المحور 5 › فلسطين في الشعر العربي
رصيف الأزهار لا يجيب
✍️أتعرّف على صاحب النّصّ
مالك حدّاد كاتبٌ جزائريّ، وُلد سنة 1927 م بقسنطينة. أسّس سنة 1969 م مجلّة «آمال»، وكان أوّلَ أمينٍ عامٍّ لاتّحاد الكتّاب الجزائريّين بين سنتَي 1974 و1978، وهي السّنة الّتي توفّي فيها. من آثاره: «الشّقاء في خطر»، «التّلميذ والدّرس»، و«رصيف الأزهار لم يعد يجيب».
📜النّصّ
لقد بلغ مسامعَ خالد بن طبّال أنّ كثيرا من النّاس يردّدون أشعارَه في الجبال والسّجون. ولم يكن يشعر لذلك بالاعتزاز أو الفرح، بل كان يشعر بالخوف الشّديد. كان يتساءل: هل أنا في مستوى الرّجال؟ وثورةِ هؤلاء الرّجال، ومطامحِهم الّتي يسجّلها التّاريخ؟ هل أنا أشعر بالخوف حينما يشعرون به، ولا أغترّ بألقاب البطولة؟ من السّهل جدّا أن أكون رجلا مثل سائر الرّجال، ولكن أن أكون إنسانا، فهذا هو الأمر الصّعب، وهذا هو الأمر المهمّ. لا يمكن للإنسان أن يتعلّم معنى الوطن أو يشرحه في كلمات، كما أنّه لا يستطيع أن يقصّ قصّة الوطن. وقد ترك اللهُ عبدَه في حالةٍ يخيّل إلى النّاس فيها أنّه سبحانه قد خلقهم درجاتٍ متفاوتة، وأنّه ترك حلَّ مشاكلهم إلى إنسانيّتهم الّتي كثيرا ما تنزل دون مستوى الإنسانيّة.
ولكن حينما سيرحل الوحوش — سواءٌ منهم الوحوشُ الصّغيرة أو الوحوشُ الكبيرة، أو الوحوشُ الّذين نلتقي بهم كلَّ يوم، أو الوحوشُ الّذين لا يشبهون الوحوشَ ولكن يستفيدون، على درجاتٍ متفاوتة، من الاستعمار الوحشيّ — حينما سيرحلون، سيرحلون كلُّهم، سيذهبون كلُّهم، ولن يبقى في شوارع قسنطينة، وفي الجبال الّتي ستعود كما كانت خضراء، وفي السّجون الّتي ستخوى ممّن فيها، لن يبقى على جدران الشّارع «ديزلي» وشارع «اكس أن بروفانس»، وفي الصّحراء ذات الرّمال الشّقراء — بل هي شقراءُ إلى درجة أنّ سنابل القمح الشّقراء ترفض أن تنبت فيها — حينما سيرحلون، سيرحلون كلُّهم، ولن يبقى فوق الثّلوج الّتي تفوق البراءةَ في نصاعة بياضها، لن يبقى سوى الرّجال؛ أولئك الأطفال الكبار الّذين أصبحوا أسطورةً يرويها التّاريخ، أولئك الأطفال الكبار الّذين يفكّرون في روايةٍ وينظرون إلى بعيد.
وسيبقى الحبّ، وسيعيش الطّفلُ الّذي لا يعرف الجوعَ والبردَ والخوف، ويخشى — إذا حاول أن يتذكّر الماضي — أن لا يستطيع ذلك. وسيشرق الفجر، وستعود السّيادة، أعلى مراتب الحقوق المقدّسة. والجزائرُ الّتي يسبّها البعضُ من أجل حوادثها اليوميّة، ستذكّر النّاسَ أنّ الفوضى لا تنشأ عن سوء التّفاهم ولكن عن الجهل وعدم احترام الغير. سيتركون الدّارَ نظيفةً وسيرحلون، وذات يومٍ سيشرق الفجرُ مشعّا بنوره الوهّاج إلى درجة أنّ اللّئام سيتركون الدّارَ نظيفةً وسيرحلون. سيرحلون إلى الأبد.
وأعاد خالد بن طبّال للمرّة العاشرة قراءةَ رسالة زوجته. كانت وريدة تقول له بأنّها مريضةٌ وكذلك الأطفال. وتخيّلها، كما عرفها دائما، ثائرةً. وحدّثته عن السّعال الدّيكيّ الّذي أُصيب به أصغرُ أطفالها، وعن آخر عمليّةٍ من عمليّات القمع، وعن آخر حادثٍ من حوادث الاضطرابات.
وريدةُ هي رمزُ المرأة الجميلة، إنّها تترك في النّفس ذاتَ الأثر الّذي يتركه التّأسّف. وهي تعلم تمامَ العلم أنّ خالداً هو حبُّها الوحيد، وذروةُ مطامحها. وريدةُ هي المرأة الّتي تحنّ إلى أن تعيش في الجبال الثّائرة، وترى في أحلامها أنّها تمنح قبلاتها، وتقرأ لأطفالها أشعارَ والدهم، أسرارَ زوجها. وريدةُ هي المرأة الّتي لا تعرف أنّ العيش في الجبال الثّائرة صعبٌ، وأنّ الحبّ هو دائما حرام. وريدةُ ذاتُ الشّعر الأسود الفاحم، والثّغرِ الّذي تفوح منه رائحةُ المسك. كانت تقول له: كثِّرْ من الأغطية، لأنّ الطّقس باردٌ في بلاد المنفى.
وكانت تقول: لقد استطعنا أن نقرأ أشعارك، استطعنا أن نقرأها بالرّغم من كلّ شيء. وكانت تضع سطرا تحت عبارات «بالرّغم من كلّ شيء». إنّ الشّاعر الّذي يخطو في ميدان الشّعر أولى الخطوات لا يحظى من النّاس بما يستحقّه من التّقدير، وأسبابُ اضطرابه النّفسيّ ترجع في الواقع إلى شكّه في مواهبه.
كانت تقول له بصوتها المتعثّر، حينما يعود إلى المنزل: أنت أحمق.
ثمّ تقول معترفةً: أحبّك.
ثمّ تضيف هذه الجملة: سآتي عندك إلى باريس، لأنّ قلبك مريض.
وتضيف أيضا: الجزائريّ لا يموت أبدا.
مالك حدّاد — رصيف الأزهار لا يجيب
ماذا تعرف عن فنّ القصّة؟ماذا تعرف عن فنّ القصّة؟
هي فنٌّ من الفنون النّثريّة، يعتمد على سردِ حادثةٍ أو مجموعةٍ من الحوادث جرت لأشخاصٍ معيّنة، في بيئةٍ زمنيّةٍ ومكانيّةٍ معيّنة، بطريقةٍ مشوّقة تعتمد على السّرد والوصف والحوار.
- الحادثة: بلوغُ الخبر إلى خالد، ثمّ قراءتُه رسالةَ زوجته للمرّة العاشرة؛
- الأشخاص: خالد بن طبّال، ووريدة؛
- البيئةُ الزّمانيّة والمكانيّة: زمنُ الاستعمار؛ قسنطينةُ والجبالُ والسّجون من جهة، والمنفى (باريس) من جهةٍ أخرى؛
- السّرد والوصف والحوار: السّردُ في الخبر والرّسالة، والوصفُ في «الشّعر الأسود الفاحم»، والحوارُ في أقوال وريدة الأربعة الأخيرة.
🔍أكتشف معطيات النّصّ
ما الموضوعُ الّذي تعالجه روايةُ «رصيف الأزهار لا يجيب» الّتي اقتُطف منها هذا المقطع؟ما الموضوعُ الّذي تعالجه روايةُ «رصيف الأزهار لا يجيب» الّتي اقتُطف منها هذا المقطع؟
- بطلُها خالد بن طوبال، وهو شاعرٌ يعاني الاضطهاد، ممّا جعله يسافر إلى فرنسا؛
- وهو في هذا المقطع في المهجر، وقد بلغه خبرُ وطنه وشعبه الّذي ما يزال يعيش تحت قسوة الاستعمار ويكتوي بناره؛
- ⟸ فالموضوعُ إذن ليس المعركةَ في الجبل، بل ما يصنعه البعدُ في نفس من يحبّ وطنَه ولا يقاتل فيه.
تظهر في النّصّ شخصيّتان من شخصيّات الرّواية: بيّنْ مواصفتَيهما والعلاقةَ بينهما.تظهر في النّصّ شخصيّتان من شخصيّات الرّواية: بيّنْ مواصفتَيهما والعلاقةَ بينهما.
| الشّخصيّة | مواصفتُها في النّصّ |
|---|---|
| بن طوبال | البطل — شاعرٌ في المهجر، يخاف من ألقاب البطولة ويشكّ في مواهبه |
| وريدة | زوجتُه الّتي تركها تتجرّع كأسَ المرارة — مريضةٌ هي وأطفالُها، ثائرةٌ كما عرفها دائما |
- هي — في هذا المقطع — ترسل له رسالةً تعاتبه فيها وتلومه: «أنت أحمق»؛
- ولكنّها أيضا تعلن له أنّها ما تزال تحبّه: «أحبّك»، «سآتي عندك إلى باريس، لأنّ قلبك مريض»؛
- ⟸ فهي علاقةُ عتابٍ ووفاءٍ معا، لا علاقةَ قطيعة. والدّليلُ على الوفاء أنّه أعاد قراءةَ الرّسالة للمرّة العاشرة.
ما الّذي غلب على رؤية الكاتب: التّفاؤل أم التّشاؤم؟ما الّذي غلب على رؤية الكاتب: التّفاؤل أم التّشاؤم؟
- والدّليلُ عباراتُ النّصّ نفسِها: «سيبقى الحبّ» · «سيشرق الفجر» · «ستعود السّيادة»؛
- ولاحظْ أنّها كلَّها بالسّين وسوف: أي أنّ الكاتب لا يصف حاضرا، بل يَعِدُ بمستقبل؛
- ⟸ فالتّشاؤمُ في وصف الحال، والتّفاؤلُ في الحكم على المآل.
💬أناقش معطيات النّصّ
«الوحش» و«الوحشيّة» مصطلحان شائعان: أهُما على المستوى الخُلُقيّ أم على المستوى السّياسيّ؟«الوحش» و«الوحشيّة» مصطلحان شائعان: أهُما على المستوى الخُلُقيّ أم على المستوى السّياسيّ؟
- قصد الكاتبُ بلفظة «الوحش» الاستعمارَ — لا سوءَ الطّباع في الأفراد؛
- والقرينةُ في النّصّ نفسِه: يقسّم الوحوشَ إلى صغيرةٍ وكبيرة، وإلى من «لا يشبهون الوحوشَ ولكن يستفيدون — على درجاتٍ متفاوتة — من الاستعمار الوحشيّ»؛
- ⟸ والتّقسيمُ بحسب المنفعة من نظامٍ سياسيّ، لا بحسب الأخلاق: فمن يستفيد من الاستعمار وحشٌ ولو كان وديعَ الطّبع.
ما الأقوى في ترسيخ الحسّ الوطنيّ: التّاريخُ أم الأدبُ الملتزم؟ما الأقوى في ترسيخ الحسّ الوطنيّ: التّاريخُ أم الأدبُ الملتزم؟
| التّاريخُ الموثَّق | الأدبُ الملتزم | |
|---|---|---|
| ما يفعل | يقدّم الحقائق | يرسّخ الحسّ الوطنيّ بقضايا الأمّة |
| أثرُه | يُعرِّف الأجيالَ بماضيهم | يشحذ الهمم |
| مخاطَبُه | العقلُ: يعرف فيصدّق | الوجدانُ: يشعر فيتحرّك |
هل يوجد في أسلوب النّصّ ما يدلّ على شاعريّة مالك حدّاد؟هل يوجد في أسلوب النّصّ ما يدلّ على شاعريّة مالك حدّاد؟
- المتأمّلُ في النّصّ يجد غلبةَ اللّغة الشّعريّة فيه؛
- ورغم أنّ النّصّ مترجَم، فإنّنا نشعر بذلك الكمّ الهائل من العواطف المتفجّرة المعبّرة عن شاعريّة مالك حدّاد؛
- ومثالُ ذلك ما ورد في قوله: «وسيبقى الحبّ، وسيعيش الطّفلُ… وسيشرق الفجر، وستعود السّيادة»
🛠️أستثمر المعطيات
لقد مال الكاتب إلى لغة الإيحاء: استخرجْ مظاهرَها، ثمّ احكمْ: هل وُفِّق في توظيفها؟لقد مال الكاتب إلى لغة الإيحاء: استخرجْ مظاهرَها، ثمّ احكمْ: هل وُفِّق في توظيفها؟
- «حينما سيرحل الوحوش» — وهو الشّاهدُ الّذي يضربه الدّرس: عبارةٌ شديدةُ الإيحاء توحي بكلّ ما هو مُرعبٌ ومُفزعٌ من المستعمر؛
- ووجهُ الإيحاء فيها أنّ الكاتب لم يسمِّ المستعمرَ باسمه، فترك للقارئ أن يملأ اللّفظةَ بما يعرفه من الرّعب: هي كلمةٌ تُشعِر ولا تُخبِر.
لقد تأثّرت الكاتبة الجزائريّة أحلام مستغانمي بكتابات مالك حدّاد إلى حدّ التّناصّ: وضّحْ ذلك.لقد تأثّرت الكاتبة الجزائريّة أحلام مستغانمي بكتابات مالك حدّاد إلى حدّ التّناصّ: وضّحْ ذلك.
روايةُ «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي هي ذاكرةُ قسنطينة، مدينةِ الجسور المعلّقة والأحزان المعلّقة. بطلُها خالدٌ الّذي يعيش قصّةَ حبٍّ فاشلةً يرويها وهو يطلب الموت، فدخل معسكرات التّدريب داعيا لمجازفةٍ بحياته؛ ولكن قبل الاستشهاد يوصيه الطّاهر بابنته الّتي لم ترَ النّورَ بعد. وبعد عشرين سنةً يلتقي بابنة الطّاهر فتنشأ بينهما قصّةُ حبٍّ جديدة… وتنتهي أيضا بالفشل.
| الموضع | عند مالك حدّاد | عند أحلام مستغانمي |
|---|---|---|
| اسمُ البطل | خالد بن طوبال | خالد |
| المدينة | قسنطينة وشوارعُها | ذاكرةُ قسنطينة، مدينةِ الجسور المعلّقة |
| صفةُ البطل | شاعرٌ يشكّ في مواهبه | بطلٌ يروي قصّته |
| مآلُ الحبّ | حبٌّ معلّقٌ بين المنفى والوطن: «الحبّ هو دائما حرام» | قصّةُ حبٍّ فاشلة — ثمّ ثانيةٌ تنتهي أيضا بالفشل |
الصفحة 1/3
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net