اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 5 فلسطين في الشعر العربي

رصيف الأزهار لا يجيب

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

مالك حدّاد كاتبٌ جزائريّ، وُلد سنة 1927 م بقسنطينة. أسّس سنة 1969 م مجلّة «آمال»، وكان أوّلَ أمينٍ عامٍّ لاتّحاد الكتّاب الجزائريّين بين سنتَي 1974 و1978، وهي السّنة الّتي توفّي فيها. من آثاره: «الشّقاء في خطر»، «التّلميذ والدّرس»، و«رصيف الأزهار لم يعد يجيب».

⭐ احتفظْ من هذه التّرجمة بثلاثة أشياء تفتح لك النّصّ قبل قراءته: ① صاحبُه ابنُ قسنطينة — وستجد المدينةَ وشوارعَها في النّصّ نفسِه؛ ② هو رجلُ الكلمة لا رجلُ السّلاح، وقد صار أوّلَ أمينٍ عامٍّ لاتّحاد الكتّاب — فانتظرْ نصّا يسأل: ما قيمةُ الشّعر في زمن الرّصاص؟ ③ مات سنة 1978، بعد ستَّ عشرةَ سنةً من الاستقلال؛ أمّا النّصُّ الّذي بين يديك فكُتب في زمن الثّورة، لا بعدها: يتحدّث عن رحيل المستعمر بصيغة المستقبل («حينما سيرحلون»).
⚠️ انتبهْ إلى عنوانٍ واحدٍ بصيغتين. هذا النّصّ مترجَم — يقول الدّرس نفسُه: «ورغم أنّ النّصّ مترجَم…» — ولذلك تجد عنوانَ الرّواية في المراجع مرّةً «رصيف الأزهار لا يجيب» ومرّةً «رصيف الأزهار لم يعد يجيب». الرّوايةُ واحدة، والتّرجمةُ اثنتان. ولا يضيرك أيُّهما استعملتَ ما دمتَ تعرف أنّهما شيءٌ واحد.

📜النّصّ

سؤال الدّخول: رجلٌ في المنفى يبلغه أنّ النّاس يردّدون شعرَه في الجبال والسّجون — فماذا يصنع به هذا الخبر: فرحا أم خوفا؟ ولماذا؟ اقرأِ المقطعَ باحثا عن الجواب، ولا تفتحْ إجابةً قبل أن تكتب إجابتَك.

لقد بلغ مسامعَ خالد بن طبّال أنّ كثيرا من النّاس يردّدون أشعارَه في الجبال والسّجون. ولم يكن يشعر لذلك بالاعتزاز أو الفرح، بل كان يشعر بالخوف الشّديد. كان يتساءل: هل أنا في مستوى الرّجال؟ وثورةِ هؤلاء الرّجال، ومطامحِهم الّتي يسجّلها التّاريخ؟ هل أنا أشعر بالخوف حينما يشعرون به، ولا أغترّ بألقاب البطولة؟ من السّهل جدّا أن أكون رجلا مثل سائر الرّجال، ولكن أن أكون إنسانا، فهذا هو الأمر الصّعب، وهذا هو الأمر المهمّ. لا يمكن للإنسان أن يتعلّم معنى الوطن أو يشرحه في كلمات، كما أنّه لا يستطيع أن يقصّ قصّة الوطن. وقد ترك اللهُ عبدَه في حالةٍ يخيّل إلى النّاس فيها أنّه سبحانه قد خلقهم درجاتٍ متفاوتة، وأنّه ترك حلَّ مشاكلهم إلى إنسانيّتهم الّتي كثيرا ما تنزل دون مستوى الإنسانيّة.

ولكن حينما سيرحل الوحوش — سواءٌ منهم الوحوشُ الصّغيرة أو الوحوشُ الكبيرة، أو الوحوشُ الّذين نلتقي بهم كلَّ يوم، أو الوحوشُ الّذين لا يشبهون الوحوشَ ولكن يستفيدون، على درجاتٍ متفاوتة، من الاستعمار الوحشيّ — حينما سيرحلون، سيرحلون كلُّهم، سيذهبون كلُّهم، ولن يبقى في شوارع قسنطينة، وفي الجبال الّتي ستعود كما كانت خضراء، وفي السّجون الّتي ستخوى ممّن فيها، لن يبقى على جدران الشّارع «ديزلي» وشارع «اكس أن بروفانس»، وفي الصّحراء ذات الرّمال الشّقراء — بل هي شقراءُ إلى درجة أنّ سنابل القمح الشّقراء ترفض أن تنبت فيها — حينما سيرحلون، سيرحلون كلُّهم، ولن يبقى فوق الثّلوج الّتي تفوق البراءةَ في نصاعة بياضها، لن يبقى سوى الرّجال؛ أولئك الأطفال الكبار الّذين أصبحوا أسطورةً يرويها التّاريخ، أولئك الأطفال الكبار الّذين يفكّرون في روايةٍ وينظرون إلى بعيد.

وسيبقى الحبّ، وسيعيش الطّفلُ الّذي لا يعرف الجوعَ والبردَ والخوف، ويخشى — إذا حاول أن يتذكّر الماضي — أن لا يستطيع ذلك. وسيشرق الفجر، وستعود السّيادة، أعلى مراتب الحقوق المقدّسة. والجزائرُ الّتي يسبّها البعضُ من أجل حوادثها اليوميّة، ستذكّر النّاسَ أنّ الفوضى لا تنشأ عن سوء التّفاهم ولكن عن الجهل وعدم احترام الغير. سيتركون الدّارَ نظيفةً وسيرحلون، وذات يومٍ سيشرق الفجرُ مشعّا بنوره الوهّاج إلى درجة أنّ اللّئام سيتركون الدّارَ نظيفةً وسيرحلون. سيرحلون إلى الأبد.

وأعاد خالد بن طبّال للمرّة العاشرة قراءةَ رسالة زوجته. كانت وريدة تقول له بأنّها مريضةٌ وكذلك الأطفال. وتخيّلها، كما عرفها دائما، ثائرةً. وحدّثته عن السّعال الدّيكيّ الّذي أُصيب به أصغرُ أطفالها، وعن آخر عمليّةٍ من عمليّات القمع، وعن آخر حادثٍ من حوادث الاضطرابات.

وريدةُ هي رمزُ المرأة الجميلة، إنّها تترك في النّفس ذاتَ الأثر الّذي يتركه التّأسّف. وهي تعلم تمامَ العلم أنّ خالداً هو حبُّها الوحيد، وذروةُ مطامحها. وريدةُ هي المرأة الّتي تحنّ إلى أن تعيش في الجبال الثّائرة، وترى في أحلامها أنّها تمنح قبلاتها، وتقرأ لأطفالها أشعارَ والدهم، أسرارَ زوجها. وريدةُ هي المرأة الّتي لا تعرف أنّ العيش في الجبال الثّائرة صعبٌ، وأنّ الحبّ هو دائما حرام. وريدةُ ذاتُ الشّعر الأسود الفاحم، والثّغرِ الّذي تفوح منه رائحةُ المسك. كانت تقول له: كثِّرْ من الأغطية، لأنّ الطّقس باردٌ في بلاد المنفى.

وكانت تقول: لقد استطعنا أن نقرأ أشعارك، استطعنا أن نقرأها بالرّغم من كلّ شيء. وكانت تضع سطرا تحت عبارات «بالرّغم من كلّ شيء». إنّ الشّاعر الّذي يخطو في ميدان الشّعر أولى الخطوات لا يحظى من النّاس بما يستحقّه من التّقدير، وأسبابُ اضطرابه النّفسيّ ترجع في الواقع إلى شكّه في مواهبه.

كانت تقول له بصوتها المتعثّر، حينما يعود إلى المنزل: أنت أحمق.

ثمّ تقول معترفةً: أحبّك.

ثمّ تضيف هذه الجملة: سآتي عندك إلى باريس، لأنّ قلبك مريض.

وتضيف أيضا: الجزائريّ لا يموت أبدا.

مالك حدّاد — رصيف الأزهار لا يجيب

⚠️ اسمُ البطل يَرِد في الدّرس بصيغتين: «خالد بن طبّال» في النّصّ، وَ«خالد بن طوبال» في الأجوبة. والشّخصُ واحد: بطلُ الرّواية. لا تظنَّهما رجلين.
ماذا تعرف عن فنّ القصّة؟

هي فنٌّ من الفنون النّثريّة، يعتمد على سردِ حادثةٍ أو مجموعةٍ من الحوادث جرت لأشخاصٍ معيّنة، في بيئةٍ زمنيّةٍ ومكانيّةٍ معيّنة، بطريقةٍ مشوّقة تعتمد على السّرد والوصف والحوار.

⭐ وهذا التّعريفُ ليس هنا زينةً: عناصرُه الأربعة كلُّها في المقطع الّذي قرأتَه —
  • الحادثة: بلوغُ الخبر إلى خالد، ثمّ قراءتُه رسالةَ زوجته للمرّة العاشرة؛
  • الأشخاص: خالد بن طبّال، ووريدة؛
  • البيئةُ الزّمانيّة والمكانيّة: زمنُ الاستعمار؛ قسنطينةُ والجبالُ والسّجون من جهة، والمنفى (باريس) من جهةٍ أخرى؛
  • السّرد والوصف والحوار: السّردُ في الخبر والرّسالة، والوصفُ في «الشّعر الأسود الفاحم»، والحوارُ في أقوال وريدة الأربعة الأخيرة.
🧭 والطّريقةُ تُعاد على أيّ نصٍّ سرديّ: اسألْ عن العناصر الأربعة بالتّرتيب — مَن؟ (الشّخصيّات) · ماذا جرى؟ (الحادثة) · أين ومتى؟ (البيئة) · كيف حُكي؟ (سردٌ، وصفٌ، حوار). إذا وجدتَها كلَّها فأنت أمام قصّة، لا أمام مقال.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة في النّصّ نفسِه. اكتبْ جوابَك أوّلا، ثمّ افتحْ لتقابل.
ما الموضوعُ الّذي تعالجه روايةُ «رصيف الأزهار لا يجيب» الّتي اقتُطف منها هذا المقطع؟
الرّوايةُ تعالج محنةَ المثقّف الجزائريّ في زمن الثّورة، ومقطعُنا نافذةٌ عليها:
  • بطلُها خالد بن طوبال، وهو شاعرٌ يعاني الاضطهاد، ممّا جعله يسافر إلى فرنسا؛
  • وهو في هذا المقطع في المهجر، وقد بلغه خبرُ وطنه وشعبه الّذي ما يزال يعيش تحت قسوة الاستعمار ويكتوي بناره؛
  • ⟸ فالموضوعُ إذن ليس المعركةَ في الجبل، بل ما يصنعه البعدُ في نفس من يحبّ وطنَه ولا يقاتل فيه.
⭐ ولاحظْ أنّ المقطعَ يبدأ بهذا بعينه: بلغه أنّ النّاس يردّدون أشعارَه في الجبال والسّجون، فكان جوابُه الخوفَ لا الفرح. هذا هو الموضوع كلُّه في سطرين.
تظهر في النّصّ شخصيّتان من شخصيّات الرّواية: بيّنْ مواصفتَيهما والعلاقةَ بينهما.
الشّخصيّتان كما يقدّمهما المقطع
الشّخصيّةمواصفتُها في النّصّ
بن طوبالالبطل — شاعرٌ في المهجر، يخاف من ألقاب البطولة ويشكّ في مواهبه
وريدةزوجتُه الّتي تركها تتجرّع كأسَ المرارة — مريضةٌ هي وأطفالُها، ثائرةٌ كما عرفها دائما
والعلاقةُ بينهما يرسمها النّصّ في جملةٍ واحدة: الرّسالة.
  • هي — في هذا المقطع — ترسل له رسالةً تعاتبه فيها وتلومه: «أنت أحمق»؛
  • ولكنّها أيضا تعلن له أنّها ما تزال تحبّه: «أحبّك»، «سآتي عندك إلى باريس، لأنّ قلبك مريض»؛
  • ⟸ فهي علاقةُ عتابٍ ووفاءٍ معا، لا علاقةَ قطيعة. والدّليلُ على الوفاء أنّه أعاد قراءةَ الرّسالة للمرّة العاشرة.
ما الّذي غلب على رؤية الكاتب: التّفاؤل أم التّشاؤم؟
غلب التّفاؤل — على كلّ هذا الألم:
  • والدّليلُ عباراتُ النّصّ نفسِها: «سيبقى الحبّ» · «سيشرق الفجر» · «ستعود السّيادة»؛
  • ولاحظْ أنّها كلَّها بالسّين وسوف: أي أنّ الكاتب لا يصف حاضرا، بل يَعِدُ بمستقبل؛
  • ⟸ فالتّشاؤمُ في وصف الحال، والتّفاؤلُ في الحكم على المآل.
⚖️ واحترسْ من الإطلاق: النّصّ لا يخفي الألم — مرضٌ، وسعالٌ ديكيّ، وقمعٌ، واضطرابات، و«الحبّ هو دائما حرام». ⟸ فقلْ «غلب التّفاؤل»، لا «النّصّ متفائل». الرّؤيةُ الغالبةُ شيءٌ، والرّؤيةُ الوحيدةُ شيءٌ آخر.

💬أناقش معطيات النّصّ

«الوحش» و«الوحشيّة» مصطلحان شائعان: أهُما على المستوى الخُلُقيّ أم على المستوى السّياسيّ؟
على المستوى السّياسيّ، والنّصّ يقطع بذلك:
  • قصد الكاتبُ بلفظة «الوحش» الاستعمارَ — لا سوءَ الطّباع في الأفراد؛
  • والقرينةُ في النّصّ نفسِه: يقسّم الوحوشَ إلى صغيرةٍ وكبيرة، وإلى من «لا يشبهون الوحوشَ ولكن يستفيدون — على درجاتٍ متفاوتة — من الاستعمار الوحشيّ»؛
  • ⟸ والتّقسيمُ بحسب المنفعة من نظامٍ سياسيّ، لا بحسب الأخلاق: فمن يستفيد من الاستعمار وحشٌ ولو كان وديعَ الطّبع.
⭐ وهذه قرينةٌ منهجيّة تنفعك في كلّ نصّ: حين يكون معنى اللّفظة متردّدا بين وجهين، لا تسألْ عن معناها في المعجم، بل عمّا يقسّمها به النّصّ. النّصُّ هنا يقسّم الوحوشَ بالإفادة من الاستعمار ⟸ فالمعنى سياسيّ، وانتهى التّردّد.
ما الأقوى في ترسيخ الحسّ الوطنيّ: التّاريخُ أم الأدبُ الملتزم؟
ميزانُ الدّرس — لكلٍّ وظيفةٌ لا يؤدّيها الآخر
التّاريخُ الموثَّقالأدبُ الملتزم
ما يفعليقدّم الحقائقيرسّخ الحسّ الوطنيّ بقضايا الأمّة
أثرُهيُعرِّف الأجيالَ بماضيهميشحذ الهمم
مخاطَبُهالعقلُ: يعرف فيصدّقالوجدانُ: يشعر فيتحرّك
💡 والاختيارُ بينهما حكمٌ، والحكمُ يُبنى ولا يُنقَل. ابنِه في ثلاث خطوات: ① حدّدِ المقياس أوّلا — أقوى في ماذا؟ في المعرفة أم في الحماسة؟ فبتبديل المقياس ينقلب الجواب. ② جرّبِ الاستغناء: أتاريخٌ بلا أدبٍ يُبقي الحماسة؟ أأدبٌ بلا تاريخٍ يُبقي الحقيقة؟ ③ احكمْ على الغلبة لا على الإطلاق، واكتبْ حكمَك في جملةٍ واحدة تحفظ للطّرفين وظيفتَهما. ⛔ ولا تنقلْ عبارةَ الدّرس وتسمِّها رأيَك.
⚖️ ولك في النّصّ نفسِه شاهدٌ يخدم الأدبَ الملتزم: أشعارُ خالد كان النّاس يردّدونها في الجبال والسّجون، وكتبت له زوجتُه: «لقد استطعنا أن نقرأ أشعارك… بالرّغم من كلّ شيء». ⟸ قصيدةٌ تُقرأ في سجنٍ رغم المنع: هذا أثرٌ لا يُنكَر. ولكنّه شاهدٌ واحد، ولا يبني وحده حكما عامّا.
هل يوجد في أسلوب النّصّ ما يدلّ على شاعريّة مالك حدّاد؟
نعم، وهذا برهانُ الدّرس، في ثلاث خطوات:
  • المتأمّلُ في النّصّ يجد غلبةَ اللّغة الشّعريّة فيه؛
  • ورغم أنّ النّصّ مترجَم، فإنّنا نشعر بذلك الكمّ الهائل من العواطف المتفجّرة المعبّرة عن شاعريّة مالك حدّاد؛
  • ومثالُ ذلك ما ورد في قوله: «وسيبقى الحبّ، وسيعيش الطّفلُ… وسيشرق الفجر، وستعود السّيادة»
⭐ وانظرْ لماذا اختار الدّرسُ هذه العباراتِ بعينها، لا غيرَها: إنّها متوازيةُ البناء (الواو + السّين + فعلٌ مضارع + اسمٌ)، متقاربةُ الطّول، متتابعةٌ بالواو نفسِها. هذا إيقاعٌ، لا نحوٌ. والإيقاعُ في النّثر هو أوّلُ علامات الشّاعر.
⚖️ والحجّةُ أقوى ممّا تبدو: النّصُّ مترجَم، أي أنّ اللّفظَ العربيّ ليس لفظَ الكاتب. فإذا بقيت الشّاعريّةُ محسوسةً بعد التّرجمة، فهي في بناء الجملة والصّورة، لا في زينة اللّفظ — وذلك أرسخُ ما يكون.

🛠️أستثمر المعطيات

⭐ هذه المحطّة تخرج من النّصّ إلى ما حوله: إلى أسلوب الكاتب أوّلا، ثمّ إلى أثره في من جاء بعده. الأولى تُستخرج من النّصّ، والثّانية تُبحَث في الرّوايات.
لقد مال الكاتب إلى لغة الإيحاء: استخرجْ مظاهرَها، ثمّ احكمْ: هل وُفِّق في توظيفها؟
الشّقّ الأوّل — المظاهر (وهو جوابٌ يُستخرج، فابدأْ به):
  • «حينما سيرحل الوحوش» — وهو الشّاهدُ الّذي يضربه الدّرس: عبارةٌ شديدةُ الإيحاء توحي بكلّ ما هو مُرعبٌ ومُفزعٌ من المستعمر؛
  • ووجهُ الإيحاء فيها أنّ الكاتب لم يسمِّ المستعمرَ باسمه، فترك للقارئ أن يملأ اللّفظةَ بما يعرفه من الرّعب: هي كلمةٌ تُشعِر ولا تُخبِر.
🧭 والطّريقةُ تُعاد على أيّ نصّ، في ثلاث خطوات: ① ابحثْ عن لفظةٍ يُقصَد بها غيرُ ظاهرها (وحش؟ فجر؟ ثلوجٌ ناصعة؟). ② اسألْ: ما الّذي تُشعِرني به قبل أن أفهمَها؟ فذاك هو الإيحاء. ③ اسألْ أخيرا: ماذا كنّا نخسر لو قال الكلمةَ الصّريحة؟ — قلْ «سيرحل المستعمر» تجدِ الخبرَ باقيا والرّعبَ ذاهبا.
💡 وأمّا «هل وُفِّق؟» فحكمٌ، ولا يُنقَل. ابنِه هكذا: ① عدِّدِ المواضع لا موضعا واحدا — «الوحوش»، «الفجر»، «الدّار النّظيفة»، «الثّلوج الّتي تفوق البراءة». ② اسألْ عن الوضوح: أفهمتَ المقصودَ من أوّل قراءة، أم احتجتَ إلى شرح؟ فالإيحاءُ الّذي يُعمّي ليس توفيقا. ③ احكمْ بقيدٍ: «وُفِّق في كذا، وأثقلَ في كذا» — ⛔ وتجنّبْ حكما مطلقا بلا شاهد.
لقد تأثّرت الكاتبة الجزائريّة أحلام مستغانمي بكتابات مالك حدّاد إلى حدّ التّناصّ: وضّحْ ذلك.

روايةُ «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي هي ذاكرةُ قسنطينة، مدينةِ الجسور المعلّقة والأحزان المعلّقة. بطلُها خالدٌ الّذي يعيش قصّةَ حبٍّ فاشلةً يرويها وهو يطلب الموت، فدخل معسكرات التّدريب داعيا لمجازفةٍ بحياته؛ ولكن قبل الاستشهاد يوصيه الطّاهر بابنته الّتي لم ترَ النّورَ بعد. وبعد عشرين سنةً يلتقي بابنة الطّاهر فتنشأ بينهما قصّةُ حبٍّ جديدة… وتنتهي أيضا بالفشل.

مواضعُ التّناصّ — قابلْ بين العمودين
الموضععند مالك حدّادعند أحلام مستغانمي
اسمُ البطلخالد بن طوبالخالد
المدينةقسنطينة وشوارعُهاذاكرةُ قسنطينة، مدينةِ الجسور المعلّقة
صفةُ البطلشاعرٌ يشكّ في مواهبهبطلٌ يروي قصّته
مآلُ الحبّحبٌّ معلّقٌ بين المنفى والوطن: «الحبّ هو دائما حرام»قصّةُ حبٍّ فاشلة — ثمّ ثانيةٌ تنتهي أيضا بالفشل
⭐ وهذا هو معنى التّناصّ في سطر: ليس نقلا ولا سرقة، بل حضورُ نصٍّ سابقٍ في نصٍّ لاحق — اسما، أو مكانا، أو مصيرا. والقارئُ الّذي قرأ حدّادا يسمع صداه في مستغانمي، والّذي لم يقرأه لا ينقصه شيءٌ من فهم الرّواية. التّناصُّ طبقةٌ زائدة، لا شرطَ فهم.
✍️ وهذا مطلبُ إنتاجٍ لا مطلبُ حفظ: عُدْ إلى مراجعك (أو إلى صفحات الرّواية إن وجدتَها)، وحرّرْ فقرةً تقارن فيها بين خالد بن طوبال وخالدِ «ذاكرة الجسد» على المحاور الأربعة في الجدول أعلاه. ⛔ لكلّ محورٍ شاهدٌ، واختمْ بحكمٍ واحدٍ: أهو استعادةٌ لبطلٍ، أم استعادةٌ لجُرح؟
في البكالوريا قد يأتيك مقطع روائيّ كهذا بأسئلة من جنس أسئلة هذا الدرس: «ما الذي غلب على رؤية الكاتب: التفاؤل أم التشاؤم؟»، و«الوحش والوحشية: أعلى المستوى الخلقي أم السياسي؟»، و«مال الكاتب إلى لغة الإيحاء: استخرج مظاهرها ثمّ احكم». جهّز ثلاثة عناصر: ① عناصر القصّة شبكةً تطبّقها: الحادثة، والأشخاص، والبيئة الزمانية والمكانية، والسرد والوصف والحوار ؛ ② القرينة قبل الحكم: تقسيم الوحوش بحسب المنفعة من الاستعمار دليل على المستوى السياسي، وعبارات «سيبقى الحبّ… سيشرق الفجر… ستعود السيادة» بالسين وعدٌ بالمستقبل ؛ ③ الإيحاء: كلمة تُشعر ولا تُخبر — «سيرحل الوحوش» لم يسمِّ المستعمر باسمه. ⚠️ الخطأ الشائع: الحكم المطلق ؛ النصّ لا يخفي الألم (مرض، وقمع، واضطرابات)، فقل: غلب التفاؤل في الحكم على المآل. ⚠️ وخطأ ثانٍ: في سؤال «التاريخ أم الأدب الملتزم؟» الترجيح قبل تحديد المقياس ؛ حدّد أوّلا: أقوى في ماذا؟

الصفحة 1/3

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net