اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 3 شعر المنفى لدى الشعراء الرواد

آلام الاغتراب للبارودي

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

محمود بن حسن بك حسن البارودي (1839 – 1904 م). وُلد بالقاهرة ونشأ بها في كنف أبيه وعائلته الميسورة، وتعلّم بالمدرسة العسكريّة فتخرّج منها ضابطا. وكان مولعا بحفظ الشّعر وإنشاده حتّى صار شاعرا فصيحا، عالما بقواعد اللّغة العربيّة وأدبها، فصُقلت قريحتُه الأدبيّة. وبعد الثّورة العرابيّة نُفي إلى سرنديب فلبث فيها سبع عشرة سنة، قال فيها أجودَ شعره الوجدانيّ والوطنيّ. ولمّا عفا عنه الخديويّ رجع إلى مصر وقد اشتدّت عليه وطأةُ المرض وضعف بصرُه، فتوفّي سنة 1904 م. يُعدّ رائدَ الشّعر العربيّ الحديث الّذي جدّد في القصيدة العربيّة شكلا ومضمونا، ولُقّب بـ«فارس السّيف والقلم».
ثلاثةُ مفاتيحَ في هذه التّرجمة تفتح لك النّصّ — لا تمرّ عليها مرورا:
  • الضّابطُ الشّاعر — «فارس السّيف والقلم». ولذلك لن تعجب حين تقرأ في البيت 8 «مرعى جيادي»: الخيلُ عنده ذكرى مهنةٍ، لا زينةَ قصيدة.
  • المنفى — سرنديب سبعَ عشرةَ سنة. وهي الجزيرةُ الّتي يسمّيها البيت 5 بالاسم، فالقصيدةُ مكتوبةٌ من داخل المنفى لا عنه.
  • ثقافةُ الحفظ — «مولعا بحفظ الشّعر وإنشاده». احتفظْ بهذا: هو مفتاحُ سؤالِ «أناقش» عن التّقليد والمحاكاة.

🚪تقديم النّصّ

سؤال الدّخول: ما هو شعورُ من نُفي من أرضٍ يحبّها ويعشقها حدَّ التّضحية؟ فكّرْ فيه قبل أن تفتح الجواب، ثمّ اقرأِ القصيدةَ لتقابل توقّعَك بما قاله البارودي فعلا.
ما شعورُ من نُفي من أرضٍ يحبّها ويعشقها حدَّ التّضحية؟
تنتابه ثلاثةُ مشاعرَ متلازمة:
  • الحزنُ والألم؛
  • والشّوقُ الشّديد إلى الوطن والأهل.
⭐ واحتفظْ بهذه الثّلاثة: ستجدها بالتّرتيب نفسِه في القصيدة — الألمُ في الأبيات الأولى، ثمّ الشّوقُ إلى الوطن، ثمّ الحنينُ إلى الأهل. هذا التّرتيبُ سيصير جوابَ سؤالٍ في محطّة «أتفحّص الاتّساق والانسجام».

📜النّصّ

«آلام الاغتراب» — محمود البارودي · 18 بيتا على بحر البسيط، رويّها القاف
الرّقمالصّدرالعجز
1هل من طبيب لداء الحبّ أو راقييشفي عليلا أخا حزن و إيراق
2قد كان أبقى الهوى من مهجتي رمقاحتّى جرى البين فاستولى على الباقي
3حزن براني و أشواق رعت كبدييا ويح نفسي من حزن و أشواق
4أكلّف النّفس صبرا و هي جازعةوالصّبر في الحبّ أعيا كلّ مشتاق
5لا في سرنديب لي خلّ ألوذ بهولا أنيس سوى همّي و إطراقي
6أبيت أرعى نجوم اللّيل مرتفقافي قنّة عزّ مرقاها على الرّاقي
7يا روضة النّيل لا مسّتك بائقةولا عدتك سماء ذات إغداق
8مرعى جيادي ومأوى جيرتي وحمىقومي و منبت آدابي و أعراقي
9أصبو إليها على بعد و يعجبنيأنّي أعيش بها في ثوب إملاق
10وكيف أنسى ديارا قد تركت بهاأهلا كراما لهم ودّي و إشفاقي
11إذا تذكّرت أيّاما بهم سلفتتحدّرت بغروب الدّمع آماقي
12فيا بريد الصّبا بلّغ ذوي رحميأنّي مقيم على عهدي و ميثاقي
13وإن مررت على المقياس فاهد لهمنّي تحيّة نفس ذات أعلاق
14وأنت يا طائرا يبكي على فنننفسي فداؤك من ساق على ساق
15أذكرتني ما مضى و الشّمل مجتمعبمصر والحرب لم تنهض على ساق
16أيّام أسحب أذيال الصّبا مرحافي فتية لطريق الخير سباق
17فيا لها ذكرة شبّ الغرام بهانارا سرت بين أرداني و أطواقي
18عصر تولّى وأبقى في الفؤاد هوىيكاد يشمل أحشائي بإحراق

محمود البارودي — من شعره الوجدانيّ والوطنيّ الّذي قاله في منفاه بسرنديب.

📖أثري رصيدي اللّغويّ

① في معاني الألفاظ
اللّفظمعناه
إيراقالسّهرُ والسّهاد
المهجةالرّوح
برانيأضعفني
عدتكتركتك
سرنديبجزيرةُ سيلان
روضة النّيلهي روضةُ المقياس غربيَّ النّيل بمصرَ القديمة
الصَّباالرّيحُ المستقبِلةُ للقبلة
② في الحقل المعجميّ — القصيدةُ تنهض على حقلين غالبين:
  • حقلُ الألم والحزن: داء · حزن · أشواق · يا ويح نفسي · همّي · إطراقي · جازعة. وهي المفرداتُ الّتي توحي بعاطفة الشّاعر.
  • حقلُ الوطن والمكان: سرنديب ⁦(5)⁩ · روضة النّيل ⁦(7)⁩ · مرعى جيادي ومأوى جيرتي ⁦(8)⁩ · ديارا ⁦(10)⁩ · المقياس ⁦(13)⁩ · بمصر ⁦(15)⁩.
لماذا يغلب هذان الحقلان على القصيدة، دون حقل الطّبيعة مثلا؟
لأنّ الحقلَ المعجميَّ يتبع الموضوع، لا ذوقَ الشّاعر:
  • موضوعُ النّصّ حالةٌ نفسيّةٌ في مكانٍ مرفوض (المنفى) وحنينٌ إلى مكانٍ مفقود (الوطن)؛
  • فكلُّ لفظةٍ في القصيدة تخدم أحدَ هذين: تصفُ الألمَ، أو تسمّي المكان؛
  • ⟸ وحدةُ الحقول المعجميّة دليلٌ على وحدة الموضوع، وهو ما ستثبته في محطّة «أتفحّص الاتّساق والانسجام».
③ في الحقل الدّلاليّ — ما دلالةُ «الحبّ» في البيت الأوّل؟ أهي دلالتُه عند شعراء الغزل؟
لا، والفرقُ هو مفتاحُ القصيدة كلِّها:
  • لفظُ «الحبّ» و«الهوى» و«الصّبر في الحبّ» ألفاظُ الغزل بعينها؛
  • لكنّ الشّاعر يُبدي في النّصّ حبَّه لوطنه وشوقَه إلى أهله وخلّانه، بينما يعبّر شعراءُ الغزل عن مشاعرهم نحو المرأة؛
  • والدّليلُ في القصيدة نفسِها: «أصبو إليها على بعد» ⁦(9)⁩ — والهاءُ للدّيار لا لامرأة؛ «إذا تذكّرت أيّاما بهم سلفت» ⁦(11)⁩؛ «بلّغ ذوي رحمي» ⁦(12)⁩؛
  • ⟸ اللّفظُ غزليّ والدّلالةُ وطنيّة. وهذا وحده يفسّر لماذا صحّ للبارودي أن يفتتح قصيدةَ منفًى بمطلعٍ يشبه مطالعَ الغزل.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه، وكلُّ جوابٍ يحمل رقمَ بيتِه. ابحثْ أوّلا، ثمّ افتحْ لتقابل.
عمّن يبحث الشّاعر؟ وما طبيعةُ علّته؟ وما سببُها؟
الجوابُ كلُّه في البيت 1:
  • يبحث عن طبيبٍ أو راقٍ يخفّف عنه تباريحَ الهوى وآلامَ الحبّ؛
  • طبيعةُ العلّة: علّةُ حبٍّ لا علّةُ بدن — «داء الحبّ»، «عليلا أخا حزن وإيراق»؛
  • سببُها: فراقُ الأهل والبعدُ عن الأوطان؛
  • ⟸ ولذلك كان طلبُه «راقيا» إلى جانب الطّبيب: داءٌ لا دواءَ له في الطّبّ.
ما الفرقُ بين طبيعة حبّه وحبِّ غيره من شعراء الغزل؟ بيّنْ ذلك من النّصّ.
الفرقُ في الموضوع لا في اللّفظ:
  • شعراءُ الغزل يعبّرون عن مشاعرهم نحو المرأة؛
  • والبارودي يُبدي حبَّه لوطنه وشوقَه إلى أهله وخلّانه؛
  • وهذه شواهدُه الثّلاثة: «أصبو إليها على بعد» ⁦(9)⁩ · «إذا تذكّرت أيّاما بهم سلفت» ⁦(11)⁩ · «بلّغ ذوي رحمي» ⁦(12)⁩.
ما الخيطُ العاطفيُّ الّذي ظلّ يشدّ الشّاعر طولَ القصيدة؟ وما الّذي يهزّ هذا الخيط؟
خيطٌ واحدٌ ومحرّكٌ واحد:
  • الخيط: الشّوقُ والحنينُ إلى الأهل والوطن؛
  • ما يهزّه: عودةُ شريط الذّكريات إلى مخيّلة الشّاعر؛
  • ⟸ وانظرْ كيف يشتغل هذا في النّصّ: البيت 11 يبدأ بـ«إذا تذكّرت»، والبيت 15 بـ«أذكرتني ما مضى». الذّكرى هي الزّنادُ، والحنينُ هو النّار.
بين مفردات القصيدة وعاطفة الشّاعر علاقةٌ وطيدة. استخرجْ منها ما يوحي بتلك العاطفة.
سبعُ مفرداتٍ تكفي، وكلُّها من حقلٍ واحد:
  • داء · حزن · أشواق · يا ويح نفسي · همّي · إطراقي · جازعة؛
  • ⟸ وهي توحي جميعا بـألم الشّاعر وحزنه. ولاحظْ أنّ أربعا منها في الأبيات الثّلاثة الأولى وحدها: الشّاعرُ يقيم الجوَّ قبل أن يقصّ.
ماذا تمثّل «سرنديب» و«روضة النّيل» و«المقياس» للشّاعر؟
مكانان متقابلان، لا ثلاثة:
  • سرنديب ⁦(5)⁩: منفى الشّاعر، الّذي يشعر فيه بالغربة والوحدة والبعد؛
  • النّيل ⁦(7)⁩ والمقياس ⁦(13)⁩: موطنا ذكرياتِ الشّاعر الّتي ما فتئ يحنّ إليها؛
  • ⟸ فالقصيدةُ مبنيّةٌ على تقابلٍ مكانيّ: مكانٌ فيه جسدُه، ومكانٌ فيه قلبُه. ولذلك جاء النّداءُ في البيت 7 لروضة النّيل، لا لسرنديب.
بماذا يذكّرك الشّاعرُ وهو يتوجّه بالنّداء إلى «بريد الصّبا» و«طائرٍ يبكي»؟
يذكّرنا بأقدمِ ما في الشّعر العربيّ:
  • بالبكاء على الأطلال، وكيف كان العربيّ قديما يعبّر عن لوعة البعد وألم الفراق جرّاءَ تركِ الدّيار وهجرِ الأحبّة؛
  • والنّداءان في البيت 12 («فيا بريد الصّبا») والبيت 14 («وأنت يا طائرا يبكي»)؛
  • ⟸ وهذه أوّلُ علامةٍ على التّقليد، وستؤكّدها في السّؤال التّالي.
هل طغت على النّصّ عناصرُ الجدّة أم إنّه حافلٌ بمظاهر التّقليد للقصيدة القديمة؟ مثّلْ من النّصّ.
النّصّ حافلٌ بمظاهر التّقليد، والدّليلُ ليس انطباعا بل مقابلة:
  • المعاني طرَقها العديد من الشّعراء قبله: ابنُ المعتزّ، وأبو فراس، وجميلُ بنُ معمر؛
  • ومثالُ ذلك ما ورد في البيت الأوّل بعينه — قابلْه ببيت أبي فراس:
بيتُ أبي فراس الحمدانيّ
الصّدرالعجز
هل لصبٍّ متيّمٍ من معينولداءٍ مخامرٍ من طبيب
انظرْ ما الّذي تشابه:
  • الاستفهامُ مطلعا للقصيدة: «هل من طبيب…» / «هل لصبّ…»؛
  • الدّاءُ والطّبيب في البيت الواحد عند الاثنين؛
  • ⟸ فالمعنى مطروقٌ، والصّياغةُ قريبة. وهذه هي المحاكاة الّتي ستناقشها بعد قليل.

💬أناقش معطيات النّصّ

مزج الشّاعرُ بين التّجربة الشّعوريّة الصّادقة وخاصّيّة المحاكاة والتّقليد. فيمَ تمثّل كلُّ جانب؟ وعلامَ يدلّ ذلك فيما يتعلّق بمكانة الشّاعر الأدبيّة؟
جانبان، ثمّ نتيجةٌ واحدة:
  • التّجربةُ الشّعوريّة: تمثّلت في تعبيره عن حزنه وأساه في المنفى وهو بعيدٌ عن وطنه وأحبّته — وهذا ما لا يُستعار من أحد؛
  • المحاكاةُ والتّقليد: تمثّلت في الحفاظ على بناء القصيدة القديمة ومحاكاةِ الشّعراء القدامى واستلهامِ معانيهم؛
  • ما يدلّ عليه ذلك: قدرةُ الشّاعر على بعث الحركة الأدبيّة وإحياء التّراث الشّعريّ العربيّ القديم، وتخليصِه من قيود الصّنعة وركاكة الأسلوب.
⭐ لا تخلطْ بين تقليدٍ عاجز وإحياءٍ مقصود: العاجزُ يقلّد لأنّه لا يملك غيرَ التّقليد، والبارودي يقلّد على تجربةٍ صادقة يملكها وحدَه. ولهذا سُمّي رائدا، لا تابعا.
أهناك ما يوحي في النّصّ بالأبعاد السّياسيّة لحالة الشّاعر وهو في المنفى؟
نعم، والبعدُ السّياسيُّ قائمٌ في وضع النّصّ نفسِه:
  • الشّاعرُ يعبّر عن بعض الأبعاد السّياسيّة ما دام هناك استعمارٌ ونفيٌ وإجلاءٌ عن الوطن؛
  • فهو يصوّر وضعيّةً محتومةً يعيشها مُرغَما، وكأنّه يريد أن يقول للقرّاء: هذا هو ظلمُ الاستعمار، وهذا هو حالُ الضّعفاء أمثالي في يده؛
  • والحجّةُ من داخل النّصّ: كيف يصبر الإنسانُ على فراق أهله وأبنائه ووطنه من تلقاء نفسه؟ فالبيتُ 5 يقول «لا في سرنديب لي خلّ» — إقامةٌ بلا صاحبٍ ولا اختيار.
هل ترى على مفردات القصيدة تجديدا يساير مقتضيات اللّغة الحديثة، أم تراها امتدادا للقاموس اللّغويّ القديم؟ علّلْ بالأبيات 3، 6، 12، 14، 18.
مفرداتُ القصيدة امتدادٌ للقاموس اللّغويّ القديم، والتّعليلُ بالجرد:
  • البيت 3: «براني»، «رعت كبدي»؛
  • البيت 6: «أرعى النّجوم»؛
  • البيت 8: «جيادي»، «جيرتي»؛
  • البيت 12: «الصّبا»؛
  • البيت 14: «طائرا»؛
  • البيت 18: «عصر تولّى»؛
  • ⟸ وهي كلُّها ألفاظٌ متداولةٌ في أشعار القدامى، لا في لغة عصره.
⚖️ وطريقةُ العمل، لتعيدها على أيّ نصّ: اختَرْ لفظةً، ثمّ اسألْ سؤالين — ① هل أستعملها أنا اليوم في كلامي؟ ② هل أجدها في شعر القدامى؟ فإن كان الجوابُ «لا» ثمّ «نعم»، فاللّفظةُ من القاموس القديم. ⛔ ولا تحكمْ على لفظةٍ واحدة: احكمْ على الغالب بعد جردٍ كالّذي فوق.
لا يخرج النّصّ عن الصّور البيانيّة التّقليديّة (تشبيه، استعارة، كناية). استخرجْ أمثلةً وميّزْ فيها الإبداعَ من التّقليد. ماذا تستنتج؟
ثلاثُ صورٍ من النّصّ
الشّاهدالبيتنوعُ الصّورة
«داءُ الحبّ»1تشبيهٌ بليغ، بإضافة المشبّه به إلى المشبّه
«أبقى الهوى من مهجتي رمقا»2استعارةٌ مكنيّة
«أبيت أرعى نجوم اللّيل»6كنايةٌ عن السّهر
الاستنتاج — ونحن نبنيه، لا ننقله:
  • الأنواعُ الثّلاثةُ كلُّها من الصّور التّقليديّة المعروفة قبله؛
  • ولا واحدةَ منها تخرج عن مألوف القدامى في تركيبها ولا في مادّتها؛
  • ⟸ فيمكن أن نستنتج أنّ الشّاعر لم يكن مبدعا في مجال التّصوير الفنّيّ بل مقلّدا.
⚖️ وهذا حكمٌ على التّصوير وحدَه، لا على القصيدة كلِّها. فالإبداعُ عند البارودي في صدق التّجربة وفي إحياء البناء، لا في ابتكار الصّورة. ⛔ من عمّم الحكمَ على القصيدة كلِّها فقد ناقض ما أثبتَه في السّؤال الأوّل.

🧱أحدّد بناء النّصّ

ميّزْ بين الأساليب الخبريّة والإنشائيّة في النّصّ. أيُّهما الأصلُ وأيّهما يحتلّ المفاصل؟
الإنشائيُّ — وهو موزّعٌ على مفاصل القصيدة:
  • استفهام: «هل من طبيب⁦…» (1)⁩ · «كيف أنسى ديارا» ⁦(10)⁩ — والثّاني غرضُه التّعجّبُ والإنكار لا طلبُ الجواب؛
  • نداء: «يا ويح نفسي» ⁦(3)⁩ · «يا روضة النّيل» ⁦(7)⁩ · «فيا بريد الصّبا» ⁦(12)⁩ · «وأنت يا طائرا» ⁦(14)⁩ · «فيا لها ذكرة» ⁦(17)⁩؛
  • أمر: «بلّغ» ⁦(12)⁩ · «فاهدِ» ⁦(13)⁩.
الخبريُّ — وهو الأصلُ الّذي تقوم عليه القصيدة:
  • «قد كان أبقى الهوى⁦…» (2)⁩ · «حزن براني» ⁦(3)⁩ · «أكلّف النّفس صبرا» ⁦(4)⁩ · «لا في سرنديب لي خلّ» ⁦(5)⁩ · «أبيت أرعى» ⁦(6)⁩ · «أصبو إليها» ⁦(9)⁩ · «إذا تذكّرت… تحدّرت» ⁦(11)⁩ · «أذكرتني ما مضى» ⁦(15)⁩ · «عصر تولّى» ⁦(18)⁩.
⟸ الخبرُ هو الأصل: به يصف الشّاعرُ حالَه ويسرد ذكراه. والإنشاءُ يحتلّ المفاصل: يفتتح القصيدةَ ⁦(1)⁩، ويفتتح الالتفاتَ إلى الوطن ⁦(7)⁩، ويفتتح خاتمةَ الرّسائل ⁦(12-14)⁩. ⚖️ وهذا حكمٌ على الغالب: لو أحصيتَ أبياتا بعينها لوجدتَ فيها الخبرَ والإنشاءَ معا في البيت الواحد (البيت 3 مثلا: خبرٌ ثمّ نداء).
ما النّمطُ الغالبُ على النّصّ؟ وما مؤشّراتُه؟ وهل هو خالصٌ؟
طريقةُ التّحديد أوّلا — ثلاثةُ أسئلةٍ تُطرح على أيّ نصّ:
  • ① هل تتقدّم فيه أحداثٌ متسلسلةٌ في زمن؟ ⟸ فهو سرديّ.
  • ② هل تتقدّم فيه صفاتٌ وأحوالٌ بلا تسلسلٍ زمنيّ؟ ⟸ فهو وصفيّ.
  • ③ هل يقيم حججا ليقنعك برأي؟ ⟸ فهو حجاجيّ.
والمؤشّراتُ في هذا النّصّ تجيب عن الثّاني:
  • أفعالٌ تدلّ على الحال المستمرّة لا على الحدث: «أبيت أرعى» ⁦(6)⁩، «أكلّف» ⁦(4)⁩، «أصبو» ⁦(9)⁩، «أعيش» ⁦(9)⁩؛
  • نعوتٌ وأحوال: «عليلا أخا حزن وإيراق» ⁦(1)⁩، «وهي جازعة» ⁦(4)⁩، «مرتفقا» ⁦(6)⁩، «نفس ذات أعلاق» ⁦(13)⁩، «أهلا كراما» ⁦(10)⁩؛
  • غيابُ الحدث المتسلسل: لا يقصّ النّصُّ ما جرى، بل يصف ما يجده؛
  • ⟸ النّمطُ وصفيّ، وموصوفُه حالةٌ نفسيّةٌ داخليّة لا مشهدٌ خارجيّ.
⚖️ وليس خالصا: في النّصّ لمساتٌ سرديّة واضحة — «حتّى جرى البين فاستولى على الباقي» ⁦(2)⁩، و«أذكرتني ما مضى والشّمل مجتمع» ⁦(15)⁩. ⟸ قلْ «الغالبُ وصفيّ»، لا «النّصّ وصفيّ». والسّردُ هنا في خدمة الوصف: يفسّر كيف صار الشّاعر إلى ما هو فيه.
هل ترى تجديدا في البناء الموسيقيّ (الوزن والقافية)؟ علّلْ.
لا تجديدَ في البناء الموسيقيّ، والتّعليلُ في ثلاثة:
  • الوزن: نظم الشّاعر قصيدته على بحر البسيط، وهو وزنٌ مناسبٌ لمواقف الحزن والأسى؛
  • القافية: موحّدةٌ في كلّ الأبيات؛
  • الرّويّ: اعتمد الشّاعر على وحدة الوزن والقافية والرّويّ — والرّويّ هنا هو القاف: إيراق · الباقي · أشواق · مشتاق · إطراقي · الرّاقي · إغداق · أعراقي · إملاق · إشفاقي · آماقي · ميثاقي · أعلاق · ساق · ساق · سباق · أطواق · بإحراق؛
  • ⟸ فالبناءُ الموسيقيُّ هو بناءُ القصيدة العموديّة القديمة بلا تعديل.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

ما وظيفةُ «الفاء» في بداية البيت 12، و«الواو» في كلٍّ من البيتين 13 و14؟
رابطان مختلفان، ولكلٍّ عملُه:
  • الفاء في «فـيا بريد الصّبا» ⁦(12)⁩: وظيفتُها الاستئناف — تفتح مقطعا جديدا بعد أن فرغ من الذّكرى؛
  • الواو في «وإن مررت» ⁦(13)⁩ و«وأنت يا طائرا» ⁦(14)⁩: وظيفتُها الجمعُ والرّبط — تعطف نداءً على نداء دون أن تقطع؛
  • ⟸ فالفاءُ تفتح، والواوُ تُراكم. ولذلك جاءت الأبيات 12 و13 و14 كتلةً واحدة: ثلاثُ رسائلَ يبعث بها الشّاعرُ إلى وطنه.
هل تلاحظ علاقةً تربط بين الأبيات السّتّة الأولى وبين ما يليها؟ ماذا تستنتج؟
نعم، والعلاقةُ سببيّة:
  • في الأبيات السّتّة الأولى كشف الشّاعرُ عن ألمه ومعاناته النّفسيّة؛
  • وتلك المعاناةُ قادته إلى تذكّر أيّامه وهو في وطنه بين أهله وأحبابه؛
  • فعبّر عن شوقه وحنينه وتعلّقه بأرضه وأهله (من البيت 7 إلى آخر القصيدة)؛
  • ⟸ الاستنتاج: الوحداتُ في القصيدة تخضع لـترتيبٍ وتنسيقٍ محكمين — الألمُ أوّلا، لأنّه السّبب؛ والحنينُ ثانيا، لأنّه النّتيجة.
⭐ جرّبْ بنفسك، فهذا ما يثبت الحكمَ ولا يدّعيه: خذِ البيت 7 («يا روضة النّيل») وضعه في مكان البيت 2. هل تجد القصيدةَ ما زالت مستقيمة؟ ⟸ لا: ستدعو للوطن قبل أن تقول لماذا. والتّرتيبُ الّذي لا يُقبل عكسُه هو تعريفُ الانسجام.
ما الضّميرُ الّذي يشدّ القصيدةَ من أوّلها إلى آخرها؟
ياءُ المتكلّم — وهي أكثرُ من ضمير، هي بناءُ النّصّ:
  • تحضر في كلّ مقطعٍ تقريبا: مهجتي ⁦(2)⁩ · كبدي، نفسي ⁦(3)⁩ · همّي، إطراقي ⁦(5)⁩ · جيادي، جيرتي، قومي، آدابي، أعراقي ⁦(8)⁩ · ودّي ⁦(10)⁩ · آماقي ⁦(11)⁩ · رحمي ⁦(12)⁩ · عهدي، ميثاقي ⁦(12)⁩ · منّي ⁦(13)⁩ · نفسي ⁦(14)⁩ · أرداني، أطواقي ⁦(17)⁩ · أحشائي ⁦(18)⁩؛
  • ⟸ فالقصيدةُ كلُّها ملفوظةٌ من موقعٍ واحد: أنا. ولهذا لا يشعر القارئ بانقطاعٍ حين ينتقل الشّاعرُ من الألم إلى الوطن إلى الأهل: المتكلّمُ لم يتغيّر.
📌 واحتفظْ بهذه القائمة: هي مادّةُ درس القواعد في آخر هذه اللّعبة — «نون الوقاية والمضاف إلى ياء المتكلّم».

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

ما الدّوافعُ النّفسيّة من وراء كتابة هذه القصيدة؟ وأين يقف الشّاعرُ بين التّقليد والتّجديد؟

الدّافعُ النّفسيُّ واحدٌ مركّب: الشّعورُ بالغربة والوحدة والظّلم والجور وهو بالمنفى. لم يكتب البارودي هذه القصيدةَ ليقول شيئا لأحد، بل ليحتمل ما لا يُحتمل؛ ولذلك ابتدأها بطلب طبيبٍ، وختمها بنارٍ «يكاد يشمل أحشائي بإحراق»: أوّلُها استغاثةٌ وآخرُها اعتراف.

وأمّا موقعُه بين التّقليد والتّجديد، فقد مال الشّاعرُ إلى تقليد القدامى — في المعنى، وفي الصّورة، وفي البناء الموسيقيّ، وفي القاموس اللّغويّ؛ لكنّه استطاع أن يستخرج من مجموع تلك الأساليب أسلوبَه الرّائق. فالجديدُ عنده ليس في المادّة، بل في أنّه ردّ إلى الشّعر العربيّ صفاءَه بعد قرونٍ من التّنميق والصّنعة، وأنّه وضع خلف الألفاظ القديمة تجربةً صادقةً عاشها بجسده لا بمخيّلته. وبهذا وحدَه استحقّ أن يُسمّى رائدَ الشّعر العربيّ الحديث.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1) في مجال قواعد اللّغة: نون الوقاية والمضاف إلى ياء المتكلّم

الأسئلةُ الّتي يعالجها هذا الدّرس: ما هي نونُ الوقاية؟ وما وظيفتُها: أنحويّةٌ هي، أم صرفيّةٌ، أم لسانيّة؟ وممّ تقي؟
الأمثلةُ — وكلُّها من القصيدة، لا من غيرها
المثالالبيتما قبل الياء
حزنٌ براني3فعل
ويعجبني9فعل
أذكرتني ما مضى15فعل
من مهجتي رمقا2اسم
سوى همّـي وإطراقي5اسم
نفسي فداؤك14اسم
قارنْ بين «براني» و«مهجتي»: ما الّذي فصل بين الفعل وياء المتكلّم في الأولى، ولم يفصلْ في الثّانية؟
حلّلْ عناصرَ كلٍّ منهما:
  • براني = «برى» (فعل) + النّون + ياء المتكلّم؛ والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ تقديره «هو» يعود على «حزن»، والياءُ مفعولٌ به؛
  • مهجتي = «مهجة» (اسم) + ياء المتكلّم مباشرةً، بلا نون؛ والياءُ مضافٌ إليه؛
  • ⟸ فالنّونُ تدخل حين يكون ما قبل الياء فعلا («براني»)، ولا تدخل على اسمٍ مثل «مهجتي»؛ وتلحق كذلك بعضَ الحروف، كما في «منّي» ⁦(13)⁩.
حاولْ نطق «براني» و«يعجبني» دون النّون: «براي»، «يعجبي». هل تستطيع؟
لا، ولا يستطيعها لسانٌ عربيّ:
  • الجمعُ بين آخر الفعل وياء المتكلّم مباشرةً مستحيلٌ نطقا؛
  • فتُدخَل النّونُ لتقيَ اللّسانَ من هذه الاستحالة؛
  • ⟸ ولذلك كان الجوابُ عن سؤال الدّرس: وظيفتُها لسانيّةٌ، لا نحويّةٌ ولا صرفيّة — فهي لا تُحدث معنًى ولا تغيّر إعرابا، وإنّما تُنطِق ما لا يُنطَق.
القاعدة — نونُ الوقاية: هي الّتي تأتي قبل ياء المتكلّم، ووظيفتُها لسانيّة، إذ تقي من استحالة الجمع بين ياء المتكلّم وبين الكلمة المضافة إليها. إعرابُها: حرفٌ مبنيٌّ على السّكون لا محلّ له من الإعراب.
أعربْ «حزنٌ براني» (البيت 3) إعرابا كاملا.
أربعةُ عناصر، والنّونُ ثالثُها:
  • حزنٌ: مبتدأٌ مرفوع؛
  • برى: فعلٌ ماضٍ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ تقديره «هو» يعود على «حزن»، والجملةُ الفعليّةُ في محلّ رفعٍ خبرُ المبتدأ؛
  • النّون: نونُ الوقاية، حرفٌ مبنيٌّ على السّكون لا محلّ له من الإعراب؛
  • الياء: ضميرٌ متّصلٌ مبنيٌّ في محلّ نصبٍ مفعولا به.
استخرجْ من القصيدة خمسةَ أسماءٍ مضافةٍ إلى ياء المتكلّم، وقلْ لماذا لم تلحقْها نونُ وقاية.
خمسةٌ من كثير — والقصيدةُ مليئةٌ بها:
  • مهجتي ⁦(2)⁩ · كبدي ⁦(3)⁩ · همّـي وإطراقي ⁦(5)⁩ · جيادي وجيرتي وقومي وآدابي وأعراقي ⁦(8)⁩ · آماقي ⁦(11)⁩ · عهدي وميثاقي ⁦(12)⁩ · أحشائي ⁦(18)⁩؛
  • ولماذا بلا نون؟ لأنّ ما قبل الياء فيها كلُّه أسماء، والاسمُ يقبل الإضافةَ إلى الياء مباشرةً؛ فالياءُ فيها مضافٌ إليه في محلّ جرّ، لا مفعولٌ به.
⚖️ ميزانٌ سريعٌ تحمله معك: ضعِ الياءَ وانظرْ ما قبلها. إن كان فعلا فلا بدّ من نونٍ تقيه ⟸ «براني». وإن كان اسما فالياءُ تلتصق به مباشرةً ⟸ «مهجتي». ⛔ ولا تخلطْ بين النّونين: النّونُ في «أرداني» ⁦(17)⁩ ليست نونَ وقاية — انظرْ ما قبلها، تجدْه اسما، فالنّونُ من بنية الكلمة نفسِها («الأردان»).

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2) في مجال البلاغة: المجاز المرسل والمجاز العقليّ

درسْتَ في «أناقش» ثلاثَ صورٍ: التّشبيه والاستعارة والكناية. وهذا الدّرسُ يفتح لك بابا رابعا — المجاز — وهو بابان اثنان: مجازٌ في الكلمة (المرسل)، ومجازٌ في الإسناد (العقليّ).
الأمثلة (أ) — تأمّلِ الكلمةَ المسطَّرة في كلٍّ منها، وسلْ: أهي على معناها الحقيقيّ؟
  • قال ﷺ مخاطبا زوجاته: «أسرعكنّ لحوقا بي أطولكنّ يدا»؛
  • ﴿وينزّل لكم من السّماء رزقا﴾ — سورة غافر: 13؛
  • ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ — سورة آل عمران: 167؛
  • ﴿واركعوا مع الرّاكعين﴾ — سورة البقرة: 43؛
  • ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ — سورة الشّرح: 1؛
  • ﴿إنّ الأبرار لفي نعيم﴾ — سورة المطفّفين: 22؛
  • ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ — سورة النّساء: 2؛
  • ﴿إنّك ميّت وإنّهم ميّتون﴾ — سورة الزّمر: 30؛
  • ﴿فإنّما يسّرناه بلسانك لتبشّر به المتّقين﴾ — سورة مريم: 97.
لماذا لا يصحّ في هذه الأمثلة أن نأخذ الكلمةَ على معناها الحقيقيّ؟ وما الّذي منعنا؟
في كلٍّ منها قرينةٌ تمنع المعنى الحقيقيّ وتدلّ على المجازيّ:
  • اليد معناها الحقيقيّ العضو، والمرادُ العطاء؛ فالعلاقةُ سببيّة (اليدُ سببُ العطاء)؛
  • الرّزق معناه القوتُ والطّعام، وهو لا ينزل من السّماء؛ إنّما ينزل المطر وهو سببُه ⟸ العلاقةُ مسبَّبيّة؛
  • الأفواه: الإنسانُ لا يتحدّث بالفم كلِّه، بل بجزءٍ منه هو اللّسان ⟸ العلاقةُ كلّيّة، والقرينةُ لفظيّةٌ هي «يقولون»؛
  • الرّكوع جزءٌ من الصّلاة، وأُريدت به الصّلاةُ كلُّها ⟸ العلاقةُ جزئيّة، والقرينةُ حاليّةٌ تُفهم من المقام؛
  • الصّدر محلٌّ، وأُريد به الحالُّ فيه وهو القلب ⟸ العلاقةُ محلّيّة، والقرينةُ «نشرح»؛
  • النّعيم حالُ المؤمن، وأُريد به الجنّة التي هي محلُّه ⟸ العلاقةُ حاليّة؛
  • اليتامى: اليتيمُ حقيقةً من فقد أباه ولم يبلغْ، والمرادُ من بلغ — سُمّي باسمه الماضي ⟸ علاقةُ اعتبار ما كان، والقرينةُ «وآتوا» لأنّ الصّغير لا يُعطى ماله؛
  • ميّت: والخطابُ للنّبيّ ﷺ وهو حيّ ⟸ علاقةُ اعتبار ما سيكون، والقرينةُ كافُ الخطاب؛
  • اللّسان آلةُ اللّغة، وأُريدت به اللّغة ⟸ العلاقةُ آليّة، والقرينةُ «يسّرناه».
القاعدة — المجازُ المرسل: كلمةٌ استُعملت في غير معناها الحقيقيّ، لوجود علاقةٍ تربط بين المعنى الحقيقيّ والمجازيّ وهي غير المشابهة، مع وجود قرينةٍ تمنع إرادة المعنى الحقيقيّ. والقرينةُ لفظيّةٌ إذا وُجد في العبارة لفظٌ يوضّح قصدَ المتكلّم، وحاليّةٌ إذا فُهم القصدُ من واقع الحال والسّياق.
⛔ وهنا الفارقُ الّذي يُسأل عنه في الامتحان: إن كانت العلاقةُ المشابهةَ فالصّورةُ استعارة، لا مجازا مرسلا. «داءُ الحبّ» في البيت 1 مبنيٌّ على المشابهة ⟸ ليس مجازا مرسلا، بل تشبيهٌ بليغ لأنّ طرفيه مذكوران. ⟸ اختبرِ العلاقةَ أوّلا.
علاقاتُ المجاز المرسل — أشهرُها
العلاقةمعناها
السّببيّةأن نطلق السّبب ونريد منه المسبَّب
المسبَّبيّةأن نطلق المسبَّب ونريد منه السّبب
الكلّيّةأن نطلق الكلّ ونريد منه الجزء
الجزئيّةأن نطلق الجزء ونريد منه الكلّ
المحلّيّةأن نطلق المحلّ ونريد منه الحالَّ فيه
الحاليّةأن نطلق الحالّ ونريد منه المحلّ
اعتبار ما كانأن نسمّي الشّيء بالاسم الّذي كان يحمله في الماضي
اعتبار ما يكونأن نسمّي الشّيء بالاسم الّذي سيؤول إليه في المستقبل
الآليّةأن نسمّي الشّيء باسم الآلة الّتي يؤدَّى بها
الأمثلة (ب) — وهنا المجازُ ليس في الكلمة، بل في مَن أُسند إليه الفعل:
  • قال الشّاعر — والفاعلُ الحقيقيُّ للمشيب والإفناء هو الله سبحانه:
مثالُ الإسناد
الصّدرالعجز
أشاب الصّغير وأفنى الكبيركرّ الغداة ومرّ العشيّ
والمثالُ النّثريّ:
  • «كانت المدرسةُ عامرة وأقسامُها مضيئة» — فالمدرسةُ لا تَعمُر غيرَها وإنّما هي معمورةٌ بالتّلاميذ، والأقسامُ ليست مضيئةً لأنّ الإضاءةَ لا تقع منها وإنّما تقع عليها فهي مضاءة ⟸ مجازٌ عقليٌّ علاقتُه المفعوليّة، لذكر اسم الفاعل وإرادة اسم المفعول.
القاعدة — المجازُ العقليّ: هو إسنادُ الفعل لغير فاعله الحقيقيّ، لوجود علاقةٍ بينه وبين الفاعل الحقيقيّ — كالمكان والزّمان والمفعوليّة والفاعليّة.
التّطبيق على النّصّ — استخرجْ من القصيدة مجازا عقليّا وبيّنْ علاقتَه.
ثلاثةُ مواضعَ، وطريقةُ العمل واحدة: اسألْ «من الفاعلُ الحقيقيّ؟»
  • «قد كان أبقى الهوى من مهجتي رمقا» ⁦(2)⁩: أُسند الإبقاء إلى الهوى، والهوى لا يُبقي ولا يُفني؛ إنّما هو سببُ ما جرى ⟸ مجازٌ عقليٌّ علاقتُه السّببيّة (وقد قرأناه في جدول الصّور استعارةً مكنيّة: الوجهان مقبولان، والسّؤالُ يحدّد أيَّهما تذكر)؛
  • «حزنٌ براني وأشواقٌ رعت كبدي» ⁦(3)⁩: أُسند البَرْيُ إلى الحزن والرّعيُ إلى الأشواق، وليسا الفاعلَ الحقيقيّ ⟸ مجازٌ عقليٌّ علاقتُه السّببيّة أيضا؛
  • «تحدّرت بغروب الدّمع آماقي» ⁦(11)⁩: أُسند التّحدّر إلى الآماق، والآماقُ مكانُ الدّمع لا الجاري ⟸ مجازٌ عقليٌّ علاقتُه المكانيّة.
⭐ ولاحظْ ما يصنعه هذا في القصيدة: الشّاعرُ يُسند أفعالَ الإتلاف كلَّها إلى الحزن والهوى والأشواق، لا إلى نفسه ولا إلى من نفاه. فالإسنادُ المجازيُّ هنا يصوّر المشاعرَ قوًى مستقلّةً تفعل به، وهو أبلغُ من أن يقول «أنا حزين».
تمرينُ تمييز — ما نوعُ المجاز في «نارا سرت بين أرداني وأطواقي» ⁦(17)⁩؟ طبّقِ الميزان.
طبّقِ الميزانَ في ثلاث خطوات، ولا تقفزْ:
  • ① أين المجاز؟ ليس في الإسناد وحدَه: «الأردان» (الأكمام) و«الأطواق» ثيابٌ، والنّارُ لم تسرِ في الثّياب وإنّما في الجسد الّذي تشتمل عليه؛
  • ② ما العلاقة؟ أُطلق المحلّ (الثّوب) وأُريد الحالُّ فيه (الجسد) ⟸ علاقةٌ محلّيّة، وهي في جدول المجاز المرسل أعلاه؛
  • ③ ما القرينة؟ حاليّةٌ: يستحيل في المقام أن يقصد احتراقَ ثوبه، والسّياقُ كلُّه في الوجد لا في الحريق؛
  • ⟸ فالوجهُ مجازٌ مرسلٌ علاقتُه المحلّيّة. ⚖️ وهذا وجهٌ محتمَل تُثبتُه بالميزان، لا نصٌّ قاطع: من قال إنّ «النّار» نفسَها استعارةٌ للغرام فقد صدق أيضا، والصّورتان تجتمعان في البيت الواحد.
⛔ ولا تُلزِمْ نفسك بأن تجد كلَّ العلاقات في كلّ نصّ. الغالبُ في هذه القصيدة هو المجازُ العقليّ، لأنّ موضوعَها مشاعرُ تفعل بصاحبها. ⟸ حين لا تجد مثالا لعلاقةٍ ما، فقلْ «لم أجدْ»، ولا تُقحمْ شاهدا لا يحتمل.
في البكالوريا يأتي هذا الدرس في سؤالين على النصّ: «أعرب الجملة إعرابا كاملا» وفيها نون الوقاية («حزنٌ براني»)، و«استخرج مجازا مرسلا أو عقليّا، وبيّن علاقته وقرينته». جهّز ثلاثة عناصر: ① نون الوقاية: تأتي قبل ياء المتكلّم إذا كان ما قبلها فعلا، ووظيفتها لسانية، وإعرابها حرف مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب، والياء بعدها مفعول به ؛ أمّا بعد الاسم فالياء مضاف إليه بلا نون (مهجتي) ؛ ② المجاز المرسل: كلمة في غير معناها الحقيقي لعلاقة غير المشابهة (السببية، المسببية، الكلية، الجزئية، المحلّية…) مع قرينة لفظية أو حالية ؛ ③ المجاز العقلي: إسناد الفعل إلى غير فاعله الحقيقي، والسؤال المفتاح: مَن الفاعل الحقيقي؟ ⚠️ الخطأ الشائع: تسمية الصورة مجازا مرسلا وعلاقتها المشابهة ؛ «داء الحبّ» مبنيّ على المشابهة وطرفاه مذكوران، فهو تشبيه بليغ لا مجاز مرسل: فاختبر العلاقة أوّلا. ⚠️ وخطأ ثانٍ: عدّ كلّ نون قبل الياء نون وقاية ؛ في «أرداني» النون من بنية الاسم نفسه.
⭐ وممّ تأتي بلاغةُ البابين معا؟ تكمن في إشغال ذهن المتلقّي بالبحث والتّأمّل وإثارة الفضول، فيثير ذلك فيه الإعجابَ والدّهشةَ ومتعةَ الاكتشاف والإحساسَ بجمال البلاغة. ولذلك لا يُقاس المجازُ بصحّته المنطقيّة، بل بما يُحدثه في قارئه.

الصفحة 1/6

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net