المحور 8 › الرمز و الأسطورة في الشعر العربي المعاصر
الرمز الشعري
📜النّصّ
من متابعة الرّموز القديمة الّتي يستخدمها الشّعراءُ المعاصرون يتبيّن لنا أنّ معظمَ العناصر الرّمزيّة إنّما يرتبط بالقديم، بشخوصٍ أسطوريّين (أو دخلوا على مرّ الزّمن عالمَ الأسطورة). وأبرزُ هذه «الرّموز الأسطوريّة» وأكثرُها دورانًا هي شخوصُ السّندباد وسيزيف وتَموز وعشْتَروت وأيّوب وهابيل وقابيل وأينياس والخَضِر وعنترة وعبلة وشهريار وهرقل والتّتار (وإن كان اسما لجماعة) والسّيرين وسُقراط، وغيرِها من الشّخوص الأسطوريّين الإغريقيّين وغيرِ الإغريقيّين.
وإلى جانب ظهور هؤلاء الشّخوص الأسطوريّين نجد الشّعراءَ أحيانا يستلهمون الأسطورة القديمة في مجملها، من حيث هي تعبيرٌ قديمٌ ذو مغزًى معيّن؛ كاستلهامهم أسطورة أوديب وأبي الهول، أو قصّة بِنْيلوب وأوليس، أو حكاية نوم الإمام عليّ في فراش الرّسول ليلة الهجرة. فالعناصرُ الرّمزيّة الّتي يستخدمها الشّاعرُ المعاصر — بعد أن يستكشف لها بعدا نفسيّا خاصّا في واقع تجربته الشّعوريّة — معظمُها مرتبطٌ في الأسطورة أو القصّة القديمة بالشّخوص أو بالمواقف. وهذه الشّخوصُ أو المواقفُ إنّما تستدعيها التّجربةُ الشّعوريّةُ الرّاهنة لكي تُضفيَ عليها أهمّيّةً خاصّة. فالتّجربةُ إنّما تتعامل مع هذه الشّخوص والمواقف تعاملا شعريّا على مستوى الرّمز، فتستغلّ فيها خاصّةَ الامتلاء بالمغزى أو بأكثرَ من مغزى — تلك الخاصّةَ المميّزةَ للرّمز الفنّيّ.
لنقفْ قليلا عند السّندباد، وهو شخصيّةٌ عرفها التّراثُ العربيُّ في حكاياته الأدبيّة الشّعبيّة؛ فماذا نجد؟ السّندبادُ نفسُه تاجرٌ يجوب بسفينته البلدانَ بحثا عن الطّرائف، ويتعرّض في رحلاته لمواقفَ شاقّةٍ لا يخرج منها إلّا بعد عناءٍ ومغامرة. هذه الشّخصيّةُ عاديّةٌ وغيرُ عاديّةٍ في الوقت نفسِه. هي عاديّةٌ على المستوى الجمعيّ للإنسان، لأنّ قصّةَ الإنسانيّة إجمالا — وفي إيجاز — هي قصّةُ المغامرة في سبيل كشف المجهول. وهي غيرُ عاديّةٍ على المستوى الفرديّ، لأنّنا ألِفْنا الفردَ الّذي تتلخّص فيه التّجربةُ الإنسانيّةُ نادرا. وكونُ السّندباد عاديّا وغيرَ عاديٍّ في الوقت نفسِه هو الّذي جعله — بغضّ النّظر عن حكاياته القديمة —…
وكثيرٌ ممّن يتلقّون الشّعرَ المعاصر بحماسةٍ قد صاروا يتأفّفون من استخدام هذه الشّخوص الأسطوريّة الرّمزيّة القديمة بعامّة. والمؤكّدُ أنّ هذا التّأفّف يرجع إلى سوء استخدام بعض الشّعراء لهذه الرّموز: فبعضُ الشّعراء يتصوّرون في حشدهم لهذه الرّموز في شعرهم دليلا على اتّساع ثقافتهم، وهم لذلك يبحثون وينقّبون حتّى يعثروا في التّراث الإنسانيّ على مزيدٍ من الرّموز. ولا يُنكِر أحدٌ على الشّاعر المعاصر أن يكون مثقّفا — بل لعلّ الشّاعرَ المعاصر مطالَبٌ بذلك — ولكنّ الإنكارَ ينصبّ على طريقة استخدامه لهذه الرّموز.
وكما يتعامل الشّاعرُ المعاصر مع الرّموز القديمة، فإنّه يخلق كذلك الرّمزَ الجديد وينشئ الأسطورةَ الجديدة. وهو في هذا يحتاج إلى قوّةٍ ابتكاريّةٍ فذّة، يستطيع بها أن يرتفع بالواقعة الفرديّة المعاصرة إلى مستوى الواقعة الإنسانيّة العامّة ذات الطّابع الأسطوريّ، كما أنّه يرتفع بالكلمة العاديّة المألوفة إلى الكلمة الرّامزة. لقد استطاع الشّاعرُ المعاصر أن يجعل من شخصيّة «جميلة بوحيرد» شخصيّةً أسطوريّة؛ ولستُ في حاجةٍ لأن أنصَّ على القصائد الّتي تحدّثت عن «جميلة»، فنحن نعرف أنّ معظمَ شعرائنا المعاصرين قد انفعلوا بهذه الشّخصيّة.
أمّا فيما يختصّ بالرّمز الّذي يتبلور في كلمةٍ واحدة، فإنّ الشّعراءَ المعاصرين قد بذلوا في هذا المجال جهدا ملحوظا، حتّى كاد كلُّ شاعرٍ يُعرَف برمزه المبتكَر. ومن ملاحظاتنا لطبيعة هذه الرّموز نجد أنّها تنقسم إلى نوعين: نوعٌ يرتبط بعناصرَ طبيعيّة، كالمطر، والبحر، والنّجم، والنّاي، والرّيح، وفارس النّحاس؛ ونوعٌ يرتبط بالأماكن ذات المدلول الشّعوريّ الخاصّ، كدنشواي، وجيكور، وبويب، والبصارة، وبور سعيد، وأوراس، وما أشبه.
والشّاعرُ المعاصر في تعامله الشّعريّ مع عناصر الطّبيعة إنّما يرتفع باللّفظة الدّالّة على العنصر الطّبيعيّ — كلفظ المطر مثلا — من مدلولها المعروف إلى مستوى الرّمز، لأنّه يحاول من خلال رؤيته الشّعوريّة أن يشحن اللّفظَ بمدلولاتٍ شعوريّةٍ خاصّةٍ وجديدة. والشّعراءُ المعاصرون بمحاولتهم خلقَ الرّمز العصريّ إنّما يعملون في الوقت نفسِه على إثراء المصطلح الشّعريّ. وكلُّ من يتصفّح دواوينَ الشّعر الحديثة يستطيع في يُسرٍ أن يتمثّل الفنَّ التّعبيريَّ الّذي أفادته لغةُ الشّعر على أيدي هؤلاء الشّعراء.
عزّ الدّين إسماعيل
🔍أكتشف معطيات النّصّ
بمَ ترتبط العناصرُ الرّمزيّة لدى الشّعراء المعاصرين؟بمَ ترتبط العناصرُ الرّمزيّة لدى الشّعراء المعاصرين؟
- بأشخاصٍ أسطوريّين — خياليّين أو حقيقيّين دخلوا عالمَ الأسطورة بإنجازاتهم الخارقة؛ وهذا ما تعنيه عبارةُ النّصّ «أو دخلوا على مرّ الزّمن عالمَ الأسطورة»؛
- وبالأسطورة القديمة في مجملها، من حيث هي «تعبيرٌ قديمٌ ذو مغزًى معيّن» — كأسطورة أوديب وأبي الهول، وقصّة بِنْيلوب وأوليس، وحكاية نوم الإمام عليّ في فراش الرّسول ليلة الهجرة.
اذكرْ بعضَ الرّموز الأسطوريّة المتداولة بكثرة.اذكرْ بعضَ الرّموز الأسطوريّة المتداولة بكثرة.
- السّندباد · سيزيف · تَموز · عشْتَروت
- أيّوب · الخَضِر · قابيل · هابيل
تجمع طبيعةُ الرّمز بين أمرين: ما هما؟تجمع طبيعةُ الرّمز بين أمرين: ما هما؟
- الحقيقيُّ والعاديّ؛
- غيرُ الحقيقيِّ وفوقَ العاديّ.
والنّصُّ يبرهن على ذلك بمثالٍ واحد: السّندباد. فهو عاديٌّ على المستوى الجمعيّ، «لأنّ قصّة الإنسانيّة إجمالا هي قصّةُ المغامرة في سبيل كشف المجهول» — أي إنّ ما فعله السّندبادُ يفعله كلُّ إنسان. وهو غيرُ عاديٍّ على المستوى الفرديّ، «لأنّنا ألِفْنا الفردَ الّذي تتلخّص فيه التّجربةُ الإنسانيّةُ نادرا» — أي إنّ اجتماعَ تجربة البشريّة كلِّها في رجلٍ واحدٍ أمرٌ نادر.
إلامَ يُعزى نفورُ بعض القرّاء من استخدام الشّخوص الأسطوريّة الرّمزيّة القديمة في الشّعر؟إلامَ يُعزى نفورُ بعض القرّاء من استخدام الشّخوص الأسطوريّة الرّمزيّة القديمة في الشّعر؟
يُعزى ذلك إلى سوء استخدام هذه الرّموز لدى بعض الشّعراء: فيعمدون إلى حشد نصوصهم بالعديد من الرّموز غير المعروفة، اعتقادا منهم أنّ ذلك مؤشّرٌ على سعة الثّقافة الأدبيّة.
كيف يستطيع الشّاعرُ الارتفاعَ بالواقعة الفرديّة المعاصرة إلى الواقعة الإنسانيّة العامّة ذات الطّابع الأسطوريّ؟كيف يستطيع الشّاعرُ الارتفاعَ بالواقعة الفرديّة المعاصرة إلى الواقعة الإنسانيّة العامّة ذات الطّابع الأسطوريّ؟
- الطّريقان: إمّا بالتّعامل مع الرّموز القديمة، وإمّا بخلق رمزٍ جديد؛
- والأداتان: قوّةٌ ابتكاريّةٌ خلّاقة — وهي ما يسمّيه النّصّ «قوّةً ابتكاريّةً فذّة» — وذكاءٌ فنّيٌّ ينفُذ إلى أبعاد الرّمز، فيربط بينه وبين الواقع الإنسانيّ العامّ علاقاتٍ عضويّة.
كيف يمكن إثراءُ المصطلح الشّعريّ في رأي الكاتب؟كيف يمكن إثراءُ المصطلح الشّعريّ في رأي الكاتب؟
يتمّ إثراءُ المصطلح الشّعريّ من خلال الارتفاع بالألفاظ الدّالّة على المعجم الطّبيعيّ إلى مدلولاتٍ ذات أبعادٍ أخرى تنبع من الشّعور، فتبتكر شكلا جديدا من الرّموز الشّعريّة.
| نوعُ الرّمز | أمثلتُه في النّصّ |
|---|---|
| رموزٌ مرتبطةٌ بعناصرَ طبيعيّة | المطر · البحر · النّجم · النّاي · الرّيح · فارس النّحاس |
| رموزٌ مرتبطةٌ بأماكنَ ذات مدلولٍ شعوريٍّ خاصّ | دنشواي · جيكور · بويب · البصارة · بور سعيد · أوراس |
💬أناقش معطيات النّصّ
هل كلُّ «الرّموز الأسطوريّة» شخوصٌ أسطوريّة؟ علّلْ.هل كلُّ «الرّموز الأسطوريّة» شخوصٌ أسطوريّة؟ علّلْ.
ليست كلُّ الرّموز الأسطوريّة شخوصا أسطوريّة؛ ومثالٌ على ذلك «جميلة بوحيرد»، الّتي تحوّلت من بطلةٍ عاديّةٍ إلى رمزٍ أسطوريّ — لشجاعتها وصمودها وتحدّيها.
حدّدْ أسبابَ اهتمام الشّعراء والنّقّاد بالرّمز.حدّدْ أسبابَ اهتمام الشّعراء والنّقّاد بالرّمز.
ظاهرةُ الرّمز من الظّواهر الحديثة في الشّعر العربيّ؛ وهذه الرّموزُ متعدّدة: منها الدّينيُّ والتّاريخيُّ والسّياسيُّ والأدبيّ، ومنها الحقيقيُّ والأسطوريُّ والطّبيعيّ.
- تأثّرا بالتّيّارات الأدبيّة الغربيّة؛
- ووعيا بقدرة هذه الرّموز على استيعاب التّجارب الثّريّة في مجال الإبداع؛
- ⟸ حتّى صار توظيفُ الرّمز في الشّعر العربيّ الحديث والمعاصر من المقتضيات الّتي يفرضها الواقعُ الاجتماعيُّ والسّياسيُّ والنّفسيُّ للشّعراء.
✅أستخلص وأسجّل
- مصدرُ الرّموز: معظمُها مأخوذٌ من القديم — شخوصٌ أسطوريّة، أو أساطيرُ في مجملها؛
- كيف تُستدعى: التّجربةُ الشّعوريّةُ الرّاهنة هي الّتي تستدعيها وتُضفي عليها أهمّيّةً خاصّة؛
- طبيعةُ الرّمز: عاديٌّ وغيرُ عاديٍّ معا — والسّندبادُ مثالُه؛
- سببُ التّأفّف: سوءُ الاستخدام والحشدُ، لا الثّقافةُ في ذاتها؛
- خلقُ الرّمز الجديد: بقوّةٍ ابتكاريّةٍ فذّة ترفع الفرديَّ إلى الإنسانيّ — و«جميلة بوحيرد» مثالُه؛
- نوعا الرّمز الجديد ونتيجتُه: رموزُ الطّبيعة ورموزُ الأماكن، وثمرتُها إثراءُ المصطلح الشّعريّ.
- احذفِ قوائمَ الأعلام واحتفظْ بالفكرة الّتي تخدمها (السّندبادُ وسيزيفُ وتَموزُ أمثلةٌ، لا أفكار) — وأبقِ مثالا واحدا حين يكون هو البرهان (السّندباد، جميلة)؛
- احذفِ الاعتراضَ والاستطراد («وإن كان اسما لجماعة»، «وفي إيجاز») وأبقِ المعنى؛
- لا تنقلْ جملةً من النّصّ كما هي — أعِدْ صياغتَها بلغتك، إلّا المصطلحَ فلا يُترجَم (الرّمز، الأسطورة، المصطلح الشّعريّ)؛
- احتفظْ بأدوات الرّبط الّتي تحمل المنطق: «وإلى جانب»، «والمؤكّد أنّ»، «ولكنّ»، «وكما… فإنّه»، «أمّا… فإنّ».
نموذجٌ محلول — حاولْ أوّلا، ثمّ قابلْ ملخّصَك بهذانموذجٌ محلول — حاولْ أوّلا، ثمّ قابلْ ملخّصَك بهذا
«يأخذ الشّاعرُ المعاصر معظمَ رموزه من القديم: من شخوصٍ أسطوريّةٍ أو دخلت عالمَ الأسطورة، ومن أساطيرَ وقصصٍ يستلهمها في مجملها. ولا يستدعيها من فراغ، بل تستدعيها تجربتُه الشّعوريّةُ الرّاهنة فتُضفي عليها معنًى جديدا. وهذه الرّموزُ تصلح لأنّها عاديّةٌ وغيرُ عاديّةٍ معا، كالسّندباد الّذي يمثّل مغامرةَ الإنسان كلِّها ونادرا ما يجتمع ذلك في فرد. وقد تأفّف بعضُ القرّاء منها، لا لأنّ الثّقافةَ عيبٌ، بل لسوء الاستخدام حين تُحشَد الرّموزُ للتّباهي. ويخلق الشّاعرُ كذلك رمزَه الجديد بقوّةٍ ابتكاريّةٍ ترفع الواقعةَ الفرديّةَ إلى الإنسانيّة العامّة، كما رفعت القصائدُ «جميلة بوحيرد» إلى مقام الأسطورة. وهذا الرّمزُ الجديد نوعان — عناصرُ الطّبيعة كالمطر، وأماكنُ كأوراس وجيكور — والشّاعرُ يشحن اللّفظةَ بمدلولاتٍ شعوريّةٍ جديدة، فيُثري بذلك المصطلحَ الشّعريّ.»
- «الرّمزُ عند الشّاعر المعاصر ليس زينةً يستعيرها من القديم: هو طريقتُه في أن يقول حاضرَه بلغةٍ تحتمل أكثرَ من مغزًى — فيُثري المعنى واللّغةَ معا.»
الصفحة 1/2
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net