اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 6 الثورة التحريرية الجزائرية في الشعر العربي

"الإنسان الكبير" لمحمد الصالح باوية

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

وُلد الشّاعر محمّد الصّالح باوية في المغير سنة 1930 م. درس الطّبّ بعد الاستقلال، وتحصّل على الشّهادة في الطّبّ في بلغراد، وعلى شهادة الاختصاص من الجزائر سنة 1979 م. اهتمّ بالشّعر فقرضه، وكان من أوائل الجزائريّين الّذين كتبوا القصيدة الحرّة. من دواوينه «أغنيات نضاليّة»، الّذي تغنّى فيه بالقضايا الوطنيّة والقوميّة، ومنها قضيّةُ الثّورة الجزائريّة الّتي يعالجها في هذا النّصّ.

⭐ احتفظْ من هذه التّرجمة بثلاثة أشياء تفتح لك القصيدة قبل قراءتها: ① طبيبٌ لا أديبٌ محترف — فلا تنتظرْ لغةَ بلاغةٍ موروثة، بل لغةَ رجلٍ يقول ما يراه؛ ② من أوائل من كتبوا القصيدة الحرّة في الجزائر — ولذلك ستجد النّصّ أسطرا لا أبياتا، يطول السّطرُ ويقصر بحسب النّفَس، وهو ما ستدرسه في آخر هذا الدّرس؛ ③ ديوانُه اسمُه «أغنيات نضاليّة» — أي أنّ الشّعر عنده فعلٌ من أفعال الثّورة، لا تعليقٌ عليها.

🚪تقديم النّصّ

في سنة 1958 م كانت الثّورةُ الجزائريّةُ في قمّة تأجّجها، وكانت تحقّق أكبرَ انتصاراتها الدّاخليّة والخارجيّة. وفي السّنة نفسِها أُعلنت تجربةُ الوحدة المصريّة السّوريّة، وكانت أمنيةَ الشّعوب العربيّة في تحقيق الوحدة العربيّة بعد طرد المستعمر منها. فالتقى في تلك اللّحظة حدثان: شعبٌ يقاتل ليولد، وأمّةٌ تتوحّد لتقوم.

وهنا يقف الشّاعر ليسأل سؤالَه: إذا كان المستعمِر قد نعت الجزائريّ بالوحشيّة والتّخريب، فبمَ يردّ عليه الشّاعر؟ أبالسّلاح وحده، أم بشيءٍ آخر؟ — اقرأِ القصيدةَ باحثا عن الجواب في معجم الشّاعر نفسِه، ولا تفتحْ إجابةً قبل أن تكتب إجابتَك.

📜النّصّ

«الإنسان الكبير» — تسعةٌ وثلاثون سطرا، وإليها تُحيل أجوبةُ الدّرس
الرّقمالسّطر
1قالَ شعبي يومَ : وحّدنا المصيرْ
2أنتَ إنسانٌ كبيرْ...
3يا جِراحي
4أوقفي التّاريخَ، أنا نبعُ تاريخٍ جديدْ
5يزرعُ الكونَ سلاماً وابتساماً وبطولاتِ شهيدْ
6من ضلوعي، من دمي، عبرَ الجزائرْ
7من خُطى طفلٍ جريءٍ يحملُ المدفعَ في أرضِ الجزائرْ
8يا جِراحي...
9في دمي كنزُ السّنابلْ
10ينحني شوقاً إلى صوتِ المناجلْ
11ينحني للشّمسِ، للفجرِ، إلى خلجةِ ثائرْ
12ينحني شوقاً إلى قُبلةِ طفلي وزغاريدَ وشاعرْ
13يا جِراحي
14أوقفي التّاريخَ، أنا حدثٌ ثَرٌّ، وكونٌ لا يُحسَدْ
15يُغرِقُ التّاريخَ والكونَ بجرحٍ يستجدّْ
16فبلادي ثورةٌ بِكرٌ.. بأرضي بسمائي بكياني تستبدّْ
17يا أنا، يا ثورتي... يا أغاني طفلتي...
18أنا إنسانٌ كبيرْ..
19قالَ شعبي يومَ وحّدنا المصيرْ
20احبسِ السّحبَ... هنا بحرٌ وأمطارٌ سَخيّه
21وربيعٌ صاغهُ طفلٌ لشعبي وصَبيّه...
22أوقفِ اللّحظةَ، أنا لحظةٌ كبرى غَنيّه
23لم تزلْ تنشرُ في الكونِ حكايا وهدايا عربيّه
24أطفئِ النّيرانَ، أنا قلبُ بركانٍ جريءٍ للأساطيلِ العتيقه
25للطّواغيتِ، لأصنامٍ غَبيّه...
26أَسكتِ الطّيرَ
27فأنا خلجةُ الإنسانِ تشدو في عروقٍ عربيّه
28تعبُرُ الأحلامَ للشّمسِ السّخيّه...
29يا رفيقي، أنا إنسانُ صراعْ
30مِلءَ كفّي حزمةٌ مصلوبةٌ من عَزَماتٍ وشِراعْ
31وغصونٍ وبقايا ذكرياتٍ وشُعاعْ
32قبضتي هذي، سماءٌ وترابٌ، وعُصاراتُ متاعي...
33وبقلبي ثورةٌ تمتصُّ معنى العاصفاتِ
34توقظُ الأرضَ بفأسٍ ولَهاةِ
35وتُعيدُ العطرَ، كلَّ العطرِ، للزّهرِ المُدمّى... للحياةِ...
36ثورةٌ إنسانةُ الغلّاتِ تسقي أمنياتي
37والرُّبى والصّبحَ من نبعِ الحياةِ...
38باركيها يا جموعي، يا فتاتي
39أنا إنسانٌ حياتي

محمّد الصّالح باوية — من ديوان أغنيات نضاليّة

⭐ قبل التّحليل، انظرْ إلى شكل الصّفحة نفسِها. لا تجد هنا بيتا ذا صدرٍ وعجُز، بل سطرا يطول ويقصر: سطرٌ من كلمتين («يا جِراحي»)، وسطرٌ يملأ السّطر كلَّه (7، 24). هذه ليست فوضى، بل قانونُ القصيدة الحرّة: السّطر يُقاس بعدد التّفعيلات لا بعدد الكلمات — وستضع اليدَ على هذا القانون في آخر الدّرس.

📖أثري رصيدي اللّغويّ

1 – في معاني الألفاظ

ما الّذي يعنيه العنوان «الإنسان الكبير»؟ وأيَّ مصيرٍ وحّده الشّعب في السّطر 1؟
«الإنسانُ الكبير» — وهي البنيةُ الدّلاليّةُ الّتي يحملها العنوان:
  • رمزَ الشّاعرُ به للعربيّ المنتصر بقيمه الإنسانيّة؛
  • ⟸ فـ«الكِبَر» هنا كِبَرٌ في القيمة لا في الجسم: هو ردٌّ مباشرٌ على من كان ينعت الجزائريَّ بالوحشيّة.
«وحّدنا المصير» — لفظةٌ مؤرَّخة، لا صورةٌ عامّة:
  • تحيل إلى تجربة الوحدة المصريّة السّوريّة المعلَنة سنة 1958 م، في قمّة تأجّج الثّورة الجزائريّة؛
  • ولذلك جاء الفعلُ بضمير الجماعة («وحّدنا») لا بضمير المتكلّم: المصيرُ مشترك.
⭐ ولاحظْ أنّ الشّاعر يفتتح بها ويعود إليها في السّطر 19 بالنّصّ نفسِه. ما يُقال مرّتين في قصيدةٍ من تسعةٍ وثلاثين سطرا ليس حشوا: إنّه العمود.

2 – في الحقل المعجميّ

اجمعْ ألفاظَ القصيدة تجدْها تدور على ثلاثة أقطاب، وكلُّها من النّصّ:
  • معجمُ الجسد: ضلوعي ⁦(6)⁩ · دمي (6، 9) · ينحني (10، 11، 12) · قلب (24، 33) · خلجة (11، 27) · عروق ⁦(27)⁩ · مِلءَ كفّي ⁦(30)⁩ · قبضتي ⁦(32)⁩ — الثّورةُ تُروى بأعضاء الجسد لا بأسماء المعارك؛
  • معجمُ الحرب: جِراحي (3، 8، 13) · المدفع ⁦(7)⁩ · جرح ⁦(15)⁩ · بركان ⁦(24)⁩ · الأساطيل العتيقة ⁦(24)⁩ · الطّواغيت ⁦(25)⁩ · صراع ⁦(29)⁩ · مصلوبة ⁦(30)⁩ · شهيد ⁦(5)⁩؛
  • معجمُ الأرض والحياة: السّنابل ⁦(9)⁩ · المناجل ⁦(10)⁩ · الشّمس والفجر ⁦(11)⁩ · ربيع وأمطار وبحر (20، 21) · غصون ⁦(31)⁩ · تراب ⁦(32)⁩ · الزّهر والرُّبى والصّبح (35، 37) · الحياة (35، 37، 39).
⭐ وهذا الجدولُ وحدَه يكشف فكرةَ النّصّ قبل تحليله: معجمُ الحياة أوسعُ من معجم الحرب، ومعجمُ الجسد يربط بينهما — فالدّمُ في السّطر 9 لا يسيل، بل يصير «كنزَ السّنابل». الشّاعرُ لا يكتب عن حربٍ، بل عن حياةٍ تُنتزَع بحرب.

3 – في الحقل الدّلاليّ

تتبّعْ في القصيدة زوجَي الألفاظ المتقابلة، تجدْ أنّ الشّاعر لا يضعها متجاورةً صدفةً:
  • جرحٌ ↔ نبع: «يا جِراحي أوقفي التّاريخ، أنا نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(3-4)⁩؛
  • دمٌ ↔ سنابل: «في دمي كنزُ السّنابل» ⁦(9)⁩؛
  • مدفعٌ ↔ طفل: «من خُطى طفلٍ جريءٍ يحملُ المدفعَ» ⁦(7)⁩؛
  • بركانٌ ↔ طير: «أَسكتِ الطّيرَ… أنا قلبُ بركانٍ» (24، 26)؛
  • ⟸ وفي كلّ زوجٍ لفظةٌ من الحرب تقابلها لفظةٌ من الحياة، في السّطر نفسِه أو في سطرين متقاربين.
⭐ ولهذا التّقابل اسمٌ ووظيفة: الشّاعرُ يجمع بين الحبّ والحرب، وليس ذلك من قبيل المصادفة. إنّه يعكس صفاتِ الجزائريّين وطبائعَهم: فهم ليسوا قساةً ولا دمويّين ولا مخرّبين بائسين كما كانت تنعتهم فرنسا الإمبرياليّة، بل لم يحملوا السّلاح إلّا بعدما نفدت كلُّ السّبل السّلميّة. ⟸ فالتّقابلُ حجّةٌ، لا زينة.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة في النّصّ نفسِه، ولكلٍّ منها سطرٌ يحملها. اكتبْ جوابَك أوّلا، ثمّ افتحْ لتقابل.
إلى من يوجّه الشّاعرُ خطابَه؟
يوجّهها إلى كلّ مسكونٍ بالثّورة الجزائريّة وبالقضيّة العربيّة بصفةٍ عامّة:
  • وذلك في موقفٍ تاريخيّ: لمّا أُعلنت تجربةُ الوحدة المصريّة السّوريّة في قمّة تأجّج الثّورة الجزائريّة، وكانت تحقّق أكبرَ الانتصارات الدّاخليّة والخارجيّة سنة 1958 م، ممّا كان يثير اعتزازَ كلّ الشّعوب العربيّة؛
  • ⟸ فالمخاطَبُ جماعةٌ لا فردٌ؛ أمّا أفعالُ الأمر فجاءت بصيغة المفرد المؤنّث («أوقفي») يخاطب بها جراحَه، وبصيغة المفرد المذكّر («احبسِ، أوقفِ، أطفئِ، أَسكتِ») لمخاطَبٍ لا يسمّيه: الشّاعرُ ينادي جراحَه ونفسَه معا، والقارئُ يسمع.
ما موضوعُ القصيدة؟
الافتخارُ بما يحقّقه العربُ في زمن الانتصارات:
  • على الأعداء، وخاصّةً الوحدةُ المصريّة السّوريّة الّتي كانت أمنيةَ الشّعوب العربيّة في تحقيق الوحدة العربيّة بعد طرد المستعمر الغربيّ منها؛
  • فرمَز للعربيّ المنتصر بقيمه الإنسانيّة بـ«الإنسان الكبير» — وهي البنيةُ الدّلاليّةُ الّتي يحملها العنوان؛
  • ⟸ فالقصيدةُ إعلانُ ميلادٍ لا مرثيّة: «أنا نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(4)⁩.
ضمنَ أيّ لونٍ أدبيّ تصنّف النّصّ؟
📜النّصّ من الشّعر السّياسيّ التّحرّريّ:
  • لأنّه يتغنّى بقضايا سياسيّة؛
  • جمَع فيه بين الإشادة ببطولات الشّعب الجزائريّ والوحدةِ العربيّة، اللّتين كانتا الشّغلَ الشّاغل في زمن نظم القصيدة؛
  • ⟸ والشّاهدان في النّصّ: «بطولاتِ شهيد» و«طفلٌ جريءٌ يحملُ المدفعَ في أرضِ الجزائر» (5، 7) للأولى، و«وحّدنا المصير» (1، 19) للثّانية.
الفضاءُ قسمان: واقعيّ وخياليّ. حدّدهما في النّصّ.
فضاءا القصيدة
الفضاءممّ ينطلقشواهدُه في النّصّ
الواقعيّمن حقائق واقعيّة كأحداث الثّورة والوحدة«وحّدنا المصير» ⁦(1)⁩ · «من خُطى طفلٍ جريءٍ يحملُ المدفعَ في أرضِ الجزائر» ⁦(7)⁩ · «بطولاتِ شهيد» ⁦(5)⁩
الخياليّمن قاموس الشّاعر في الخيال: الاستعاراتُ والرّموزُ الّتي يوظّفها في التّعبير«نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(4)⁩ · «كنزُ السّنابل» ⁦(9)⁩ · «قلبُ بركان» ⁦(24)⁩ · «خلجةُ الإنسانِ تشدو» ⁦(27)⁩
⚖️ وانتبهْ إلى النّسبة، لا إلى الوجود فقط: الفضاءُ الخياليّ هو أغلبُ النّصّ. فالواقعُ في القصيدة مرساةٌ قليلةُ المواضع، والخيالُ هو الّذي يحمل المعنى. ولذلك لا تُقرأ هذه القصيدةُ كما يُقرأ خبرٌ تاريخيّ.

💬أناقش معطيات النّصّ

إذا كان الشّعرُ رسماً قوامُه الكلمات، فإلى أيّ حدٍّ وُفِّق الشّاعرُ في رسم حقيقة الثّورة الجزائريّة؟
الشّقّ الأوّل — ما رسمه فعلا (وهو جوابٌ يُستخرج، فابدأْ به):
  • معجمُ الشّاعر عكَس طبيعةَ الثّورة الجزائريّة الّتي استلهمت القيمَ الإنسانيّة في مواجهة المستعمر: من حبٍّ وتسامحٍ وعدالةٍ، والتّفاؤلِ بغدٍ مشرق؛
  • لأنّها ليست ثورةَ خبزٍ فحسب، وإنّما الطّموحُ لاسترجاع كرامة الإنسان؛
  • ⟸ والشّاهدُ في السّطر 5 بعينه: «نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(4)⁩ «يزرعُ» الكونَ سلاماً وابتساماً — قبل «بطولاتِ شهيد».
💡 وأمّا «إلى أيّ حدّ؟» فقياسٌ، والقياسُ يحتاج مسطرةً قبل الحكم. ابنِه في ثلاث خطوات: ① حدّدِ المرجع: بأيّ صورةٍ للثّورة تقارن؟ بصورة كتب التّاريخ، أم بما ترويه العائلات؟ ② ابحثْ عمّا لم يرسمه: أين الجوعُ، أين المحتشدات، أين أسماءُ المعارك؟ فالقصيدةُ اختارت القيمَ وتركت الوقائع. ③ احكمْ على ما قصده لا على ما لم يقصده: أرادَ رسمَ روح الثّورة لا وقائعها — فقسْه بهذا المقياس، لا بغيره.
لماذا يُلحّ الشّاعرُ على كلمات الإنسانيّة والسّلام والحياة؟ وهل من المصادفة أن يجمع بين الحبّ والحرب؟
إلحاحُ الشّاعر على كلماتٍ من هذا الطّراز يعكس صفاتِ الجزائريّين وطبائعَهم:
  • فهم ليسوا قساةً ولا دمويّين أو مخرّبين بائسين كما كانت تنعتهم فرنسا الإمبرياليّة؛
  • بل الجزائريّون على النّقيض من ذلك تماما: لم يحملوا السّلاحَ إلّا بعدما نفدت كلُّ السّبل السّلميّة؛
  • ⟸ فليس من الصّدفة أن يمثّل الشّاعرُ هذه المبادئَ ويستلهمها في النّصّ، فيجمع بين قيم السِّلم والحرب.
⭐ وهذه حجّةٌ تُبنى على المعجم، وهي أقوى ممّا تبدو: المستعمِرُ اتّهم الثّورةَ بالوحشيّة، والاتّهامُ لا يُدفَع بإنكارٍ بل بدليلٍ يُرى. فجاء دليلُ الشّاعر من داخل اللّغة: من يزرع «سلاماً وابتساماً» ⁦(5)⁩، ويشتاق إلى «قُبلةِ طفلي وزغاريد» ⁦(12)⁩، ويعيد «العطرَ كلَّ العطرِ للزّهر المُدمّى» ⁦(35)⁩ — لا يمكن أن يكون هو الوحشَ. المعجمُ هنا شهادةُ براءة.
كيف استُقبل النّصُّ أثناء الثّورة؟ وكيف نستقبله اليوم؟
📜نصٌّ واحد، وظيفتان بحسب الزّمن
أثناء الثّورةاليوم
ما هودعمٌ معنويّ لنفوس الثّوّاروثيقةٌ تاريخيّة
ما يفعلنشيدٌ يزيدهم حماسةً واندفاعا إلى الأمام، ويجدّد فيهم روحَ الأمل في الانتصار وتقرير المصيريصوّر مرحلةً حاسمةً من تاريخ الجزائر تصويرا فنّيّا نابضا بالحياة، بحلوها ومرّها
لمنللمقاتل في لحظتهلأجيال الاستقلال — لتفهم بشاعةَ الاستعمار وقيمةَ الحرّيّة، ولتعتزّ بمن قدّم روحه ثمنا للحرّيّة والاستقرار
⚖️ ولاحظْ ما لم يتغيّر: النّصُّ هو هو، لم تتبدّل فيه كلمة. الّذي تبدّل هو القارئ. وهذا درسٌ في الأدب كلِّه: النّصُّ الحيُّ هو الّذي يجد لنفسه وظيفةً جديدةً كلّما تغيّر قارئُه — والنّصُّ الميّت هو الّذي يموت بموت مناسبته.
💡 وأمّا «كيف نستقبله أنت؟» فتجربةٌ لا تُنقَل. اسألْ نفسك في ثلاث خطوات: ① أيُّ سطرٍ توقّفتَ عنده أنت، ولماذا؟ ② هل قرأتَه نشيدا أم وثيقة؟ ③ ما الّذي كان سيتغيّر لو قرأتَه سنة 1958؟ ⛔ ولا تنقلْ حكمَ الدّرس وتسمِّه استقبالَك.

🧱أحدّد بناء النّصّ

إذا كانت وظيفةُ اللّغة هي التّواصل، فما الوظائفُ الثّانويّة الّتي أدّتها في هذا النّصّ؟
أدّت اللّغةُ وظيفةً جماليّةً كبيرة، وذلك في وجهين:
  • بانزياحاتها ورموزها — وهو خروجٌ جميلٌ عن المألوف في التّعبير عن الأفكار، لإثارة الذّهن والمتلقّي؛
  • ولأنّ لغةَ النّصّ سايرت مضمونَه المتحدّثَ عن الثّورة، بما لازمها من حدّةٍ في الفعل؛
  • ⟸ فكانت لغةُ النّصّ مزدوجةً بين اللّين والقوّة حسب سياق الفكرة.
⭐ والازدواجُ يُرى بالعين في سطرين متجاورين: «أطفئِ النّيرانَ، أنا قلبُ بركانٍ جريء» ⁦(24)⁩ — قوّة؛ ثمّ «أَسكتِ الطّيرَ / فأنا خلجةُ الإنسانِ تشدو» ⁦(26-27)⁩ — لين. الفعلُ أمرٌ في الحالين، والنّبرةُ نقيضان.
ظاهرةُ التّكرار في النّصّ ارتبطت بالحالة النّفسيّة للشّاعر: ابحثْ عن تجلّياتها.
اعتمد النّصُّ على التّكرار للإلحاح على فكرةٍ معيّنة في مواقفَ كثيرة، من ذلك:
  • «قال شعبي» — السّطران 1 و19؛
  • «يا جِراحي» — الأسطر 3 و8 و13؛
  • «أوقفي التّاريخ» — السّطران 4 و14؛
  • «إنسان كبير» — السّطران 2 و18، ويتردّد صداها في السّطر 39 («أنا إنسانٌ حياتي»)؛
  • ⟸ وهذه المعطياتُ المتكرّرة هي الرّسائلُ الّتي يحملها الشّاعر بإلحاحٍ إلى القارئ المتلقّي.
⭐ وانظرْ أين وقع التّكرار، لا كم مرّةً وقع: «قال شعبي» و«إنسان كبير» في المطلع ثمّ في وسط القصيدة (1-2 ثمّ 18-19)، و«يا جِراحي» ثلاث مرّاتٍ في الثّلث الأوّل. ⟸ فالأوّلان يقسمان القصيدة شطرين يُفتتح كلٌّ منهما بالقول نفسِه، والثّالث يقسّمها مقاطعَ كاللّازمة في الأغنية. التّكرارُ هنا هندسةٌ، لا عجزٌ عن لفظٍ جديد.
استخرجْ من النّصّ الصّورَ الّتي تعكس طابع الحرب.
في النّصّ صورٌ كثيرةٌ تعكس طابع الحرب، منها:
  • «أنا حدثٌ ثَرٌّ» ⁦(14)⁩؛
  • «في دمي كنزُ السّنابل» ⁦(9)⁩؛
  • «من ضلوعي، من دمي، عبرَ الجزائر» ⁦(6)⁩؛
  • «طفلٍ جريءٍ يحملُ المدفعَ» ⁦(7)⁩.
🧭 والطّريقةُ تُعاد على أيّ نصّ: ① ابحثْ عن لفظةٍ من ميدان الحرب (دم، جرح، مدفع، بركان، صراع). ② انظرْ بمَ قُرنت: أبلفظةٍ من الميدان نفسِه، أم من ميدانٍ مضادّ؟ ③ فإن قُرنت بمضادّها فأنت أمام صورة لا أمام خبر — «دمٌ» + «سنابل» صورةٌ، و«دمٌ» + «جرح» خبرٌ.
استخدم الشّاعرُ بعض الرّموز: استخرجها ووضّحها.
الرّموزُ الواردة في النّصّ تحيل إلى ثلاثة فضاءات
الفضاءرموزُه في النّصّما تحيل إليه
فضاءُ المستعمِرأساطيلُ عتيقة · أصنامٌ غبيّة (24، 25)قوّةٌ قديمةٌ لم تعد تصلح للزّمن، ومعبوداتٌ بلا عقل — أي سلطةٌ بلا شرعيّة
فضاءُ الثّورةقلبُ بركان ⁦(24)⁩ · ثورةٌ بِكر ⁦(16)⁩ · حزمةٌ مصلوبة ⁦(30)⁩قوّةٌ مكتومةٌ تنفجر، وثورةٌ لم يسبق إليها أحد، وعزمٌ يُحمَل رغم الصّلب
فضاءُ المستقبل والاستقلالصوتُ المناجل ⁦(10)⁩ · شوقاً إلى قُبلةِ طفلي وزغاريد ⁦(12)⁩الحصادُ بعد الزّرع، والعرسُ بعد الحداد — أي الحياةُ العاديّةُ المستعادة
⭐ والفضاءاتُ الثّلاثة مرتّبةٌ ترتيبَ الزّمن: ماضٍ يزول (أساطيلُ عتيقة)، وحاضرٌ ينفجر (بركان)، ومستقبلٌ يُنتظر (مناجلُ وزغاريد). ⟸ القصيدةُ خطُّ زمنٍ مرسومٌ بالرّموز، لا كومةُ صورٍ جميلة.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

ما دلالةُ الأفعال الأمريّة؟ وما نمطُ النّصّ؟
الشّقّ الأوّل — دلالتُها:
  • وردت في النّصّ أفعالُ الأمر وهي ذاتُ دلالةٍ نفسيّة، تتمثّل في انفعال الشّاعر مع الأحداث (بطولاتِ الثّورة) وافتخاره بها؛
  • وهي في النّصّ: «أوقفي» (4، 14) · «احبسِ» ⁦(20)⁩ · «أوقفِ» ⁦(22)⁩ · «أطفئِ» ⁦(24)⁩ · «أَسكتِ» ⁦(26)⁩ · «باركيها» ⁦(38)⁩.
الشّقّ الثّاني — النّمط:
  • فالنّصُّ ممزوجٌ بين النّمط الانفعاليّ — الجملةُ الإنشائيّة المتكرّرة —
  • والنّمط السّرديّ: سردُ الأحداث، لأنّ النّصّ أشبهُ بقصّةٍ رمزيّة.
⚖️ ولاحظْ إلى مَن تتوجّه هذه الأوامر، فهذا هو المفتاح: لا يأمر الشّاعرُ عدوّا ولا جنديّا: يأمر جراحَه («أوقفي التّاريخ»)، ثمّ مخاطَبا لا يسمّيه بأن يحبس السّحبَ ويوقف اللّحظةَ ويطفئ النّيرانَ ويُسكت الطّيرَ — أي أن يفعل ما لا يُفعَل. ⟸ فالأمرُ هنا ليس طلبا، بل انفعالٌ خرج في صورة أمر، وهذا بعينه معنى «الدّلالة النّفسيّة».
ساد الضّميرُ المستتر في كثيرٍ من المقاطع: حدّده وبيّنْ دورَه في اتّساق النّصّ.
الضّميرُ المستتر — وعلى ماذا يعود
الفعلُ في النّصّالسّطريعود على
«يزرعُ الكونَ…»5نبعُ تاريخٍ ⁦(4)⁩
«يحملُ المدفعَ…»7طفلٌ ⁦(7)⁩
«ينحني…»10-12كنزُ السّنابل ⁦(9)⁩
«لا يُحسَدْ»14كونٌ ⁦(14)⁩
«يُغرِقُ التّاريخَ…» · «يستجدّْ»15كونٌ ⁦(14)⁩
«تستبدّْ»16ثورةٌ ⁦(16)⁩
«لم تزلْ تنشرُ…»23لحظةٌ كبرى ⁦(22)⁩
«تشدو… تعبُرُ…»27-28خلجةُ الإنسان ⁦(27)⁩
«تمتصُّ… توقظُ… تُعيدُ… تسقي…»33-36ثورةٌ ⁦(33)⁩
ودورُه في الاتّساق يُرى في الجدول نفسِه:
  • الاسمُ يُذكر مرّةً واحدة، ثمّ تتعلّق به سلسلةٌ من الأفعال بلا إعادةِ ذكره — انظرْ «ثورةٌ» في 33 وقد جرّت وراءها أربعةَ أفعال؛
  • ⟸ فالضّميرُ المستتر خيطٌ يشدّ الأسطر بعضَها إلى بعض: لولاه لتفكّكت الأسطرُ إلى جملٍ مستقلّة، ولضاع في الشّعر الحرّ ما يعوّض وحدةَ البيت في الشّعر العموديّ.
بماذا تمتاز لغةُ الشّاعر؟
لغةُ الشّعر في العادة تتراوح بين طرفين:
  • اللّغةُ الجاهزة: وهي التّقليدُ في التّعابير السّابقة؛
  • والتّجديدُ في التّجربة الشّعريّة: بخلق صورٍ جديدةٍ من التّراكيب والتّعابير؛
  • وهو دأبُ الشّاعر في هذا النّصّ، الّذي أنشأ فيه معجما جديدا من التّعابير غير المألوفة.
وهذه شواهدُ ذلك المعجم الجديد من النّصّ نفسِه:
  • «نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(4)⁩ — والتّاريخُ لا يُنبَع؛
  • «حدثٌ ثَرٌّ» ⁦(14)⁩ — والحدثُ لا يُوصَف بالغزارة؛
  • «خلجةُ الإنسانِ تشدو» ⁦(27)⁩ — والخلجةُ لا تُغنّي؛
  • «إنسانةُ الغلّاتِ» ⁦(36)⁩ — وهو تركيبٌ لا تجده في معجم؛
  • ⟸ وفي كلّ شاهدٍ لفظٌ من عالمٍ رُكِّب على لفظٍ من عالمٍ آخر، وهذا هو الانزياح.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

بِمَ تغنّى الشّاعر؟ وبِمَ تفاءل؟
تغنّى الشّاعر:
  • بالقيم الإنسانيّة الّتي تبنّاها الشّعبُ الجزائريّ، الّذي لم يلجأ إلى الكفاح المسلّح إلّا بعد استنفاذ سبل التّفاوض.
وتفاءل:
  • بالنّصر المبين؛
  • وبإعمار الأرض الطّيّبة الّتي سُقيت بدماء الأبرياء.

وجملةُ القول: قصيدةٌ حرّةُ البناء، ثوريّةُ الموضوع، إنسانيّةُ النّزعة. نظمها طبيبٌ من أوائل من كتبوا القصيدة الحرّة في الجزائر، فجاءت أسطراً لا أبياتا، يطول السّطرُ فيها بطول النَّفَس ويقصر بقِصَره. وقف فيها الشّاعر أمام تهمةٍ لا أمام عدوّ: قيل للجزائريّ إنّه وحشٌ، فردّ عليه بمعجمه لا بخطبته — زرَع في السّطر الخامس «سلاماً وابتساماً»، وجعل الدّمَ في التّاسع «كنزَ السّنابل»، وختم بالحياة ثلاثَ مرّاتٍ في آخر خمسة أسطر. وذلك أصدقُ ما في النّصّ: أنّه لم يدافع عن الثّورة بأن يعدّد ضحاياها، بل بأن يعدّد ما تزرعه. وإذا كان قد كُتب سنة الوحدة العربيّة، فإنّ ما بقي منه اليوم ليس نشيدَ لحظةٍ، بل وثيقةٌ تُعلِّم أجيالَ الاستقلال أنّ الحرّيّة كان لها ثمن.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 : في مجال قواعد اللّغة

📘 أحكامُ التّمييز والحال. وهذه القاعدةُ لا تُدرَس هنا صدفةً: أكثرُ أمثلة الدّرس مأخوذٌ من «الإنسان الكبير» نفسِها — من عددِ أسطرها، ومن السّطر 5. فالنّحوُ ثمرةُ النّصّ، لا درسٌ إلى جانبه.

أ – التّمييز: الأمثلةُ أوّلا

أمثلةُ الدّرس — ولاحظِ العمودَ الأخير
المثالالمميَّز (المُبهَم)التّمييزحكمُه وسببُه
كم سطراً في قصيدة «الإنسان الكبير»؟«كم» الاستفهاميّةسطراًمنصوب — و«كم» استفهاميّة؛ ولا يستقيم معنى الجملة لو حذفنا «سطراً»
إنّها تتألّف من تسعةٍ وثلاثين سطراً.«تسعةٌ وثلاثون» (عدد)سطراًمنصوب — أزال غموضَ العدد، ولا يمكن حذفُه
كأيّنْ من فكرةٍ فيها أعجبتني وكذا صورةً.«كأيّنْ»فكرةٍمجرورٌ بـ«من» — وهو جائزٌ مع «كأيّنْ»
يزرعُ الكونَ سلاماً وابتساماً وبطولاتِ شهيدْ. (السّطر 5)الجملةُ «يزرعُ الكونَ»سلاماً · ابتساماً · بطولاتِ شهيدٍمنصوب — والمميَّزُ هنا جملةٌ لا لفظ
حُذفت من القصيدة خمسةُ أسطرٍ.«خمسةٌ» (عددٌ غير مركّب)أسطرٍمجرورٌ بالإضافة — لأنّ المميَّز عددٌ غير مركّب
كم تلميذٍ أُعجب بالقصيدة!«كم» الخبريّةتلميذٍمجرورٌ بالإضافة — لأنّ «كم» هنا خبريّة لا استفهاميّة
⛔ المزلقُ الأوّل، وهو في المثالين 1 و6: «كم» لفظٌ واحدٌ بمعنيين. الاستفهاميّةُ تسأل عن عددٍ مجهول ⟸ تمييزُها مفردٌ منصوب («كم سطراً؟»). والخبريّةُ تفيد الكثرة ولا تسأل ⟸ تمييزُها مجرورٌ («كم تلميذٍ»). والفارقُ يُسمَع في نبرة الجملة قبل أن يُرى في الحركة.

ب – التّمييز: بناءُ القاعدة

التّمييز: هو اسمٌ نكرةٌ يفسّر إبهاما في مفردٍ قبله أو في جملة، وهو نوعان:
  1. تمييزُ المفرد (الذّات): يوضّح إبهاما في أسماء العدد أو المقادير (وزنٍ، كيلٍ، مساحةٍ، قياس)، ويرد اسما جامدا؛
  2. تمييزُ الجملة (النِّسبة): يوضّح غموضَ جملةٍ فيها نسبةٌ مبهمة.
وبقيّةُ أحكامه ثلاثة:
  1. المميَّز: هو المُبهَمُ الّذي يفسّره التّمييز، ويكون مفردا أو جملة؛
  2. التّمييزُ منصوبٌ دائما؛
  3. ويجوز في تمييز المقادير، والعدد غير المركّب، و«كم» الخبريّة، و«كأيّنْ»: الجرُّ بالإضافة أو بـ«مِن» — ويُعرب في هذه الحالة مضافا إليه أو اسما مجرورا، لأنّ حكم التّمييز النّصب.

ج – الحال: الأمثلةُ أوّلا

أمثلةُ الدّرس على الحال
المثالالحالنوعُهاما بيّنَتْه
﴿وأرسلناك للنّاسِ رسولاً﴾ — النّساء: 79رسولاًمفردةهيئةَ صاحبها أثناء وقوع الفعل — وجاءت مفردةً لأنّها طابقت صاحبَها
بدا لي النّصّان الأدبيّان السّابقان رائعَين.رائعَينمفردة (مثنّى)جاءت في المثنّى لأنّها طابقت صاحبَها
إنّما الميّتُ من يحيا خاملاً.خاملاًمفردةهيئةَ صاحبها عند وقوع الفعل
لازمتُ البيتَ والمطرُ هاطلٌ.والمطرُ هاطلٌجملةٌ اسميّةسُبقت بواو الحال
لازمتُ البيتَ وقد هطل المطرُ.وقد هطل المطرُجملةٌ فعليّةبيّنت حالَ المتكلّم
يخرجُ الأطفالُ يومَ العيد في أبهى الثّياب.في أبهى الثّيابشبهُ جملةجارٌّ ومجرور
⭐ وسؤالٌ يُغني عن حفظ كثير: هل يجب ذكرُ واو الحال إذا كانت الحالُ جملةً فعليّة؟ لا — والدّليلُ مثالُ الدّرس: «دخل الأستاذُ يحملُ كتباً». الواوُ لازمةٌ للجملة الاسميّة، أمّا الفعليّةُ فيكفيها الضّمير الرّابط.

د – الحال: بناءُ القاعدة

الحال: هي وصفٌ نكرةٌ مشتقّةٌ منصوبة، تبيّن هيئةَ صاحبها عند وقوع الفعل.
  • صاحبُ الحال: هو الاسمُ المعرفة الّذي تبيّن الحالُ هيئتَه، ويكون فاعلا، أو مفعولا به، أو نائبَ فاعل، أو اسما مجرورا، أو مبتدأ.
أنواعُ الحال ثلاثة:
  1. الحالُ المفردة (لفظةٌ واحدة): تطابق صاحبَها في التّذكير والتّأنيث، والإفرادِ والتّثنيةِ والجمع؛
  2. الحالُ الجملة (فعليّةٌ أو اسميّة): ترتبط بصاحبها بالواو — وتسمّى واوَ الحال — أو بالضّمير، أو بهما معا؛
  3. الحالُ شبهُ الجملة: ظرفٌ، أو جارٌّ ومجرور.
وأحكامُها ثلاثة:
  1. تتعدّد الحالُ بأنواعها الثّلاثة بشرط ألّا يفصل بينها فاصل — مثل: «وقف الشّعراءُ مفتخرين يردّدون أناشيدَ الثّورة»؛
  2. الحالُ منصوبةٌ دائما، أو في محلّ نصب؛
  3. وتتأخّر عن صاحبها وجوبا في أربع حالات.
متى يجب تأخيرُ الحال عن صاحبها — أربعُ حالاتٍ بأمثلتها
الحالةالمثال
إذا حُصرت فيه﴿وما نرسل المرسلين إلّا مبشّرين ومنذرين﴾ — الأنعام: 48، والكهف: 56
أو كانت مسبوقةً بالواوأقبل الصّديقُ وهو مبتسمٌ
أو كان صاحبُها مضافا إليهأزعجني صوتُ أخيكَ ثائراً
أو كان صاحبُها مجرورا بالحرفمررتُ بالشّيخ مسترخياً

هـ – الفروقُ بين الحال والتّمييز

جوانبُ الاتّفاق — ثلاثةٌ، وهي سببُ الالتباس:
  • كلاهما نكرة
  • كلاهما فَضلة
  • كلاهما منصوب
جوانبُ الاختلاف — خمسةُ فوارقَ حاسمة
التّمييزالحال
صورتُهلا يأتي إلّا مفرداتجيء مفردةً وجملةً وشبهَ جملة
وظيفتُهيفسّر إبهاما في مفردٍ أو جملةتبيّن هيئةَ صاحبها
اشتقاقُهجامدمشتقّة
رتبتُهلا يتقدّمتتقدّم على صاحبها
تعدّدُهلا يتعدّدتتعدّد

و – أوظّفها في النّصّ

تمرين ① — عيّنِ التّمييزَ والمميَّزَ في السّطر 5، وبيّنْ نوعَه وحكمَه.
السّطر 5
الرّقمالسّطر
5يزرعُ الكونَ سلاماً وابتساماً وبطولاتِ شهيدْ
🔹خطوةً خطوة:
  • المميَّز هو الجملةُ «يزرعُ الكونَ» — وهي مبهَمة: يزرعه ماذا؟؛
  • والتّمييز: سلاماً، وابتساماً، وبطولاتِ شهيدٍ — أزالت الإبهامَ عن النِّسبة؛
  • فنوعُه: تمييزُ جملةٍ (نسبة)، لا تمييزَ ذات — لأنّ المُبهَم جملةٌ لا عدد ولا مقدار؛
  • وحكمُه: النّصب — وهو ظاهرٌ في «سلاماً» و«ابتساماً»، وعلامتُه الكسرةُ الظّاهرةُ نيابةً عن الفتحة في «بطولاتِ» لأنّها جمعُ مؤنّثٍ سالم.
تمرين ② — الجملةُ الفعليّةُ الواقعةُ بعد اسمٍ: متى تكون حالا ومتى تكون نعتا؟ طبّقْ على السّطرين 7 و27.
⚖️ الميزانُ حرفٌ واحد: التّعريفُ والتّنكير. صاحبُ الحال معرفة (وهو نصُّ القاعدة)؛ فإن كان ما قبل الجملة نكرةً فالجملةُ نعتٌ له، لا حال.
ميزانٌ واحدٌ، حكمان — من نصّ القصيدة
السّطرالجملةما قبلهاحكمُها
7«يحملُ المدفعَ في أرضِ الجزائر»طفلٍ جريءٍ — نكرةٌ مجرورةفي محلّ جرّ نعت لـ«طفلٍ»
27«تشدو في عروقٍ عربيّه»خلجةُ الإنسانِ — معرفةٌ بالإضافةفي محلّ نصب حال، ورابطُها الضّميرُ المستتر
33«تمتصُّ معنى العاصفاتِ»ثورةٌ — نكرةفي محلّ رفع نعت لـ«ثورةٌ»
⭐ وللجدول فائدةٌ تتجاوز الإعراب:
  • الرّابطُ في السّطر 27 هو الضّميرُ المستتر نفسُه الّذي درسْتَه في «أتفحّص الاتّساق والانسجام» — والدّرسُ هناك قال إنّه يعود على «خلجة الإنسان»؛
  • ⟸ فما سمّيتَه اتّساقاً في التّحليل، تسمّيه رابطَ الحال في الإعراب. هما اسمان لشيءٍ واحد.
⚖️ وما لم يمثّلْ له النّصّ يُقال ولا يُترك — فالقصيدةُ لا تحمل شواهدَ لكلّ نوع. خذْ من الدّرس ما يكملها: الحالُ المثنّاة («رائعَين»)، والحالُ الجملةُ الاسميّة («والمطرُ هاطلٌ»)، والحالُ شبهُ الجملة («في أبهى الثّياب»)، وتعدّدُ الحال («وقف الشّعراءُ مفتخرين يردّدون أناشيدَ الثّورة»). ⛔ ولا تبحثْ لها عن شواهدَ في القصيدة: افتعالُ الشّاهد أسوأُ من فقده.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2 : في مجال العروض

📕 الرّملُ في الشّعر الحرّ. وهذا الدّرسُ هو المفتاحُ الّذي وعدْناك به في أوّل القصيدة: لماذا كُتب هذا النّصّ أسطراً لا أبياتاً، ولماذا يطول السّطرُ ويقصر.

أ – القاعدة

الرّملُ مبنيٌّ على التّفعيلة: «فاعلاتن».
  • في حشو البيت تأتي على أحد الشّكلين: فاعلاتن أو فَعِلاتن؛ ويبيح بعضُ العروضيّين الشّكلَ (فاعلات) بحذف السّابع، لأنّه ثاني سبب؛
  • وفي نهاية البيت نراها تأخذ أحيانا أحدَ الأشكال: فاعلات أو فَعِلات بحذف الأخير وتعويضه بساكن؛ أو فاعلن أو فَعِلن بحذف السّبب الأخير.
رمزا التّقطيع اللّذان ستستعملهما
التّفعيلةتقطيعُها
فاعلاتن⁦0//00⁩
فَعِلاتن⁦///00⁩

ب – الأمثلة: من قصيدة «أحزان البنفسج» لعبد الوهّاب البيّاتي

أربعةُ أسطرٍ، وتقطيعُها
السّطرالتّقطيعالتّفعيلات
الملايينُ الّتي تكدحُ لا تحلمُ في موتِ فراشَهْ⁦0//00 ·0//00 · ///00 · ///00 · ///00⁩فاعلاتن · فاعلاتن · فَعِلاتن · فَعِلاتن · فَعِلاتن
وبأحزانِ البنفسجْ⁦///00 ·0//00⁩فَعِلاتن · فاعلاتن
أو شراعٌ يتوهّجْ⁦0//00 · ///00⁩فاعلاتن · فَعِلاتن
تحت ضوءِ القمرِ الأخضرِ في ليلةِ صيفٍ⁦0//00 · ///00 · ///00 · ///00⁩فاعلاتن · فَعِلاتن · فَعِلاتن · فَعِلاتن

ج – ماذا يقول هذا الجدول؟

اقرأْ عمودَ التّفعيلات وحدَه من الأعلى إلى الأسفل، وعُدّ:
  • السّطرُ الأوّل: خمسُ تفعيلات؛ الثّاني: تفعيلتان؛ الثّالث: تفعيلتان؛ الرّابع: أربع؛
  • والتّفعيلةُ واحدةٌ في الأسطر كلِّها — «فاعلاتن» وشكلُها «فَعِلاتن»؛
  • ⟸ فالّذي تغيّر هو العددُ، لا النّوع. وهذا هو قانونُ الشّعر الحرّ في جملة: السّطرُ يُقاس بعدد التّفعيلات، وللشّاعر أن يختار هذا العدد سطراً سطراً، على خلاف البيت العموديّ الّذي يلتزم عددا ثابتا في القصيدة كلِّها.
⭐ والآن ارجعْ إلى «الإنسان الكبير» وانظرْ إليها بهذه العين: «يا جِراحي» ⁦(3)⁩ سطرٌ قصير، و«أطفئِ النّيرانَ، أنا قلبُ بركانٍ جريءٍ للأساطيلِ العتيقه» ⁦(24)⁩ سطرٌ طويل — وكلاهما سطرٌ تامّ، لا نصفُ بيتٍ ولا بيتٌ ناقص. وهذا ما يجعل عدَّها ممكنا: تسعةٌ وثلاثون سطرا — وهو العددُ الّذي بُني عليه المثالُ الأوّلُ في درس التّمييز قبل قليل. ⟸ العروضُ هنا يفسّر لك شكلَ الصّفحة، والنّحوُ يستعمل ذلك الشّكلَ مثالا. الدّرسان يتكلّمان عن الشّيء نفسِه.
تمرين — قطّعِ السّطرَ «أو شراعٌ يتوهّجْ» بنفسك، ثمّ قابلْ.
🔹خطوةً خطوة — وهذه هي الطّريقةُ في كلّ تقطيع:
  • ① اكتبِ السّطر كما يُنطق لا كما يُكتب: «أَوْ شِرا عُنْ يَ تَ وَهْ هَجْ»؛
  • ② ضعْ / للمتحرّك و0 للسّاكن: أَوْ = ⁦/0⁩ · شِ = / · را = ⁦/0⁩ · عُنْ = ⁦/0⁩ ⟸ ⁦/0//0/0⁩ = فاعلاتن؛ ثمّ يَ = / · تَ = / · وَهْ = ⁦/0⁩ · هَجْ = ⁦/0⁩ ⟸ ⁦///0/0⁩ = فَعِلاتن؛
  • ③ اجمعْ: فاعلاتن · فَعِلاتن — تفعيلتان، وهو ما يثبته الجدول أعلاه.
🧭 والمزلقُ الّذي يسقط فيه أكثرُ التّلاميذ: التّقطيعُ يتبع النّطقَ، لا الإملاء. التّنوينُ نونٌ ساكنة («شراعٌ» ⟵ «شِراعُنْ»)، والشّدّةُ حرفان («يتوهّج» ⟵ «يَتَوَهْـهَجْ»)، و«ال» الشّمسيّةُ لا تُنطق لاما. من أخطأ في النّطق أخطأ في البحر كلِّه.

الصفحة 1/7

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net