اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 2 النثر العلمي في العصر المملوكي

خواص القمر و تأثيراته للقزويني

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

هو زكريّا بن محمّد القزوينيّ، وُلد نحو سنة 605 هـ. فلمّا شبّ رحل إلى دمشق واحتكّ بها بابن عربيٍّ المتصوّف، ثمّ رحل إلى بغداد فتولّى القضاء فيها، حتّى سقوطِها في يد المغول. وتوفّي سنة 682 هـ.

وألّف كتابين، لكلٍّ منهما ميدانُه:
  • آثار البلاد وأخبار العباد — في علم الجغرافيا؛
  • عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات — في علم الهيئة، وهو علمُ الفلك. ومنه هذا النّصّ، لأنّ موضوعَه القمرُ وأفلاكُه؛
  • وقد ضمّنهما — إلى المادّة الأساسيّة — الأدبَ والسّياسة.
⭐ واحفظْ من هذه السّيرة كلمتين تفسّران لك النّصَّ كلَّه: الرّجلُ قاضٍ لا مجرِّبٌ في مِخبر، وجامعٌ للأخبار — «كان يتّبع خطّةَ الجمع» كما يقول الدّارسون. وقد عاش سقوطَ بغدادَ في يد المغول، في عصرٍ جمدت فيه القرائحُ واختلط فيه الفلكُ بالتّنجيم. احتفظْ بهاتين الكلمتين: ستحتاجهما في «أناقش» وفي «أجمل القول».

🚪تقديم النّصّ

نحن في المحور الثّاني: النّثرُ العلميُّ في عصر المماليك. وقبل أن تقرأ نصَّ القزوينيّ، لا بدّ أن تعرف الحدَّ الفاصلَ الّذي كان أهلُ ذلك العصر يقفون عليه — أو لا يقفون: الحدُّ بين علم الفلك وأعمال التّنجيم.
لِمَ اختلط علمُ الفلك بأعمال التّنجيم في بادئ الأمر؟
السّبب الّذي يذكره الدّرس:
  • الظّروفُ السّياسيّة — فقد كان العلمُ في ذلك الزّمان تابعا لمن يُنفق عليه، فاختلط الطّلبُ العلميُّ بطلب الحاكم؛
  • ⟸ ولذلك وجدْتَ الفلكيَّ والمنجّمَ في مجلسٍ واحد، وباسمٍ واحد أحيانا.
أين يكمن الفرقُ بين علم الفلك وأعمال التّنجيم؟
الفرقُ في مصدر الحكم، لا في الموضوع:
  • علمُ الفلك يخضع للقواعد العلميّة: يرصد، ويحسب، ويُختبَر حسابُه؛
  • التّنجيمُ يخضع للخرافة: يُخبر عن الغيب، ولا سبيلَ إلى اختباره؛
  • ⟸ فكلاهما ينظر إلى السّماء، ولكنّ أحدَهما يعود منها بعدد، والآخرَ بنبوءة.
اذكرْ بعضَ الوقائع التّاريخيّة الّتي تؤكّد هذه المقولة.
واقعةٌ يذكرها الدّرس:
  • موقعةُ عمّوريّة: انتصر فيها المسلمون على الرّوم، مكذّبين بذلك أكاذيبَ المنجّمين؛
  • ووجهُ الحجّة فيها أنّها اختبار: المنجّمون قالوا قولا، فجاء الواقعُ بضدّه؛
  • ⟸ وهذا بعينه ما يعجز عنه التّنجيمُ ويقوم عليه العلم: أن يُعرَض القولُ على الواقع فيصدُق أو يكذب.
🎯 وهذا سؤالُ دخولك إلى النّصّ: أنت الآن أمام صفحةٍ من ذلك العصر بعينه. فاقرأْها وأنت تسأل: أين يقف القزوينيُّ من هذا الحدّ؟ أفي جانب الرّصد والحساب، أم في جانب الرّواية والزّعم، أم في الجانبين معا؟ ⛔ ولا تجبْ قبل أن تُتِمَّ القراءة.

📜النّصّ

وأمّا القمرُ فهو كوكبٌ مكانُه الطّبيعيُّ الفلكُ الأسفل، من شأنِه أن يقبلَ النّورَ من الشّمس على أشكالٍ مختلفة، ولونُه الدّاني إلى السّواد. يبقى في كلّ برجٍ ليلتين وثُلثَ اللّيلة، ويقطع جميعَ الفلك في شهر، وهو أصغرُ الكواكب فلَكا وأسرعُها سيرا. وزعموا أنّ جِرمَ القمر جزءٌ من تسعةٍ وثلاثين جزءا وربعِ جزءٍ من جِرم الأرض. ودورةُ القمر أربعُمائةٍ واثنان وخمسون ميلا بالتّقريب، وهذا ما وصلت إليه آراءُ الحكماء بحكم المقدّمات الحسابيّة.

وهو يحدُّه سطحان كرويّان متوازيان مركزُهما مركزُ العالم: السّطحُ الأعلى منهما لمُقعَّر فلكِ عُطارد، والأدنى لمحدَّب كرةِ النّار. ويتمّ دورتَه في كلّ ثمانيةٍ وعشرين يوما بحركتِه الّتي تختصُّ به من المغرب إلى المشرق، وفلَكُ تدويرِه يدور في الفلك الحاوي في كلّ أربعةَ عشرَ يوما. ففي الدّورة الأولى يكون القمرُ بوجهِه الممتلئِ إلى مركز الأرض. ثمّ إنّ فلَكَه الكلّيَّ ينقسم إلى أربعة أفلاك: ثلاثةٌ منها شاملةٌ للأرض، وواحدٌ صغيرٌ غيرُ شامل.

زعموا أنّ تأثيراتِه بواسطة الرّطوبة، كما أنّ تأثيراتِ الشّمس بواسطة الحرارة، ويدلّ عليها اعتبارُ أهل التّجارب. ومنها أمرُ البحار: فإنّ القمرَ إذا صار في أُفُقٍ من آفاق البحر أخذ ماؤه في المدّ مُقبِلا مع القمر، ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمرُ في وسط سماءِ ذلك الموضع، فإذا صار هناك انتهى المدُّ منتهاه. فإذا انحطّ القمرُ من وسط سمائه جزَر الماءُ، ولا يزال كذلك راجعا إلى أن يبلغ القمرُ مغربَه، فعند ذلك ينتهي الجزرُ منتهاه. فإذا زال القمرُ من مغربِ ذلك الموضع ابتدأ المدُّ مرّةً ثانية، إلّا أنّه أضعفُ من الأولى، ثمّ لا يزال كذلك إلى أن يبتدئ بالجزر والرّجوع، ولا يزال كذلك حتّى يبلغ القمرُ أُفُقَ مشرقِ ذلك الموضع، فيعود المدُّ إلى ما كان عليه أوّلا. فيكون في كلّ يومٍ وليلةٍ — بمقدار مسير القمر فيهما — في ذلك البحر مدّانِ وجزرانِ.

ومنها أمرُ أبدانِ الحيوانات، فإنّها في وقت زيادةِ القمر وضوئِه تكون أقوى، والسّخونةُ والرّطوبةُ والنّموُّ عليها أغلب، وتكون الأخلاطُ في بدن الإنسان ظاهرة، والعروقُ ممتلئة. وبعد الامتلاء تكون الأبدانُ أضعف، والبردُ عليها أغلب، والنّموُّ أقلّ، والأخلاطُ في غَورِ البدن، والعروقُ أقلُّ امتلاء. وذلك أمرٌ ظاهرٌ عند علماء الطّبّ.

ومنها أنّ الأطبّاء ذهبوا إلى أنّ أحوالَ البُحْرانات وتقارُبَ أيّامها مبنيّةٌ على زيادةِ ضوءِ القمر ونقصانِه، وكتبُ الطّبّ ناطقةٌ بذلك. وزعموا أنّ الّذين يمرضون في أوّل الشّهر تكون أبدانُهم وقُواهم على دفع المرض أقوى، والّذين يمرضون في آخر الشّهر بالضّدّ.

زكريّا بن محمّد القزوينيّ — عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات

📖أثري رصيدي اللّغويّ

① في معاني الألفاظ:
  • الفلكُ الحاوي: الشّاملُ؛
  • الأخلاط: الأصنافُ؛
  • غَورُ البدن: عمقُه وداخلُه؛
  • البُحْرانات: مفردُها البُحْران، وهو التّغيّرُ الّذي يحدث للمريض دفعةً في الأمراض الحادّة — أي انقلابُ حالِه فجأةً إلى صلاحٍ أو فساد.
⚠️ تنبيهٌ على نسخة المصدر: تشرح بعضُ النّسخ ألفاظا لا ترد في هذا النّصّ: «وتدُ الأرض: مركزُها»، و«صرصرا»، و«منقعر»، و«حدباء: يريد بها النّعش» — والثّلاثةُ الأخيرة من نصٍّ آخرَ غيرِ هذا. أثبتناها لك أمانةً وتنبيها، ⛔ فلا تبحثْ عنها في النّصّ ولا تُدخلْها في إجابتك. وهذه عادةٌ نافعة: تحقّقْ دائما أنّ اللّفظَ المشروحَ موجودٌ في نصّك قبل أن تعتمده.

② في الحقل المعجميّ — «المدّ والجزر»: هو ارتفاعٌ وانخفاضٌ دوريٌّ لكلّ مياه المحيطات، بما في ذلك مياهُ البحار المفتوحة والخُلجان؛ ويَنتج بتأثيرٍ من جاذبيّة القمر.

استخرجْ من فقرة البحار الألفاظَ الّتي تدور حول «المدّ والجزر».
من النّصّ نفسِه:
  • ألفاظُ الحركة: المدُّ ـ الجزرُ ـ مُقبِلا ـ انحطّ ـ جزَر ـ راجعا ـ ابتدأ ـ يعود؛
  • ألفاظُ الموضع: أُفُقٌ ـ وسطُ السّماء ـ المغربُ ـ المشرقُ ـ منتهاه؛
  • ألفاظُ المقدار: مدّانِ وجزرانِ ـ أضعفُ من الأولى ـ بمقدار مسيرِ القمر.
💡 طريقةُ الجمع: لا تجمعْ ما «يخصّ البحر» بعمومٍ، بل اسألْ عن كلّ لفظ: أيصف حركةً أم موضعا أم مقدارا؟ فما لم يدخلْ في واحدةٍ من الثّلاث فليس من الحقل، وإنّما هو من سياق الجملة.
③ في الحقل الدّلاليّ — مجالُ الفلك: هذه ألفاظُ النّصّ الّتي تنتمي إليه:
  • القمرُ ـ كوكبٌ ـ الفلكُ ـ بُرجٌ ـ جِرمُ القمر ـ دورةُ القمر؛
  • فلَكُ عُطارد ـ محدَّبُ كرةِ النّار ـ الفلكُ الحاوي ـ مركزُ الأرض؛
  • المغربُ ـ المشرقُ.
⭐ اثنا عشر لفظا من حقلٍ واحد في نصٍّ قصير: هذه الكثافةُ هي نفسُها دليلُك حين يُسأل في «أحدّد بناء النّصّ» عن نوع اللّغة. فالحقلُ الدّلاليُّ ليس تمرينَ جمعٍ، بل دليلٌ يُحتجّ به.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه. اقرأْ أوّلا وأجبْ بقلمك، ثمّ افتحِ الجوابَ لتقابلَه بما وجدْتَ.
في الفقرة الأولى تحدّث الكاتبُ عن عالَم القمر. اذكرِ النّواحيَ الّتي تناولها.
ستُّ نواحٍ، بترتيب ورودِها:
  • مكانُه الطّبيعيّ: «الفلكُ الأسفل»؛
  • علاقتُه بالشّمس: «من شأنِه أن يقبلَ النّورَ من الشّمس على أشكالٍ مختلفة»؛
  • لونُه: «الدّاني إلى السّواد»؛
  • مسيرتُه: يبقى في كلّ برجٍ ليلتين وثُلثَ اللّيلة، ويقطع جميعَ الفلك في شهر؛
  • حجمُه وسرعتُه: «أصغرُ الكواكب فلَكا وأسرعُها سيرا»، وجِرمُه جزءٌ من تسعةٍ وثلاثين جزءا وربعٍ من جِرم الأرض؛
  • دورتُه: أربعُمائةٍ واثنان وخمسون ميلا بالتّقريب.
لدورةِ القمر وحركتِه أهمّيّةٌ في التّقاويم وضبطِها: بيّنْ حاجةَ المسلمين إلى ذلك.
الحاجةُ هي متابعةُ دورةِ القمر لضبط التّقويم الهجريّ، وبيانُها:
  • الدّورةُ الشّمسيّة 365 يوما وربعا، والدّورةُ القمريّة نحو 354 يوما وثُلث، أي أقلُّ منها بنحو أحد عشر يوما؛ فالفرقُ بينهما يُزحزح المواقيتَ كلَّ سنة؛
  • وكثيرٌ من العبادات والمناسبات مرتبطٌ بالقمر: الصّومُ، لقوله ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»؛ والحجُّ كذلك؛
  • ⟸ فضبطُ الشّهر القمريّ ليس ترفا حسابيّا، بل شرطُ صحّةِ عبادة.
علامَ يدلّ بناءُ المراصد واختراعُ الاصطرلاب بأنواعه المختلفة؟ وما استخداماتُها؟
① ما الاصطرلاب؟
  • جهازٌ تُحدَّد به اتّجاهاتُ السّماء برصدِ الكواكب وحسابِ زواياها؛
  • يتكوّن من قاعدةٍ أسطوانيّة عليها لوحٌ دائريّ يدور حول محوره؛
  • وبه يُحدَّد اتّجاهُ القبلة من كلّ مكانٍ في العالم.
② وعلامَ يدلّ بناؤُها؟
  • على أنّ المسلمين لم يقفوا في هذا الباب عند النّقل، بل صنعوا آلةً وبنَوا مرصدا؛
  • وعلى أنّ الباعثَ دينيٌّ عمليّ: القبلةُ والتّقويم — وهو ما مهّد له السّؤالُ السّابق؛
  • ⟸ فالدّلالةُ: علمٌ يُقاس بالآلة، وهو النّقيضُ التّامّ للتّنجيم الّذي يُصدَّق بالرّواية. وهذا هو الحدُّ الّذي وقفْتَ عليه في «تقديم النّصّ».
لم يقتصرْ تأثيرُ القمر على البحر، بل امتدّ إلى الحيوان والإنسان. استخرجْ من النّصّ نواحيَ التّأثير.
ثلاثُ نواحٍ، والنّصُّ يفتح كلَّ واحدةٍ منها بلفظٍ واحدٍ متكرّر هو «ومنها»:
  • أمرُ البحار: المدُّ والجزرُ يتبعان موضعَ القمر، حتّى يكون في كلّ يومٍ وليلةٍ «مدّانِ وجزرانِ»؛
  • أمرُ أبدان الحيوانات: في زيادةِ القمر وضوئِه تكون أقوى، وتغلب عليها السّخونةُ والرّطوبةُ والنّموّ، وتظهر الأخلاطُ وتمتلئ العروق؛ وبعد الامتلاء تكون أضعف، ويغلب البردُ، ويقلّ النّموّ، وتغور الأخلاط؛
  • أمرُ البُحْرانات عند الأطبّاء: أحوالُها وتقارُبُ أيّامها مبنيّةٌ على زيادةِ ضوء القمر ونقصانِه؛ فمن مرِض في أوّل الشّهر كان بدنُه أقوى على دفع المرض، ومن مرِض في آخره فبالضّدّ.
💡 طريقةُ الاستخراج، وهي تُغنيك عن الحفظ: النّصُّ يسوق أدلّتَه بأداةٍ واحدةٍ مكرّرة، «ومنها». ابحثْ عن الأداة تجدْ عناصرَ الجواب مرقّمةً لك سلفا. وهذه عادةُ النّصّ التّفسيريّ عامّةً: يُعلِن مفاصلَه.

💬أناقش معطيات النّصّ

قيل: «النّصُّ حافلٌ بالمعلومات، ولكنّه ضعيفُ القيمة العلميّة، لأنّه لا يُرضي العقلَ المفكّرَ في كثيرٍ من نواحيه». ادعمِ الحكمَ أو انقُضْه بأدلّةٍ وبراهينَ وأمثلة.
① أدلّةُ من يدعم الحكمَ — وهي كلُّها في النّصّ:
  • عدمُ التّوثّق: يتكرّر فعلُ «زعموا» ثلاثَ مرّات، وهو لفظُ ظنٍّ لا لفظُ يقين — ثمّ يبني الكاتبُ على المزعوم ولا يختبره؛
  • خطأٌ في الوصف: يجعل للقمر فلكًا «يحدُّه سطحان كرويّان متوازيان مركزُهما مركزُ العالم»، أي أفلاكًا متداخلةً حول الأرض؛ في حين تقول الاكتشافاتُ الحديثة إنّ القمر يدور حول الأرض بالجاذبيّة، ويُري الأرضَ جانبًا واحدًا دائما، أمّا جانبُه البعيد فلا يُرى من الأرض وإن كانت الشّمسُ تُضيئه كما تُضيء القريب؛
  • رقمٌ بلا سند: «ودورةُ القمر أربعُمائةٍ واثنان وخمسون ميلا بالتّقريب» — عددٌ يُلقى، ويُقرّ صاحبُه بأنّه تقريبيّ، ثمّ لا يُبيَّن كيف حُسب.
② وما يُحتجّ به على الطّرف الآخر — وهو في النّصّ أيضا:
  • وصفُه للمدّ والجزر وصفٌ دقيقٌ مطّرد: المدُّ يتبع صعودَ القمر، ومنتهاه في وسط السّماء، ثمّ جزرٌ إلى المغرب، ثمّ مدٌّ ثانٍ أضعفُ من الأوّل، حتّى انتهى إلى «مدّانِ وجزرانِ» في اليوم واللّيلة؛
  • وهذا يوافق ما نعرفه اليوم من أنّ المدّ والجزر ارتفاعٌ وانخفاضٌ دوريّ يتبع القمر؛
  • ⟸ فالملاحظةُ عنده تُصيب، وإنّما يفسد التّعليل: نسب المدّ إلى «الرّطوبة»، والعلمُ اليوم ينسبه إلى جاذبيّة القمر.
💡 والحكمُ نفسُه يُبنى ولا يُنقل. ثلاثُ خطوات لتبنيَه بنفسك: ① افصلِ الملاحظةَ عن التّعليل في كلّ فقرة، فقد تصحّ الأولى ويفسد الثّاني — وهذا حالُ فقرة البحار بعينِه؛ ② عُدّ مواضعَ «زعموا» ومواضعَ الجزم، ثمّ احكمْ على الغالب لا على الوجود؛ ③ اختمْ بصيغةٍ تحفظ الطّرفين. ⛔ ولا تُصدرْ حكما لا شاهدَ له في النّصّ.
«يعالج الكاتبُ الخرافاتِ معالجةً ساذجة، لا يُعمِل فيها النّظرَ الثّاقب، ولا يلجأ إلى الشّكّ في الرّوايات، ولا يتّبع أسلوبَ التّحقيق، لأنّه رجلٌ يهمّه جمعُ المعلومات أكثرَ ممّا يهمّه النّظرُ في حقيقتها.» استنتجْ من هذا المقتطف بعضَ الأحكام، وأوجدْ ما يسندها من النّصّ.
حُكمان اثنان، ولكلٍّ منهما سندُه:
  • الأوّل: لا يفرّق بين الحقيقة العلميّة والخرافة. وسندُه أنّه يسوق «مدّانِ وجزرانِ» — وهي ملاحظةٌ صحيحة — إلى جانب أنّ التّأثيرَ «بواسطة الرّطوبة» — وهو زعمٌ — في سياقٍ واحدٍ وبنبرةٍ واحدة، فلا يميّز القارئُ أيَّهما مرويٌّ وأيَّهما مرصود؛
  • الثّاني: لا يتّبع الأسلوبَ العلميَّ الّذي ينطلق من الشّكّ ثمّ يشرع في التّحقيق. وسندُه قولُه: «ودورةُ القمر أربعُمائةٍ واثنان وخمسون ميلا بالتّقريب» — يُقرّ بالتّقريب ثمّ لا يحقّق؛ وقولُه «زعموا» ثمّ يمضي في البناء على المزعوم.
⭐ ولاحظِ الفرقَ الدّقيق: الشّكُّ العلميُّ ليس إنكارا، بل تعليقُ الحكم إلى أن يُختبَر. والقزوينيُّ يعلّق الحكمَ بلفظِ «زعموا» ثمّ لا يختبر — فيبقى الشّكُّ عنده عبارةً، لا منهجا. وهذا يفسّر لك سلفا الحكمَ الأخيرَ في «أجمل القول»: خطّةُ الجمع. ومن كانت خطّتُه الجمعَ، جمَع الصّحيحَ والفاسدَ معا.

🧱أحدّد بناء النّصّ

ما الدّلالةُ الفكريّةُ لكلمة «زعموا» الواردة في النّصّ؟
دلالتُها الظّنُّ، أي عدمُ القطع والفصل واليقين:
  • فالكاتبُ ينسب الخبرَ إلى غيرِه ولا يتبنّاه؛
  • ⟸ وهي براءةٌ من العهدة، لا تحقيقٌ لها: وفرقٌ بين أن تقول «زعموا» ثمّ تمضي، وأن تقول «زعموا» ثمّ تختبر.
💡 وعُدّ مواضعَها في النّصّ: «وزعموا أنّ جِرمَ القمر…»، «زعموا أنّ تأثيراتِه…»، «وزعموا أنّ الّذين يمرضون…» — ثلاثةُ مواضع، وكلُّها في موضع الخبر الغريب لا في موضع المرصود. وهذه هي طريقةُ الإجابة: لا تكتفِ بالمعنى المعجميّ، بل انظرْ أين وقعت الكلمة.
ما نوعُ اللّغة الّتي اعتمدها الكاتبُ لإيصال معلوماته؟ هاتِ أمثلةً من النّصّ.
اعتمد الأسلوبَ العلميّ، الخاليَ من العاطفة والخيال؛ فلغتُه علميّة، وخصائصُها في النّصّ:
  • المصطلحُ الفلكيّ: القمرُ، الشّمسُ، الجِرمُ، البُرجُ، الفلكُ الحاوي، فلَكُ عُطارد، محدَّبُ كرةِ النّار؛
  • المصطلحُ الطّبّيّ: الأخلاطُ، غَورُ البدن، البُحْرانات؛
  • الرّقمُ: تسعةٌ وثلاثون جزءا وربع، أربعُمائةٍ واثنان وخمسون ميلا، ثمانيةٌ وعشرون يوما، أربعةَ عشرَ يوما، ليلتان وثُلث؛
  • ⟸ ثلاثةُ شواهدَ من ثلاثة أبواب: المصطلحُ يدلّ على الاختصاص، والرّقمُ يدلّ على القياس، وخلوُّ اللّغة من الصّورة يدلّ على قصدِ الإفهام لا الإمتاع.
بمَ تفسّر قلّةَ الأساليب الإنشائيّة في هذا النّصّ؟ وهل يُعدّ ذلك دليلا على نمطه؟ وضّحْ.
🔍التّفسيرُ، ثمّ الاستنتاج:
  • التّفسير: طبيعةُ النّصّ علميّة، وهي تتطلّب الأساليبَ الخبريّة؛ لأنّ الكاتبَ في مقام الشّرح وتقريرِ الحقائق، لا في مقام الطّلب ولا الانفعال؛ والإنشاءُ (الاستفهامُ، الأمرُ، التّعجّبُ) إنّما يُطلب به من المخاطَب شيءٌ، والكاتبُ هنا لا يطلب: يُخبِر؛
  • الاستنتاج: نعم، وهو دليلٌ على النّمط — النّمطُ الغالبُ تفسيريّ؛
  • وعلاماتُه في النّصّ: الشّرحُ والتّعليلُ والتّمثيل، وأدواتُ التّفسير والتّفصيل («فإنّ»، «ومنها»، «وذلك»، «كما أنّ»).
⚖️ ودقّةٌ تُحسب لك: السّؤالُ قال «قلّة» ولم يقلْ «انعدام». فتصفّحِ المقطعَ المقرَّرَ ولن تجد فيه استفهاما ولا أمرا ولا تعجّبا؛ فقلْ إذن: «الغالبُ عليه الخبرُ»، ⛔ ولا تقلْ «لا إنشاءَ فيه مطلقا» ما دمتَ تقرأ مقطعا من كتاب، لا الكتابَ كلَّه. الحكمُ على ما بين يديك، بقدرِ ما بين يديك.
اعتمد الكاتبُ على النّقل «المرويّات» ولم يعتمدِ التّجربةَ مصدرا من مصادر المعرفة. أكان ذلك قصورا أم تقصيرا؟ ولماذا؟
كان قصورا لا تقصيرا:
  • والفرقُ بينهما: القصورُ عجزٌ عن بلوغ الشّيء لانعدام أسبابه، والتّقصيرُ تفريطٌ فيه مع القدرة عليه؛
  • والعلّةُ: أنّه عاش في عصرٍ جمدت فيه القرائحُ، واختلط فيه الفلكُ بالتّنجيم — فلا المنهجُ التّجريبيُّ كان مستقرّا، ولا الأداةُ كانت في متناوله؛
  • ⟸ فالحكمُ على الرّجل يكون بميزان عصره، والحكمُ على النّصّ يكون بميزان العلم. وهذان حكمان لا يتناقضان: يُعذَر الرّجلُ ولا يُقبَل الخبر.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

الاتّساقُ ترابطُ الألفاظ والجمل بأدواتٍ ظاهرة، والانسجامُ ترابطُ المعاني في الذّهن. وهذه المحطّةُ تسألك عن الأدوات الّتي حقّقتهما في هذا النّصّ بالذّات.
بيّنْ من النّصّ معانيَ حرف الجرّ «الباء»، وفائدتَه في اتّساق النّصّ.
① معانيه في النّصّ — ثلاثة:
  • الاستعانة: «ويتمّ دورتَه… بحركتِه»، «تأثيراتُه بواسطة الرّطوبة»؛
  • التّعدية: «وكتبُ الطّبّ ناطقةٌ بذلك»، «الّتي تختصُّ به»؛
  • السّببيّة: «وهذا ما وصلت إليه آراءُ الحكماء بحكم المقدّمات الحسابيّة».
② وفائدتُه في الاتّساق:
  • يربط الأثرَ بأداته (الدّورةَ بالحركة)، والخبرَ بمصدره (الحكمَ بالمقدّمات)، والفعلَ بمتعلَّقه (النّطقَ بالمذكور)؛
  • ⟸ فهو حرفُ وصل: يمنع الجملَ من أن تقف مستقلّةً، فيتحقّق التّرابطُ والانسجام؛ وستطبّق عليه القاعدةَ كاملةً في «أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها».
استخرجْ من النّصّ التّضادَّ (الطّباق)، ثمّ اذكرْ وظيفتَه.
ثمانيةُ أزواجٍ متقابلة:
  • الأعلى ✕ الأدنى؛ · المغرب ✕ المشرق؛
  • شاملٌ ✕ غيرُ شامل؛ · المدّ ✕ الجزر؛
  • أقوى ✕ أضعف؛ · السّخونة ✕ البرد؛
  • زيادة ✕ نقص؛ · أوّل ✕ آخر.
ووظيفتُه: توضيحُ المعنى — والمعنى يتبيّن بضدّه:
  • لا تُدرك مدى «المدّ» إلّا إذا وضعْتَ إلى جانبه «الجزر»؛
  • ⟸ فالطّباقُ هنا في خدمة النّمط التّفسيريّ: أداةُ شرحٍ لا زينةَ لفظ. وتفصيلُ ذلك في محطّة البلاغة.
ما دلالةُ الأفعال الآتية: (ابتدأ، لا يزال، يصير) في ترابط معاني النّصّ؟
تدلّ مجتمعةً على مسار القمر من مبتدإِ حركته إلى استقرارها، وكلٌّ منها بابُه:
  • ابتدأ ⟸ الانطلاق: بدءُ الحركة من نقطتها؛
  • لا يزال ⟸ الاستمراريّة: دوامُ الحال حتّى غايةٍ معلومة؛
  • يصير ⟸ التّحوّل من حالٍ إلى حال؛
  • ⟸ وهي ثلاثةٌ تصنع الزّمنَ في النّصّ: بدايةٌ، فدوامٌ، فتحوّل — وبها تتماسك فقرةُ المدّ والجزر كلُّها فلا تكون جملا متجاورة، بل دورةً واحدة.
💡 وتحقّقْ بنفسك: عُدّ «لا يزال كذلك» في فقرة البحار — تجدْها أربعَ مرّات، وكلُّ مرّةٍ متبوعةٌ بغايةٍ («إلى أن…»، «حتّى…»). فالفعلُ لا يفيد الاستمرارَ وحدَه، بل الاستمرارَ الموقوتَ، وهو ما يجعل الوصفَ دورةً تُعاد لا حركةً مفتوحة.
استخلصْ خصائصَ النّصّ العلميّةَ مع التّمثيل.
أربعُ خصائص، ولكلٍّ شاهدُها:
  • سهولةُ اللّغة ووضوحُ الأفكار: «ففي الدّورة الأولى يكون القمرُ بوجهِه الممتلئِ إلى مركز الأرض» — جملةٌ لا تحتاج تأويلا؛
  • عدمُ توظيف الصّور البيانيّة: ليس في النّصّ تشبيهٌ ولا استعارة؛ ما يشبه المجازَ («أخذ ماؤه في المدّ») تعبيرٌ مألوفٌ لا صورةٌ مقصودة؛
  • خلوُّه من العاطفة: لا مدحَ ولا إعجابَ ولا تعجّب، حتّى في وصف عجائب الأفلاك؛
  • توظيفُ المصطلحات العلميّة والأرقام: «فلَكُ عُطارد»، «محدَّبُ كرةِ النّار»، «البُحْرانات»؛ و«أربعةَ عشرَ يوما»، «ثمانيةٍ وعشرين يوما».
بيّنْ مدى التّسلسل في عرض أفكار النّصّ، والمعيارَ الّذي اعتمده الكاتبُ في ترتيب الفقرات.
① الأفكارُ متسلسلة، وهذا سيرُها:
  • بدأ بوصف القمر وقبولِه النّورَ من الشّمس؛
  • ثمّ دورانِه ومدّةِ بقائه في الفلك، وحجمِه بالنّسبة إلى الأرض، وموقعِه؛
  • ثمّ تأثيراتِه: في البحر، ثمّ في أبدان الحيوان، ثمّ في المرضى.
② والمعيارُ الّذي اعتمده:
  • معيارُ المقدّمة ثمّ العرض ثمّ الخاتمة؛
  • ووراءه منطقٌ ظاهر: يُعرَّف الشّيءُ أوّلا، ثمّ يُتكلَّم في أثره — إذ لا معنى لتأثير جِرمٍ لم يُعرَف بعدُ موضعُه ولا حركتُه.
⚖️ والبرهانُ على التّسلسل بالتّجربة، لا بالدّعوى: جرّبْ أن تقدّم فقرةَ المدّ والجزر على فقرة الوصف، فسيرد فيها إذا صار القمرُ في وسط سماءِ ذلك الموضع ولمّا يُعرَف بعدُ ما فلَكُه ولا كيف يسير. إن انكسر المعنى عند التّقديم، فالتّسلسلُ قائم.
يبدو من خلال النّصّ أنّ أسلوبَ الكاتب شديدُ الوضوح رغم كثافة المعلومات والاستشهاد. ما السّرُّ في ذلك؟
السّرُّ هو طبيعةُ الموضوع العلميّة الّتي تتطلّب اللّغةَ السّهلةَ الواضحةَ المفهومة. وتفصيلُ ذلك في ثلاثة:
  • الجملُ قصيرةٌ معطوفة: كلُّ جملةٍ تحمل معلومةً واحدة، فلا يزدحم المعنى؛
  • أدواتُ الرّبط ظاهرة: «ومنها»، «فإذا»، «ولا يزال»، «ثمّ إنّ» — فالقارئ لا يضلّ موضعَه من الكلام؛
  • لا مجازَ يحتاج تأويلا: اللّفظُ على ظاهره، فيصل المعنى من أوّل قراءة؛
  • ⟸ فالكثافةُ في المادّة لا في العبارة، وهذا هو الفرقُ بين نصٍّ صعبٍ ونصٍّ غزير.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

نصُّ القزوينيّ صورةٌ صادقةٌ للنّثر العلميّ في عصر المماليك: غايةٌ شريفةٌ، ومادّةٌ غزيرة، ومنهجٌ ناقص. وقف صاحبُه عند الجمع ولم يتجاوزْه إلى التّمحيص: يروي ويقول «زعموا»، ويقرّب ويقول «بالتّقريب»، ثمّ يمضي. فاجتمع في نصّه المرصودُ الصّحيحُ — كوصف المدّ والجزر — والمرويُّ الواهي — كتعليل الأثر بالرّطوبة — في نسَقٍ واحدٍ لا يفصل بينهما. وهو حكمٌ على المنهج لا على الرّجل، فالرّجلُ ابنُ عصرٍ جمدت فيه القرائحُ واختلط فيه الفلكُ بالتّنجيم.

قال أحدُ الدّارسين: «لا شكّ أنّ عملَ القزوينيّ شريفُ الغاية، حافلٌ بالمعلومات، ولكنّه ضعيفُ القيمة العلميّة، لا يُرضي العقلَ المفكّرَ في كثيرٍ من نواحيه». ما سببُ ذلك؟

سببُه أنّه جمَع في نصّه هذا ما توصّل إليه من معلوماتٍ حول كوكب القمر — من حيث شكلُه ولونُه وحركتُه وموقعُه من الفلك وتأثيراتُه في الكائنات — ثمّ بالغ في نقل المرويّات إلى حدّ الخرافة. فالغايةُ شريفةٌ لأنّها حفظُ العلم ونشرُه، والمادّةُ حافلةٌ لأنّها استوعبت أبوابَ الموضوع كلَّها؛ ولكنّ القيمةَ العلميّةَ ضعيفةٌ لأنّ المعلومةَ عنده لا تُختبَر قبل أن تُثبَت، فيستوي في صفحته ما رُصد وما رُوي. والعقلُ المفكّرُ لا يطلب الكثرةَ، وإنّما يطلب الدّليل.

حدّدْ مميّزاتِ أسلوب القزوينيّ من خلال النّصّ.

أسلوبُه شديدُ الوضوح، متسلسلٌ في عرض أفكاره، رغم الإطالة والتّفصيل وكثرةِ الاستشهادات؛ يعتمد الجملةَ القصيرةَ والعطفَ وأدواتِ الرّبط الظّاهرة، ويخلو من الصّورة البيانيّة والعاطفة، ويزدحم بالمصطلح العلميّ والرّقم. غير أنّه لا يكاد يميّز بين الحقيقة والخرافة، لأنّه كان يتّبع خطّةَ الجمع: وهي خطّةٌ تُكسِب النّصَّ غزارةً وتُفقده تمحيصا. فمميّزاتُه إذن مزدوجة: وضوحٌ في العبارة، واضطرابٌ في الميزان.

⭐ واحفظْ هذه الصّياغةَ للامتحان، فهي تحفظ الطّرفين ولا تسقط في الإطلاق: «نصٌّ شريفُ الغاية، حافلُ المادّة، واضحُ العبارة، ضعيفُ التّمحيص». أربعُ كلماتٍ، لكلٍّ منها شاهدٌ في النّصّ — وهذا ما يُطلب منك في «أجمل القول»: لا سردَ الأفكار، بل حكمٌ مسنَد.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها

محطّتان اثنتان، والقاعدةُ في كلٍّ منهما مستخرَجةٌ من هذا النّصّ بعينِه: 1 – في مجال قواعد اللّغة (معاني حرف الجرّ «الباء»)، ثمّ 2 – في مجال البلاغة (الطّباق). ⛔ ولا تأخذْ أمثلتَك من خارج النّصّ: القاعدةُ هنا نتيجةٌ للنّصّ، لا درسٌ مستقلٌّ أُلصق به.

1 – في مجال قواعد اللّغة: معاني حرف الجرّ «الباء»

حروفُ الجرّ لا تُؤدّي معنًى واحدا، بل يتغيّر معناها بتغيّر السّياق. وقد ورد حرفُ الجرّ الباء في هذا النّصّ حاملا ثلاثةَ معانٍ. وطريقُ التّعرّف عليها أن تسأل عن العلاقة بين ما قبل الباء وما بعدها: أهي علاقةُ آلةٍ، أم علاقةُ وصولِ فعلٍ إلى مفعوله، أم علاقةُ سببٍ بنتيجته؟

معاني الباء في النّصّ
المعنىالشّاهدُ من النّصّكيف تتحقّق منه
الاستعانة«ويتمّ دورتَه… بحركتِه» · «تأثيراتُه بواسطة الرّطوبة»ضعْ مكانَ الباء «بواسطة» أو «بآلةِ» فيستقيمَ المعنى
التّعدية«وكتبُ الطّبّ ناطقةٌ بذلك» · «الّتي تختصُّ به»احذفِ الباءَ فيبقى الفعلُ بلا متعلَّق: «ناطقةٌ ذلك» لا تستقيم
السّببيّة«وصلت إليه آراءُ الحكماء بحكم المقدّمات الحسابيّة»ضعْ مكانَ الباء «بسببِ» أو «لأجلِ» فيستقيمَ المعنى
⚠️ تنبيهٌ على نسخة المصدر: تكتب بعضُ النّسخ «التعدديّة» في موضع «التّعدية». والصّوابُ التّعدية، وهي أن يَصِلَ الفعلُ اللّازمُ إلى مفعوله بحرف الجرّ؛ أمّا «التّعدّديّة» فمصطلحٌ آخرُ لا شأنَ له بالنّحو. ⛔ نبّهناك ولم نُصلحْ في صمت: الخطأُ في المصدر يُشار إليه، ولا يُمحى.
تطبيقٌ — عيّنْ معنى الباء في كلٍّ ممّا يأتي، وبيّنْ كيف عرفتَ.
طبّقِ الاختبارَ الثّلاثيَّ على كلّ شاهد:
  • «يتمّ دورتَه… بحركتِه الّتي تختصّ به» ⟸ الاستعانة؛ لأنّ الحركةَ آلةُ إتمام الدّورة: «بواسطة حركته»؛
  • «تختصُّ به» ⟸ التّعدية؛ لأنّ «اختصّ» فعلٌ لازم، لا يصل إلى متعلَّقه إلّا بالباء؛
  • «بحكم المقدّمات الحسابيّة» ⟸ السّببيّة؛ لأنّ المقدّماتِ سببُ بلوغِ الحكماء ذلك الرّأي: «بسبب المقدّمات»؛
  • «وكتبُ الطّبّ ناطقةٌ بذلك» ⟸ التّعدية؛ لأنّ «نطَق» لا يصل إلى المنطوق به إلّا بالباء.
⚖️ وهنا استثناءٌ يجب أن تعرفه، ويحميك من الغلط: لا تُكرِهْ كلَّ باءٍ في النّصّ على أن تكون واحدةً من الثّلاث. فقولُه «بالتّقريب» و«بالضّدّ» و«بمقدار مسير القمر» لا تنطبق عليها الاستعانةُ ولا التّعديةُ ولا السّببيّةُ انطباقا بيّنا. وهذا لا يُبطل القاعدة، بل يذكّرك أنّ الدّرسَ عدّ ما ورد من المعاني، لا كلَّ ما يمكن. فقلْ: «الغالبُ في باءات هذا النّصّ ثلاثةُ معانٍ» — ⛔ ولا تقلْ «كلُّ باءٍ فيه».

2 – في مجال البلاغة: الطّباق (التّضادّ)

عُدْ إلى الأزواج الثّمانية الّتي استخرجْتَها في «أتفحّص الاتّساق والانسجام»، ثمّ اسألْ: ما الجامعُ بينها؟ تجدْ أنّ كلَّ زوجٍ لفظان متقابلان في المعنى، وقعا معا في كلامٍ واحد. وهذا هو الطّباقُ: أن يُجمَع في الكلام بين اللّفظ وضدّه. ⭐ ولاحظْ أنّنا استنبطنا الحدَّ من الأمثلة، ولم نحفظْه ثمّ نبحثْ له عن أمثلة: هذا هو الطّريقُ الصّحيح في البلاغة.

ووظيفتُه في هذا النّصّ بالذّات — ثلاثةُ وجوه:
  • توضيحُ المعنى، وهي الوظيفةُ الأولى: المعنى يتبيّن بضدّه، فلا تُدرك مقدارَ «المدّ» إلّا وإلى جانبه «الجزر»؛
  • رسمُ الحدود: «شاملٌ ✕ غيرُ شامل» تقسم لك أفلاكَ القمر الأربعةَ في كلمتين، و«الأعلى ✕ الأدنى» تحدّ السّطحين بلا إطالة؛
  • خدمةُ النّمط التّفسيريّ: النّصُّ يشرح، والتّقابلُ أقصرُ طرق الشّرح. ⟸ فالطّباقُ هنا أداةُ إفهامٍ لا زينةَ لفظ — وهذا ما يميّز البديعَ في النّثر العلميّ عن البديع في شعر عصر المماليك.
👁️ ملاحظةٌ دقيقةٌ على الأزواج الثّمانية: سبعةٌ منها لفظان مستقلّان (المدّ ✕ الجزر، السّخونة ✕ البرد…)، وواحدٌ فقط بُني على النّفي: «شاملٌ ✕ غيرُ شامل». فالتّقابلُ في النّصّ لا يُصنَع بطريقةٍ واحدة. ⭐ وانتبهْ: هذه ملاحظةٌ على الأمثلة، تُثبتها بعينك — لا اصطلاحَ مطلوبٌ منك حفظُه هنا.
تطبيقٌ بلاغيّ — استخرجْ من الفقرة الرّابعة زوجين متقابلين لم يردا في القائمة الثّمانية، وبيّنْ وظيفتَهما.
الزّوجان:
  • الأخلاطُ ظاهرةٌ ✕ الأخلاطُ في غَورِ البدن؛
  • العروقُ ممتلئةٌ ✕ العروقُ أقلُّ امتلاء.
ووظيفتُهما:
  • يرسمان حالَي البدن المتقابلتين: حالَه في زيادة القمر، وحالَه بعد الامتلاء؛
  • فيتّضح أثرُ القمر بالمقابلة لا بالدّعوى: لولا الحالُ الثّانيةُ لما عرفْتَ أنّ الأولى أثرٌ لشيء؛
  • ⟸ وهو الوجهُ الثّالثُ نفسُه: الطّباقُ يخدم التّفسير.
💡 طريقةُ الاستخراج، لتجدَ غيرَهما: امشِ في الفقرة جملةً جملةً، وكلّما وجدْتَ لفظا يصف حالا، فتّشْ عن اللّفظ الّذي يصف الحالَ المقابلة بعد «وبعد الامتلاء». فالفقرةُ كلُّها مبنيّةٌ على مقابلةٍ واحدةٍ ممتدّة: قبلُ ✕ بعدُ.

الصفحة 1/7

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net