اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 4 النزعة الإنسانية في الشعر المهجري

الشعر مفهومه و غاياته

🔊 المعلّمة تقرأ لك

📜النّصّ

ميخائيل نعيمة — صاحبُ هذا النّصّ. وهو نصٌّ تواصليّ يشرح ما درسْتَه في القصائد: ينظر في الشّعر نفسِه، لا في قصيدةٍ بعينها.
والنّصُّ يطرح أسئلتَه بنفسه، فاقرأْه باحثا عن أجوبته الثّلاثة: ما الشّعر؟ ثمّ «وما هي الغاية من الشّعر؟» ثمّ «من هو الشّاعر؟» — والأخيران بلفظ الكاتب نفسِه، تجدهما في النّصّ حيث بدأ كلَّ مبحثٍ جديد.

الشّعر هو غلبة النّور على الظّلمة، والحقّ على الباطل. وهو ترنيمةُ البلبل ونوحُ الورق. وخريرُ الجدول وقصفُ الرّعد. وهو ابتسامةُ الطّفل ودمعةُ الثّكلى، وتورّدُ وجنةِ العذراء وتجعّدُ وجهِ الشّيخ. هو جمالُ البقاء وبقاءُ الجمال. الشّعر لذّةُ التّمتّع بالحياة، والرّعشةُ أمام وجه الموت. وهو الحبّ والبغض. والنّعيم والشّقاء. وهو صرخةُ البائس وقهقهةُ السّكران ولهفةُ الضّعيف وعجبُ القويّ.

الشّعر ميلٌ جارفٌ وحنينٌ دائمٌ إلى أرضٍ لم نعرفها ولن نعرفها. هو انجذابٌ أبديٌّ لمعانقة الكون بأسره والاتّحادِ مع كلّ ما في الكون من جمادٍ ونباتٍ وحيوان. هو الذّات الرّوحيّة تتمدّد حتّى تلامس أطرافُها أطرافَ الذّات العالميّة. وبالإجمال، فالشّعر هو الحياة باكيةً وضاحكة، وناطقةً وصامتة، ومولولةً ومهلّلة، وشاكيةً ومسبّحة، ومقبلةً ومدبرة.

وما هي الغاية من الشّعر؟ قومٌ يقولون: إنّ غاية الشّعر محصورةٌ فيه ولا يجب أن تتعدّاه (الفنّ لأجل الفنّ)، وآخرون يقولون: إنّ الشّعر يجب أن يكون خادما لحاجات الإنسانيّة، وإنّه زخرفةٌ لا ثمنَ لها إذا قصّر عن هذه المهمّة. ولهذين المذهبين تاريخٌ طويلٌ لا نقدر أن نأتي به هنا، ولا غايةَ لنا أن نبحث في حسنات كلٍّ منهما وسيّئاته. إنّما نكتفي أن نقول: إنّ الشّاعر لا يجب أن يكون عبدَ زمانه ورهينَ إرادةِ قومه، ينظم ما يطلبون منه فقط ويفوه بما يروقهم سماعُه. وإذا كان هذا ما يعنيه أصحابُ المذهب الأوّل فلا شكّ أنّهم مصيبون. لكنّنا نعتقد في الوقت نفسه أنّ الشّاعر لا يجب أن يُطبِق عينيه ويصمّ أذنيه عن حاجات الحياة وينظم ما توحيه إليه نفسُه فقط، سواءٌ كان بخير العالم أو لَوَيْلِه. وما دام الشّاعر يستمدّ غذاءً لقريحته من الحياة فهو لا يقدر — حتّى لو حاول ذلك — إلّا أن يعكس أشعّةَ تلك الحياة في أشعاره، فيندّد هنا ويمدح هناك ويكرّم هنالك. لذاك يقال إنّ الشّاعر ابنُ زمانه، وذاك صحيحٌ في أكثر الأحوال إن لم يكن في كلّها.

والآن، بعد أن بحثنا — ولو سطحيّا — في الشّعر، لنقفْ ونسألْ: من هو الشّاعر؟ الشّاعر فيلسوفٌ ومصوّرٌ وموسيقيٌّ وكاهن. مصوّرٌ لأنّه يقدر أن يسكب ما يراه ويسمعه في قوالبَ جميلةٍ من صور الكلام. وموسيقيٌّ لأنّه يسمع أصواتا متوازيةً حيث لا نسمع نحن سوى هديرٍ وجعجعة. العالم كلّه عنده ليس سوى آلةٍ موسيقيّةٍ عظيمةٍ تنقر على أوتارها أصابعُ الجمال، وتنقل ألحانَها نسماتُ الحكمة الأبديّة. وهو يسمع موسيقى في ترنيمة العصفور وولولة العاصفة، وزئير اللّجّة وخرير السّاقية، ولثغ الطّفل وهذيان الشّيخ. فالحياة كلّها عنده ليست سوى ترنيمةٍ — محزنةٍ أو مطربة — يسمعها كيفما انقلب. لذاك يعبّر عنها بعباراتٍ موزونةٍ رنّانة

الوزنُ والتّناسبُ في الطّبيعة أخوان لا ينفصلان. والشّاعر الّذي تعانق روحُه روحَ الكون يدرك هذه الحقيقة أكثرَ من سواه. لذاك نراه يصوغ أفكارَه وعواطفَه في كلامٍ موزونٍ منتظم. الوزنُ ضروريّ، أمّا القافية فليست من ضروريّات الشّعر، لا سيّما إذا كانت كالقافية العربيّة بِرَوِيٍّ واحدٍ يلزمها في كلّ قصيدة.

وأخيرا — الشّاعر كاهنٌ لأنّه يخدم إلها هو الحقيقة والجمال. هذا الإله يظهر له في أزياءَ مختلفةٍ وأحوالٍ متنوّعة، لكنّه يعرفه أينما رآه ويقدّم له تسابيحَ حيثما أحسّت روحُه بوجوده. يراه في الزّهرة الذّاوية والزّهرة النّاضرة. يراه في حمرة وجنةِ الفتاة وفي اصفرار وجهِ الميت. يراه في السّماء الزّرقاء المتلبّدة بالغيوم، في ضجّة النّهار وسكينة اللّيل.

وبالاختصار: إنّ روح الشّاعر تسمع دقّاتِ أنباضِ الحياة، وقلبَه يردّد صداها، ولسانَه يتكلّم «بفضلة قلبه». تتأثّر نفسُه من مشهدٍ يراه أو نغمةٍ يسمعها، فتتولّد في رأسه أفكارٌ ترافقه في الحلم واليقظة، فتمتلك كلَّ جارحةٍ من جوارحه حتّى يصبح حملا يطلب التّخلّص منه. وهنا يرى نفسَه مدفوعا إلى القلم ليفسح مجالا لكلّ ما يجيش من صدره من الانفعالات وفي رأسه من التّصوّرات، ولا يستريح تماما حتّى يأتيَ على آخر قافية فيقف هناك، وينظر إلى ما سال من بين شفرتي قلمه كما تنظر الأمُّ إلى الطّفل الّذي سقط من بين أحشائها. أمامه فلذةٌ من ذاته وقسمٌ من كيانه.

ميخائيل نعيمة

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة في النّصّ نفسِه. اكتبْ جوابَك أوّلا، ثمّ افتحْ لتقابل.
حدّدْ تعريفا من التّعاريف الّتي قدّمها الكاتبُ للشّاعر.
التّعريفُ الّذي يقدّمه النّصّ في مبحث الغاية:
  • الشّاعر هو الّذي يستمدّ غذاءً لقريحته من الحياة؛
  • ولذلك لا يقدر — حتّى لو حاول ذلك — إلّا أن يعكس أشعّةَ تلك الحياة في أشعاره، فيندّد هنا ويمدح هناك ويكرّم هنالك؛
  • ⟸ ونتيجتُه الّتي يصوغها الكاتب بنفسه: «الشّاعر ابنُ زمانه».
⚖️ ولا تنقلْ هذه النّتيجة مطلَقة: الكاتبُ نفسُه قيّدها بقوله «وذاك صحيحٌ في أكثر الأحوال إن لم يكن في كلّها». فقلْ «في الغالب»، لا «دائما» — ودقّةٌ كهذه تُحسَب لك.
ما مواصفاتُ الشّاعر الحقّ حسب الكاتب؟
أربعٌ، يعدّها الكاتب في جملةٍ واحدة: فيلسوفٌ ومصوّرٌ وموسيقيٌّ وكاهن. وقد شرح منها ثلاثا، ولكلٍّ تعليلُه في النّصّ:
  • مصوّرٌ — «لأنّه يقدر أن يسكب ما يراه ويسمعه في قوالبَ جميلةٍ من صور الكلام»؛
  • موسيقيٌّ — «لأنّه يسمع أصواتا متوازية حيث لا نسمع نحن سوى هديرٍ وجعجعة»، فالعالم عنده «آلةٌ موسيقيّةٌ عظيمة»؛
  • كاهنٌ — «لأنّه يخدم إلها هو الحقيقة والجمال»، يعرفه أينما رآه ويقدّم له تسابيح.
⚖️ وانتبهْ إلى ما لم يقلْه الكاتب: عدَّ «فيلسوف» ولم يشرحْه كما شرح الثّلاثة الأخرى. فإن سُئلتَ عنه فابنِه من النّصّ ولا تخترعْه: الشّعرُ عنده «ميلٌ جارفٌ وحنينٌ دائمٌ إلى أرضٍ لم نعرفها ولن نعرفها»، و«انجذابٌ أبديٌّ لمعانقة الكون بأسره»، و«الذّاتُ الرّوحيّة تتمدّد حتّى تلامس أطرافُها أطرافَ الذّات العالميّة» — وهذا سؤالٌ عن أصل الوجود، وهو شغلُ الفيلسوف.
وضّحِ النّزعةَ الإنسانيّة في آراء الكاتب على ضوء مثالين من النّصّ.
النّزعةُ الإنسانيّة عنده أن يدعوَ الشّاعرُ إلى الحقّ والخير والجمال، والمثالان:
  • «الشّعر هو غلبة النّور على الظّلمة، والحقّ على الباطل» — فالشّعر منحازٌ، لا محايد؛
  • «هو جمالُ البقاء وبقاءُ الجمال» — فغايتُه أن يبقى الجميلُ لا أن يُستهلَك.
⭐ وزدْ عليهما إن شئتَ شاهدا ثالثا يجمعهما: الشّعرُ عنده «الحياة» بأحوالها كلّها — «باكيةً وضاحكة، ومولولةً ومهلّلة» — فهو لا يستثني أحدا من النّاس، وتلك هي النّزعةُ الإنسانيّة في أصفى صورها: صرخةُ البائس إلى جانب عجب القويّ.
غلّب الكاتبُ الجانبَ العاطفيّ في النّصّ. فيم تجلّى ذلك؟
تجلّى في تعبيره عن مواقفه وانفعالاته وآرائه الخاصّة، ودليلُه في النّصّ من وجهين:
  • في ضمائر الرّأي: «نعتقد في الوقت نفسه…»، «لا غايةَ لنا أن نبحث…»، «إنّما نكتفي أن نقول…»، «لذاك نراه يصوغ…» — كلُّها إفصاحٌ عن ذاتٍ لا عن قاعدة؛
  • في المعجم الوجدانيّ: دمعةُ الثّكلى، الرّعشةُ أمام وجه الموت، صرخةُ البائس، لهفةُ الضّعيف، قهقهةُ السّكران؛
  • ⟸ فالنّصُّ مقالةٌ في النّقد، لكنّها مكتوبةٌ بلغة الشّاعر لا بلغة النّاقد.

💬أناقش معطيات النّصّ

إلامَ هدف الكاتبُ من خلال قوله: «لأنّه يقدر أن يسكب ما يراه ويسمعه في قوالبَ جميلةٍ من صور الكلام»؟
يهدف إلى بيان أهمّيّة الخيال في التّعبير عن المعنى:
  • فالمرئيُّ والمسموعُ مادّةٌ خام لا شكلَ لها، و«القوالب» هي صورُ الكلام؛
  • و«يسكب» فعلٌ يُقال في السّائل — فكأنّ التّجربة سائلٌ لا يُمسَك حتّى يصبَّه الخيالُ في قالب؛
  • ⟸ فالشّاعرُ لا يَنقُل ما رأى، بل يصوغه؛ وهذا هو الفرق بين الخبر والشّعر.
يلتقي ميخائيل نعيمة بـ«الشّاعر القرويّ» في النّظرة التّأمّليّة وفي البعد الإنسانيّ. اشرحْ بالاستشهاد.
وجهُ اللّقاء الأوّل — النّظرةُ التّأمّليّة: كلاهما اعتمد على التّأمّل في مظاهر الحياة.
  • فالشّاعر القرويّ يرصد الظّواهر الحياتيّة وينشد عالما يسوده الحبّ والخير والصّفاء؛
  • وميخائيل نعيمة رأى أنّ الشّعر تعبيرٌ مفعمٌ عن مظاهر الحياة الإنسانيّة.
وجهُ اللّقاء الثّاني — البعدُ الإنسانيّ: دعا كلاهما إلى القيم النّبيلة.
  • عند نعيمة: «الشّعر هو غلبة النّور على الظّلمة، والحقّ على الباطل» — دعوةٌ إلى الحبّ والخير والجمال؛
  • وفي نصّ «هنا وهناك» من هذا المحور نفسِه، الدّعوةُ إلى القيمة قبل المادّة:
من «هنا وهناك» — البيت 15
الرّقمالصّدرالعجز
15لا ترسلوا الخبزَ، ليس الخبزُ ممتنعابل أرسلوا العزَّ، إنّ العزَّ ممتنعُ
⭐ وصاحبُ هذين البيتين هو «الشّاعر القرويّ»، لقبُ رشيد سليم الخوري ⁦(1887-1984)⁩، شاعرِ المهجر الجنوبيّ الّذي هاجر إلى البرازيل سنة 1913 وبقي بعيدا خمسا وأربعين سنة. فتلاقي النّصّين في هذا المحور ليس مصادفة: الرّجلُ نفسُه يكتب من التّجربة ذاتِها.
علامَ يدلّ توظيفُ عنصر الطّبيعة في هذا النّصّ؟
يدلّ على الاتّجاه الرّومنسيّ، الّذي يتّخذ الطّبيعة مادّةً خاما لصياغة التّجربة الشّعوريّة. وأحصِ مظاهرَها في النّصّ تجدْها في كلّ مبحث:
  • في تعريف الشّعر: ترنيمةُ البلبل · نوحُ الورق · خريرُ الجدول · قصفُ الرّعد؛
  • في وصف الشّاعر الموسيقيّ: ولولةُ العاصفة · زئيرُ اللّجّة · خريرُ السّاقية؛
  • في وصف الشّاعر الكاهن: الزّهرةُ الذّاوية والنّاضرة · السّماءُ المتلبّدة بالغيوم؛
  • ⟸ فالطّبيعةُ عنده ليست منظرا يوصَف، بل لغةً يُتكلَّم بها: الشّعورُ الإنسانيّ يُقال بصوت العاصفة والسّاقية.
ماذا نستنتج من قول الكاتب: «الوزنُ ضروريّ، أمّا القافيةُ فليست من ضروريّات الشّعر، لا سيّما إذا كانت كالقافية العربيّة بِرَوِيٍّ واحدٍ يلزمها في كلّ قصيدة»؟
نستنتج ثورةَ الكاتب على شكل القصيدة العربيّة القديمة، ودعوتَه إلى التّحرّر من قيود القافية. ولكنِ اقرأْ حدَّ الثّورة، فهو في النّصّ:
  • ما أبقاه: الوزن — وعلّتُه عنده طبيعيّة لا اصطلاحيّة: «الوزنُ والتّناسبُ في الطّبيعة أخوان لا ينفصلان»؛
  • ما ردَّه: القافيةَ الموحّدة — «بِرَوِيٍّ واحدٍ يلزمها في كلّ قصيدة»، أي الإلزامَ لا القافيةَ في ذاتها؛
  • ⟸ فهي ثورةٌ على القيد، لا على الشّكل؛ ومن قال إنّ نعيمة يلغي الموسيقى فقد قرأ نصفَ الجملة.
⚖️ سؤالُ رأي — أيُّ المذهبين أحقُّ بالاتّباع: «الفنّ لأجل الفنّ» أم «الأدب في خدمة الإنسانيّة»؟
⛔ لا جواب لهذا السّؤال هنا، ولا يجوز أن يكون له. إنّه حكمُ قيمةٍ: تبنيه أنت، ولا تنقله. وأصدقُ دليلٍ على ذلك أنّ الكاتب نفسَه امتنع: «ولهذين المذهبين تاريخٌ طويلٌ… ولا غايةَ لنا أن نبحث في حسنات كلٍّ منهما وسيّئاته».
وهذه طريقُه في أربع خطوات — وهي طريقُ الكاتب نفسِه، فاتّبعْها:
  1. حرّرِ المذهبين بلفظ النّصّ: الأوّل «غايةُ الشّعر محصورةٌ فيه ولا يجب أن تتعدّاه»؛ والثّاني «الشّعر يجب أن يكون خادما لحاجات الإنسانيّة، وإنّه زخرفةٌ لا ثمنَ لها إذا قصّر عن هذه المهمّة»؛
  2. اطلبْ في النّصّ ما يقوّي كلَّ واحدٍ منهما: يوافق الأوّلَ في «الشّاعر لا يجب أن يكون عبدَ زمانه ورهينَ إرادة قومه»، ويوافق الثّاني في «لا يجب أن يُطبِق عينيه ويصمّ أذنيه عن حاجات الحياة»؛
  3. سمِّ المعيارَ الّذي تحكم به قبل أن تحكم: أهو حرّيّةُ الشّاعر؟ أم نفعُ النّاس؟ فمن غيّر معيارَه غيّر حكمَه؛
  4. احكمْ بالغلبة، واذكرْ ما يخسره حكمُك: فالكاتبُ أخذ من كلٍّ طرفا، ولم يُلغِ أيّهما — وتلك في ذاتها إجابةٌ ثالثة.

✅أستخلص وأسجّل

ماذا قدّم ميخائيل نعيمة في هذا النّصّ؟
قدّم مفاهيمَ متعدّدةً للشّعر، قوامُها أمران:
  • أنّ الشّعر تعبيرٌ عن الجمال والحبّ والصّفاء والنّزعة الإنسانيّة؛
  • وأنّه التّعبير عن الحياة في صورها المتعدّدة — «الحياةُ باكيةً وضاحكة… ومقبلةً ومدبرة»؛
  • ⟸ ولذلك جاء تعريفُه بالتّقابل لا بالحدّ: كلّما ذكر وجها ذكر ضدَّه، لأنّ الحياة نفسَها لا تُعرَّف بوجهٍ واحد.
فيمَ تتجلّى رسالةُ الأدب لدى الرّابطة القلميّة؟
هي عندها رسالةٌ اجتماعيّةٌ إنسانيّةٌ تدعو إلى الحقّ والخير والجمال — ودليلُها الأقربُ هذا النّصُّ نفسُه:
  • الحقّ: «غلبةُ… الحقّ على الباطل»؛
  • الخير: «الشّاعر لا يجب أن… يصمّ أذنيه عن حاجات الحياة»؛
  • الجمال: «جمالُ البقاء وبقاءُ الجمال»، والشّاعر كاهنٌ يخدم إلها هو الحقيقةَ والجمال؛
  • ⟸ فالنّصُّ ليس شرحا لرسالة الرّابطة من الخارج: هو تطبيقُها.
⛔ وبقيّةُ هذه المحطّة إنتاجٌ منك، لا جوابٌ تُطالعه: المطلوب أن تلخّص النّصّ في ستّة أسطر، ثمّ تختمه بجملةٍ جامعة. ولذلك لا تجد هنا نصّا محرّرا أوّلَ الأمر — تجد الطّريق إليه.
① خطّةُ الأسطر السّتّة — سطرٌ لكلّ فكرة، بترتيب النّصّ نفسِه:
  • ما الشّعر؟ تعريفاتٌ متقابلة: هو الحياةُ بوجهيها، نورًا وظلمةً، ضحكا وبكاء؛
  • وما هو في أعمقه؟ حنينٌ إلى أرضٍ لم نعرفها، وانجذابٌ إلى معانقة الكون؛
  • ما غايتُه؟ مذهبان: الفنُّ لأجل الفنّ، والأدبُ في خدمة الإنسانيّة؛
  • وموقفُ الكاتب: الشّاعرُ ليس عبدَ زمانه، ولا هو أصمُّ عن حاجات الحياة — فهو ابنُ زمانه في أكثر الأحوال؛
  • من الشّاعر؟ فيلسوفٌ ومصوّرٌ وموسيقيٌّ وكاهن؛
  • وأيُّ شكلٍ يلزمه؟ الوزنُ ضروريّ، والقافيةُ الموحّدةُ ليست من الضّروريّات.
② قواعدُ التّلخيص الّتي تحكم هذه الأسطر:
  • احذفِ التّعداد واحتفظْ بالجامع بينه: «ترنيمةُ البلبل ونوحُ الورق وخريرُ الجدول» تُختصَر في «أصوات الطّبيعة»؛
  • احذفِ الصّور وأبقِ معناها: «آلةٌ موسيقيّةٌ عظيمة»، «كما تنظر الأمُّ إلى الطّفل»؛
  • لا تنقلْ جملةً من النّصّ كما هي — أعِدْ صياغتَها بلغتك؛
  • احتفظْ بأدوات الرّبط الّتي تحمل المنطق: «وما هي الغاية…»، «إنّما نكتفي أن نقول»، «لكنّنا نعتقد في الوقت نفسه»، «وبالاختصار».
نموذجٌ محلول — حاولْ أوّلا، ثمّ قابلْ ملخّصَك بهذا

«الشّعرُ عند ميخائيل نعيمة هو الحياةُ نفسُها في وجوهها المتقابلة: نورًا وظلمة، ضحكا وبكاء، نعيما وشقاء؛ وهو في أعمقه حنينٌ إلى أرضٍ لم يعرفها الإنسانُ وانجذابٌ إلى معانقة الكون. أمّا غايتُه فقد اختُلف فيها بين من حصرها في الفنّ ومن جعله خادما للإنسانيّة، ولم يفصلِ الكاتبُ بينهما، بل رفض أن يكون الشّاعرُ عبدَ زمانه أو أصمَّ عن حاجات الحياة، وانتهى إلى أنّه ابنُ زمانه في أكثر الأحوال. والشّاعرُ عنده فيلسوفٌ ومصوّرٌ وموسيقيٌّ وكاهن: يصوغ ما يرى في صور الكلام، ويسمع من الكون موسيقى لا نسمعها، ويخدم إلها هو الحقيقةُ والجمال. ولذلك يجيء كلامُه موزونا، لأنّ الوزنَ والتّناسبَ في الطّبيعة أخوان؛ أمّا القافيةُ الموحّدةُ فليست من ضروريّات الشّعر. وتولد القصيدةُ عنده كما يولد الطّفل: حملا يثقُل حتّى يتخلّص منه صاحبُه.»

⚖️ قابلْ ملخّصَك بهذا لا لتنسخَه، بل لتُحصيَ: كم فكرةً أساسيّةً سقطت منك؟ وهل نقلْتَ جملةً من النّصّ كما هي؟ وهل بقي فيه تعدادٌ (البلبل، الورق، الجدول، الرّعد) كان يجب أن يُختصَر؟
③ الجملةُ الجامعة تُبنى من طرفين متقابلين وردا في النّصّ: طرفِ المادّة (الشّعر هو الحياة كلُّها) وطرفِ الحرّيّة (الشّاعر ابنُ زمانه لا عبدُه). صُغْهما في جملةٍ واحدة، ولا تنسَ أنّ الجملة الجامعة تحكم ولا تسرد. ونموذجُها: «الشّعرُ عند نعيمة حياةٌ تُصاغ لا زخرفةٌ تُصنَع: مادّتُه الكونُ كلُّه، وصاحبُه ابنُ زمانه من غير أن يكون عبدَه.»
في البكالوريا قد يأتيك نصّ نقديّ كهذا، فتُسأل عنه أسئلة من جنس أسئلة هذا الدرس: «علامَ يدلّ توظيف عنصر الطبيعة؟»، و«ماذا نستنتج من قول الكاتب في الوزن والقافية؟»، و«وضّح النزعة الإنسانية في آرائه على ضوء مثالين من النصّ». جهّز ثلاثة عناصر: ① الطبيعة لغة لا منظر: توظيفها يدلّ على الاتّجاه الرومنسي، ومظاهرها في كلّ مبحث (خرير الجدول، ولولة العاصفة) ؛ ② حدّ الثورة على الشكل: الوزن باقٍ لأنّ «الوزن والتناسب في الطبيعة أخوان»، والمرفوض إلزام القافية برويّ واحد — ثورة على القيد لا على الموسيقى ؛ ③ النزعة الإنسانية: الدعوة إلى الحقّ والخير والجمال («غلبة النور على الظلمة، والحقّ على الباطل»)، وهي رسالة الأدب لدى الرابطة القلمية. ⚠️ الخطأ الشائع: نقل الأحكام مطلقة ؛ «الشاعر ابن زمانه» قيّدها الكاتب بقوله «في أكثر الأحوال»، فقل «في الغالب». ⚠️ وخطأ ثانٍ: القول إنّ نعيمة يلغي الموسيقى، وهو أبقى الوزن وردّ الإلزام وحده.

الصفحة 1/3

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net