المحور 2 › النثر العلمي في العصر المملوكي
في علم التاريخ لابن خلدون
✍️أتعرّف على صاحب النّصّ
هو عبد الرّحمن بن خلدون، وُلد بتونس عام 732 هـ / 1332 م، ونشأ بها على حبّ العلم وتحصيلِه. اتّصل بعلماء عصره وأخذ عنهم شتّى المعارف، وبقي يتقلّب بين بلاد الأندلس والمغرب العربيّ حتّى بلغ مصر، ولبث فيها إلى أن توفّي سنة 808 هـ / 1406 م، تاركا عدّةَ آثارٍ أهمُّها: كتاب العِبَر… وما يُعرف الآن باسم مقدّمة ابن خلدون، الّذي تُرجم إلى عدّة لغاتٍ عبر العالم.
🚪تقديم النّصّ
يقرأ النّاسُ التّاريخَ فيصدّقون ما يُروى لهم: عددَ الجيوش، وأخبارَ الأمم، وسِيَرَ الملوك. ولكنّ سؤالا يبقى معلّقا: بأيّ ميزانٍ نَزِنُ خبرا مضى؟ هل يكفي أن يكون منقولا حتّى يكون صادقا؟ في هذا النّصّ يقف ابن خلدون على هذه المسألة بالذّات، فيجعل من التّاريخ فنّا له أصولٌ وقواعد، لا مجرّدَ حكاياتٍ تُروى.
📜النّصّ
اعلمْ أنّ فنّ التّاريخ فنٌّ عزيزُ المذهب، جَمُّ الفوائد، شريفُ الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياءِ في سِيَرِهم، والملوكِ في دُوَلهم وسياستهم، حتّى تتمّ فائدةُ الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدّين والدّنيا.
فهو محتاجٌ إلى مآخذَ متعدّدةٍ ومعارفَ متنوّعة، وحُسنِ نظرٍ وتثبّتٍ يُفضيان بصاحبهما إلى الحقّ، ويَنكُبان به عن المَزَلّات والمغالط. لأنّ الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرّد النّقل، ولم تُحكَّمْ أصولُ العادة وقواعدُ السّياسة وطبيعةُ العمران والأحوالُ في الاجتماع الإنسانيّ، ولا قِيسَ الغائبُ منها بالشّاهد والحاضرُ بالذّاهب، فربّما لم يُؤمَنْ فيها من العُثور ومَزَلّةِ القدم والحَيْدِ عن جادّة الصّدق.
وكثيرا ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمّة النّقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرّد النّقل غَثًّا أو سمينا، ولم يَعرِضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سَبَروها بمعيار الحكمة والوقوفِ على طبائع الكائنات وتحكيمِ النّظر والبصيرة في الأخبار؛ فضلّوا عن الحقّ، وتاهوا في بَيداء الوهم والغلط؛ ولا سيّما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذ عَرَضَتْ في الحكايات، إذ هي مَظِنّةُ الكذب ومَطيّةُ الهَذَر. ولا بدّ من ردّها إلى الأصول وعرضِها على القواعد.
وهذا كما نقل المسعوديُّ وكثيرٌ من المؤرّخين في جيوش بني إسرائيل: بأنّ موسى عليه السّلام أحصاهم في التّيه بعد أن أجاز مَن يُطيق حملَ السّلاح خاصّةً، من ابنِ عشرين فما فوقها، فكانوا ستّمائة ألفٍ أو يزيدون. ويَذهَل في ذلك عن تقدير مصرَ والشّامِ واتّساعِهما لمثل هذا العدد من الجيوش.
فلِكلّ مملكةٍ من الممالك حصّةٌ من الحامية تتّسع لها وتقوم بوظائفها، وتضيق عمّا فوقها؛ تشهد بذلك العوائدُ المعروفة والأحوالُ المألوفة. ثمّ إنّ مثل هذه الجيوش البالغةِ إلى مثل هذا العدد يَبعُد أن يقع بينها زحفٌ أو قتالٌ، لضيقِ ساحة الأرض عنها وبُعدِها، إذ اصطفّت عن مدى البصر مرّتين أو ثلاثا أو يزيد؛ فكيف يقتتل هذان الفريقان، أو تكون غلبةُ أحدِ الصّفّين، وشيءٌ من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر؟ والحاضرُ يشهد لذلك، فالماضي أشبهُ بالآتي من الماء بالماء.
[…] ومن الغلط الخفيّ في التّاريخ: الذّهولُ عن تبدّل الأعصار ومرورِ الأيّام؛ وذلك أنّ أحوالَ العالم والأمم وعوائدَهم ونِحَلَهم لا تدوم على وتيرةٍ واحدةٍ ومنهاجٍ مستقرّ، إنّما هو اختلافٌ على الأيّام والأزمنة، وانتقالٌ من حالٍ إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدّول ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾. وقد كانت في العالم أمَمُ الفُرس الأولى والسّريانيّون والنَّبَط والتّبابعة … والقِبْط، وكانوا على أحوالٍ خاصّةٍ بهم في دُوَلهم ومَمالِكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائرِ مشاركاتهم مع أبناء جِنسهم… فتبدّلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائدُ إلى ما يجانسها أو يشابهها، وإلى ما يباينها أو يباعدها. ثمّ جاء الإسلامُ بدولة مُضَرَ فانقلبت تلك الأحوالُ أجمعَ انقلابةً أخرى. فربّما يسمع السّامعُ كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطّن لِما وقع من تغيّر الأحوال وانقلابها، فيُجريها لأوّل وهلةٍ على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الفرقُ بينهما كبيرا فيقع في مَهواةٍ من الغلط.
فإذاً يحتاج صاحبُ هذا الفنّ إلى العلم بقواعد السّياسة وطبائعِ الموجودات واختلافِ الأمم والبقاع والأعصار في السِّيَر والأخلاق والعوائد والنِّحَل والمذاهب وسائرِ الأحوال، والإحاطةِ بالحاضر من ذلك، ومماثلةِ ما بينه وبين الغائب من الوِفاق أو بَون ما بينهما من الخلاف، وتعليلِ المتّفق منها والمختلف، والقيامِ على أصول الدّول والمِلَل ومبادئِ ظهورها وأسبابِ حدوثها ودواعي كونها وأحوالِ القائمين بها وأخبارِهم — حتّى يكون مستوعبا لأسباب كلّ حادث، واقفا على أصول كلّ خبر. وحينئذٍ يَعرِض خبرَ المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا، وإلّا زيّفه واستغنى عنه.
مقدّمة ابن خلدون
📖أثري رصيدي اللّغويّ
- يرومه: يهمُّه (أي يقصده ويطلبه)
- القبط: أهلُ مصر
- بَون: فرقٌ وبُعد
- أهلُ الصّنعة: المؤرّخون · المفسّرون · أئمّةُ النّقل · المسعوديّ؛
- مادّتُها: الأخبار · الحكايات · الوقائع · النّقل · إحصاءُ الأعداد؛
- أدواتُها: الأصول · القواعد · معيارُ الحكمة · النّظر · البصيرة · القياس.
- زَلّةٌ صغيرة: العُثور · مَزَلّةُ القدم؛
- انحرافٌ عن الطّريق: الحَيْدُ عن جادّة الصّدق · المغالط · المَزَلّات؛
- ضياعٌ تامّ: ضلّوا عن الحقّ · تاهوا في بيداء الوهم والغلط؛
- ⟸ فالكاتب يبني سُلَّما هابطا: من عثرةِ قدمٍ إلى التّيه في صحراء. وهذا التّدرّج هو حجّتُه: الخطأُ الصّغير في المنهج يُنتِج ضلالا كبيرا في النّتيجة.
🔍أكتشف معطيات النّصّ
ما الموضوع الّذي عالجه الكاتب؟ما الموضوع الّذي عالجه الكاتب؟
- القضيّةُ هي تدوينُ التّاريخ: كيف يُكتب الخبرُ الماضي؟ وبأيّ شرطٍ يُقبَل؟
- ويدلّ على علميّة الموضوع افتتاحُه بتعريف الفنّ نفسِه: «فنّ التّاريخ فنٌّ عزيزُ المذهب، جَمُّ الفوائد، شريفُ الغاية»؛
- ⟸ فالنّصّ ليس تاريخا، بل كلامٌ في صناعة التّاريخ — أي في المنهج.
فيمَ خالف ابنُ خلدون معاصريه؟ وما الّذي عابه عليهم؟فيمَ خالف ابنُ خلدون معاصريه؟ وما الّذي عابه عليهم؟
- خالفهم في طريقة تدوين التّاريخ: طريقتُه تقوم على منهجيّةٍ خاصّة — التّحرّي والتّأكّدُ من صحّة الخبر، ثمّ المقارنة، ثمّ التّحليل، ثمّ التّعليل؛
- وما عابه عليهم هو عدمُ التّحقّق من صحّة الخبر؛
- وشاهدُه من النّصّ: «لاعتمادهم فيها على مجرّد النّقل غَثًّا أو سمينا، ولم يَعرِضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سَبَروها بمعيار الحكمة»؛
- ⟸ العيبُ إذن ليس في نقلهم، بل في أنّهم اكتفوا بالنّقل.
ما الغاية من كتابة التّاريخ في رأي الكاتب؟ما الغاية من كتابة التّاريخ في رأي الكاتب؟
- معرفةُ أخبار من سبقنا من الأمم: «يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم»؛
- ومعرفةُ سِيَر الأنبياء والملوك: «والأنبياءِ في سِيَرِهم، والملوكِ في دُوَلهم وسياستهم»؛
- للاقتداء بهم: «حتّى تتمّ فائدةُ الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدّين والدّنيا»؛
- ⟸ فالتّاريخ عنده مدرسةٌ: يُقرأ ليُعمَل به، لا ليُروى فحسب.
علامَ اعتمد الكاتبُ لإقناعنا بأفكاره؟علامَ اعتمد الكاتبُ لإقناعنا بأفكاره؟
- الحجّة: كقوله فنٌّ يحتاج إلى مآخذَ متعدّدة — يقرّر ثمّ يُلزِم؛
- التّعليل بأدواته: «إذ هو يوقفنا…»، «لأنّ الأخبار…»؛
- التّوكيد: «اعلمْ أنّ فنّ التّاريخ فنٌّ عزيزُ المذهب» — والجملةُ مؤكَّدةٌ ومصدَّرةٌ بأمر؛
- التّكرار: إلحاحُه على «الأصول» و«القواعد» و«النّقل» لترسيخ الفكرة؛
- ⟸ وهذه الوسائلُ الأربعُ مجتمعةً هي ما يجعل النّصّ حِجاجيّا لا إخباريّا.
💬أناقش معطيات النّصّ
هل بدأ الكاتبُ بتقديم المشكل أم بعرض الحلّ؟هل بدأ الكاتبُ بتقديم المشكل أم بعرض الحلّ؟
- فأوّلُ ما قرّره هو شرطُ الصّناعة: «فهو محتاجٌ إلى مآخذَ متعدّدةٍ ومعارفَ متنوّعة»؛
- ولم يأتِ الدّاء — أخطاءُ المؤرّخين — إلّا بعد ذلك: «وكثيرا ما وقع للمؤرّخين… من المغالط»؛
- وعلّةُ هذا التّرتيب أنّ هدفه تصحيحُ طريقة تدوين التّاريخ، لا الشّكوى منها؛
- ⟸ من قصد الإصلاح بدأ بالدّواء، ومن قصد النّقد بدأ بالدّاء.
يكشف ابن خلدون عن أفكاره من أوّل وهلة: أيساعد هذا المنهجُ القارئَ على الفهم، أم يُطفئ حرارةَ التّشوّق؟يكشف ابن خلدون عن أفكاره من أوّل وهلة: أيساعد هذا المنهجُ القارئَ على الفهم، أم يُطفئ حرارةَ التّشوّق؟
- لأنّه يضع القارئَ في خضمّ القضيّة مباشرةً، دون مقدّماتٍ مُملّة؛
- ولأنّ النّصّ علميٌّ لا قصصيّ: والقارئ في العلم يطلب الفكرة، لا التّشويق؛
- وشاهدُه أنّ أوّلَ جملةٍ في النّصّ هي خلاصتُه: «فنّ التّاريخ فنٌّ عزيزُ المذهب…».
لابن خلدون طريقةٌ خاصّةٌ في عرض أحكامه النّقديّة. استنبطْ من النّصّ ما يترجمها، ثمّ بيّنْ علاقتَها بطبيعة فكر الكاتب.لابن خلدون طريقةٌ خاصّةٌ في عرض أحكامه النّقديّة. استنبطْ من النّصّ ما يترجمها، ثمّ بيّنْ علاقتَها بطبيعة فكر الكاتب.
- التّحليل: يفكّك شروطَ الخبر الصّحيح — الأصول، العادة، السّياسة، العمران، الاجتماع الإنسانيّ؛
- التّعليل: «لأنّ الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرّد النّقل…»؛
- المقارنة: «ولا قِيسَ الغائبُ منها بالشّاهد والحاضرُ بالذّاهب»، ثمّ مقارنةُ عدد الجيش بسَعَة مصرَ والشّام؛
- الاستنتاج: «فلِكلّ مملكةٍ من الممالك حصّةٌ من الحامية تتّسع لها… وتضيق عمّا فوقها».
يقال إنّ أسلوب ابن خلدون علميٌّ متأدِّب، فما المظاهر العلميّة فيه؟ وما المظاهر الأدبيّة؟يقال إنّ أسلوب ابن خلدون علميٌّ متأدِّب، فما المظاهر العلميّة فيه؟ وما المظاهر الأدبيّة؟
- التّحليل والتّعليل والمقارنة والاستنتاج؛
- المصطلحاتُ الخاصّة بالمادّة: العمران، الاجتماع الإنسانيّ، أصولُ العادة، قواعدُ السّياسة، طبائعُ الكائنات؛
- مخاطبةُ العقل: لا يطلب منك أن تُعجَب، بل أن تقتنع.
- اللّغةُ الرّاقية والتّراكيبُ المحكمة: «عزيزُ المذهب، جَمُّ الفوائد، شريفُ الغاية»؛
- الاستعانةُ بالبيان والبديع قصدَ التّوضيح: «بَيداء الوهم»، «مَطيّةُ الهَذَر»، «جادّةُ الصّدق»؛
- ⟸ فالصّورةُ عنده خادمةٌ للفكرة، لا زينةٌ فوقها — وهذا هو الفرق بين العالِم المتأدِّب وبين كاتب الصّنعة اللّفظيّة.
نزعةُ الإصلاح بارزةٌ في النّصّ. اذكرْ بعض ملامحها. وهل ترى أنّ نبرة الخطابة من مظاهرها؟ علّلْ ومثّلْ.نزعةُ الإصلاح بارزةٌ في النّصّ. اذكرْ بعض ملامحها. وهل ترى أنّ نبرة الخطابة من مظاهرها؟ علّلْ ومثّلْ.
- تشخيصُ الدّاء: الاعتمادُ على مجرّد النّقل، وترْكُ العَرْض على الأصول؛
- تقديمُ الدّواء: وجوبُ التّأريخ وَفق أُسُسٍ — «ولا بدّ من ردّها إلى الأصول وعرضِها على القواعد»؛
- تصحيحُ الخطأ بالمثال: تفنيدُ روايةِ «ستّمائة ألفٍ أو يزيدون» بالمقياس لا بالتّكذيب.
🧱أحدّد بناء النّصّ
استخرجْ من النّصّ ما يدلّ على الشّرح، وما يدلّ على التّعليل.استخرجْ من النّصّ ما يدلّ على الشّرح، وما يدلّ على التّعليل.
- الشّرح: «فهو محتاجٌ إلى مآخذَ متعدّدةٍ ومعارفَ متنوّعة، وحُسنِ نظرٍ وتثبّتٍ» — يفصّل ما أجمله في التّعريف؛
- التّعليل: «إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين» — يعلّل شرفَ الغاية؛
- والتّعليل كذلك: «لأنّ الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرّد النّقل…» — يعلّل الحاجةَ إلى المعارف المتنوّعة؛
- ⟸ فالنّصّ يمشي في ركابين: كلّما بَسَط فكرةً أتبعها بسببها.
ما النّمط السّائد في النّصّ؟ وما مؤشّراته؟ وما علاقةُ ذلك بنزعة الكاتب؟ما النّمط السّائد في النّصّ؟ وما مؤشّراته؟ وما علاقةُ ذلك بنزعة الكاتب؟
- تفسيريّ: يفسّر الظّاهرة ويحلّلها — ما التّاريخ؟ وما شروطُه؟ ولماذا يُخطئ المؤرّخون؟
- حِجاجيّ: يقدّم أمثلةً مقنعةً وبراهينَ لا مفرّ منها — روايةُ المسعوديّ، وسَعَةُ مصرَ والشّام، ومدى البصر؛
- وطبيعةُ الموضوع (علميّ) هي الّتي استدعت ذلك: العلمُ يُفسِّر ثمّ يُبَرهِن.
- التّحليلُ والتّفسير · النّقد · تقديمُ الحجّة؛
- المصطلحاتُ العلميّة · الموضوعيّة · مخاطبةُ العقل؛
- أدواتُ الرّبط المنطقيّ: «إذ»، «لأنّ»، «فربّما»، «ولا بدّ».
🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ
ما الكلمة الّتي تكرّرت في النّصّ؟ وما دورها في بنائه؟ واذكرْ مظاهرَ أخرى أدّت الدّورَ نفسَه.ما الكلمة الّتي تكرّرت في النّصّ؟ وما دورها في بنائه؟ واذكرْ مظاهرَ أخرى أدّت الدّورَ نفسَه.
- التّاريخ · التّأريخ · المؤرّخون — تدور في النّصّ من أوّله إلى آخره؛
- ودورُها أنّها محورُ الاتّساق والانسجام: كلّ فقرةٍ تعود إليها، فلا تشرد فكرةٌ عن الموضوع.
- حرفا التّعليل: «إذ» و«لأنّ»؛
- أدواتُ الشّرط والاستدراك: «إذا اعتُمد… فربّما لم يُؤمَن»؛
- الإحالةُ بالضّمير: «فهو محتاجٌ» (الضّمير «هو» يعود على فنّ التّاريخ)، «ولا بدّ من ردّها» (الهاء تعود على الأعداد).
هل يمكن أن نقول إنّ الكاتب قد بنى أفكاره؟ وعلامَ يدلّ ذلك بالنّسبة لشخصيّته الفكريّة؟هل يمكن أن نقول إنّ الكاتب قد بنى أفكاره؟ وعلامَ يدلّ ذلك بالنّسبة لشخصيّته الفكريّة؟
- تعريفٌ للفنّ وبيانُ غايته؛ ثمّ شرطُ ممارسته؛ ثمّ الخطأُ الّذي وقع فيه من أهمل الشّرط؛ ثمّ مثالٌ يجسّد الخطأ (جيشُ بني إسرائيل)؛ ثمّ قاعدةٌ تُستنبط منه (حصّةُ كلّ مملكةٍ من الحامية)؛
- ⟸ ولو أزلْتَ إحدى هذه الحلقات لانقطع البرهان — وهذا معنى «بنى» لا «جَمَع».
⭐أجمل القول في تقدير النّصّ
نصٌّ علميٌّ في موضوعه، حِجاجيٌّ في بنائه، إصلاحيٌّ في غايته. عالج فيه ابن خلدون قضيّةَ تدوين التّاريخ، فبدأ بتعريف الفنّ وبيانِ شرفِ غايته — الاقتداءُ بأحوال الماضين — ثمّ اشترط له مآخذَ متعدّدةً ومعارفَ متنوّعة، وحذّر من الاكتفاء بمجرّد النّقل. ولم يقفْ عند التّنظير، بل نزل إلى مثالٍ يُقاس: روايةُ المسعوديّ في عدد جيوش بني إسرائيل، فردّها إلى الأصول بمقياسَين محسوسَين — سَعَةُ الأرض، ومدى البصر.
وقيمتُه أنّه نقل التّاريخَ من النّقل إلى النّقد: فالخبر عنده لا يُصدَّق لأنّه رُوي، بل لأنّه اجتاز عرضا على أصول العادة وقواعد السّياسة وطبيعة العمران. ومن هنا جاء أسلوبُه علميّا متأدِّبا: منهجُ عالِمٍ يحلّل ويعلّل ويقارن ويستنتج، في لغةٍ راقيةٍ تستعين بالبيان والبديع قصدَ التّوضيح لا قصدَ الزّينة. وبهذا يقف هذا النّصّ شاهدا على أنّ النّثر العلميّ في عصر المماليك لم يكن كلُّه جمعا وتحشيةً، بل حمل بين أهله من استنبط وأسّس.
🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 في مجال قواعد اللّغة: أدواتُ الرّبط وحروفُ التّعليل
فنّ التّاريخ فنٌّ عزيزُ المذهب، جَمُّ الفوائد، شريفُ الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين.
لأنّ الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرّد النّقل… فربّما لم يُؤمَنْ فيها من العُثور.
ولا سيّما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر، إذ هي مَظِنّةُ الكذب ومَطيّةُ الهَذَر.
ما وظيفةُ «إذ» في المثال الأوّل؟ وما وظيفتُها في المثال الثّالث؟ما وظيفةُ «إذ» في المثال الأوّل؟ وما وظيفتُها في المثال الثّالث؟
- في المثال ① تعلّل الحكم: لماذا كان فنُّ التّاريخ شريفَ الغاية؟ لأنّه يوقفنا على أحوال الماضين؛
- في المثال ③ تعلّل التّحذير: لماذا يُخَصّ إحصاءُ الأعداد بالحذر؟ لأنّها مَظِنّةُ الكذب؛
- ⟸ فالأداةُ واحدةٌ، والوظيفةُ واحدة، والمُعَلَّلُ متغيّر. وهذا ما يجعل «إذ» رابطا منطقيّا لا زخرفا لفظيّا.
لماذا اختار الكاتبُ «لأنّ» في المثال الثّاني ولم يَكتفِ بـ«إذ»؟لماذا اختار الكاتبُ «لأنّ» في المثال الثّاني ولم يَكتفِ بـ«إذ»؟
- «لأنّ» تجمع بين لام التّعليل و«أنّ» المؤكِّدة — فهي تعلّل وتؤكّد في آنٍ واحد؛
- وقد جاءت في موضع الاعتراض المتوقَّع: قد يقول قائل «ولمَ لا يكفي النّقل؟» — فجاء الجوابُ مؤكَّدا؛
- ⟸ يُختار الرّابطُ على قدر ثقل المعنى الّذي يحمله، لا على السّليقة.
🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2 في مجال البلاغة: البيانُ والبديعُ في خدمة التّوضيح
ولا قِيسَ الغائبُ منها بالشّاهد، والحاضرُ بالذّاهب.
لاعتمادهم فيها على مجرّد النّقل غَثًّا أو سمينا.
حصّةٌ من الحامية تتّسع لها… وتضيق عمّا فوقها.
ما المحسّنُ البديعيُّ الجامعُ للأمثلة الثّلاثة؟ وما أثرُه في المعنى؟ما المحسّنُ البديعيُّ الجامعُ للأمثلة الثّلاثة؟ وما أثرُه في المعنى؟
- غائب ↔ شاهد وحاضر ↔ ذاهب؛ غَثّ ↔ سمين؛ تتّسع ↔ تضيق؛
- وأثرُه أنّه يرسم القاعدةَ بحدَّيها: فلا يفهم القارئُ الشّرطَ إلّا إذا رأى نقيضَه. قِسِ الغائبَ بالشّاهد — أي لا تقبلْ خبرا لا نظيرَ له في المشاهَد؛
- وفي المثال ② خاصّةً يفيد الطّباقُ معنًى زائدا: «غثًّا أو سمينا» كنايةٌ عن أخذ الخبر رديئِه وجيّدِه دون تمييز — وهو عينُ ما يعيبه الكاتب؛
- ⟸ فالطّباقُ هنا أداةُ تحديدٍ، لا زينةَ لفظ.
فضلّوا عن الحقّ، وتاهوا في بَيداء الوهم والغلط.
إذ هي مَظِنّةُ الكذب ومَطيّةُ الهَذَر.
…والحَيْدِ عن جادّة الصّدق… ومن العُثور ومَزَلّةِ القدم.
بيّنْ نوعَ الصّورة في «تاهوا في بَيداء الوهم والغلط»، وما الّذي أفادته.بيّنْ نوعَ الصّورة في «تاهوا في بَيداء الوهم والغلط»، وما الّذي أفادته.
- المشبَّه: الوهمُ والغلط (معنًى مجرّد)؛ المشبَّه به: البَيداء، أي الصّحراء الّتي يضلّ فيها السّائر؛
- هل حُذف أحدُ الطّرفين؟ لا — ذُكر المشبَّه («الوهم والغلط») وأُضيف إليه المشبَّه به («بَيداء»)، وحُذفت الأداةُ ووجهُ الشّبه، فهو تشبيهٌ بليغ؛
- وما أفادته: جعلتِ الخطأَ الفكريَّ مرئيّا محسوسا — لم يقلْ «أخطأوا»، بل جعلك ترى رجلا يدور في صحراءَ لا يهتدي؛
- ⟸ وهذا هو التّوضيح الّذي من أجله استعان العالِمُ بالبيان.
وما نوعُ الصّورة في «هي مَظِنّةُ الكذب ومَطيّةُ الهَذَر»؟وما نوعُ الصّورة في «هي مَظِنّةُ الكذب ومَطيّةُ الهَذَر»؟
- المشبَّه: الأعدادُ المرويّةُ في الحكايات (وقد ذُكرت بالضّمير «هي»)؛ المشبَّه به: المَطيّة، أي الدّابّةُ الّتي تُركَب؛
- حُذفت الأداةُ ووجهُ الشّبه معا ⟸ فهو تشبيهٌ بليغ؛
- وأثرُه: جعل الهَذَرَ راكبا يمتطي هذه الأعداد ليبلغ بها ما يشاء — فالخبرُ المبالَغُ فيه وسيلةُ نقلٍ للكذب لا مجرّدَ خطأٍ عابر.
ولماذا عبّر عن الخطأ بـ«مَزَلّة القدم» وعن الصّدق بـ«جادّة الصّدق»؟ولماذا عبّر عن الخطأ بـ«مَزَلّة القدم» وعن الصّدق بـ«جادّة الصّدق»؟
- «جادّةُ الصّدق»: تشبيهٌ بليغ — شبّه الصّدقَ بطريقٍ واضحة، وأضاف المشبَّه به «جادّة» إلى المشبَّه «الصّدق»؛
- «مَزَلّةُ القدم» و«العُثور»: كنايةٌ عن الوقوع في الخطأ؛
- ⟸ فاجتماعُ الصّور في حقلٍ واحدٍ يجعل الفكرةَ قصّةً قصيرة: طريقٌ واضحة، وزَلّةُ قدم، ثمّ تِيهٌ في بَيداء. وهذا ما لاحظتَه في الحقل الدّلاليّ أوّلَ الدّرس.
الصفحة 1/7
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net