاية: إلى ماذا يدعو النّصّ؟
- ⛔ لا تخلطْ بين البعد الإنسانيّ والعاطفة الشّخصيّة: الحزنُ على قريبٍ ليس بعدًا إنسانيّا، وهذا هو درسُ النّصّ كلِّه؛
- ⛔ لا تسردِ النّصَّ الّذي اخترتَه؛ المطلوب تحليلُ بُعدٍ واحدٍ فيه، في فقرةٍ موجزة.
✅أستخلص وأسجّل
① عُدْ إلى النّصّ وأعِدْ صياغةَ المقطع الشّعريّ الثّاني الّذي اعتمده الكاتبُ في تحليل النّزعة الإنسانيّة عند الرّصافيّ، بأسلوبٍ نثريّ.① عُدْ إلى النّصّ وأعِدْ صياغةَ المقطع الشّعريّ الثّاني الّذي اعتمده الكاتبُ في تحليل النّزعة الإنسانيّة عند الرّصافيّ، بأسلوبٍ نثريّ.
- المقطعُ الأوّل: «اليتيم في العيد» — وهو شاهدُ الوصف الخارجيّ؛
- المقطعُ الثّاني: «أمّ الطّفل في مشهد الحريق» — وهو شاهدُ النّفاذ إلى الدّاخل، وهو المطلوب؛
- المقطعُ الثّالث: قصّةُ بشيرٍ — وهو شاهدُ القالب القصصيّ.
- انقلِ المعنى لا اللّفظَ: لا تُبقِ عبارةَ الشّاعر كما هي؛
- ابدأْ بالسّياق الّذي وضعه الكاتبُ حول الأبيات، فهو جزءٌ من المعنى؛
- احتفظْ بترتيب الأحاسيس كما وردت: المرارةُ، الكآبةُ، الألمُ، الضّنكُ، الأسى؛
- اختمْ بالحالة الّتي انتهت إليها الأمّ، فهي نتيجةُ المشهد لا زينةٌ فيه.
نموذجٌ محلول — اكتبْ أوّلا، ثمّ قابلْنموذجٌ محلول — اكتبْ أوّلا، ثمّ قابلْ
«نفَذ الشّاعرُ إلى أعماق أمٍّ بائسةٍ يائسةٍ منكسرةٍ محزونة؛ يبلور ما تحسُّ به ويستخرج ذلك الرّكامَ من الأحاسيس المفعمة بالمرارة والكآبة والألم والضّنك والأسى في سياقٍ شعوريٍّ متناغم، إذ يُسمِعُنا الشّاعرُ أنّاتِ وعويلَ أمٍّ احترق طفلُها في حريقٍ شبَّ فلم تُبْقِ نارُه ولم تذرْ، فما كان منها إلّا أن أخذت تولول وتصرخ وتلطم خدَّيها، وحُقَّ لها ذلك في حالٍ أقربَ إلى الجنون.»
② حدِّدِ الفكرةَ العامّةَ للنّصّ.② حدِّدِ الفكرةَ العامّةَ للنّصّ.
- ① اسألْ: ما الطّرفان اللّذان يدور بينهما النّصّ كلُّه؟ (هنا: شعرُ الرّثاء الذّاتيّ / الشّعرُ الإنسانيّ)؛
- ② اسألْ: ما الحكمُ الّذي أصدره الكاتبُ على كلٍّ منهما؟ (الأوّلُ كثيرٌ لكنّه انطباعٌ عابر / الثّاني قليلٌ وهو المطلوب)؛
- ③ اسألْ: مَن المثالُ الّذي ضربه للثّاني؟ (الرّصافيُّ) وبمَ حقّقه؟ (وصفٌ خارجيّ، نفاذٌ إلى الدّاخل، قالبٌ قصصيّ).
نموذجٌ محلول للفكرة العامّةنموذجٌ محلول للفكرة العامّة
«يبيّن الكاتبُ أنّ شعرَنا العربيّ زاخرٌ بالمشاعر الإنسانيّة الصّادقة، غير أنّ أغلبَها صادرٌ عن نفسٍ مفجوعةٍ بقريبٍ ذي رحمٍ فهو انطباعٌ عابرٌ لا نزعةٌ إنسانيّة، وأنّ الشّعر الّذي يتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه قليلٌ، وقد مثّل له بمعروف الرّصافيّ الّذي رسم البائسين من الخارج ونفذ إلى أعماقهم وصاغ معاناتَهم في قالبٍ قصصيّ، ليكون الشّعرُ رسالةً للبشريّة جمعاء تدعو إلى الخير والسّلام.»
③ سَجِّلْ: «أمَّا الأشعارُ الّتي تتناول الإنسانَ …… أبي ماضي «النّفس الشّقيّة».»③ سَجِّلْ: «أمَّا الأشعارُ الّتي تتناول الإنسانَ …… أبي ماضي «النّفس الشّقيّة».»
هذه ليست سؤالا بل أمرًا بالتّسجيل: الفقرةُ الآتية هي مفتاحُ النّصّ، وفيها يُعرَّف الشّعرُ الإنسانيُّ ويُقاس به ما سواه. انقلْها في كرّاسك كما هي واحفظْها:
«أمّا الأشعارُ الّتي تتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه، تصوّر آلامَه وتبلور أحلامَه وتبرز إحساسَه، فأشعارٌ قليلةٌ بالمقارنة مع بقيّة ضروب النّظم وأغراضه في شعرنا العربيّ لا سيّما الحديث، كقصيدة «الشّريد» لعليّ الجارم وقصيدة إيليا أبي ماضي «النّفس الشّقيّة».»
- تعريفَ الشّعر الإنسانيّ (يتناول الإنسانَ كائنًا له منزلتُه)؛
- حكمًا عليه (فأشعارٌ قليلة)؛
- شاهدَين عليه («الشّريد» و«النّفس الشّقيّة») تستشهد بهما في أيّ موضوع.
🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — في مجال قواعد اللّغة : إذْ، حينئذٍ
① المحطّة الأولى — ما الّذي أفادته «إذْ» في النّصّ؟
| الصّدر | العجز |
|---|---|
| فَـرَأَتْ منه إذْ دنَتْ نحوَ فيهِ | نفَسًا مبطئَ التَّرَدُّدِ فيهِ |
ما المعنى الّذي أفادتْه «إذْ» في هذا السّياق؟ما المعنى الّذي أفادتْه «إذْ» في هذا السّياق؟
- أفادتْ زمنًا — أي وقتًا أو حينًا، والحدثُ هو (دنَتْ)؛
- وهذا الزّمنُ ماضٍ؛
- وهو مبهمٌ (غيرُ محدَّد): لا يقول لنا الشّاعرُ متى بالضّبط دنَتْ.
- ⟸ فـ«إذْ» ظرفٌ لزمنٍ ماضٍ مبهم، وهذا أصلُها الّذي تُحمَل عليه.
② المحطّة الثّانية — إلامَ تُضاف؟ وكيف تُعرَب؟
| الصّدر | العجز |
|---|---|
| فَرِحْنَا إِذْ قَدِمْتَ قُدُومَ سَعْدٍ | وإِذْ رُؤْيَاكَ في الأَيَّامِ عِيدُ |
إلامَ أُضيفتْ «إذْ» في البيت؟ وما إعرابُها؟إلامَ أُضيفتْ «إذْ» في البيت؟ وما إعرابُها؟
- في الصّدر: أُضيفتْ إلى جملةٍ فعليّة — «قَدِمْتَ»؛
- في العَجُز: أُضيفتْ إلى جملةٍ اسميّة — «رُؤْيَاكَ … عِيدُ».
- ⟸ فهي تُضاف إلى النّوعين معًا، وهذه أوّلُ خصائصها.
③ المحطّة الثّالثة — تنبيهٌ: من أين جاءت «حينئذٍ»؟
قد يُحذف المضافُ إليه — أي الجملةُ الفعليّةُ أو الاسميّةُ الّتي تلي «إذْ» — وينوب عنها تنوينٌ يُسمّى تنوينَ العِوَض، نحو قوله تعالى:
﴿فلولا إذا بَلَغَتِ الحُلْقومَ، وأنتُمْ حينئذٍ تَنْظُرون…﴾
ما تقديرُ الكلام؟ وكيف تُعرَب «إذٍ» المنوَّنةُ في «حينئذٍ»؟ما تقديرُ الكلام؟ وكيف تُعرَب «إذٍ» المنوَّنةُ في «حينئذٍ»؟
- التّقدير: «وأنتم حينَ إذْ بلغتِ الحلقومَ تنظرون» — فالجملةُ محذوفةٌ، وقد نابَ عنها التّنوين؛
- الإعراب: «إذٍ» المنوَّنةُ بالكسر ظرفُ زمانٍ مبنيٌّ على السّكون المقدَّر، منع من ظهوره تنوينُ العِوَض، في محلّ جرٍّ بالإضافة (لأنّها أُضيفت إليها «حينَ»).
- أ – مضافًا — إلى جملةٍ فعليّةٍ أو اسميّة؛
- ب – مضافًا إليه — في التّراكيب، نحو: حينئذٍ · ساعتئذٍ · وقتئذٍ…
④ المحطّة الرّابعة — متى تخرج «إذْ» عن الظّرفيّة؟
تأمّلِ الآن الآيتين الكريمتين:
﴿واذْكُروا إِذْ كُنْتُمْ قَليلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾
﴿واذكُرْ في الكتابِ مريمَ إذِ انْتَبَذَتْ من أهلِها مكانًا شَرْقيًّا…﴾
هل فقدتْ «إذْ» معنى الظّرفيّة؟ وما محلُّها من الإعراب في كلّ آية؟هل فقدتْ «إذْ» معنى الظّرفيّة؟ وما محلُّها من الإعراب في كلّ آية؟
- في الآية الأولى: هي في محلّ نصبٍ مفعولًا به للفعل «اذكروا»؛
- في الآية الثّانية: هي في محلّ نصبٍ بدلَ اشتمالٍ من المفعول به «مريمَ»، وحُرِّكتْ بالكسر لالتقاء السّاكنَين — ولذلك قرأْتَ «إذِ انتبذتْ».
وتأمّلِ الآن العبارتَين الآتيتين:
- أ – بينما كنّا نائمَين إذْ رنَّ الهاتفُ.
- ب – كافأْتُ المجتهدَ إذْ نجح.
ما المعنى الّذي أفادتْه «إذْ» في كلّ جملة؟ وهل أثّرتْ فيما تبعها؟ما المعنى الّذي أفادتْه «إذْ» في كلّ جملة؟ وهل أثّرتْ فيما تبعها؟
- ماذا وقع في أوّل الجملة «أ»؟ وقع «بينما»، وهي ظرفُ زمانٍ يدلّ على المفاجأة؛ فالحدثُ (رنينُ الهاتف) باغَتَ حالًا قائمة. ⟸ «إذْ» هنا للمفاجأة؛
- ما علاقةُ النّجاح بالمكافأة في الجملة «ب»؟ النّجاحُ سببُ المكافأة، لا وقتُها. ⟸ «إذْ» هنا للتّعليل؛
- هل أثّرتْ فيما تبعها؟ لا: لم تُضَفْ إلى ما بعدها كما تُضاف الظّرفيّةُ، لأنّها لم تعدْ ظرفًا يطلب مضافًا إليه.
- ⟸ وبإجابتك على هذه الأسئلة يتبيّن لك أنّ «إذْ» لم تحتملْ معنى الظّرفيّة في الجملتين.
- ﴿وإِذْ قالتِ الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ﴾ (آل عمران: 42)
- ﴿ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ (آل عمران: 8)
الصفحة 1/3
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net