اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 1 شعر الزهد و المديح النبوي

إنسان ما بعد الموحدين لمالك بن نبي

🔊 المعلّمة تقرأ لك

📜النّصّ

مالك بن نبي ⁦(1905-1973)⁩ مفكّرٌ جزائريّ، مهندسٌ بالتّكوين، صاحبُ شروط النّهضة ومشكلة الأفكار في العالم الإسلاميّ. شغلَه سؤالٌ واحد: لماذا تأخّر المسلمون؟ — وجوابُه أنّ العلّة ليست في النّظم بل في الإنسان نفسِه.
سؤال الدّخول: ما واقعُ الأمّة الإسلاميّة اليوم؟ وما أسبابُ ذلك؟ وما الوسائلُ الكفيلةُ بالنّهوض بها واسترجاعِ أمجادها؟ — اقرأِ النّصّ باحثا عن الجواب.

عندما نقوم بتحليل نشاط الأفراد وأذواقِهم في بيئةٍ معيّنة، نجد عوائدَ سائدةً تنتقل فيما بينهم كابرا عن كابر؛ فهناك وراثةٌ اجتماعيّة كما أنّ هناك وراثةً جسميّة. إنّ ألوانَ نشاطِ الفرد وأفكارَه في كلّ مجتمعٍ تنتج دائما على منوال الوراثة. ويكفينا أن ننظر إلى طفلٍ يلعب لكي ندرك أهمّيّةَ الوراثة الاجتماعيّة وقوّتَها الموجِّهة، فتقاليدُ المجتمع تتمثّل في لعب الطّفل الّذي يُعدّ صورةً أوّليّةً فطريّةً من النّشاط الإنسانيّ…

فإذا ما درسْنا أوجهَ النّشاط في بلدٍ معيّن، وجب علينا — لكي نفهمها — أن نردّها إلى إطار حضارةٍ تستمدّ منها الحياةُ أشكالَها، ويشكّل فيها الفردُ دائما أفكارَه وضروبَ نشاطه على المنوال الّذي صنعته القرونُ والأجيال. وعليه فليس من باب اللّعب بالألفاظ، بل من الصّورة المنطقيّة، أن نقرّر هنا أنّ العالمَ الإسلاميّ لا يعيش الآن في عام 1949م، بل في عام 1269م. وإنّا لمضطرّون إلى أن نؤكّد هذا التّاريخ، لأنّه يسجّل نقطةَ انطلاقٍ في تطوّرٍ تاريخيّ ترجع إليه سائرُ مشكلات العالم الإسلاميّ في هذه اللّحظة؛ هي نقطةُ الانكسار في منحنى التّطوّر التّاريخيّ، وهي لحظةُ انقلاب القيم داخل حضارةٍ معيّنة.

وليس من الصّواب أن نبحث عن النّظم، بل عن العوامل الإنسانيّة المتمثّلة في عجز النّاس عن تطبيق مواهبهم الخاصّة على التّراب والوقت. إنّ التّركيبَ الأساسيَّ نفسَه قد تحلّل، فتحلّلت معه الحياةُ الاجتماعيّة وأخلت مكانَها للحياة البدائيّة. ويؤرَّخ لتلك الظّاهرة في التّاريخ الإسلاميّ بسقوط دولة الموحّدين، الّذي كان في حقيقته سقوطَ حضارةٍ لفظت آخرَ أنفاسها. ثمّ يبدأ تاريخُ الانحطاط بإنسان ما بعد الموحّدين.

ففي عهد ابن خلدون استحالت القيروانُ قريةً مغمورة، بعد أن كانت في عهد الأغالبة قبّةَ المُلك وقمّةَ الأبّهة والعاصمةَ الكبرى الّتي يقطنها مليونٌ من السّكّان. ولم يكن حظُّ بغدادَ وسمرقندَ خيرا من ذلك. لقد كانت أعراضُ الانهيار العامّ تشير إلى نقطة الانكسار في المنحنى البيانيّ. فإذا نظرنا إلى هذا الوضع نظرةً اجتماعيّة، وجدنا أنّ جميعَ الأعراض الّتي ظهرت في السّياسة أو في صورة العمران لم تكن إلّا تعبيرا عن حالةٍ مرضيّةٍ يعانيها الإنسانُ الجديد — إنسانُ ما بعد الموحّدين — الّذي خلَف إنسانَ الحضارة الإسلاميّة، والّذي كان يحمل في كيانه جميعَ الجراثيم الّتي سينتج عنها في فتراتٍ متفرّقة جميعُ المشاكل الّتي تعرّض لها العالم الإسلاميّ منذ ذلك الحين.

فالنّقائصُ الّتي تعانيها النّهضةُ الآن يعود وِزرُها إلى ذلك الرّجل الّذي لم يكن طليعتَه في التّاريخ؛ فنحن ندين له بمواريثنا الاجتماعيّة وبطرائقنا التّقليديّة الّتي جرَينا عليها في نشاطنا الاجتماعيّ… هذا الوجهُ المتخلّف الكئيب ما زال حيّا في جيلنا الحاضر: نصادفه في المظهر الرّقيق البريء الّذي يتميّز به فلّاحُنا الوديعُ القاعد، أو راعينا المترحّلُ المتقشّفُ المِضياف؛ كما نصادفه في المظهر الكاذب الّذي يتّخذه ابنُ أصحاب المليارات نصفُ المتعلّم، الّذي انطبع في الظّاهر بجميع أشكال الحياة الحديثة، فأكسبه مليارُ أبيه وشهادةُ البكالوريا مظهرَ الإنسان العصريّ، بينما تحمل أخلاقُه وميولُه وأفكارُه صورةَ إنسان ما بعد الموحّدين.

وطالما ظلّ مجتمعُنا عاجزا عن تصفية هذه الوراثة السّلبيّة الّتي أسقطته منذ ستّة قرون، وما دام متقاعسا عن تجديد كيان الإنسان طبقا للتّعاليم الإسلاميّة الحقّة ومناهجِ العلم الحديثة، فإنّ سعيَه إلى توازنٍ جديدٍ لحياته وتركيبٍ جديدٍ لتاريخه سيكون باطلا عديمَ الجدوى. إنّ العلومَ الأخلاقيّة والاجتماعيّة والنّفسيّة تُعدّ اليوم أكثرَ ضرورةً من العلوم المادّيّة، فهذه تُعدّ خطرا في مجتمعٍ ما زال النّاس يجهلون فيه حقيقةَ أنفسهم. ومعرفةُ إنسان الحضارة وإعدادُه أشقُّ كثيرا من صنع محرّكٍ أو ترويضِ قردٍ على استخدام رباط عنق. وإنسانُ ما بعد الموحّدين — في أيّة صورةٍ كان، باشا أو عالما مزيّفا أو مثقّفا مزيّفا أو متسوّلا — يُعدّ عموما عنصرا جوهريّا فيما يضمّ العالمُ الإسلاميّ من مشكلاتٍ منذ أُفول حضارته، وهو عنصرٌ لا ينبغي أن يغيب عن أنظارنا عندما ندرس نشأةَ المشكلات وحلولَها الّتي تشغل اليومَ — فيما يبدو — الضّميرَ الإسلاميّ.

مالك بن نبي — شروط النّهضة

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة من النّصّ. اقرأْ أوّلا، ثمّ قابلْ.
ما الوضعُ الّذي تعاني منه الأمّةُ الإسلاميّة؟ ومنذ متى؟
📜النّصّ يسمّي الحال ويؤرّخ لها:
  • الحالُ: التّخلّفُ والانحطاط — «حالةٌ مرضيّةٌ يعانيها الإنسانُ الجديد»؛
  • التّاريخُ: منذ سقوط دولة الموحّدين، وهو «سقوطُ حضارةٍ لفظت آخرَ أنفاسها»؛
  • ⟸ ولذلك قال الكاتب إنّ العالم الإسلاميّ «يعيش في عام 1269م» لا في 1949م.
ماذا يقصد الكاتبُ بـ«إنسان ما بعد الموحّدين»؟
ليس شخصا بعينه، بل نمطا إنسانيّا:
  • هو الإنسانُ العربيُّ المسلمُ في وضعه الرّاهن، الّذي خلَف إنسانَ الحضارة الإسلاميّة؛
  • يحمل «في كيانه جميعَ الجراثيم» الّتي أنتجت مشكلاتِ العالم الإسلاميّ منذ ذلك الحين؛
  • ⟸ العلّةُ عند مالك بن نبي في الإنسان، لا في النّظم ولا في المادّة.
ما مظاهرُ التّخلّف الّتي يعيشها مجتمعُنا الآن؟
ثلاثةٌ، كما وردت في النّصّ:
  • عجزُ الأفراد عن تطبيق مواهبهم الخاصّة «على التّراب والوقت»؛
  • الاهتمامُ بالمظاهر الزّائفة: تناقضٌ صارخٌ بين الظّاهر والجوهر — «المظهرُ الكاذب» لابن أصحاب المليارات نصفِ المتعلّم؛
  • التّمسّكُ بالعادات السّلبيّة: «بمواريثنا الاجتماعيّة وبطرائقنا التّقليديّة».
ما الأولى في نظر الكاتب: التّصحيحُ الخُلُقيّ أم التّصحيحُ المادّيّ؟ ولماذا؟
الأولى عنده التّصحيحُ الخُلُقيّ، بثلاث حجج من النّصّ:
  • «العلومُ الأخلاقيّة والاجتماعيّة والنّفسيّة تُعدّ اليوم أكثرَ ضرورةً من العلوم المادّيّة»؛
  • بل إنّ العلومَ المادّيّة «تُعدّ خطرا في مجتمعٍ ما زال النّاس يجهلون فيه حقيقةَ أنفسهم»؛
  • و«معرفةُ إنسان الحضارة وإعدادُه أشقُّ كثيرا من صنع محرّك»؛
  • ⟸ لأنّ الإنسانَ عنصرٌ جوهريّ في نشأة المشكلات، فهو جوهريٌّ في حلّها.

💬أناقش معطيات النّصّ

يرى الكاتبُ أنّ روحَ التّقليد راسخةٌ في حياة البشر، بمَ علّل ذلك؟ وما رأيُك في هذا الحكم؟
تعليلُه — الوراثةُ الاجتماعيّة:
  • السّلوكُ عند الأفراد مرتبطٌ بعاداتٍ سائدةٍ في المجتمع، «تنتقل كابرا عن كابر»؛
  • ودليلُه لعبُ الطّفل: «تقاليدُ المجتمع تتمثّل في لعب الطّفل» — وهو أوّلُ نشاطٍ فطريّ؛
  • ⟸ فالتّقليدُ عنده ليس اختيارا، بل وراثةٌ تسبق الوعي.
💡 وأمّا رأيُك فيُبنى ولا يُنقل. ثلاثُ خطوات: ① ابحثْ عن شاهدٍ مضادّ — هل ثمّة أفرادٌ خرجوا على وراثتهم الاجتماعيّة؟ ② إن وجدْتَ، فالحكمُ غالبٌ لا مطلق. ③ اختمْ بصيغةٍ تحفظ الطّرفين: «الوراثةُ تُوجّه ولا تُلزِم». ⛔ لا تنقلْ رأيَ الكاتب وتسمّه رأيَك.
اعتمد الكاتبُ على أسلوب المقارنة في عرض أفكاره. فيمَ تمثّل ذلك؟ وهل تراه أسلوبا ناجعا؟
تمثّلت المقارنةُ في مواضعَ متقابلة:
  • إنسانُ الحضارة الإسلاميّة ↔ إنسانُ ما بعد الموحّدين؛
  • القيروانُ في عهد الأغالبة (قبّةُ المُلك، مليونُ ساكن) ↔ القيروانُ في عهد ابن خلدون (قريةٌ مغمورة)؛
  • 1949م ↔ 1269م؛ والعلومُ الأخلاقيّة ↔ العلومُ المادّيّة؛
  • ⟸ وهو أسلوبٌ ناجعٌ في التّحليل والتّفسير: المقارنةُ تجعل الانحدارَ مرئيّا بدل أن يبقى دعوى.
هل أسبابُ التّخلّف الواردة في النّصّ أسبابٌ موضوعيّة؟ وضّحْ.
نعم، وهي موضوعيّةٌ لسببين:
  • لأنّها ملموسةٌ في الواقع: ما زال الإنسانُ العربيُّ يعتمد على مواريثه الاجتماعيّة وطرائقه التّقليديّة في مزاولة نشاطه؛
  • ولأنّها مؤرَّخةٌ ومحدَّدة: الكاتب لا يكتفي بالشّكوى، بل يعيّن نقطةَ انكسارٍ (سقوطُ الموحّدين) ويصف أعراضَها في العمران والسّياسة؛
  • ⟸ سببٌ يُؤرَّخ ويُقاس هو سببٌ موضوعيّ، لا انطباع.
هل استعمل الكاتبُ الأسلوبَ العلميَّ أم الأسلوبَ الأدبيّ؟ علّلْ بشواهدَ من النّصّ.
الأسلوبُ العلميّ، والشّواهدُ ثلاثة:
  • الاحتكامُ إلى الحقيقة والرّقم: «لا يعيش الآن في عام 1949م، بل في عام 1269م، وإنّا لمضطرّون إلى أن نؤكّد هذا التّاريخ»؛
  • المصطلحُ المستعار من العلم: «الوراثةُ الاجتماعيّة»، «نقطةُ الانكسار في المنحنى البيانيّ»، «الجراثيم»، «التّركيبُ الأساسيّ»؛
  • لغةٌ بسيطةٌ مباشرة تخلو من الصّور الشّعريّة، غايتُها الإفهامُ لا الإمتاع.
⚖️ ولكنِ احترسْ من الإطلاق: قولُه «قبّةُ المُلك وقمّةُ الأبّهة» وتشبيهُ إعداد الإنسان بـ«ترويض قردٍ على استخدام رباط عنق» صورتان أدبيّتان. ⟸ الأسلوبُ علميٌّ في غالبه، تتخلّله لمساتٌ أدبيّة تخدم الإقناع. وهذه دقّةٌ تُحسَب لك.

🛠️أستثمر المعطيات

⭐ هذه المحطّة تخرج من النّصّ إلى المراجع: تُطلب منك عودةٌ إلى التّاريخ، ثمّ إنتاجٌ كتابيّ. الأوّلُ يُبحَث، والثّاني يُكتَب بيدك.
أين نشأت دولةُ الموحّدين؟ ومتى كان ذلك؟ عُدْ إلى بعض المراجع التّاريخيّة.
من المراجع التّاريخيّة:
  • نشأت في المغرب العربيّ، سنة 515 هـ؛
  • وكانت قويّةَ الجانب عزيزةَ السّلطان، فأعانت المسلمين في الأندلس على صدّ الهجوم المسيحيّ؛
  • ⟸ وهذا ما يفسّر اختيارَ الكاتب لسقوطها علامةً على الانكسار: لم تكن دولةً بين دولٍ، بل آخرَ حاملٍ للمشروع الحضاريّ في الغرب الإسلاميّ.
✍️ الإنتاجُ الكتابيّ — وازِنْ في فقرةٍ بين إنسان الحضارة الإسلاميّة وإنسان ما بعد الموحّدين، على ثلاثة محاور يعطيها النّصّ نفسُه: ① علاقتُه بالوقت والتّراب (تطبيقُ المواهب أم العجز عنه)؛ ② علاقتُه بالمظهر (الجوهر أم المظهرُ الكاذب)؛ ③ علاقتُه بالمواريث (تجديدُ الكيان أم التّقاعسُ عنه). ⛔ اجعلْ لكلِّ محورٍ شاهدا من النّصّ، واختمْ بحكمٍ واحدٍ لا بتلخيصٍ.
في البكالوريا قد يُعطى لك نصّ فكريّ كهذا، وتُطرح عليه أسئلة من جنس أسئلة هذا الدرس: «بمَ علّل الكاتب حكمه؟ وما رأيك؟»، و«هل الأسباب موضوعية؟ وضّح»، و«هل الأسلوب علميّ أم أدبيّ؟ علّل بشواهد من النصّ». جهّز ثلاثة عناصر: ① علامات الأسلوب العلمي: الاحتكام إلى الحقيقة والرقم، والمصطلح المستعار من العلم (الوراثة الاجتماعية، نقطة الانكسار، الجراثيم)، ولغة بسيطة مباشرة غايتها الإفهام ؛ ② معيار الموضوعية: سبب ملموس في الواقع، مؤرَّخ ومحدَّد، لا انطباع ؛ ③ بناء الرأي: ابحث عن شاهد مضادّ، فإن وجدته فالحكم غالب لا مطلق («الوراثة توجّه ولا تُلزم»)، ثمّ سمِّ شاهدك من النصّ. ⚠️ الخطأ الشائع: الإطلاق في الحكم على الأسلوب ؛ في النصّ صور أدبية («قبّة الملك وقمّة الأبّهة»، «ترويض قرد على استخدام رباط عنق»)، فقل: الغالب علميّ. ⚠️ وخطأ ثانٍ: الجواب عن «ما رأيك؟» بتكرار تعليل الكاتب، والرأي يُبنى ولا يُنقل.

الصفحة 1/2

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net