اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 1 شعر الزهد و المديح النبوي

الشعر في عهد المماليك

🔊 المعلّمة تقرأ لك

📜النّصّ

حنّا الفاخوريّ ⁦(1914-2011)⁩ ناقدٌ ومؤرّخٌ للأدب العربيّ، لبنانيّ، صاحبُ تاريخ الأدب العربيّ. وموضوعُ هذا النّصّ: حالُ الشّعر في عهد المماليك — أسبابُ فتورِه، وخصائصُه، وما شاع فيه من فنون.

زالت في عصر المماليك كثيرٌ من الأسباب الّتي تنهض بالشّعر وتحمل أصحابَه على الإجادة، فالملوك والسّلاطين أعاجمُ لا يُعنَون إلّا في النّادر بتشجيع الشّعراء، وتقريبِهم إليهم وإغداقِ الخير عليهم. فعمل هؤلاء على كسب معيشتهم عن سُبُلِ الحِرَف والصّناعات، فكان بينهم الجزّارُ والدّهّانُ والكحّالُ. وفترت العصبيّةُ والحميّةُ اللّتان نهضتا قديما بالشّعر الفخريّ والقوميّ، وقلّت دواعي اللّهو في جوّ الاضطراب السّياسيّ وصرامةِ العيش.

إلّا أنّ مَعينَ الشّعر لم ينضب، وقرائحَ الشّعراء لم تجفّ. لقد أُصيب الشّعر في هذا العهد بوباء التّنميق اللّفظيّ الّذي ذهب بمائه ورونقه، وتركه مرارا كثيرة على حالة المريض المُدنَف بعد أن ألحّ عليه السّقمُ والهُزال. فإذا ما أزحْتَ ستارَ الألفاظ البرّاقة لا تقع غالبا إلّا على معانٍ مكرورةٍ مسروقةٍ غثّة.

وافتنّ الشّعراء في أنواع البديع والتّصنّع. فجاء صفيُّ الدّين مثلا بأُرْتُقيّاتِه، وهي تسعٌ وعشرون قصيدة تتألّف كلُّ واحدةٍ منها من تسعةٍ وعشرين بيتا، وتختصّ كلُّ واحدةٍ بحرفٍ من حروف الهجاء يكون في أوّل كلِّ بيتٍ من أبياتها وآخرِه. وطلع علينا هو وغيرُه بالبديعيّات الّتي يحوي كلُّ بيتٍ من أبياتها نوعا من أنواع البديع، وقد يشير الشّاعر في البيت إلى ذلك النّوع، فيقول مثلا:

من البديعيّات
الصّدرالعجز
لي في ابتدا مدحِكم يا عُرْبَ ذي سَلَمِبَراعةٌ تَستهِلُّ الدَّمعَ في العَلَمِ

وهكذا إلى أن يأتيَ على أنواع البديع كلِّها. فكيف يصحّ فنٌّ تُقيّدُه هذه الأغلال؟ وقد كثر التّشطيرُ والتّخميسُ والاقتباسُ والتّضمين، حتّى قال بعضُهم:

في كثرة التّضمين
الصّدرالعجز
أُطالِعُ كلَّ ديوانٍ أراهُولم أزجُرْ عنِ التّضمينِ طَيْري
أُضَمِّنُ كلَّ بيتٍ فيه معنًىفشِعري نِصفُهُ من شِعرِ غَيري

ونظموا الألغازَ والأحاجيَ، واستكثروا — لإظهار براعتهم وحِذقهم — من الألفاظ المصغَّرة والمعجَمة والمُهمَلة، والتزموا ما لا يلزم، وأتَوْا بما لا يستحيل بالانعكاس، وبالغوا في التّاريخ الشّعريّ، وهو أن يأتيَ الشّاعر بألفاظٍ تدلّ حروفُها بحساب الجُمَّل على سنةٍ معيّنة. فقال مثلا أحدُهم مؤرِّخا وفاةَ والي مصرَ محمّد باشا:

في التّاريخ الشّعريّ
الصّدرالعجز
قَتْلُهُ بالنّارِ نُورٌوهْوَ في التّاريخِ «ظُلْمَةْ»

وممّا شاع في هذا العهد المدائحُ النّبويّة. فنظم البوصيريُّ بردتَه الشّهيرة الّتي مطلعُها:

مطلعُ البُردة — البوصيريّ
الصّدرالعجز
أَمِنْ تَذَكُّرِ جيرانٍ بِذي سَلَمِمَزَجْتَ دَمْعاً جَرى مِنْ مُقْلةٍ بِدَمِ

وهمزيّتَه ولاميّتَه الّتي عارض بها «بانت سعاد». فراجت قصائدُه هذه، ولا سيّما البردة، وقلّدها الشّعراء. وكثُر الميل إلى المقطوعات القصيرة الّتي تحوي نكتةً أو فكاهة، ولم يُحجِم الشّعراء عن وصف الأشياء المألوفة كالسّجّادة والبِساط والمِسبحة والسّكّين والمِروحة. وقد أسرف الشّعراء في استعمال الكلام العاديّ الصّريح والألفاظ العامّيّة والكلام غير المُعرَب والأوزان الشّعبيّة مثل «المَوّاليا» و«القُومَا» و«الزّجل» و«الدُّوبَيْت» والموشّح وغيرِها. فاستساغت آذانُ آلِ قلاوون وآلِ برقوق هذا الشّعرَ، وأجازوا عليه. واشتهر فيه خلفٌ الغُباريّ وأحمد بن عثمان الأمشاطيّ وأحمد الدّرويش وغيرُهم.

حنّا الفاخوريّ — تاريخ الأدب العربيّ

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه: اقرأْ أوّلا، ثمّ افتحْ الجواب لتقابله بما وجدْتَ.
كيف يتعامل الحكّامُ مع الشّعراء في هذا العصر؟
من الفقرة الأولى:
  • ملوكُ هذا العصر وسلاطينُه أعاجمُ، لا تربطهم باللّسان العربيّ صلةٌ وثيقة؛
  • ولذلك لا يُعنَون إلّا في النّادر بتشجيع الشّعراء وتقريبِهم وإغداقِ الخير عليهم؛
  • ⟸ زال الرّكنُ الّذي كان يقوم عليه الشّعرُ قديما: الرِّعاية.
هل أثّر ذلك في حياتهم الاجتماعيّة؟ وكيف؟
نعم، والنّصّ يسمّي الأثر:
  • اتّجه الشّعراء إلى كسب معيشتهم عن سُبُل الحِرَف والصّناعات؛
  • فكان بينهم الجزّارُ والدّهّانُ والكحّالُ — وهي حِرَفٌ لا صلةَ لها بالأدب؛
  • ⟸ صار الشّعر عملا ثانويّا بعد أن كان مِهنةً تُعيل صاحبَها.
هل كان ذلك العاملَ الوحيدَ لفتور الشّعر؟ اذكرِ الأسبابَ الأخرى.
لا، بل يذكر النّصّ ثلاثةَ أسبابٍ مجتمعة:
  • زوالُ الرّعاية: انصرافُ الحكّام عن الشّعراء؛
  • فتورُ العصبيّة والحميّة اللّتين نهضتا قديما بالشّعر الفخريّ والقوميّ؛
  • قلّةُ دواعي اللّهو في جوّ الاضطراب السّياسيّ وصرامةِ العيش.
ما الّذي يميّز شعرَ هذا العصر؟
خصلتان متلازمتان في النّصّ:
  • التّنميق اللّفظيّ — «وباءٌ» ذهب بماء الشّعر ورونقِه؛
  • المعاني المكرورة المسروقة الغثّة خلفَ ستار الألفاظ البرّاقة؛
  • ⟸ زينةٌ في الظّاهر، وفراغٌ في الباطن.
ما أنواع المحسّنات الّتي شاعت في هذا العصر؟
يعدّدها النّصّ:
  • التّشطير
  • التّخميس
  • الاقتباس
  • التّضمين
ما أغراضُ الشّعر الّتي شاعت في هذا العصر؟
من النّصّ:
  • الألغازُ والأحاجي وما جرى مجراها من التّاريخ الشّعريّ؛
  • المدائحُ النّبويّة — وعلى رأسها بردةُ البوصيريّ؛
  • المقطوعاتُ القصيرة ذاتُ النّكتة أو الفكاهة، ووصفُ الأشياء المألوفة.
ما الأوزانُ الشّعبيّةُ الّتي أسرف فيها شعراءُ هذا العصر؟
خمسةٌ يسمّيها النّصّ:
  • المَوّاليا
  • القُومَا
  • الزّجل
  • الدُّوبَيْت
  • الموشّح

💬أناقش معطيات النّصّ

هل العاملُ السّياسيُّ ضروريٌّ للنّهوض بالشّعر والأدب عامّةً؟
نعم، والنّصّ نفسُه يقيم الدّليل:
  • الاستقرارُ والأمنُ شرطان للإبداع: الشّاعر لا ينظم وهو مشغولٌ بقُوتِه؛
  • حين زالت الرّعايةُ انصرف الشّعراء إلى الحِرَف، وحين اضطرب الجوّ السّياسيّ قلّت دواعي اللّهو؛
  • ⟸ الأدبُ ثمرةُ مجتمعٍ مستقرّ، لا نبتةٌ تنمو في الخراب.
⚖️ ولكنِ احترسْ: النّصّ نفسُه يقول «إلّا أنّ مَعينَ الشّعر لم ينضب». فالعامل السّياسيّ يُضعِف الشّعرَ ولا يُميته — وهذا ما يمنعك من إطلاق الحكم.
هل ترى لانصراف الشّعراء إلى التّنميق اللّفظيّ بُعْدا نفسيّا واجتماعيّا؟ وضّحْ مع التّعليل.
نعم، وهو تعليلٌ من شقّين:
  • نفسيّا: ترك الشّاعرُ فنَّه ولجأ إلى حِرفةٍ يقتات منها، فجمدت قريحتُه وأحسّ بالإحباط والعجز عن الإبداع؛
  • اجتماعيّا: لمّا لم يبقَ من يقدّر المعنى، صار الشّاعر يطلب الإعجابَ بما يُرى — أي بالصّنعة — لا بما يُفهَم؛
  • ⟸ التّنميقُ تعويضٌ عن عجزٍ، لا فيضٌ عن قدرة.
ما المقصود بالألغاز والأحاجي؟ وهل تجدها في ثقافتنا الشّعبيّة اليوم؟ وهل يدلّ ذلك على ضعفٍ في الإبداع؟
الشّقّ الأوّل — التّعريف:
  • الألغازُ والأحاجي: شعرٌ يُضمَّن لغزا أو أُحجيةً، يُخفي المعنى قصدا ليجعل من فهمه لعبةَ ذكاء.
  • وهي حاضرةٌ في ثقافتنا الشّعبيّة اليوم (اللّغز، الحُزّورة، «النّقّازة»).
💡 الشّقّ الثّاني حكمٌ، والحكمُ يُبنى ولا يُتلقّى. ابنِه في ثلاث خطوات: ① ميّزْ بين اللّغز كتسليةٍ شعبيّة (لا يدّعي الأدب) واللّغز كغايةٍ للقصيدة (يحلّ محلّ المعنى)؛ ② اسألْ: هل بقي في النّصّ معنًى بعد حلّ اللّغز؟ ③ احكمْ على الغلبة لا على الوجود — وجودُ اللّغز ليس ضعفا، أمّا أن يصير غايةَ الشّعر فذاك الضّعف.
لماذا شاعت المدائحُ النّبويّة في هذا العصر؟ وهل كان يطبعها التّقليدُ المحضُ أم فيها بعضُ الإبداع؟
سببان يذكرهما الدّرس:
  • داخليّ: ما شاع في العصر من فسادٍ أخلاقيّ، فكان لا بدّ من الرّجوع إلى سيرة المصطفى ﷺ لتذكير النّاس بها؛
  • خارجيّ: ما شهده العصر من الهجمات الصّليبيّة على المشرق الإسلاميّ، فكان المديحُ النّبويّ تمسّكا بالهُويّة.
⭐ وأمّا التّقليدُ والإبداع فالنّصّ يعطيك ميزانا: قصائدُ البوصيريّ «راجت… وقلّدها الشّعراء» — فالتّقليد لاحقٌ عليه لا سابقٌ له. ⟸ البردةُ نفسُها إبداع، وما جاء بعدها هو التّقليد. وقد درسْتَ ذلك في «في مدح الرّسول ﷺ» من هذا المحور نفسِه.

✅أستخلص وأسجّل

⛔ هذه المحطّة إنتاجٌ منك، لا جوابٌ تُطالعه: المطلوب أن تلخّص النّصّ في ستّة أسطر، ثمّ تختمه بجملةٍ جامعة. ولذلك لا تجد هنا نصّا محرّرا — تجد الطّريق إليه.
① خطّةُ الأسطر السّتّة — سطرٌ لكلّ فكرة، بالتّرتيب الّذي جاء به النّصّ:
  • الأسباب: زوالُ الرّعاية، فتورُ العصبيّة، اضطرابُ العيش؛
  • الأثر في الشّاعر: انصرافُه إلى الحِرَف؛
  • الخصيصةُ الغالبة: التّنميقُ اللّفظيّ ومعانٍ مكرورة؛
  • فنونُ الصّنعة: البديعيّات، التّشطير، التّخميس، الاقتباس، التّضمين، التّاريخ الشّعريّ؛
  • ما ازدهر رغم ذلك: المدائحُ النّبويّة، والمقطوعاتُ القصيرة؛
  • الانفتاحُ على العامّيّة: الموّاليا والقوما والزّجل والدّوبيت والموشّح.
② قواعدُ التّلخيص الّتي تحكم هذه الأسطر:
  • احذفِ الأمثلةَ واحتفظْ بالفكرة الّتي تخدمها (أبياتُ صفيّ الدّين مثالٌ، لا فكرة)؛
  • احذفِ الصّور («وباءُ التّنميق»، «المريضُ المُدنَف») وأبقِ معناها؛
  • لا تنقلْ جملةً من النّصّ كما هي — أعِدْ صياغتَها بلغتك؛
  • احتفظْ بأدوات الرّبط الّتي تحمل المنطق: «إلّا أنّ»، «ولذلك»، «وممّا شاع».
نموذجٌ محلول — حاولْ أوّلا، ثمّ قابلْ ملخّصَك بهذا

«فقدَ الشّعرُ في عهد المماليك أسبابَ نهوضه: انصرف الحكّامُ الأعاجمُ عن الشّعراء، وفترتِ العصبيّةُ الّتي كانت تحمل الفخرَ والقوميّ، وضاق العيشُ في اضطرابٍ سياسيّ. فمال الشّعراءُ إلى الحِرَف يقتاتون منها. ولم ينضبْ مَعينُ الشّعر، لكنّه أُصيب بالتّنميق اللّفظيّ: ألفاظٌ برّاقةٌ تخفي معانيَ مكرورة. فافتنّ الشّعراءُ في البديع — بديعيّاتٍ وتشطيرا وتخميسا واقتباسا وتضمينا وتاريخا شعريّا. ومع ذلك ازدهرت المدائحُ النّبويّة ببردة البوصيريّ، وشاعت المقطوعاتُ القصيرة ووصفُ المألوف. وانفتح الشّعرُ على العامّيّة وأوزانها الشّعبيّة، فاستساغها الحكّامُ وأجازوا عليها.»

وهذه هي الجملةُ الجامعة الّتي تختم بها:
  • «ضعُف الشّعرُ في عهد المماليك ولم يمتْ: خسِر رعايتَه ومعناه، وكسِب في مقابل ذلك جمهورَه ولسانَه العامّيّ.»
⚖️ قابلْ ملخّصَك بهذا لا لتنسخَه، بل لتحصيَ: كم فكرةً أساسيّةً سقطت منك؟ وهل نقلْتَ جملةً من النّصّ كما هي؟ وهل بقي فيه مثالٌ (بيتُ صفيّ الدّين، مطلعُ البردة) كان يجب حذفُه؟
③ الجملةُ الجامعة تُبنى من طرفين متقابلين وردا في النّصّ: طرفِ الضّعف (الأسبابُ والتّنميق) وطرفِ البقاء («مَعينُ الشّعر لم ينضب»). صُغْهما في جملةٍ واحدة، ولا تنسَ أنّ الجملة الجامعة تحكم ولا تسرد.
في البكالوريا قد يأتيك نصّ عن أدب هذا العصر، فتُسأل أسئلة من جنس أسئلة هذا الدرس: «ما أسباب فتور الشعر؟»، و«هل ترى للتنميق اللفظي بعدا نفسيا واجتماعيا؟ وضّح مع التعليل»، وقد يُطلب تلخيص بجملة جامعة. جهّز ثلاثة عناصر: ① الأسباب الثلاثة مجتمعة: زوال رعاية الحكّام الأعاجم، وفتور العصبية التي حملت الفخر والقومي، وقلّة دواعي اللهو في الاضطراب السياسي ؛ ② الخصائص والفنون: تنميق لفظيّ يستر معاني مكرورة، ومحسّنات شاعت (التشطير، التخميس، الاقتباس، التضمين)، وأغراض (الألغاز والأحاجي، المدائح النبوية، المقطوعات القصيرة) ؛ ③ الجملة الجامعة بطرفين: طرف الضعف وطرف البقاء («معين الشعر لم ينضب»)، تحكم ولا تسرد. ⚠️ الخطأ الشائع: إطلاق الحكم بأنّ العامل السياسي أمات الشعر ؛ النصّ نفسه يقول إنّ معينه لم ينضب، فالعامل يُضعف ولا يُميت. ⚠️ وخطأ ثانٍ: الحكم على الألغاز بالوجود لا بالغلبة ؛ وجود اللغز ليس ضعفا، وإنّما الضعف أن يحلّ محلّ المعنى.

الصفحة 1/2

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net