اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 8 الرمز و الأسطورة في الشعر العربي المعاصر

"خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين" لأمل دنقل

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

محمّد أمل فهيم محارب دنقل. وُلد عام 1940 م في قرية القلعة بمحافظة قِنا بمصر. أتمّ دراستَه الثّانويّة بقِنا، ثمّ التحق بكلّيّة الآداب، ولكنّه انقطع عن الدّراسة منذ العام الأوّل. عمِل موظّفا بمحكمة قِنا ومصلحة الجمارك بالسّويس والإسكندريّة، ثمّ اشتغل فترةً بالصّحافة، وعمِل مديرا للنّشر في منظّمة التّضامن الأفروآسيويّ. توفّي بالقاهرة عام 1983 م. وأوّلُ مجموعاته الشّعريّة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، سنة 1969 م.

⭐ وفي هذه التّرجمة مفتاحان يفتحان لك النّصّ قبل قراءته. الأوّل: الرّجلُ موظّفٌ وصحفيّ، لا شاعرَ بلاطٍ ولا أستاذَ جامعة — فهو يكتب من داخل حياة النّاس العاديّة، ومن داخل الخبر اليوميّ؛ ولذلك ستجد في قصيدته «المذياع» و«الجرائد» و«مجلس الأمن». والثّاني: عنوانُ أوّل دواوينه — «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» — يقوم كلُّه على رمزٍ من التّراث: زرقاءُ اليمامة الّتي رأت الخطرَ فلم يصدّقها قومُها. فالرّمزُ عند أمل دنقل ليس زينةً طارئة في هذا النّصّ، بل طريقتُه في الكلام منذ أوّل ديوان.

🚪تقديم النّصّ

هل كان الشّعراءُ المعاصرون بمعزلٍ عن قضايا أوطانهم؟ وكيف عبّروا عن بكائهم على الحاضر وعن محاولاتهم لإحياء الضّمير العربيّ؟

هذا النّصّ من محور «توظيف الرّمز والأسطورة في القصيدة العربيّة المعاصرة». وفيه يقف شاعرٌ معاصرٌ على قبر صلاح الدّين الأيّوبيّ — الرّجلِ الّذي استردّ القدس — ليكلّمه. غير أنّ العنوان يحمل مفارقةً تستوقفك من العتبة الأولى: خطابٌ على قبرِ رجلٍ من التّاريخ، ومع ذلك يسمّيه صاحبُه «خطابا غير تاريخيّ».

سؤالُ الدّخول: لماذا يذهب شاعرٌ من القرن العشرين إلى قبرٍ في دمشق ليخطُبَ فيه؟ ومن المقصودُ حقّا بهذا الخطاب: الميّتُ الّذي في القبر، أم الأحياءُ الّذين حوله؟ اقرأِ القصيدةَ باحثا عن الجواب، ولا تفتحْ إجابةً قبل أن تكتبَ إجابتَك.

📜النّصّ

⚖️ هذه القصيدةُ من شعر التّفعيلة (الشّعر الحرّ): لا تقوم على بيتٍ ذي شطرين، بل على السّطر الشّعريّ. ولذلك رُقّمت أسطرُها من 1 إلى 38، وإلى هذه الأرقام تُحيلك أجوبةُ الدّرس كلُّها. والقصيدةُ مقطعان، يفصل بينهما الشّاعرُ بفاصلٍ في الأصل.
⭐ ولاحظْ من الآن علامةً واحدة، فهي مفتاحُ سؤالٍ يأتيك بعد قليل: كلّما وضع الشّاعرُ سطرا بين قوسين، فذلك سطرٌ ليس من كلامه هو. عُدَّ الأقواسَ وأنت تقرأ.
«خطاب غير تاريخيّ على قبر صلاح الدّين» — المقطعُ الأوّل: الوداعُ، ثمّ الخيولُ، ثمّ البطلُ في المذياع
الرّقمالسّطر الشّعريّ
1أنتَ تسترخي أخيرا..
2فوداعاً.. يا صلاحَ الدّين.
3يا أيّها الطّبلُ البدائيُّ الّذي تَراقَصَ الموتى
4على إيقاعِه المجنون.
5يا قاربَ الفلّين
6للعربِ الغَرقى الّذين شتّتتهم سفنُ القراصنه
7وأدركتهم لعنةُ الفراعنه
8وسنةٌ... بعد سنه
9صارت لهم (حطّين)..
10تميمةَ الطّفل، وإكْسيرَ الغدِ العنّين
11(جبلَ التّوباد حيّاكَ الحيا)
12(وسقى اللهُ ثرانا الأجنبيّ!)
13مرّت خُيولُ التُّرك
14مرّت خُيولُ الشّرك
15مرّت خيولُ الملكِ – النّسر
16مرّت خيولُ (التّتر) الباقين
17ونحن جيلا بعد جيل – في ميادين المراهنه
18نموتُ تحت الأحصنه!
19وأنتَ في المذياع، في جرائد التّهوين
20تستوقفُ الفارين
21تخطبُ فيهم صائحا: (حطّين)
22وترتدي العقالَ تارةً، وترتدي ملابسَ الفدائيّين
23وتشربُ الشّايَ مع الجنود
24في المعسكرات الخشنه
25وترفعُ الرّاية،
26حتّى تستردَّ المدنَ المرتَهنه
27وتطلقُ النّارَ على جوادِك المسكين
28حتّى سقطْتَ أيّها الزّعيم
29واغتالتك أيدي الكهنه!
المقطعُ الثّاني: نمْ… ونحن نقشّر التّفّاح
الرّقمالسّطر الشّعريّ
30(وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنه..)
31(نازعتني - لمجلس الأمن - نفسي!)
32نمْ يا صلاحَ الدّين نمْ.. تتدلّى فوقَ قبرِك الورودُ..
33كالمظلّيين!
34ونحن ساهرون في نافذة الحنين
35نقشّرُ التّفّاحَ بالسّكّين
36ونسألُ اللهَ (القروضَ الحسنه!)
37فاتحةٌ:
38آمين

«خطاب غير تاريخيّ على قبر صلاح الدّين» — أمل دنقل

📖أثري رصيدي اللّغويّ

1 – في الأعلام

الأعلامُ الّتي يقوم عليها النّصّ، وموضعُ كلٍّ منها
العَلَمالتّعريفموضعُه
صلاح الدّين الأيّوبيّوُلد في تكريت عام 1138 م ⁦/ 532⁩ هـ، ومات في دمشق في 3 مارس 1193 م، الموافق يوم الأربعاء 27 صفر 589 هـ. مؤسّسُ الدّولة الأيّوبيّة في مصر والشّام، فتح أغلبَ مدن مملكة بيت المقدس وفتح عاصمتَها القدس، الأمرُ الّذي أدّى إلى قيام الحملة الصّليبيّة الثّالثة بقيادة ملوك فرنسا وإنكلترا وألمانيا.العنوان، والأسطر 2 و32
التّتر (أو التّتار)اسمٌ شاع عند العرب لقبائلَ كانت تسكن في أواسط آسيا بين بحيرة «بايكال» وجبال «التاي»؛ وهم المغول.سطر 16
حطّينقريةٌ في فلسطين انتصر فيها صلاحُ الدّين الأيّوبيُّ على الصّليبيّين.سطرا 9 و21
جبل التّوبادجبلٌ في شبه الجزيرة العربيّة، يقال إنّ «مجنون ليلى» كان يختلي فيه، فصار رمزا للحبّ العذريّ.سطر 11
مجلس الأمنمن أجهزة الأمم المتّحدة، غايتُه السّهرُ على الأمن والسّلام في العالم؛ له خمسةُ أعضاء يتمتّعون بحقّ «الفيتو»، وهم: الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا، والصّين الشّعبيّة.سطر 31
⭐ وهذه الأعلامُ ليست حَشْوا: هي هيكلُ القصيدة. انظرْ كيف تتوزّع على زمنين. أربعةٌ من الماضي: صلاحُ الدّين، وحطّين، والتّتر، وجبلُ التّوباد. وواحدٌ من الحاضر: مجلسُ الأمن. ⟸ الشّاعرُ لم يشرح لك المفارقةَ بكلمة، بل بنى بها معجمَ القصيدة: أربعةُ أعلامٍ من التّاريخ في مواجهة عَلَمٍ واحدٍ من زماننا — وهذا وحده يقول لك أين يقيم الشّاعر، وأين يريد أن يعود.

2 – في الحقل الدّلاليّ

هاتِ من النّصّ ألفاظا تدلّ على الاستكانة والعجز، وأخرى تدلّ على البطولة والمجد.
حقلان متقابلان في قصيدةٍ واحدة
الحقلالألفاظمواضعُها
الاستكانة والعجزشتّتتهم · تميمة · إكسير · نموت · نقشّر التّفّاح…سطر 6 · سطر 10 · سطر 10 · سطر 18 · سطر 35
البطولة والمجدحطّين · ملابس الفدائيّين · ترفع الرّايةسطر 21 · سطر 22 · سطر 25
⭐ والطّريقةُ تُعاد على أيّ نصّ، في ثلاث خطوات: ① لا تبحثْ عن كلماتٍ «حزينة» بالفطرة، بل عن الفعل: من يفعل، ومن يُفعَل به؟ «شتّتتهم» و«نموت» و«أدركتهم» أفعالٌ المتكلّمون فيها مفعولٌ بهم، وهذا هو العجز. ② ثمّ عن الأداة: التّميمةُ والإكسيرُ حرزان يُعلَّقان ولا يُقاتَل بهما، أمّا الرّايةُ وملابسُ الفدائيّين فأدواتُ فعل. ③ وأخيرا عن الموضع: الحقلُ الأوّل يغلب على أسطر «نحن» (6، 17، 18، 34، 35)، والثّاني على أسطر «أنتَ» (21، 22، 25). ⟸ القسمةُ ليست بين كلماتٍ، بل بين ضميرين.
⚖️ ولاحظْ أنّ «نقشّر التّفّاح بالسّكّين» ليست لفظةً حزينةً في ظاهرها: هي مشهدٌ بيتيٌّ هادئ. وإنّما صارت من حقل العجز بالمقابلة: سكّينٌ تُشهَر على تفّاحة، في قصيدةٍ خيولُها تمرّ ورايتُها تُرفَع. فالدّلالةُ تُقاس بالسّياق، لا بالمعجم وحده.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة في النّصّ نفسِه، ولكلٍّ منها سطرٌ يحملها. اكتبْ جوابَك أوّلا، ثمّ افتحْ لتقابل.
عنوانُ النّصّ هو عتبتُه الأولى؛ ما دلالةُ هذه العتبة على المضمون؟ ولمَ اعتبر الشّاعرُ نصَّه خطابا؟

الشّقّ الأوّل — دلالةُ العتبة. صلاحُ الدّين اسمٌ ارتبط بالبطولة والنّصر، محطّةٌ من محطّات التّاريخ، الماضي التّليد، استُعيد فيه ما سُلب من الأمّة. في حين أنّ خطابَ الشّاعر مرتبطٌ بحاضرٍ مرير: حاضرِ الانهزامات المتكرّرة، وحاضرِ الخيانة، وحاضرٍ فقدنا فيه ما استعاده صلاحُ الدّين من العدوّ. فكيف لهذا الحاضر أن يكون تاريخيّا؟ ⟸ ومن هنا جاءت العتبةُ «غير تاريخيّ».

الشّقّ الثّاني — لمَ اعتبره خطابا؟ لأنّ الشّاعرَ يعي ثنائيّة (الماضي – الحاضر، الانتصار – الهزيمة)، ويعي الدّورَ المنوطَ بالشّاعر في لحظات الهزيمة والانكسار. فاعتبر أملُ دنقل نصَّه خطابا، أي رسالةً موجّهةً إلى مخاطَبٍ هو صلاحُ الدّين، ومنه إلى الضّمير العربيّ النّائم الميت.

⭐ والدّليلُ على أنّه خطابٌ لا مرثيّة، في النّصّ نفسِه: أدواتُ النّداء والأمر والخطاب تملأ القصيدة — «يا صلاحَ الدّين» ⁦(2)⁩، «يا أيّها الطّبلُ» ⁦(3)⁩، «يا قاربَ الفلّين» ⁦(5)⁩، «وأنتَ في المذياع» ⁦(19)⁩، «نمْ يا صلاحَ الدّين نمْ» ⁦(32)⁩. ⟸ لا يُنادى ميّتٌ إلّا ليَسمعَه الأحياء.
رسم الشّاعرُ مشاهدَ تاريخيّةً مختلفةً عبر هذا الخطاب؛ اذكرْ مشهدا تبيّنتْ لك معالمُه.
مشهدان اثنان يمكن تتبّعُ معالمهما في النّصّ:
  • مشهدُ القائد صلاح الدّين بين عساكره، في ميادين المعارك الّتي خاضها: يسامرُهم، ويتفقّد أحوالَهم، ويتقدّمهم في ساحة المعركة، يقودهم ويشجّعهم… — وشواهدُه: «وترتدي ملابسَ الفدائيّين» ⁦(22)⁩، «وتشربُ الشّايَ مع الجنود / في المعسكرات الخشنه» ⁦(23-24)⁩، «وترفعُ الرّاية، / حتّى تستردَّ المدنَ المرتَهنه» ⁦(25-26)⁩؛
  • ومشهدُ الانهزامات المتتالية للجيوش العربيّة أمام الأعداء من تركٍ وتترٍ وصليبيّين واستعمارٍ حديث — وشواهدُه: «مرّت خُيولُ التُّرك» ⁦(13)⁩، «مرّت خُيولُ الشّرك» ⁦(14)⁩، «مرّت خيولُ الملكِ – النّسر» ⁦(15)⁩، «مرّت خيولُ (التّتر) الباقين» ⁦(16)⁩.
⚖️ ولاحظْ أنّ المشهدين مرسومان بأداتين مختلفتين، وهذا هو الأهمّ: الأوّلُ يُرسم بأفعالٍ مضارعةٍ مسنَدةٍ إلى «أنتَ» (ترتدي، تشرب، ترفع) — حركةٌ حاضرةٌ مستمرّة؛ والثّاني بفعلٍ ماضٍ واحدٍ مكرَّرٍ أربعَ مرّات (مرّت… مرّت… مرّت… مرّت) — رتابةٌ تُشبِه دقّاتِ ساعة. ⟸ المجدُ يُصوَّر حركةً، والهزيمةُ تُصوَّر تَكرارا.
أين تجد الاقتباس في هذه القصيدة ممتزجا بالرّمز؟ وما فائدةُ هذا التّوظيف للتّاريخ الأدبيّ؟

الموضعُ الأوّل — من شعر شوقي (أسطر 11-12). من مظاهر اقتباس الشّاعر من شعر شوقي والتّغيير في معالمه — على اعتبار أنّ شوقي يمثّل المحافظين وشاعرَنا يدعو إلى التّجديد — ما أخذه من قوله:

أصلُ البيت عند أحمد شوقي
الصّدرالعجز
جبلَ التّوبادِ حيّاكَ الحياوسقى اللهُ صِبانا ورعى
وكيف صار في القصيدة
السّطرما كتبه أمل دنقلما تغيّر
11(جبلَ التّوباد حيّاكَ الحيا)لم يتغيّرْ شيء — أخذه كما هو
12(وسقى اللهُ ثرانا الأجنبيّ!)«صِبانا» ⟵ «ثرانا الأجنبيّ»؛ ودعاءُ شوقي للصِّبا صار سخريةً مُرّة: تُرابُنا نحن صار أجنبيّا

الموضعُ الثّاني — من شوقي أيضا (أسطر 30-31)، وهو مبنيٌّ على البيت المشهور:

أصلُ البيت عند أحمد شوقي
الصّدرالعجز
وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنهنازعتني إليه في الخُلدِ نفسي
وكيف صار في القصيدة
السّطرما كتبه أمل دنقلما تغيّر
30(وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنه..)لم يتغيّرْ شيء
31(نازعتني - لمجلس الأمن - نفسي!)«إليه في الخُلد» ⟵ «لمجلس الأمن»؛ فالنّفسُ الّتي كانت تنازع إلى الوطن صارت تنازع إلى هيئةٍ أجنبيّة
⭐ وهذه هي الطّريقةُ الّتي تجد بها البقيّة، وهي داخلُ النّصّ لا خارجَه: الشّاعرُ يقوّس ما يريد أن يفصله عن صوته هو. والأسطرُ المقوَّسة في القصيدة ثمانية: 9، 11، 12، 16، 21، 30، 31، 36. فابدأْ منها، ثمّ اسألْ في كلّ واحدٍ منها سؤالا واحدا: هل هذا كلامُ شاعرٍ آخر؟ فإن كان كذلك فهو اقتباس — وهو ما ينطبق على 11-12 و30-31؛ وإلّا فهو لفظٌ رامزٌ يستدعيه من خارج القصيدة، كـ«حطّين» (9 و21) و«التّتر» ⁦(16)⁩ و«القروض الحسنه» ⁦(36)⁩.
وأمّا فائدةُ توظيف التّاريخ الأدبيّ، فثلاثةُ أوجه يبيّنها النّصّ نفسُه:
  • أنّه يوفّر على الشّاعر الشّرح: يكفي أن يقول «حطّين» ليحضُر النّصرُ كلُّه، وأن يقول «جبل التّوباد» ليحضُر الحبُّ العذريُّ كلُّه؛
  • أنّه يصنع المفارقة بأقلّ الكلام: البيتُ المألوفُ عند القارئ يجعله ينتظر خاتمةً بعينها، فيفاجئه الشّاعر بغيرها — «وسقى اللهُ ثرانا الأجنبيّ»؛
  • أنّه يجعل الاقتباسَ نفسَه موقفا: أن يأخذ المجدِّدُ بيتَ المحافظِ ثمّ يقلبَه، فذلك حكمٌ على القديم بأنّه لم يعد يكفي.

💬أناقش معطيات النّصّ

للشّاعر ارتباطٌ وثيقٌ بصلاح الدّين؛ فيمَ يتمثّل؟

ارتباطُ الشّاعر بصلاح الدّين هو كارتباط كلِّ عربيٍّ غيورٍ على وطنه، ينتظر من يعيد للأمّة مجدَها وعزَّها. ومن أجل ذلك نراه يرثيه ويبكيه، ويعلن له أنّ الدّنيا بعده لم تعد دنيا: فلا عزَّ ولا مجد.

وثلاثةُ شواهدَ في النّصّ تُري هذا الارتباطَ ماثلا:
  • نداءُ الحيّ للحيّ لا كلامُ الزّائر على قبر: «يا صلاحَ الدّين» ⁦(2)⁩، «نمْ يا صلاحَ الدّين نمْ» ⁦(32)⁩؛
  • صورةُ النّجاة: «يا قاربَ الفلّين / للعربِ الغَرقى» ⁦(5-6)⁩ — فهو عنده آخرُ ما يطفو حين غرِق الجميع؛
  • المقابلةُ الختاميّة: هو كان يرفع الرّاية ⁦(25)⁩، ونحن نقشّر التّفّاح ⁦(35)⁩ — وبين السّطرين كلُّ ما فقدته الأمّة.
هل معاني النّصّ تقليديّةٌ أم مبتكَرة؟ مثّلْ لذلك مبرزا ملمحا لنزعة التّجديد.

والمتأمّلُ في النّصّ يجد الشّاعرَ مجدِّدا في المعاني؛ فرغم أنّه يقتبس ممّن تقدّمه، إلّا أنّه يصوغ المعاني بطريقةٍ جديدة، ويختار منها ما هو جديدٌ في الوقت نفسِه.

وجها التّجديد، ومثالُ كلٍّ منهما
وجهُ التّجديدمثالُه في النّصّالموضع
صياغةُ المعاني بطريقةٍ جديدةاقتباسُ الشّاعر من شوقي ثمّ قلبُه: «وسقى اللهُ ثرانا الأجنبيّ»أسطر 11-12 و30-31
اختيارُ المعاني الجديدة نفسِهاالحديثُ عن مجلس الأمن، والحديثُ عن القروضسطرا 31 و36
⭐ والفرقُ بين الوجهين يستحقّ أن تُمسِكَه، لأنّه ميزانٌ يخدمك في كلّ نصّ: الأوّلُ معنًى قديمٌ في ثوبٍ جديد (حبُّ الوطن عند شوقي، مقلوبا)؛ والثّاني معنًى لم يكن موجودا أصلا — لم يكن لشاعرٍ قبل القرن العشرين أن يقول «مجلس الأمن» أو «القروض الحسنه»، لأنّ الشّيء نفسَه لم يكن قد وُجد. ⟸ التّجديدُ إمّا في الصّياغة، وإمّا في المادّة؛ وأمل دنقل جمع الاثنين في قصيدةٍ واحدة.

🧱أحدّد بناء النّصّ

يقوم النّصّ على المزاوجة بين ماضٍ مجيدٍ وحاضرٍ تعيس؛ وضّحْ ذلك.

زاوج الشّاعرُ بين الزّمن الماضي المجيد — عصرِ السّلطان صلاح الدّين الأيّوبيّ الّذي هزم الصّليبيّين — وعصرِنا، عصرِ الاستكانة والضّعف. وتمّ بذلك للشّاعر رسمُ الصّراع والجوِّ الدّراميِّ المأسويّ.

المزاوجة، سطرا بسطر
الماضي المجيدالحاضر التّعيس
«صارت لهم (حطّين)..» ⁦(9)⁩«ونحن جيلا بعد جيل… نموتُ تحت الأحصنه⁦!» (17-18)⁩
«وترفعُ الرّاية، / حتّى تستردَّ المدنَ المرتَهنه» ⁦(25-26)⁩«ونسألُ اللهَ (القروضَ الحسنه!)» (36)
«وتشربُ الشّايَ مع الجنود / في المعسكرات الخشنه» ⁦(23-24)⁩«ونحن ساهرون في نافذة الحنين / نقشّرُ التّفّاحَ بالسّكّين» ⁦(34-35)⁩
⭐ والبرهانُ على أنّ المزاوجة مقصودةٌ لا عارضة: اقرأِ العمودين وحدهما. عمودُ الماضي كلُّه أفعالُ حركةٍ وأدواتُ قتال (تستردّ، ترفع، الرّاية، المعسكرات)؛ وعمودُ الحاضر كلُّه أفعالُ انتظارٍ وأدواتُ بيت (نسأل، ساهرون، نافذة، تفّاح، سكّين). ⟸ الشّاعرُ لم يقلْ «ضعُفْنا» مرّةً واحدة: جعل المعجمَ يقولها عنه.
لِمَ ارتبطت الوحدةُ الموضوعيّة بالوحدة العضويّة في هذا النّصّ؟

الوحدةُ العضويّة تحقّق التّرابطَ بين أجزاء القصيدة — بين شطري البيت في الشّعر العموديّ، وبين أسطر القصيدة هنا — شكلا بالرّوابط، وتتابعا باستمرار الحدث، الّذي ينقلنا إلى الوحدة الموضوعيّة: ليكون للنّصّ الأدبيّ موضوعٌ معيّن، بدلا من تغيّر محاوره إلى مواضيعَ عديدةٍ لا يجمع بينها إلّا وجودُها داخل هذا النّصّ. ولذلك نلاحظ الشّاعرَ الّذي يبدع القصائد تحت مسؤوليّة الوحدة الموضوعيّة ينتهي من القصيدة بنهاية موضوعه.

⭐ والبرهانُ عمليّ: جرّبْ أن تنقل سطرا من موضعه. ضعِ السّطرَ 32 («نمْ يا صلاحَ الدّين نمْ») في أوّل القصيدة: تأمرُه بالنّوم قبل أن تودّعه، فيسقط الوداعُ كلُّه. وضعِ السّطرَ 1 («أنتَ تسترخي أخيرا») في آخرها: تقول له «أخيرا» بعد أن أخبرتَه أنّه سقط واغتيل. ⟸ فالتّرتيبُ ليس زينةً: هو الّذي يحمل المعنى — وهذه هي الوحدةُ العضويّة.
⚖️ وانتبهْ إلى أنّ السّؤالَ يسأل عن الرّابط بين الوحدتين، لا عن تعريفهما. والرّابطُ هو الحدث: ما دام الموضوعُ واحدا (رثاءُ البطل ومحاكمةُ الحاضر)، فلا بدّ أن تتتابع الأسطرُ تتابعا لا يحتمل التّقديمَ ولا التّأخير. ⟸ الوحدةُ الموضوعيّة هي الغاية، والوحدةُ العضويّة هي الطّريقُ إليها.
طبيعةُ الموضوع فرضت نمطَ النّصّ؛ فيمَ تبدو العلاقةُ بين الموضوع والنّمط؟

لمّا كان الشّاعرُ في موقف خطاب، فإنّنا نلمس بروزَ النّمط الحواريّ: فالشّاعرُ منذ البداية نشعر به يحاور صلاحَ الدّين، يكلّمه ويحدّثه ويخاطبه، وإن كان حوارُه غير مباشر. ومن مؤشّرات ذلك استعمالُ الضّميرين «أنتَ» و«نحن». وقد أدّى هذا الحوارُ وظيفةَ التّواصل الوجدانيّ العاطفيّ.

غير أنّ نمطا آخرَ — بالموازاة مع هذا النّمط — نلمس أثرَه، وهو النّمطُ السّرديّ، الّذي يتجلّى في نقل الأحداث، وخاصّةً منها التّاريخيّة.

النّمطان، ومؤشّراتُ كلٍّ منهما في النّصّ
النّمطمؤشّراتُهالشّواهد
الحواريّ (الغالب)النّداءُ · الأمرُ · ضميرا المخاطب والمتكلّمين«يا صلاحَ الدّين» ⁦(2)⁩ · «يا أيّها الطّبلُ» ⁦(3)⁩ · «نمْ… نمْ» ⁦(32)⁩ · «وأنتَ في المذياع» ⁦(19)⁩ · «ونحن ساهرون» ⁦(34)⁩
السّرديّ (بالموازاة)الفعلُ الماضي · تتابعُ الأحداث · الأعلامُ التّاريخيّة«مرّت خُيولُ التُّرك» ⁦(13)⁩ · «مرّت خيولُ (التّتر) الباقين» ⁦(16)⁩ · «حتّى سقطْتَ أيّها الزّعيم / واغتالتك أيدي الكهنه⁦!» (28-29)⁩
⚖️ وقولُنا النّمطُ الغالب مقصودٌ لا النّمطُ الوحيد: النّمطان متداخلان في القصيدة نفسِها، بل في المقطع الواحد. ⟸ ولمَ اجتمعا؟ لأنّ الحوارَ وحدَه شكوى بلا دليل، والسّردَ وحدَه درسُ تاريخ؛ وباجتماعهما صار للشّكوى حُجّةٌ: أنا أخاطبك، وهذا ما جرى.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

ما سببُ انتقال الشّاعر من ضمير المخاطب إلى الغائب ومنه إلى ضمير المتكلّمين؟

قراءةُ النّصّ تُظهِر سماتِ الخطاب واستعمالَ الضّمائر: فالشّاعر يخاطب صلاحَ الدّين، ويخبِر عن حال العرب، ويتحدّث عن واقعٍ معيشيٍّ حياه الشّاعرُ ومن معه من العرب المهزومين. ومن أجل ذلك نلمس هذا الانتقالَ بين الضّمائر، وهو انتقالٌ مقصود، من أجل كشف هذا الكمّ من العواطف والأحاسيس الّتي تنتاب الشّاعرَ وتسيطر عليه.

الضّمائرُ الثّلاثة، وشواهدُها
الضّميروظيفتُه في القصيدةشواهدُه
المخاطَب (أنتَ)مخاطبةُ البطل — به تفتح القصيدةُ وتُختَم«أنتَ تسترخي» ⁦(1)⁩ · «وترتدي» ⁦(22)⁩ · «وتشربُ» ⁦(23)⁩ · «سقطْتَ» ⁦(28)⁩ · «نمْ… نمْ» ⁦(32)⁩
الغائب (هم)الإخبارُ عن حال العرب ومن غزاهم«شتّتتهم سفنُ القراصنه» ⁦(6)⁩ · «وأدركتهم لعنةُ الفراعنه» ⁦(7)⁩ · «صارت لهم» ⁦(9)⁩ · «تخطبُ فيهم» ⁦(21)⁩
المتكلّمون (نحن)واقعٌ معيشيٌّ يحياه الشّاعرُ ومن معه«ونحن جيلا بعد جيل» ⁦(17)⁩ · «نموتُ» ⁦(18)⁩ · «ونحن ساهرون» ⁦(34)⁩ · «نقشّرُ» ⁦(35)⁩ · «ونسألُ» ⁦(36)⁩
⭐ والبرهانُ على أنّ الانتقال مقصود: تأمّلْ أين يقع. لفظُ «نحن» لا يَرِد في القصيدة كلِّها إلّا مرّتين: في السّطر 17، أي بعد الخيول الأربع ⁦(13-16)⁩ مباشرةً؛ وفي السّطر 34، أي بعد الأمر بالنّوم ⁦(32)⁩ مباشرةً. وفي كلّ مرّةٍ يجرّ وراءه أفعالَه: «نموتُ» ⁦(18)⁩، ثمّ «نقشّرُ» ⁦(35)⁩ و«نسألُ» ⁦(36)⁩. ⟸ كأنّ الشّاعر لا يقول «نحن» إلّا بعد أن يَعرِض الهزيمة؛ ثمّ يُسلِم القصيدةَ إليها في نهايتها. ⟸ الميّتُ يُترَك لنومه، والحسابُ يبقى على الأحياء.
ما وظيفةُ الرّابط الواو في ثنايا هذه القصيدة؟

من أجل تناسقٍ أوضحَ بين المعاني المشتركة والمعاني الّتي تجتمع تحت حكمٍ واحد، استعان الشّاعرُ بحرف العطف (الواو). ومثالُ ذلك جمعُ الشّاعر لمرور الاستعمار تلوَ الاستعمار على البلاد العربيّة، بحالة الانهزام جيلا بعد جيل.

وهذا هو المثالُ مفصَّلا في النّصّ:
  • الأسطرُ 13-16 تَعُدُّ الغزاةَ: التّركَ، فالشّركَ، فالملكَ-النّسر، فالتّترَ؛
  • ثمّ يأتي السّطر 17 بالواو: «ونحن جيلا بعد جيل – في ميادين المراهنه»؛
  • ⟸ فالواوُ هنا لم تعطفْ جملةً على جملة فحسب، بل عطفت زمنا على زمن: وضعت مرورَهم وبقاءَنا تحت الحوافر تحت حكمٍ واحد.
⭐ ثمّ لاحظْ ما هو أدقّ: الواو تفتح اثني عشر سطرا من أسطر القصيدة الثّمانية والثّلاثين — وهي الأسطر 7، 8، 12، 17، 19، 22، 23، 25، 27، 29، 34، 36. ولو نزعتَها لتحوّلت القصيدةُ إلى جملٍ منفصلة، ولضاع الإحساسُ بالتّراكم — وهو المعنى الّذي تقوم عليه: هزيمةٌ فوق هزيمة، وسنةٌ بعد سنه. ⟸ الواوُ في هذا النّصّ ليست أداةَ ربطٍ فحسب: هي أداةُ تكديس.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

أين يظهر تجديدُ الشّاعر من خلال النّصّ؟

يظهر التّجديدُ من خلال أنّ النّصّ نموذجٌ من شعر التّفعيلة، الّذي سما فيه الشّاعرُ بالكلمات المألوفة إلى مستوى الكلمات الرّامزة ذات الدّلالات المؤثّرة؛ فهو يسعى إلى شحن اللّفظة بمدلولاتٍ شعوريّةٍ جديدةٍ مرتبطةٍ بالأحداث المعيشة. ولذا نراه يوظّف التّاريخَ الأدبيَّ والتّاريخَ السّياسيَّ ويعطيهما أبعادا جديدة.

الشّحنُ الشّعوريُّ للّفظة المألوفة — كيف يعمل
اللّفظةمعناها المألوفما شحنها به الشّاعرالموضع
التّفّاحفاكهةٌ تُقشَّرطمأنينةُ البيت في زمن الهزيمة — رمزُ الخمولسطر 35
الفلّينمادّةٌ خفيفةٌ تطفوآخرُ ما يُنجي أمّةً غارقة — رمزُ النّجاة الهشّةسطر 5
الخيولدوابُّ الرّكوبالغزاةُ المتعاقبون — رمزُ الاجتياحأسطر 13-16
⭐ ومن هنا موقعُ هذا النّصّ في محوره. المحورُ اسمُه «توظيف الرّمز والأسطورة في القصيدة العربيّة المعاصرة»؛ وهذه القصيدةُ تُريك التّوظيفَ في أصفى صوره: شخصيّةٌ تاريخيّةٌ حقيقيّة (صلاح الدّين) تُرفَع إلى مقام الرّمز، فتصير اسما لكلّ ما فقدته الأمّة — لا رجلا مات في دمشق سنة 1193 م.
هل عكست القصيدةُ بعضَ ملامح شخصيّة الشّاعر؟ اذكرْها.

عكست القصيدةُ بعضَ ملامح شخصيّة الشّاعر، الّتي تنمّ عن ألمٍ حادٍّ، وحزنٍ عميق، وعتابٍ شديد؛ وقد أسقط ذلك على ذكرياتٍ أو أمكنةٍ وهيئات.

الملامحُ الثّلاثة، وأين أسقطها الشّاعر
الملمحعلى أيّ شيء أُسقِطالشّاهد
الألمُ الحادّهيئة: جماعةٌ تموت تحت الحوافر«ونحن جيلا بعد جيل… / نموتُ تحت الأحصنه⁦!» (17-18)⁩
الحزنُ العميقذكرى: بيتٌ من شوقي يُستعاد ثمّ يُقلَب«(وسقى اللهُ ثرانا الأجنبيّ!)» (12)
العتابُ الشّديدمكان: القبرُ الّذي يُخاطَب صاحبُه«نمْ يا صلاحَ الدّين نمْ..» ⁦(32)⁩

وإن أردتَ أن تجمع القولَ في سطرٍ واحد: قصيدةٌ تبدأ بوداعٍ وتنتهي بـ«آمين»، وبينهما أمّةٌ تُحصي غزاتَها. جدّد فيها الشّاعرُ في الشّكل (شعرُ التّفعيلة)، وفي المادّة (مجلسُ الأمن والقروض)، وفي الطّريقة (اقتباسٌ من شوقي يُقلَب على وجهه) — وثلاثتُها في خدمة غايةٍ واحدة: أن يوقظ ضميرا نائما، بأن يخاطب ميّتا.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 : في مجال قواعد اللّغة (اسم الجنس الإفراديّ والجمعيّ واسم الجمع)

📘 ثلاثةُ أسماءٍ تدلّ على الجماعة، وليست جمعا بالمعنى الصّرفيّ المعروف. والفرقُ بينها يُمسَك بسؤالين اثنين لا غير: هل له مفردٌ من لفظه؟ وبمَ يُفرَّق بينه وبين مفرده؟
القاعدة: الأنواعُ الثّلاثة، وتعريفُ كلٍّ منها
النّوعتعريفُهأمثلةُ الدّرس
اسمُ الجمعما دلّ على أكثر من اثنين، ويتضمّن معنى الجمع، وليس له مفردٌ من لفظهجَيْش: مفرده جُنْديّ، وجمعه جيوش · قوم: مفرده رَجُل، وجمعه أقوام
اسمُ الجنس الجمعيّما يتضمّن معنى الجمع دالّا على الجنس، ويُفرَّق بينه وبين مفرده بالتّاء أو بياء النّسبة المشدّدةتَمْر ⟵ تمرة · تفّاح ⟵ تفّاحة · روم ⟵ روميّ · عرب ⟵ عربيّ
اسمُ الجنس الإفراديّما يدلّ على الجنس، ويصلح أن يُطلَق على الكثير والقليللَبَن · رماد · عسل · زيت · خلّ
⭐ الميزانُ في سؤالين، وبهما تفرِز أيَّ لفظةٍ في دقيقة: ① هل له مفردٌ من لفظه؟ إن كان لا ⟸ اسمُ جمع (جَيْشٌ ليس مفردُه «جَيْشة»، بل «جُنديّ»). ② فإن كان نعم، فاسألْ: بمَ يُفرَق بينهما؟ بالتّاء أو بياء النّسبة ⟸ اسمُ جنسٍ جمعيّ (تفّاح/تفّاحة، عرب/عربيّ). وإن لم يكن له مفردٌ يُفرَّق بتاءٍ ولا بياء، وصلح للكثير والقليل معا ⟸ اسمُ جنسٍ إفراديّ (اللّبنُ لبنٌ، قلَّ أو كثر).

التّطبيق على النّصّ — والأمثلةُ كلُّها من القصيدة نفسِها.

استخرجْ من القصيدة اسمَ الجنس الجمعيّ، وبيّنْ مفردَ كلٍّ منها وعلامةَ الفرق.
أسماءُ الجنس الجمعيّ في القصيدة
اللّفظالموضعمفردُهعلامةُ الفرق
العربسطر 6: «للعربِ الغَرقى»عربيّياءُ النّسبة المشدّدة — وهو مثالُ الدّرس نفسُه
التّفّاحسطر 35: «نقشّرُ التّفّاحَ بالسّكّين»تفّاحةالتّاء — وهو أيضا مثالُ الدّرس نفسُه
التّركسطر 13: «مرّت خُيولُ التُّرك»تركيّياءُ النّسبة المشدّدة، كـ«روم / روميّ»
التّترسطر 16: «مرّت خيولُ (التّتر) الباقين»تتريّياءُ النّسبة المشدّدة، كـ«روم / روميّ»
⭐ ولاحظْ أنّ الدّرسَ والقصيدةَ التقيا من غير موعد: «عرب» و«تفّاح» هما مثالان من أمثلة القاعدة، وهما في الوقت نفسِه في القصيدة. فإذا شككْتَ يوما في «التّرك» و«التّتر»، فقِسْهما على «الرّوم» — وهي الكلمةُ الّتي يضربها الدّرسُ مثالا: اسمُ أمّةٍ، مفردُه بياء النّسبة.
⚖️ واحترسْ: أسماءُ الجنس الجمعيّ في هذه القصيدة كلُّها ترد معرَّفةً بأل (العرب، التّفّاح، التّرك، التّتر). والتّعريفُ لا يغيّر نوعَها في شيء: اسمُ الجنس الجمعيّ يبقى كذلك، عرّفتَه أم نكّرتَه.
استخرجْ من القصيدة اسمَ الجنس الإفراديّ، وبيّنْ لماذا كان كذلك.
أسماءُ الجنس الإفراديّ في القصيدة
اللّفظالموضعلماذا هو اسمُ جنسٍ إفراديّ
الشّايسطر 23: «وتشربُ الشّايَ مع الجنود»يدلّ على الجنس، ويصلح للقليل والكثير: الجرعةُ شايٌ، والقِدْرُ شاي — ولا يُفرَّق بينه وبين مفرده بتاءٍ ولا بياء. وهو نظيرُ «لبن» و«عسل» و«زيت» في أمثلة الدّرس
الفلّينسطر 5: «يا قاربَ الفلّين»مادّةٌ تدلّ على الجنس: القطعةُ فلّينٌ والكَوْمةُ فلّين — تماما كـ«الرّماد» في أمثلة الدّرس
⭐ وهنا فائدةٌ أدبيّة، لا نحويّةٌ فحسب: أسماءُ الجنس الإفراديّ موادُّ، لا أشخاص. وقد اختار الشّاعرُ أن يصنع من مادّةٍ (الفلّين) صورةَ النّجاة، ومن مادّةٍ (الشّاي) صورةَ الألفة. ⟸ في قصيدةٍ تتكلّم عن أمّةٍ بأكملها، أخفُّ الأشياء هو الّذي يحمل أثقلَ المعاني.
وهل في القصيدة اسمُ جمع؟ اختبرْ لفظةَ «الجنود» (سطر 23).
طبّقِ الميزانَ، خطوةً خطوة:
  1. ① هل لـ«الجنود» مفردٌ من لفظه؟ نعم: جُنْديّ — والاشتقاقُ واحد؛
  2. ② ⟸ فهي إذن جمعُ تكسيرٍ، لا اسمَ جمع: شرطُ اسم الجمع أن لا يكون له مفردٌ من لفظه؛
  3. ③ فأين اسمُ الجمع الّذي يدلّ على هذه الجماعة؟ الدّرسُ نفسُه يسمّيه: الجَيْش — «جَيْشٌ مفرده جُنْديٌّ وجمعه جيوش». ⟸ «الجنود» جمعٌ، و«الجيش» اسمُ جمع.
⭐ وهذا اختبارٌ سالبٌ، وهو أنفعُ لك من مثالٍ موجب: أكثرُ الأخطاء في هذا الدّرس يقع في هذه النّقطة بالذّات — يُظنّ كلُّ لفظٍ دالٍّ على جماعةٍ اسمَ جمع. فأعِدِ الاختبارَ نفسَه على بقيّة جموع القصيدة: القراصنه (مفردها قُرصان)، الفراعنه (مفردها فرعون)، الكهنه (مفردها كاهن)، الأحصنه (مفردها حصان) — كلُّها جموعُ تكسير، لأنّ لكلٍّ منها مفردا من لفظه.
تدرّبْ: صنّفِ الألفاظَ الآتية، وهي كلُّها من القصيدة أو من أمثلة الدّرس — ثمّ قابلْ.
جدولُ التّصنيف — الجوابُ مع التّعليل
اللّفظنوعُهالتّعليل
عرب (سطر 6)اسمُ جنسٍ جمعيّمفردُه عربيّ بياء النّسبة
شاي (سطر 23)اسمُ جنسٍ إفراديّيصلح للقليل والكثير، ولا مفردَ يُفرَّق به
جنود (سطر 23)جمعُ تكسيرله مفردٌ من لفظه: جنديّ
قوماسمُ جمعمفردُه رَجُل — من غير لفظه
تفّاح (سطر 35)اسمُ جنسٍ جمعيّمفردُه تفّاحة بالتّاء
جيشاسمُ جمعمفردُه جنديّ — من غير لفظه
رماداسمُ جنسٍ إفراديّمادّةٌ تصلح للقليل والكثير
أحصنه (سطر 18)جمعُ تكسيرله مفردٌ من لفظه: حصان

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2 : في مجال البلاغة (الإرصادُ)

🔑 الإرصادُ — ويسمّى أيضا التّسهيمَ — أن يُمهِّدَ أوّلُ الكلام لآخره تمهيدًا يجعل السّامعَ يتوقّعُ العَجُزَ قبل أن يبلغَه. وعبارةُ الكتاب دقيقةٌ فاحفظْها: «إذا سمعتَ صدرَ الكلام علمتَ أنّ عَجُزَه ليس سوى ما ذُكِر مواتيًا للسّياق».

وتأمّلْ أوّلًا قولَ الشّاعرِ في نصّك:

« يا أيّها الطّبلُ البدائيُّ الّذي تراقصَ الموتى على إيقاعِه المجنون »
ما العلاقةُ بين لفظتَي «تراقص» و«إيقاعه»؟

علاقةُ تلازُمٍ: الرّقصُ لا يكون بغير إيقاع. فلمّا استهلّ الشّاعرُ سطرَه بـ«تراقص»، صار مجيءُ «إيقاعه» في آخره متوقَّعًا — وهو الإرصادُ بعينه.

ولمَ كانت «إيقاعه» أقوى في هذا السّياق من أيّ لفظٍ آخرَ؟

لأنّها تُثبِّتُ العلاقةَ الّتي مهّد لها الصّدرُ، فتُبرِزُ معنى السّطر بدل أن تُضيفَ إليه معنًى جديدًا. ولو وُضِع مكانَها لفظٌ لا يقتضيه «تراقص» لانفرطَ التّمهيدُ، ولضاع ما بناه أوّلُ الكلام.

وتأمّلْ ثانيًا قولَه تعالى:

﴿ وسبِّحْ بحمدِ ربِّك قبلَ طلوعِ الشّمسِ وقبلَ الغروبِ ﴾ — ق: الآية 39
لو وقفتَ عند «قبل طلوع الشّمس»، أكنتَ تعلمُ ما بعدَها؟

نعم. فذكرُ طلوعِ الشّمس يستدعي غروبَها استدعاءً لا تخطئه، فيعلمُ السّامعُ العَجُزَ قبل أن يُتلى عليه. ⭐ وهذا هو مِحكُّ الإرصاد: أن يكونَ العَجُزُ «مواتيًا للسّياق» الّذي هيّأه الصّدر، لا مفاجئًا له.

⚠️ مَزلقُ القراءة: الإرصادُ ليس مجرّدَ تناسُبٍ بين لفظتين. المِحكُّ هو التّوقُّع: هل يُمكِّنُك أوّلُ الكلام من أن تسبقَه إلى آخره؟ إن كان الجوابُ لا، فالعلاقةُ علاقةُ معنًى لا إرصاد.

الصفحة 1/7

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net