اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 4 النزعة الإنسانية في الشعر المهجري

"هنا و هناك" للشاعر القروي

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

من مواليد 1887 م في قرية البربارة بلبنان. تربّى في عائلةٍ متعلّمة، ومارس التّعليمَ والتّجارة بعد أن طاف بعدّة مدارسَ لبنانيّةٍ من 1900 م إلى 1909 م. ثمّ هاجر إلى سان باولو واشتغل بالتّدريس في المعاهد العربيّة. تولّى رئاسة مجلّة الرّابطة القلميّة سنة 1937 م لمدّة ثلاث سنوات، ثمّ رئاسة «العصبة الأندلسيّة» عام 1958 م. من دواوينه «البراكين» و«الأعاصير». توفّي سنة 1984 م.

⭐ اسمٌ ولقب: رشيد سليم الخوري هو نفسُه «الشّاعر القرويّ»، ويُلقَّب أيضا بـ«شاعر العروبة». وله أخٌ شاعرٌ، قيصر، الملقّب بـ«الشّاعر المدنيّ». هاجر إلى البرازيل سنة 1913 م، وبقي في المهجر خمسا وأربعين سنة قبل أن يعود سنة 1958 م. ⭐ وهذا الغيابُ الطّويل هو مفتاحُ «هنا وهناك»: الحنينُ فيها ليس صورةً أدبيّةً مستعارة، بل تجربةُ رجلٍ عاش شطرَ عمره بعيدا عن أرضه.
⭐ وممّا في التّرجمة ما يفتح لك النّصّ قبل قراءته: صاحبُه مهاجرٌ (سان باولو)، ورئيسٌ لمجلّة الرّابطة القلميّة. فانتظرْ إذن شاعرا يتكلّم من الخارج عن مجتمعٍ يعيش فيه ولا ينتمي إليه — وهو مفتاحُ العنوان: «هنا» و«هناك».

🚪تقديم النّصّ

طبائعُ البشر متباينة، ومفاهيمُهم حول القيم والأخلاق متضاربة، ومبادئُهم مبنيّةٌ على ما يعتقدون صحّتَه. ولعلّ أقربَ من تهتزّ نفسُه وتتحرّك مشاعرُه لرذيلةٍ أو فضيلةٍ هو الشّاعر.

فممَّ يا تُرى اشمأزّ الشّاعرُ في هذا النّصّ؟ — اقرأِ القصيدة باحثا عن الجواب، ثمّ لا تفتحْ إجابةً قبل أن تكتبَ إجابتَك.

📜النّصّ

«هنا وهناك» — الأبياتُ مرقّمةٌ، وإليها تُحيل أجوبةُ الدّرس
الرّقمالصّدرالعجز
1جودوا على صاحبِ المليونِ وارتدعواعن عذلِه، فأشدُّ الفاقةِ الطّمعُ
2وأسعفوه بما أيمانُكم ملكتثمّ احمدوا اللهَ لا مالٌ ولا جشعُ
3والفقرُ يزهرُ في صحرائه أملٌخيرٌ من المالِ في جنّاتِه الفزعُ
4جوعُ النّفوسِ هو الجوعُ الّذي عجزتعن سدِّه هذه الدّنيا وما تسعُ
5أين القلوبُ الّتي تروي الأكفَّ ندىمات الّذين على الإحسانِ قد طُبعوا
6قد أصبح الجودُ كالإعلانِ مبتذلاحتّى الفضائلُ في هذا الورى سِلَعُ
7دعِ البخيلَ إذا ما كنتَ ذا شممٍفإنّ من ليس يعنيه امرؤٌ يدعُ
8وراقبِ اللهَ في تذمامِ متّضعٍيخشى الغرورَ إذا أهلُ النّدى ارتفعوا
9قالوا النّوائبُ للأضدادِ جامعةٌحلّت بهم نوبُ الدّنيا وما اجتمعوا
10قومٌ إذا قعدوا في منصبٍ شمخواناسين كم قرعوا بابا وكم ركعوا
11إذا تولّوا على أحبابِهم ضربوافإنْ تجلّت لهم أربابُهم ضرعوا
12إن كرّموا العجمَ ولّوهم ظهورَهموملّكوهم رقابا حقُّها النّطعُ
13يرنو الإباءُ إليهم، دمعُه بركٌأنفاسُه لهبٌ، أحشاؤه قطعُ
14يا أهلَ أمريكةَ بالله مكرمةًكلُّ المكارمِ في سلطانِها تبعُ
15لا ترسلوا الخبزَ، ليس الخبزُ ممتنعابل أرسلوا العزَّ، إنّ العزَّ ممتنعُ

📖أثري رصيدي اللّغويّ

1 – في معاني الألفاظ

شرحُ المفردات كما ورد في الدّرس
اللّفظمعناه
الفاقةالحاجة، الفقر، العوز
النّدىالفضل وكرمُ النّفس
شممرفعة
النّطعفراشٌ من الجلد يُفرَش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرّأس
💡 مواضعُ هذه المفردات في القصيدة: الفاقة (بيت 1) · النّدى (بيتا 5 و8) · شمم (بيت 7) · النّطع (بيت 12).

2 – في الحقل المعجميّ

ما الفرقُ بين «ضرعوا» و«ركعوا»؟ أجبْ مستعينا بالقاموس.
فرقٌ في درجة الذّلّ لا في نوعه:
  • ضرعوا: خضعوا وذلّوا واستكانوا — وهي في البيت 11: «فإنْ تجلّت لهم أربابُهم ضرعوا»؛
  • ركعوا: انحطّت حالُهم، وخفضوا رؤوسَهم وانحنوا — وهي في البيت 10: «وكم ركعوا»؛
  • ⟸ فالأولى ذلٌّ في النّفس، والثّانية ذلٌّ في الجسد يترجم الأولى.
⭐ ولاحظْ أنّ اللّفظين وقعا في بيتين متجاورين (10 و11): الشّاعر لم يكرّرْ معنى، بل تدرّج فيه — من الانحناء إلى الاستكانة.

3 – في الحقل الدّلاليّ

اعتمد الشّاعرُ قاموسا تنوّعت دلالتُه، نحو «الجوع، الفاقة، سدّه» ممّا يدلّ على الفقر. صنّفْ مجالين دلاليّين آخرين.
مجالُ الرّذائل — وهو ما ينتقده:
  • الطّمع (بيت 1) · الجشع (بيت 2) · الغرور (بيت 8).
مجالُ الفضائل — وهو ما يدعو إليه:
  • جودوا (بيت 1) · الإحسان (بيت 5) · النّدى (بيتا 5 و8).
⭐ والطّريقةُ تُعاد على أيّ نصّ: اجمعِ الألفاظَ الّتي تصحّ بينها كلمةُ «أو» دون أن يختلّ المعنى (طمعٌ أو جشعٌ أو غرور)، ثمّ سمِّ الجامعَ بينها. والمجالُ الثّالث — الفقر — أعطاه لك السّؤال نموذجا.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة في النّصّ نفسِه، ولكلٍّ منها بيتٌ يحملها. اكتبْ جوابَك أوّلا، ثمّ افتحْ لتقابل.
ما القضيّةُ الّتي أثارت انتباهَ الشّاعر في هذا النّصّ؟
القضيّةُ هي مسألةُ الأخلاق في المجتمع — لا الفقرُ ولا الغنى في ذاتهما:
  • فالمالُ في النّصّ ليس عيبا، وإنّما العيبُ ما يصنعه بالنّفوس: الطّمعُ والجشع (بيتا 1-2)؛
  • والجودُ نفسُه صار عيبا حين تحوّل إلى إعلان: «قد أصبح الجودُ كالإعلانِ مبتذلا» (بيت 6)؛
  • ⟸ الشّاعرُ يحاكم القيمَ، لا المِلكيّة.
كيف نظر الشّاعرُ إلى «صاحب المليون»؟
نظرةَ احتقارٍ وازدراء، وعلّتُها في النّصّ:
  • لأنّه يتّصف بـالطّمع والجشع: «فأشدُّ الفاقةِ الطّمعُ» (بيت 1)، «لا مالٌ ولا جشعُ» (بيت 2)؛
  • ولأنّه يسعى إلى جمع المال على حساب آمال الضّعفاء وطموحاتهم؛
  • ⟸ ولذلك افتتح القصيدةَ بأمرٍ ساخر: «جودوا على صاحبِ المليون» — يُستجدى له وهو الغنيّ، لأنّ فقرَه أشدُّ: فقرُ النّفس.
وضّحْ رؤيتَه إلى البخيل، ذاكرا البيتَ الدّالَّ على ذلك.
يراه صاحبَ نفسٍ دنيّةٍ يجب أن تترفّع عنها النّفوسُ الخيّرة:
  • فهو يتّخذ من الجود سلعةً لتحقيق أطماعه (وهو ما مهّد له البيتُ 6: «حتّى الفضائلُ في هذا الورى سِلَعُ»)؛
  • والبيتُ الدّالُّ على ذلك هو البيت 7: «دعِ البخيلَ إذا ما كنتَ ذا شممٍ»؛
  • ⟸ والحلُّ عنده ليس مخاصمتَه بل تركَه: «دعْ» — لأنّ مخاصمتَه نزولٌ إلى منزلته.
حدّدِ الصّفاتِ أو المواقفَ الّتي أشاد بها الشّاعر. وماذا تمثّل بالنّسبة إليه؟
أشاد بأربع، ولكلٍّ موضعُها:
  • الإحسان: «مات الّذين على الإحسانِ قد طُبعوا» (بيت 5)؛
  • الكرم: «جودوا» و«تروي الأكفَّ ندى» (بيتا 1 و5)؛
  • التّعاون: «وأسعفوه بما أيمانُكم ملكت» (بيت 2)؛
  • التّواضع: «وراقبِ اللهَ في تذمامِ متّضعٍ» (بيت 8).
وهي تمثّل عنده مكارمَ الأخلاق والفضائلَ النّبيلة الّتي يجب أن تسود المجتمع — أي أنّها ليست زينةً فرديّة، بل شرطُ قيامِ الجماعة.

💬أناقش معطيات النّصّ

قال الشّاعر: «لا ترسلوا الخبزَ… بل أرسلوا العزّ». بيّنْ من خلال هذه المقولة رأيَه في المجتمع غير العربيّ.
يرى أنّ المجتمع الغربيّ مجتمعٌ مادّيّ لا يعير اهتماما للمبادئ والقيم الإنسانيّة، والبيتُ 15 يقيم الدّليل بنفسه:
  • الخبزُ رمزُ العطاء المادّيّ، والعزُّ رمزُ العطاء المعنويّ؛
  • وقد وصف الأوّلَ بأنّه «ليس ممتنعا» (سهلٌ، متاحٌ، رخيص)، والثّاني بأنّه «ممتنعٌ» (عزيزٌ، لا يُبذَل)؛
  • ⟸ فالعيبُ ليس في أنّهم لا يعطون، بل في أنّهم يعطون الأرخصَ ويمسكون الأغلى.
لاحظ الشّاعرُ في مجتمع المهجر تصرّفاتٍ وسلوكاتٍ منبوذة، ما هي؟ وهل توافقه الرّأيَ؟ علّلْ.
الشّقّ الأوّل — ما لاحظه (وهو جوابٌ يُستخرج من النّصّ):
  • جشعُ الأغنياء (بيتا 1-2)؛
  • اتّخاذُ الجود وسيلةً لتحقيق الأطماع — «الجودُ كالإعلانِ مبتذلا» (بيت 6)؛
  • بخلُ النّفوس وشحُّها (بيت 7)؛
  • غيابُ المبادئ الإنسانيّة: «مات الّذين على الإحسانِ قد طُبعوا» (بيت 5).
💡 أمّا «هل توافقه؟» فحكمٌ، والحكمُ يُبنى ولا يُنقَل. ابنِه في ثلاث خطوات: ① افصلِ الوصفَ عن التّعميم: هل تناقش ما رآه (وقائع)، أم ما حكم به على مجتمعٍ بأسره؟ ② ابحثْ عن شاهدٍ مضادّ في النّصّ نفسِه — البيتُ 14 يخاطب «أهلَ أمريكة» بـ«مكرمةً»، فهو لا ينفي عنهم المكارمَ نفيا. ③ احكمْ على الغلبة لا على الإطلاق، واكتبْ حكمَك في جملةٍ واحدةٍ تحفظ الطّرفين. ⛔ لا تنقلْ رأيَ الشّاعر وتسمِّه رأيَك.
جسّد الشّاعرُ بعضَ مبادئ الرّابطة القلميّة. وضّحْ في ضوء مثالين من النّصّ.
المبدأ الأوّل — توظيفُ الطّبيعة في التّعبير عن الأفكار:
  • شاهدُه البيت 3: «والفقرُ يزهرُ في صحرائه أملٌ / خيرٌ من المالِ في جنّاتِه الفزعُ»؛
  • فالصّحراءُ والجنّاتُ مناظرُ طبيعيّة، حُمِّلت معنًى أخلاقيّا: الأملُ في الفقر خيرٌ من الفزع في الغنى.
المبدأ الثّاني — النّزعةُ الإنسانيّة:
  • شاهدُه دعوتُه إلى نبذ البخل: «دعِ البخيلَ إذا ما كنتَ ذا شممٍ» (بيت 7)؛
  • وقبلَها دعوتُه إلى الإسعاف والحمد لا الجشع (بيت 2).
تأمّلِ البيتَ التّاسع، وبيّنْ مدى صحّة ما تضمّنه من حكمةٍ (في الصّدر) ومن رأيٍ للشّاعر (في العجز).
البيت 9 — حكمةٌ في الصّدر، ونقضٌ لها في العجز
الرّقمالصّدرالعجز
9قالوا النّوائبُ للأضدادِ جامعةٌحلّت بهم نوبُ الدّنيا وما اجتمعوا
الصّدر يحمل حكمةً منقولةً — ولذلك بدأ بـ«قالوا»:
  • مفادُها أنّ المصائبَ تجمع بين النّاس ولو كانوا أضدادا.
والعجزُ يحمل رأيَ الشّاعر، وهو نقضٌ للحكمة في حالة قومه:
  • فمجتمعُه لا تنطبق عليه: المصائبُ الّتي توالت على بني جلدته لم تتمكّن من جمعهم تحت رايةٍ واحدة، بل زادتهم فرقةً وتشتّتا؛
  • ⟸ والبناءُ نفسُه حجّة: أن يضعَ الحكمةَ في الصّدر ثمّ الواقعَ في العجز، معناه أنّ الواقعَ هو الّذي يحكم على الحكمة، لا العكس.

🧱أحدّد بناء النّصّ

ما دلالةُ كلٍّ من «هنا» و«هناك» في النّصّ؟
العنوانُ ظرفان متقابلان، ولكلٍّ مرجعُه:
  • «هنا»: المجتمعُ غير العربيّ — حيث يقيم الشّاعر (المهجر)؛
  • «هناك»: المجتمعُ العربيّ — حيث ينتمي.
ما علاقةُ الشّاعر بـ«هنا» وبـ«هناك»؟
علاقةٌ مزدوجة، وهي سرُّ القصيدة:
  • الشّاعرُ ابنُ بيئةٍ عربيّة عاش في المهجر واحتكّ بأهله؛
  • ⟸ فهو في «هنا» حاضرٌ بجسده، وفي «هناك» حاضرٌ بانتمائه — ومن هذا الانفصام جاءت قدرتُه على المقارنة.
ما صلةُ الشّاعر بالمخاطَب في «هنا»؟ وما صلتُه بالغائب في «هناك»؟
صلتان مختلفتان في الطّبيعة:
  • بالمخاطَب في «هنا»: صلةُ معاشرةٍ ومعرفةٍ — «عاش في مجتمعٍ غربيّ وأدرك العلاقات الّتي تجمع بين النّاس فيه من خلال معاشرتهم»؛
  • بالغائب في «هناك»: صلةُ انتماء؛
  • ⟸ ولذلك جاء الخطابُ المباشر (جودوا، أسعفوه، لا ترسلوا) موجَّها إلى الأوّل، وبقي الثّاني حاضرا في الوجدان لا في النّداء.
ما النّمطُ الغالبُ على النّصّ؟ علّلْ مع إبراز بعض خصائصه مستشهدا.
النّمطُ الغالب: وصفيٌّ حواريّ.
  • وصفيّ: لأنّه يرسم صورَ السّلوك — «الجودُ كالإعلان» ⁦(6)⁩، «رقابا حقُّها النّطعُ» ⁦(12)⁩، «دمعُه بركٌ، أنفاسُه لهبٌ» ⁦(13)⁩؛
  • حواريّ: لأنّه يوجّه خطابا مباشرا للنّاس مدافعا عن كرامة الإنسان ورافضا للأخلاق السّيّئة الّتي استفحلت في المجتمع الغربيّ.
وقد تخلّله نمطان آخران: الأمريّ والحِجاجيّ، ويتّضح ذلك في الأبيات 1 و15 و8 و7 و2، وهذا وجهُ ذلك:
  • صيغُ الأمر في هذه الأبيات بعينها: «جودوا، ارتدعوا» ⁦(1)⁩ · «أسعفوا، احمدوا» ⁦(2)⁩ · «دعْ» ⁦(7)⁩ · «راقبْ» ⁦(8)⁩ · «لا ترسلوا… بل أرسلوا» ⁦(15)⁩؛
  • والحِجاج يظهر في التّعليل بعد كلّ أمر: «فـأشدُّ الفاقةِ الطّمعُ» ⁦(1)⁩، «فإنّ من ليس يعنيه امرؤٌ يدعُ» ⁦(7)⁩، «إنّ العزَّ ممتنعُ» ⁦(15)⁩؛
  • ⟸ لأنّ الشّاعر بصدد الدّعوة إلى التّحلّي بالنّزعة الإنسانيّة وكلّ القيم الفاضلة، والدّعوةُ لا تكتفي بالوصف: تأمر، ثمّ تعلّل.
⚖️ واحترسْ من الإطلاق: قولُنا «الغالب» مقصود. فالقصيدةُ تحمل سردا أيضا في البيت 9 («قالوا… حلّت بهم») — ولذلك يقال النّمطُ الغالب، لا النّمطُ الوحيد.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

على من يعود ضميرُ المخاطَب في النّصّ؟
يعود على أفراد المجتمع الغربيّ:
  • وهم المعنيّون بـ«جودوا، ارتدعوا، أسعفوه، احمدوا» (بيتا 1-2)؛
  • ويُسمَّون صراحةً في البيت 14: «يا أهلَ أمريكةَ».
هل تغيّر العائدُ عليه في ثنايا النّصّ؟ وما السّبب؟
نعم، تغيّر: إذ أصبح المخاطَبُ الإنسانَ بصفةٍ عامّة.
  • والسّببُ: رغبةُ الشّاعر في أن يتخلّى الإنسانُ عن الرّذائل ويتحلّى بالفضائل؛
  • ⟸ فالقصيدةُ تبدأ خصومةً مع قومٍ بأعيانهم، وتنتهي موعظةً للنّوع الإنسانيّ.
ما سببُ انتقال الشّاعر من مخاطَبين (جمع) إلى مخاطَبٍ (مفرد)؟
السّببُ هو انتقالُه من تصوير السّلوكات المنبوذة وانتقادِها إلى الدّعوة إلى الأخلاق الفاضلة. وتتبّعِ الضّمائرَ ترَ ذلك بعينك:
  • جمعٌ في المقدّمة: «جودوا… ارتدعوا… أسعفوه… احمدوا» ⁦(1-2)⁩ — خطابُ الجماعة؛
  • مفردٌ في وسط القصيدة: «دعِ البخيلَ إذا ما كنتَ ذا شممٍ» ⁦(7)⁩، «وراقبِ اللهَ» ⁦(8)⁩ — خطابُ الضّمير؛
  • عودةٌ إلى الجمع في الخاتمة: «يا أهلَ أمريكةَ» ⁦(14)⁩، «لا ترسلوا… بل أرسلوا» ⁦(15)⁩؛
  • ⟸ لأنّ النّقدَ يوجَّه إلى جماعة، أمّا التّهذيبُ فلا يقع إلّا في نفسٍ واحدة.
كثُرتِ التّقابلاتُ في هذه القصيدة، كيف تجسّدت؟ مثّلْ لذلك.
تجسّدت في المقابلة بين المواقف الإنسانيّة والتّصرّفات المنبوذة، ويتجلّى ذلك في البيتين 3 و11:
  • البيت 3: الفقرُ ↔ المال · صحراؤه ↔ جنّاتُه · أملٌ ↔ الفزع — أربعةُ أطرافٍ في بيتٍ واحد؛
  • البيت 11: ضربوا ↔ ضرعوا · أحبابُهم ↔ أربابُهم — القسوةُ مع الضّعيف والذّلُّ أمام القويّ.
⭐ والمقابلةُ هنا ليست زينة، بل حُجّة: حين تضع الطّرفين في بيتٍ واحد، لا يحتاج القارئُ إلى من يحكم له — الصّورةُ تحكم. وهذا ما يجعل الاتّساقَ في القصيدة اتّساقَ فكرةٍ لا اتّساقَ قافيةٍ فحسب.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

ما المسائلُ الأخلاقيّةُ الّتي تناولها الشّاعرُ في النّصّ؟
تناول مسألة المبادئ والقيم الإنسانيّة في الحياة الاجتماعيّة، على وجهين:
  • منتقدا جملةً من الصّفات المذمومة: الطّمع، الجشع، البخل، الغرور، التّكبّر في المنصب، والذّلّ أمام القويّ (الأبيات 1، 2، 6، 7، 8، 10، 11، 12)؛
  • ومشيدا بمكارم الأخلاق: الجود، الإحسان، التّعاون، التّواضع (الأبيات 1، 2، 5، 8).
كيف صاغ الشّاعرُ تأمّلاتِه في الحياة؟
صاغ أفكارَه بلغةٍ واقعيّةٍ بسيطةٍ خاليةٍ من التّكلّف والتّعقيد:
  • ألفاظٌ من معجم الحياة اليوميّة: الخبز، المليون، الإعلان، السّلعة، الباب؛
  • وصورٌ قريبةُ المأخذ لا تحتاج إلى شرح: «الجودُ كالإعلان»، «الفضائلُ سِلَعُ»؛
  • ⟸ وهذا يوافق غايتَه: من أراد أن يُصلح لا يُعمّي، ومن خاطب النّاسَ جميعا اختار لسانَهم.

وجملةُ القول: قصيدةٌ إنسانيّةُ النّزعة، اجتماعيّةُ الموضوع، إصلاحيّةُ الغاية. وقف فيها شاعرٌ مهاجرٌ بين عالمين، فرأى في «هنا» غنًى بلا قيم، وحنَّ إلى «هناك» بانتمائه، فجعل من القصيدة ميزانا يزن به المجتمعين معا: لم يُبرّئ أهلَه حين قال «حلّت بهم نوبُ الدّنيا وما اجتمعوا»، ولم يظلمْ غيرَهم حين خاطبهم بـ«مكرمةً». وذلك أصدقُ ما في النّصّ: أنّه ينتقد من الدّاخل ومن الخارج معا.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 : في مجال قواعد اللّغة

📘 الجملُ الّتي لها محلٌّ من الإعراب. والقاعدةُ الجامعةُ الّتي تكشفها كلَّها: هي الجملةُ الّتي تُؤوَّل — غالبا — بمفردٍ، فتأخذ إعرابَ ذلك المفرد. ⚖️ ولاحظْ كلمة «غالبا»: هي من المصدر، وهي تحفظك من الإطلاق.
المواضعُ التّسعة — الجملةُ الواقعة:
  1. خبرا
  2. مفعولا به
  3. حالا
  4. صفةً (نعتا)
  5. جوابا لشرطٍ جازمٍ مقترنةً بالفاء أو بـ«إذا» الفجائيّة
  6. مضافا إليه
  7. تابعةً لجملةٍ أخرى لها محلٌّ من الإعراب
  8. فاعلا
  9. نائبَ فاعل
⭐ وهذه القاعدةُ لا تُدرَس هنا صدفةً: القصيدةُ تحمل خمسةً من التّسعة. فالنّحوُ ثمرةُ النّصّ، لا درسٌ إلى جانبه.
خمسةُ مواضعَ مستخرَجةٌ من «هنا وهناك»
البيتالجملةمحلُّها من الإعراب — ولماذا
3«يزهرُ في صحرائه أملٌ»في محلّ رفع خبر المبتدأ «الفقرُ» — لأنّها تُؤوَّل بمفرد: «الفقرُ مُزهِرٌ»
9«النّوائبُ للأضدادِ جامعةٌ»في محلّ نصب مفعول به — إنّها مقولُ القول للفعل «قالوا»
13«دمعُه بركٌ»في محلّ نصب حال — وقعت بعد معرفةٍ: «الإباءُ»، وتجيب عن سؤال «كيف؟»
12«حقُّها النّطعُ»في محلّ نصب نعت — وقعت بعد نكرةٍ منصوبة: «رقابا»، فوصفَتْها
10«قعدوا في منصبٍ»في محلّ جرّ مضاف إليه — وقعت بعد «إذا» الظّرفيّة، وهي تُضاف إلى الجمل
⛔ المزلقُ الّذي يسقط فيه أكثرُ التّلاميذ — وفي النّصّ شاهداه: جملةُ صلةِ الموصول لا محلَّ لها من الإعراب. فقولُه في البيت 4 «الّذي عجزت عن سدِّه هذه الدّنيا» وفي البيت 5 «الّتي تروي الأكفَّ ندى» جملتا صلةٍ، لا محلَّ لهما — مهما بدَتَا شبيهتين بالنّعت. والفارقُ حاسم: النّعتُ يقع بعد اسمٍ ظاهر، والصّلةُ تقع بعد اسمٍ موصول.
⚖️ الميزانُ الّذي يفصل بين الحال والنّعت — نموذجان مُعرَبان
الفارقُ حرفٌ واحد: التّعريفُ والتّنكير
المثالالجملةإعرابُها
أقبل الطّالبُ يقرأ في كتابه«يقرأ في كتابه»في محلّ نصب حال — لأنّها وقعت بعد معرفة
أقبل طالبٌ يقرأ في كتابه«يقرأ في كتابه»في محلّ رفع صفةٍ لـ«طالب» — لأنّها وقعت بعد نكرة
اجلسْ حيث تستفيد«تستفيد»في محلّ جرّ بالإضافة — لأنّ «حيث» ظرفٌ يقتضي الإضافة إلى الجمل
⟸ طبّقِ الميزانَ على النّصّ: «الإباءُ» معرفة ⟸ «دمعُه بركٌ» حال ⁦(13)⁩؛ و«رقابا» نكرة ⟸ «حقُّها النّطعُ» نعت ⁦(12)⁩. ميزانٌ واحدٌ، حكمان.
تمرين ① — أعربِ الجملةَ الواقعة في البيت 8: «وراقبِ اللهَ في تذمامِ متّضعٍ يخشى الغرورَ».
🔹خطوةً خطوة:
  • «متّضعٍ» اسمٌ نكرةٌ مجرور (مضافٌ إليه بعد «تذمامِ»)؛
  • «يخشى الغرورَ» جملةٌ فعليّةٌ جاءت بعده مباشرةً وتصفه؛
  • ⟸ فهي في محلّ جرّ نعت لـ«متّضعٍ» — تَبِعَتْه في الجرّ لأنّ النّعت يتبع منعوتَه؛
  • والدّليل أنّها تُؤوَّل بمفرد: «في تذمامِ متّضعٍ خاشٍ للغرور».
تمرين ② — في البيت 13 ثلاثُ جملٍ لا واحدة. استخرجْها وبيّنْ محلَّها.
البيت 13
الرّقمالصّدرالعجز
13يرنو الإباءُ إليهم، دمعُه بركٌأنفاسُه لهبٌ، أحشاؤه قطعُ
الجملُ الثّلاث: «دمعُه بركٌ» · «أنفاسُه لهبٌ» · «أحشاؤه قطعُ»
  • كلُّها جملٌ اسميّةٌ وقعت بعد الفاعل المعرفة «الإباءُ»، تصف هيئتَه؛
  • ⟸ فكلُّها في محلّ نصب حال؛
  • والثّانيةُ والثّالثةُ حالان أخريان لصاحب الحال نفسِه («الإباءُ»)، جاءتا بلا عاطف: فهي أحوالٌ متعدّدة، وكلٌّ منها في محلّ نصب. ⚠️ ولا تعدَّهما «جملتين تابعتين»: التّابعةُ تتبع جملةً لها محلّ بحرف عطف، كما في المثال التّالي.
⚖️ وما لم يمثّلْ له النّصّ، يُقال ولا يُترك — وهذه أمثلةُ الدّرس نفسِه للمواضع الأربعة الباقية: · جوابُ شرطٍ جازمٍ مقترنٌ بالفاء: «إنْ تصبرْ على البلاءِ (فستظفرُ بحسن الجزاءِ)» — في محلّ جزم؛ · فاعلا: «يجب (أن تصبرَ على المكاره)» — وتُؤوَّل: «يجب الصّبرُ»؛ · نائبَ فاعل: «يُستحسَن (أن تصبرَ)»؛ · تابعةً: «ويُستحسَن أن تصبرَ (وتحمدَ اللهَ)» — معطوفةٌ على جملةٍ لها محلّ. ⛔ لا تبحثْ لها عن شواهدَ في القصيدة: ليست فيها، وافتعالُ الشّاهد أسوأُ من فقده.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2 : في مجال البلاغة

📕 الكنايةُ وبلاغتُها. وأوّلُ ما ينبغي أن تعرفه: المثالُ الأوّلُ الّذي يضربه درسُ البلاغة لهذه القاعدة مأخوذٌ من هذه القصيدة بعينها — من البيت 10. فالبلاغةُ هنا ليست درسا مجاورا، بل قراءةً ثانيةً للنّصّ.
أمثلةُ الدّرس الثّلاثة، وتوضيحُها
المثالموضعُهنوعُ الكناية
«كم قرعوا بابا وكم ركعوا»البيت 10 من نصّناكنايةٌ عن صفة: التّذلّل
﴿وحملناه على ذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ﴾آيةٌ كريمةكنايةٌ عن موصوف: وهو سفينةُ نوحٍ عليه السّلام
«المجدُ بين ثوبيك والكرمُ ملءُ برديك»شاهدٌ شعريّكنايةٌ عن نسبة: نُسِب الكرمُ والمجدُ إلى ثوب الممدوح لا إليه مباشرةً
⚖️ وهذا التّعريفُ مستخرَجٌ من الأمثلة الثّلاثة، لا منقولٌ عن حدٍّ جاهز: قابلْ بينها تجدْ أنّ المتكلّم في كلٍّ منها ذكر شيئا وأراد به معنًى آخرَ يلزمُ عنه — ذكر قرعَ الأبواب فأراد الذّلّ، وذكر الألواحَ والدُّسُر فأراد السّفينة، وذكر الثّوبَ فأراد صاحبَه. فالكنايةُ طريقٌ إلى المعنى، لا اسمٌ له.
🎨بلاغةُ الكناية — ستُّ فوائدَ يذكرها الدّرس:
  1. تُبرز المعنى في صورةٍ جماليّةٍ ترسخ في الذّهن، وتحوّل المتلقّي إلى شخصٍ مبدعٍ يشارك الأديبَ إبداعَه، لأنّه يكُدّ ذهنَه ليفهم أسرارَ ما يرمي إليه؛
  2. تُمكّن الأديبَ من أن يعرض الحقيقة مصحوبةً بالدّليل والبرهان؛
  3. تُبرز المعنويّاتِ في ثوب المحسوسات، فيكون المعنى أسرعَ إلى القبول والتّمكّن في النّفس؛
  4. تُبعِد الحرج: فبعضُ المعاني لو عُبِّر عنها بألفاظها الصّريحة لَما قبلتها النّفسُ ولا استساغتها الأذن، وبالكناية يُعبَّر عنها بلفظٍ مستساغٍ مقبول؛
  5. تدلّ أحيانا على ذكاء المتكلّم وسرعة بديهته؛
  6. تُمكّن المتكلّمَ من أن يشفيَ غليلَه من خصمه من غير أن يعطيَه حقّا عليه يحاسبه به.
⭐ الفائدةُ السّادسةُ مُطبَّقةً على البيت 10 — وهو أوضحُ ما في القصيدة
البيت 10
الرّقمالصّدرالعجز
10قومٌ إذا قعدوا في منصبٍ شمخواناسين كم قرعوا بابا وكم ركعوا
انظرْ ما صنعته الكنايةُ للشّاعر:
  • لم يقلْ «أنتم أذلّاءُ متكبّرون» — وهو شتمٌ يُحاسَب عليه؛
  • بل ذكر فعلين ماضيين لا يُنكرهما أحد: قرعوا بابا وركعوا؛
  • ⟸ فبلغ المعنى كاملا، وشفى غليلَه من خصمه من غير أن يعطيَه حقّا عليه يحاسبه به. وهذه هي الفائدةُ السّادسةُ نفسُها، ماثلةً في بيتٍ واحد.
تمرين — استخرجْ من النّصّ كنايتين أخريين، وبيّنْ نوعَ كلٍّ منهما وأثرَها.
① «صاحبُ المليون» — البيت 1:
  • النّوع: كنايةٌ عن موصوف — والموصوفُ هو الثّريّ الغنيّ؛
  • الأثر: عرضُ الحقيقة مصحوبةً بدليلها (الفائدة 2) — فالمليونُ دليلُ الثّراء لا مجرّدُ نعتٍ له؛ ولو قال «الغنيّ» لَما حمل اللّفظُ حجّتَه معه.
② «وملّكوهم رقابا حقُّها النّطعُ» — البيت 12:
  • النّوع: كنايةٌ عن صفة — وهي الذّلّ البالغ والهوان؛
  • الأثر: إبرازُ المعنويّ في ثوب المحسوس (الفائدة 3) — و«النّطعُ» قد شرحه لك الدّرسُ في «أثري رصيدي»: فراشٌ من الجلد يُفرَش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرّأس؛
  • ⟸ فالذّلُّ معنًى لا يُرى، وقد جعله الشّاعرُ مشهدَ إعدام.
③ وزيادةً — «دمعُه بركٌ، أنفاسُه لهبٌ، أحشاؤه قطعُ» — البيت 13:
  • النّوع: كنايةٌ عن صفة — وهي شدّةُ الحزن والألم؛
  • الأثر: الفائدةُ الأولى — صورةٌ جماليّةٌ ترسخ في الذّهن وتجعل القارئَ يُكمل المعنى بنفسه.
🧭 والطّريقةُ تُعاد على أيّ نصّ، في ثلاث خطوات: ① ابحثْ عن تعبيرٍ لا يستقيم على ظاهره أو لا يُقصَد ظاهرُه (رقابٌ حقُّها النّطع؟ دمعٌ بِرَك؟). ② اسألْ: ما اللّازمُ الّذي يلزم عن هذا الظّاهر؟ فذلك هو المعنى المراد. ③ صنّفْ: أهو صفةٌ (ذلّ، كرم، كِبْر)؟ أم موصوفٌ (شيءٌ سُمِّي بأجزائه)؟ أم نسبةٌ (نُسِب المعنى إلى ما يتّصل بالشّخص لا إليه)؟

الصفحة 1/8

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net