اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 11 الفن المسرحي في المشرق

"من مسرحية شهرزاد" لتوفيق الحكيم

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

توفيق الحكيم (1898 - 1987م) أديبٌ مصريٌّ متميّز. وُلد بالإسكندريّة، وزاول دراستَه في دمنهور ثمّ بالقاهرة، ومال منذ صباه إلى الموسيقى والتّمثيل. وجّهه أبوه إلى دراسة القانون، فتخرّج بشهادةٍ في الحقوق، وعمل في سلك القضاء أوّلا نزولا عند رغبة أبيه. لكنّه تحوّل بعد ذلك إلى الأدب إبداعا ونقدا، وكانت له بصمةٌ خاصّةٌ في عالم القصّة، وخاصّةً المسرحيّة التي خطا بها خطوةً عملاقةً نحو العالميّة، فاستطاع بذلك أن يبرز كَعَلَمٍ من أعلام الأدب العربيّ الحديث، ويُعَدُّ رائدَ هذا الفنّ. توفّي سنة 1987م مخلّفا آثارا قيّمة، منها: أهل الكهف، عودة الرّوح، شهرزاد.

🚪تقديم النّصّ

عاد توفيق الحكيم إلى شهرزادَ وشهريارَ بعد أن فرغت الحكاياتُ: فألفُ ليلةٍ وليلةٍ قد مضت، والملكُ الذي كان يقتل ليلهوَ صار يقتل ليعلم. فماذا يبقى بين رجلٍ يطلب سرَّ الكون وامرأةٍ تقول عن نفسها إنّها «قلبٌ كبير»؟

سؤال الدّخول: ترى ما فحوى الصّراع الذي يدور بين شخوص هذه المسرحيّة؟ هل هو اجتماعيٌّ إصلاحيٌّ أم هو صراعٌ وجوديٌّ يدور في أعمال العقل والنّفس البشريّة؟

📜النّصّ

(شهرزاد تضحك وشهريار يقترب منها)

من مسرحيّة «شهرزاد» — توفيق الحكيم
الرّقمالمتحدّثالحوار
1شهريارما الّذي يُضحك!
2شهرزادخُضوعٌ وإذعانٌ ما عَهِدْتُهما فيكَ!
3شهريار (يبتعد عنها)خَسِئْتِ! إنّي لن أخضعَ لامرأةٍ، أنتِ ما خُلِقتِ إلاّ لي. أنا كلُّ شيءٍ… وأنتِ لا شيءَ.
4شهرزادكنتُ أَحْسَبُكَ قد جاوَزْتَ طَوْرَ الطُّفولة.
5شهريارأنا في أوْجِ العَقْلِ والمعرفة.
6شهرزادأنتَ شهريارُ قبلَ ألفِ ليلةٍ وليلةٍ… لم تتقدّمْ… ولم تتغيّرْ.
7شهرياربل تغيّرتُ.
8شهرزادكنتَ في ذاك العهدِ تَسفكُ الدّماءَ. وها أنتَ ذا اليومَ تَفعلُ أيضا.
9شهرياررغم أنّ شهريارَ الأمسِ وشهريارَ اليومِ هو ذاك الملكُ القاتلُ؛ لكنّي كنتُ أقتلُ لألهوَ، واليومَ أقتلُ لأعلمَ.
10شهرزادسيّانِ. ومع ذلك، ماذا علمتَ؟ هل كَشَفَ لك السِّحرُ والعلمُ عن سرٍّ واحدٍ ممّا تَتَحَرَّقُ لمعرفتِه من أسرارٍ؟
11شهريارشهرزادُ، اسْكُتي…! أتوسَّلُ إليكِ أن تَدَعيني السّاعةَ… لقد يئستُ منكِ…
12شهرزادلماذا تنظرُ إليَّ هكذا؟
13شهريارلا تَسْخَري منّي!
14شهرزاد (هامسةً وهي تتأمّله)أنتَ لا تَصلحُ حتّى للسّخريةِ منكَ!
15شهريارماذا تقولين؟
16شهرزادتُريدُ أن تعرفَ منّي ماذا؟ أنا قلبٌ كبيرٌ، هل أنا إلاّ قلبٌ كبيرٌ؟
17شهريارسُحقًا للقلبِ الكبير!
18شهرزادأَتَذْكُرُ أنّكَ أحببتَني بقلبك يوما…!
19شهريار (كالمخاطِبِ لنفسه)مضى كلُّ هذا، مضى… أنا اليومَ إنسانٌ شقيٌّ.
20شهرزاد (تدنو منه)شهريارُ، لا تَيْأَسْ يا حبيبي!
21شهريارامرأةٌ خادعةٌ! ما عُدْتُ أَحْفَلُ بكِ ولا بشيءٍ، لقد أبصرتُ أكثرَ ممّا ينبغي لي أن أَعِيَ. أنا أطلبُ شيئا واحدا.
22شهرزادما هو؟
23شهريارأن أموتَ.
24شهرزادلماذا؟ ما الّذي بكَ؟
25شهريارليس في الحياةِ من جديدٍ… استنفَدْتُ كلَّ شيءٍ، ما عادتْ تَحْوي شيئا ذا بالٍ عندي، الطّبيعةُ كلُّها ليست سوى سجّانٍ صامتٍ يُضيِّقُ عليَّ الخِناقَ.
26شهرزادأُقْسِمُ أنّكَ جُنِنْتَ! أَجْهَدْتَ عَقْلَكَ حتّى اضْطَرَبَ، أيُّ سرٍّ تَبْحَثُ عنه أيّها الأبلهُ؟ ألا تراكَ تُضيِّعُ عُمْرَكَ الباقيَ وراءَ حبِّ اطّلاعٍ خادعٍ…؟!

توفيق الحكيم — مسرحيّة شهرزاد

📖أثري رصيدي اللّغويّ

① في معاني الألفاظ
اللّفظمعناه
إذعاناستسلام
خَسِئْتِذُلِلْتِ
أوْجقمّة
سيّاننفس الشّيء (مِثلان)
أَحْفَلأهتمّ
② في الحقل الدّلاليّ — ابحثْ عن الفروق الدّلاليّة بين: كشفه / كشف عنه · تتحرّق / تحرق / تحترق · تنظر إلى / تنظر / تنظر فيه.
⭐ القاعدةُ قبل الأمثلة: الفعلُ الواحد تتغيّر دلالتُه بأمرين — بتغيّر صيغته (ثلاثيّ / تفعّل / افتعل)، وبتغيّر تعديته (بنفسه أو بحرف جرّ). فابحثْ عن الفرق في الصّيغة أو في الحرف، لا في اللّفظ وحده.
① كشفه / كشف عنه — الفرقُ في التّعدية:
  • كشفه: أزال ما يستره — والفعلُ واقعٌ على الشّيء مباشرةً؛
  • كشف عنه: أبانه وأظهره بعد خفاءٍ — وهذا هو المستعمَل في النّصّ: «هل كَشَفَ لك السِّحرُ والعلمُ عن سرٍّ واحد؟» (الرّدّ 10)؛
  • ⟸ ولذلك اختار الكاتبُ «عن»: شهرزادُ لا تسأل عن رفع غطاءٍ، بل عن إظهار سرٍّ مجهول.
② تحرق / تحترق / تتحرّق — الفرقُ في الصّيغة:
  • تحرق (ثلاثيّ): توقع الحرقَ بغيرك — فعلٌ يقع على مفعول؛
  • تحترق (افتعل): يقع فيك أنت — مطاوعةٌ واحتراقٌ حقيقيّ؛
  • تتحرّق (تفعّل): صيغةُ الشّدّة والتّكلّف، فهي حرقةٌ معنويّةٌ متجدّدة — «ممّا تَتَحَرَّقُ لمعرفتِه من أسرار» (الرّدّ 10)؛
  • ⟸ لو قال «تحترق» لجعل الحرقَ ماديّا؛ و«تتحرّق» وحدها هي التي تصف اللّهفة.
③ تنظر / تنظر إلى / تنظر فيه — الفرقُ في حرف الجرّ:
  • تنظر إلى: تُبصر بالعين — لماذا تنظرُ إليَّ هكذا؟ (الرّدّ 12)؛
  • تنظر فيه: تتأمّل وتفحص وتتدبّر — نظرُ عقلٍ لا نظرُ عين؛
  • تنظر (مجرّدةً من الحرف): تنتظر وترتقب؛
  • ⟸ وهنا يظهر مأزقُ شهريار: هو ينظر في الأسرار بعقله، وشهرزادُ تسأله عن نظره إليها بعينه — لغتان لا تلتقيان.
③ في الحقل المعجميّ — استخرجْ من النّصّ المعجمَ اللّغويّ الدّالّ على طبيعة معاناة شهريار.
من الألفاظ الدّالّة على المعاناة:
  • شقيٌّ — «أنا اليومَ إنسانٌ شقيٌّ» (الرّدّ 19)؛
  • أن أموتَ — «أنا أطلبُ شيئا واحدا… أن أموتَ» (الرّدّان 21 و23)؛
  • الخِناق — «سجّانٌ صامتٌ يُضيِّقُ عليَّ الخِناقَ» (الرّدّ 25).
وحولها ألفاظٌ من الحقل نفسِه، فاجمعْها إليها:
  • يئستُ (الرّدّ 11) ولا تَيْأَسْ (الرّدّ 20) — اليأسُ يُذكَر مرّتين، من الطّرفين؛
  • استنفَدْتُ كلَّ شيءٍ وليس في الحياةِ من جديدٍ (الرّدّ 25) — الخواءُ؛
  • سجّانٌ صامتٌ (الرّدّ 25) — الأسْرُ؛
  • أَجْهَدْتَ عَقْلَكَ حتّى اضْطَرَبَ (الرّدّ 26) — الإنهاكُ الذّهنيّ.
⭐ ولاحظِ اتّجاهَ المعجم: كلُّه ألفاظُ ضيقٍ وانغلاق (خناق، سجّان، استنفد، لا جديد). المعجمُ وحدَه يكفي ليدلّك على أنّ الصّراع داخليٌّ، قبل أن تسأل عن ذلك في المحطّة التّالية.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه، وكلُّ جوابٍ يسمّي رقمَ الرّدّ الذي يستند إليه. اقرأْ أوّلا، ثمّ افتحِ الجوابَ لتقابله بما وجدْتَ.
ما هو الموضوعُ الذي يعالجه الكاتبُ في هذا النّصّ المسرحيّ؟
الموضوعُ هو الصّراعُ بين العقل والقلب — أو بين المعرفة والهوى — في نفس الإنسان:
  • شهريارُ يمثّل طلبَ المعرفة: «اليومَ أقتلُ لأعلمَ» (الرّدّ 9)، «أنا في أوْجِ العَقْلِ والمعرفة» (الرّدّ 5)؛
  • وشهرزادُ تمثّل القلبَ: «أنا قلبٌ كبيرٌ، هل أنا إلاّ قلبٌ كبيرٌ؟» (الرّدّ 16)؛
  • والنّتيجةُ أنّ العقلَ الذي طلب أسرارَ الكون انتهى إلى العجز وطلبِ الموت (الرّدّان 23 و25).
⚖️ وفلسفةُ الحكيم في هذه المسرحيّة تُقرأ من هذه النّهاية: هو يؤمن بالقلب أكثرَ ممّا يؤمن بالعقل الذي يحطّم حياةَ النّاس؛ ومع ذلك تحكم الطّبيعةُ البشريّةُ بالعقل وتحاول عن طريقه أن تكشف أسرارَ الكون وتجتاز حدودَ المكان — وفي ذلك اندحارُها، كما انهزم شهريار.
ما هدفُ الكاتب من إثارة هذا الموضوع؟
🧭هدفٌ فكريٌّ لا حكائيّ، ويظهر في ثلاثة مواضعَ من النّصّ:
  • أن يبيّن أنّ المعرفة بلا حدٍّ تُهلك صاحبَها: «لقد أبصرتُ أكثرَ ممّا ينبغي لي أن أَعِيَ» (الرّدّ 21) — والعبارةُ تقول صراحةً إنّ للإبصار حدًّا «ينبغي»؛
  • أن يعرض مأزقَ الإنسان الحديث الذي استنفد كلَّ شيءٍ فلم يبقَ له جديدٌ (الرّدّ 25)؛
  • أن يجعل من المسرح موضعا لطرح قضيّةٍ فلسفيّة، لا لعرض حادثة — وهذا ما يسمّى المسرحَ الذّهنيّ.
ما هي طبيعةُ الصّراع في هذا النّصّ: هل هو اجتماعيٌّ أم فكريٌّ ذهنيٌّ؟ علّلْ.
هو صراعٌ فكريٌّ ذهنيٌّ، والتّعليل من النّصّ:
  • لا يدور حول مصلحةٍ ولا مالٍ ولا سلطةٍ ولا عُرْفٍ اجتماعيّ — أي لا شيءَ ممّا يقوم عليه الصّراعُ الاجتماعيّ؛
  • بل يدور حول سرٍّ يُطلَب («أيُّ سرٍّ تَبْحَثُ عنه؟»، الرّدّ 26) وحول حدود العقل («أَجْهَدْتَ عَقْلَكَ حتّى اضْطَرَبَ»، الرّدّ 26)؛
  • والمشكلةُ التي يعالجها الكاتبُ فلسفيّةٌ ذهنيّة، ولذلك سُمّي هذا المسرحُ المسرحَ الذّهنيّ.
هل ترى أنّ الصّراعَ بين شهريارَ وشهرزادَ أم بين شهريارَ ونفسِه؟ وما هي القرائنُ اللّغويّةُ الدّالّةُ على ذلك؟
الصّراعُ بين شهريارَ ونفسِه أوضحُ منه بينه وبين شهرزاد — فهو إذن صراعٌ داخليّ، ودليلُه المعاناةُ التي تبدو عليه في كلّ حواره:
  • يرفض الاستماعَ: «شهرزادُ، اسْكُتي…! أتوسَّلُ إليكِ أن تَدَعيني السّاعةَ» (الرّدّ 11)؛
  • يكشف لها معاناتَه هو: «أنا اليومَ إنسانٌ شقيٌّ» (الرّدّ 19)؛
  • يبلغ به الأمرُ تمنّي الموت: «أن أموتَ» (الرّدّ 23)؛
  • والسّببُ أنّه لم يصل إلى الحقيقة التي أراد معرفتَها من أسرار النّفس البشريّة وتبريرِ تصرّفاتها.
والقرائنُ اللّغويّةُ الدّالّةُ على أنّ الخطابَ ينقلب إلى الدّاخل:
  • الإرشادُ المسرحيّ نفسُه: «كالمخاطِبِ لنفسه» (الرّدّ 19) — الكاتبُ يصرّح بها؛
  • تكرارُ الفعل في الرّدّ نفسِه: «مضى كلُّ هذا، مضى…» — وهو كلامُ مَن يحدّث نفسَه؛
  • غلبةُ ضمير المتكلّم في أرداده الأخيرة: «أنا… ما عُدْتُ… أبصرتُ… أطلبُ… أموتَ».
ما هو الحدثُ الذي تتناوله المسرحيّةُ؟ وهل هناك أحداثٌ جزئيّةٌ بَنَتْ هذا الحدثَ؟ وما علاقةُ ذلك بالمسرح الذّهنيّ؟
① الحدثُ: لا حدثَ خارجيًّا في المقطع البتّة.
  • لا معركةَ ولا سفرَ ولا لقاءَ يُنتظَر: امرأةٌ تضحك، ورجلٌ يقترب، ثمّ حوارٌ؛
  • الحدثُ الوحيدُ ذهنيّ: انتقالُ شهريارَ من دعوى «أنا في أوْجِ العَقْلِ» (الرّدّ 5) إلى طلب الموت (الرّدّ 23).
② والأحداثُ الجزئيّةُ التي بنَتْه هي محطّاتُ الحوار نفسُها:
  • دعوى التّغيّر: «بل تغيّرتُ» (الرّدّ 7) يقابلها نقضُها: «وها أنتَ ذا اليومَ تَفعلُ أيضا» (الرّدّ 8)؛
  • ثمّ سؤالُ الحصيلة: «ماذا علمتَ؟» (الرّدّ 10)؛
  • ثمّ الانكسار: «لقد يئستُ منكِ» (الرّدّ 11)، فالإقرارُ بالشّقاء (الرّدّ 19)، فطلبُ الموت (الرّدّ 23).
⭐ وهذه هي علاقتُه بالمسرح الذّهنيّ: الحكيم نفسُه يقول في أحد لقاءاته الصّحفيّة: «إنّي اليومَ أقيم مسرحي داخل الذّهن، وأجعل الممثّلين أفكارا تتحرّك في المطلق من المعاني مرتديةً أثوابَ الرّموز؛ لهذا اتّسعت الهوّةُ بيني وبين خشبة المسرح، ولم أجد قنطرةً تنقل مثلَ هذه الأعمال إلى النّاس غيرَ المطبعة». فالحدثُ فكرةٌ، والشّخصيّةُ رمزٌ، والمكانُ ذهن.
رسم الكاتبُ شخصيّتَيْ مسرحيّته. لخّصْ طبيعةَ كلّ شخصيّةٍ مبيّنا مَنْ هي الشّخصيّةُ المحوريّةُ (البطل).
شهرزاد — تمثّل القلبَ (الرّدّ 16)، لكنّها تحاوره بالمنطق، فتبيّن له خطأه بالحجّة:
  • تواجهه بالوقائع: «كنتَ في ذاك العهدِ تَسفكُ الدّماءَ. وها أنتَ ذا اليومَ تَفعلُ أيضا» (الرّدّ 8)؛
  • وتطالبه بالحصيلة: «هل كَشَفَ لك السِّحرُ والعلمُ عن سرٍّ واحد؟» (الرّدّ 10)؛
  • وتشخّص حالَه: «أَجْهَدْتَ عَقْلَكَ حتّى اضْطَرَبَ» (الرّدّ 26).
شهريار — يطلب المعرفةَ بالعقل (الرّدّ 5)، لكنّه في هذا المشهد يتصرّف بالهوى، ويتهرّب من الواقع:
  • الهوى: «اليومَ أقتلُ لأعلمَ» (الرّدّ 9) — القتلُ نفسُه صار وسيلةَ معرفة؛
  • التّهرّب: «اسْكُتي…! أتوسَّلُ إليكِ أن تَدَعيني السّاعةَ» (الرّدّ 11)؛
  • اليأس: «الطّبيعةُ كلُّها ليست سوى سجّانٍ صامتٍ يُضيِّقُ عليَّ الخِناقَ» (الرّدّ 25).
⭐ والشّخصيّةُ المحوريّةُ هي شهريار، لأنّها هي التي التمسنا من خلالها محورَ الصّراع، والتمسنا فيها أيضا المشكلةَ الفلسفيّةَ الذّهنيّةَ التي يعالجها الكاتبُ في مسرحيّته هذه.
كيف كانت نهايةُ شهريار؟ ولماذا؟
يظهر جليًّا أنّ نهايتَه كانت مأساويّةً، والنّصّ يمهّد لها خطوةً خطوة:
  • اليأسُ من الحياة: «ليس في الحياةِ من جديدٍ… استنفَدْتُ كلَّ شيءٍ» (الرّدّ 25)؛
  • الشّعورُ بالأسر: «سجّانٌ صامتٌ يُضيِّقُ عليَّ الخِناقَ» (الرّدّ 25)؛
  • والقرارُ: «أنا أطلبُ شيئا واحدا… أن أموتَ» (الرّدّان 21 و23) — أي الانتحار؛
  • والسّببُ: لم يبلغ الحقيقةَ التي أفنى فيها عمرَه، فانقلب طلبُ المعرفة عليه.

💬أناقش معطيات النّصّ

ما رأيك في الفكرة التي يطرحها الكاتبُ حول الصّراع بين العقل والهوى؟
① ما تقوم عليه الفكرةُ (وهذا معطًى، لا رأي):
  • هي فكرةٌ فلسفيّةٌ جسّدها الكاتبُ في هذا العمل عن طريق حوارٍ شائقٍ وفكرٍ ثاقب؛
  • وقد اتّضح فيها أنّ الحكيم يؤمن بالقلب أكثرَ ممّا يؤمن بالعقل الذي يحطّم حياةَ النّاس، ومع ذلك تحكم به الطّبيعةُ البشريّةُ وتحاول عن طريقه أن تكشف أسرارَ الكون وتجتاز حدودَ المكان — وفي ذلك اندحارُها وهزيمتُها، كما انهزم شهريار؛
  • وقد دفعت ضرورةُ المسرحيّة الكاتبَ إلى وضع شهرزادَ في وضعٍ شائنٍ رغم ما عُرفت به من رزانة عقلٍ وحكمة، فحوّلها إلى صورةٍ جديدةٍ غيرِ صورتها التّاريخيّة التي عُرفت بها.
💡 وأمّا رأيُك أنت، فيُبنى ولا يُتلقّى. ابنِه في أربع خطوات: ① حدِّدْ أطرافَ الفكرة كما وردت في النّصّ (عقلٌ يطلب السّرّ / قلبٌ يطلب الوصل)؛ ② اسألْ: هل جعل الكاتبُ الطّرفين متكافئين، أم رجّح أحدَهما سلفا؟ ③ ابحثْ في النّصّ عن دليلٍ يخالف موقفَك قبل أن تحكم؛ ④ احكمْ على الفكرة لا على الشّخصيّة، وعلى الغالب لا على المطلق.
هل ترى أنّ مثلَ هذا النّوع من الصّراع الفلسفيّ يليق توظيفُه مسرحيًّا في عملٍ تمثيليّ؟ ولماذا؟
① ما هو مقرَّرٌ في المسألة (فهذا معطًى، لا رأي):
  • سُمّي تيّارُ توفيق الحكيم المسرحيُّ المسرحَ الذّهنيّ لصعوبة تجسيده في عملٍ مسرحيّ؛
  • والحكيم كان يدرك ذلك، وقد قال في أحد لقاءاته الصّحفيّة إنّه يقيم مسرحَه داخل الذّهن، وإنّه لم يجد قنطرةً تنقل مثلَ هذه الأعمال إلى النّاس غيرَ المطبعة؛
  • ⟸ فالكاتبُ حكم على نفسه بنفسه: هذا النّوعُ لا يليق توظيفُه في عملٍ تمثيليّ، وإنّما يُقرَأ. وليس الحكيم وحدَه: جعل بعضُ المفكّرين والنّقّاد الفلاسفة من المتن الرّوائيّ متنا لأسئلتهم، يطرحون فيه نظريّاتهم حول الأنا والزّمن والهُويّة.
💡 وأمّا حكمُك أنت، فابنِه على معيارٍ لا على ذوق: ① ما الذي يحتاجه العملُ التّمثيليّ ليحيا على الخشبة (حركةٌ، حدثٌ متناميّ، صراعٌ مرئيّ)؟ ② كم من ذلك يوفّره هذا المقطع؟ ③ ثمّ قرّرْ: أهي عيبٌ في النّصّ، أم جنسٌ أدبيٌّ آخر له قارئُه لا مشاهدُه؟
ما هي مصادرُ الحكيم الأدبيّةُ والفكريّةُ التي استوحى منها هذه المسرحيّة؟ وعلامَ يدلّ ذلك؟
مصدران متمايزان، وكلاهما ظاهرٌ في النّصّ:
  • مصدرٌ أدبيٌّ تراثيّ: «ألف ليلة وليلة» — والنّصّ يسمّيه بلفظه: «أنتَ شهريارُ قبلَ ألفِ ليلةٍ وليلةٍ» (الرّدّ 6)، والشّخصيّتان مأخوذتان منها باسميهما؛
  • مصدرٌ فكريٌّ فلسفيّ: فكرةُ الحكيم في التّعادليّة، التي أقحمها في المسرحيّة فجعلت شخصيّاته أدواتٍ منصاعةً بيده.
وعلامَ يدلّ ذلك؟
  • على انفتاح الحكيم على التّراث العربيّ وقدرته على بعثه من جديد؛
  • وعلى أنّه لا يستعيد الحكايةَ لذاتها، بل يحمّلها سؤالا معاصرا: شهريارُ القديم كان يقتل ليلهو، وشهريارُ الحكيم يقتل ليعلم؛
  • ⟸ فالتّراثُ عنده قالبٌ، والفكرُ الفلسفيّ مضمون.
⚖️ ولاحظْ أنّ هذا المصدرَ الفلسفيَّ نفسَه هو ما سيُؤخَذ على الكاتب في المحطّة الأخيرة: ما أعطى النّصَّ عمقَه هو ما أضعف دراميّتَه.
هل ترى أنّ نهايةَ البطل طبيعيّةٌ منطقيّةٌ نتيجةَ تفاعل الأحداث مع الشّخصيّة، أم أنّ الكاتبَ هو الذي أراد قتلَه؟ وما علاقةُ ذلك بفلسفة الكاتب؟
بل الكاتبُ هو الذي ساهم بتدخّله في قتله — والدّليلُ من النّصّ ومن نقده معا:
  • من النّصّ: محاولةُ الانتحار تأتي دونما سببٍ دراميٍّ مقبول؛ فلا حدثَ سبقها يوجبها، وإنّما حوارٌ انتهى إلى يأس؛
  • من طبيعة الموضوع: كونُه فلسفيًّا ذهنيًّا فرض على الكاتب أن يوظّف أعمالَ الشّخصيّات كما يريد هو، لا كما تفرضها الأحداث؛
  • ⟸ فالشّخصيّاتُ صارت أدواتٍ منصاعةً بيده يوظّفها كيفما شاء، ولم يتركها تتصرّف بحرّيّة.
⭐ وعلاقةُ ذلك بفلسفته: الحكيم أراد أن يبرهن على أنّ العقلَ وحدَه يقود إلى الهلاك. ولمّا كانت الفكرةُ سابقةً على الحكاية، وجب أن ينتهي شهريارُ نهايةً تُثبت الفكرة. النّتيجةُ كانت مقرَّرةً قبل الأحداث — وهذا هو حدُّ المسرح الذّهنيّ.
كيف ساهم الحوارُ في إدارة الصّراع الفلسفيّ ورسمِ شخصيّة البطل؟
① في إدارة الصّراع: الحوارُ هنا هو الوسيلةُ الوحيدةُ، إذ لا حدثَ خارجيًّا يحمله:
  • كلُّ ردٍّ من شهرزاد يهدم دعوى لشهريار: يقول «تغيّرتُ» ⁦(7)⁩ فتردّ «وها أنتَ ذا اليومَ تَفعلُ أيضا» ⁦(8)⁩؛ ويقول «أنا في أوْجِ العَقْلِ» ⁦(5)⁩ فتسأل «ماذا علمتَ؟» ⁦(10)⁩؛
  • فيتقدّم الصّراعُ بالحجّة لا بالفعل، ويصعد إلى ذروته درجةً درجة.
② في رسم شخصيّة البطل: الحوارُ يكشفه من داخله، لا من خارجه:
  • لا يصفه الكاتبُ بكلمةٍ واحدةٍ من عنده — بل يصف شهريارُ نفسَه: «إنسانٌ شقيٌّ» ⁦(19)⁩؛
  • وتُظهِر أردادُه تدرّجَ الانهيار: كِبْرٌ (3، 5) ← دفاعٌ ⁦(7)⁩ ← تهرّبٌ (11، 13) ← إقرارٌ ⁦(19)⁩ ← استسلامٌ (23، 25)؛
  • ⟸ الشّخصيّةُ تُبنى بلسانها، وهذا هو عملُ الحوار في المسرح.
هل بيّنتِ اللّغةُ المستعملةُ ثقافةَ الشّخصيّة؟ وعلامَ يدلّ ذلك في قدرة الحكيم في مجال الكتابة المسرحيّة؟
نعم، لقد أظهرت لنا اللّغةُ المستعملةُ طبيعةَ كلّ شخصيّةٍ وثقافتَها:
  • نسب الكاتبُ لشهرزادَ لغةَ العقل والمنطق: «كنتُ أَحْسَبُكَ قد جاوَزْتَ طَوْرَ الطُّفولة» (الرّدّ 4) — حكمٌ مبنيٌّ على مقارنة؛
  • ونسب لشهريارَ لغةَ الهوى واليأس: «مضى كلُّ هذا، مضى… أنا اليومَ إنسانٌ شقيٌّ» (الرّدّ 19) — تكرارٌ وانفعالٌ لا حجّة؛
  • حتّى أساليبُهما تفترق: شهرزادُ تستفهم (10، 12، 16، 26)، وشهريارُ يأمر وينهى ويدعو (11، 13، 17).
⭐ وعلامَ يدلّ ذلك؟ على أنّ الحكيم لا يكتب لغةً واحدةً يوزّعها على الجميع، بل يفصّل لكلّ شخصيّةٍ لسانَها. وهذا هو ما يُعترَف له به: القدرةُ على توظيف اللّغة العربيّة توظيفا دراميًّا، والقدرةُ على إدارة الحوار.

🧱أحدّد بناء النّصّ

صنّفْ هذا النّصَّ حسب نمط كتابته واستنبطْ خصائصَه.
النّمطُ الغالبُ حواريّ، وخصائصُه:
  • الاعتمادُ على الحوار المباشر — لا راويَ ولا وسيط؛
  • الاعتمادُ على ضمائر الخطاب (أنتَ، أنتِ، إليكِ، منكِ)، وبعضِ أسماء الإشارة (ذاك، هذا)، والظّروفِ (اليومَ، السّاعةَ، قبلَ)، والأساليبِ الإنشائيّة (استفهامٌ، أمرٌ، نداءٌ، تعجّب)؛
  • أنّه يُبنى على مقاطع يتداخل فيها الوصفُ مع السّرد، أو الحِجاجُ مع التّفسير.
⚖️ والدّليلُ على غلبة الإنشائيّ عليه: أحصِ الأساليبَ في الرّدّ 26 وحده — قسَمٌ («أُقْسِمُ»)، وتعجّبٌ («جُنِنْتَ!»)، واستفهامان («أيُّ سرٍّ…؟»، «ألا تراكَ…؟»)، ونداءٌ («أيّها الأبلهُ»). أربعةُ أساليبَ إنشائيّةٍ في ردٍّ واحد.
هناك مقتطفاتٌ لأنماطٍ أخرى — داخلَ هذا النّمط — ساهمت في إذكائه وإضفاءِ صفة الحيويّة فيه. ما هي هذه الأنماط؟ ودُلَّ عليها، مبيّنا كيف كانت هذه المساهمة.
ثلاثةُ أنماطٍ تتداخل داخل الحوار:
  • الوصفُ: «الطّبيعةُ كلُّها ليست سوى سجّانٍ صامتٍ يُضيِّقُ عليَّ الخِناقَ» (الرّدّ 25) — يصوّر الحالةَ النّفسيّةَ فيجعل المجرّدَ مرئيّا؛
  • السّردُ: «كنتَ في ذاك العهدِ تَسفكُ الدّماءَ» (الرّدّ 8) و«أَتَذْكُرُ أنّكَ أحببتَني بقلبك يوما» (الرّدّ 18) — يستحضران الماضيَ الذي لا نراه على الخشبة؛
  • الحِجاجُ والتّفسير: «رغم أنّ… لكنّي كنتُ أقتلُ لألهوَ، واليومَ أقتلُ لأعلمَ» (الرّدّ 9) — دعوى، ثمّ استدراك، ثمّ تعليل.
⭐ وكيف ساهمت؟ الحوارُ وحدَه كان سيبقى مجرّدا؛ فالسّردُ أمدّه بالماضي، والوصفُ أمدّه بالصّورة، والحِجاجُ أمدّه بالمنطق. بهذه الثّلاثة صار الصّراعُ الذّهنيّ قابلا للمتابعة.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

لقد ساهم الحوارُ في إعطاء النّصّ نسقا وانسجاما وتماسكا عضويًّا. كيف ساهم في ذلك؟

لقد ساهم الحوارُ في كشف خبايا النّفس الإنسانيّة عن طريق الأسئلة والأجوبة والتّعليقات المختلفة التي صدرت عن الشّخصيّتين؛ وبالتّالي يكون هذا الحوارُ قد ساهم مساهمةً واضحةً في تماسك النّصّ وتكامله وانسجامه.

⭐ وتحقّقْ من ذلك بتجربة: احذفْ ردًّا واحدا من الوسط — مثلا الرّدّ 10 «ماذا علمتَ؟» — فسترى أنّ الرّدّ 11 («اسْكُتي…!») يصير بلا سبب. كلُّ ردٍّ هنا مشدودٌ إلى سابقه، وهذا هو النّسق العضويّ.
كيف ساهم الاستفهامُ والجوابُ في هذا التّماسك؟

ساهم الاستفهامُ والجوابُ في هذا التّماسك عن طريق استكمال كلّ الحلقات الفارغة في الجواب، حتّى يظهر من خلاله التّعرّفُ على حقائق النّفس الإنسانيّة وتجلّياتها وتحوّلاتها المختلفة، اعتمادا على تساؤلات الكاتب نفسِه وإجاباتِه التي صدرت عن شخصيّة شهريار.

وتتبّعْ سلسلةَ الأسئلة، تجدْها هي هيكلُ النّصّ:
  • «ما الّذي يُضحك!» ⁦(1)⁩ ← «خُضوعٌ وإذعانٌ» ⁦(2)⁩؛
  • «ماذا علمتَ؟ هل كَشَفَ لك السِّحرُ… عن سرٍّ واحد؟» ⁦(10)⁩ ← «اسْكُتي!» ⁦(11)⁩ — والصّمتُ هنا جوابٌ أبلغُ من الكلام؛
  • «ما هو؟» ⁦(22)⁩ ← «أن أموتَ» ⁦(23)⁩ — سؤالٌ من كلمتين وجوابٌ من كلمتين، وفيهما تنتهي المسرحيّة إلى ذروتها.
كيف ساهم الفعلُ وردُّ الفعل في هذا النّسق الدّراميّ؟
📜النّصُّ يتقدّم بآليّةِ فعلٍ يقابله ردُّ فعل، ولا شيءَ غيرها:
  • فعلٌ: شهرزاد تضحك ← ردُّ فعل: شهريار يقترب ويسأل ⁦(1)⁩؛
  • فعلٌ: «خُضوعٌ وإذعانٌ ما عَهِدْتُهما فيكَ!» ⁦(2)⁩ ← ردُّ فعل: «خَسِئْتِ! إنّي لن أخضعَ لامرأةٍ» ⁦(3)⁩ — الاتّهامُ يولّد الإنكار؛
  • فعلٌ: «لم تتقدّمْ… ولم تتغيّرْ» ⁦(6)⁩ ← ردُّ فعل: «بل تغيّرتُ» ⁦(7)⁩؛
  • فعلٌ: «هل كَشَفَ لك السِّحرُ… عن سرٍّ واحد؟» ⁦(10)⁩ ← ردُّ فعل: الانسحابُ «اسْكُتي…!» ⁦(11)⁩.
⭐ ولاحظِ اتّجاهَ السّلسلة: أرداد شهريارَ تضعف كلّما تقدّم الحوار — من الإنكار الصّاخب ⁦(3)⁩ إلى التّوسّل ⁦(11)⁩ إلى الإقرار ⁦(19)⁩ إلى طلب الموت ⁦(23)⁩. فردُّ الفعل هو الذي يبني منحنى الشّخصيّة، ما دام لا حدثَ خارجيًّا يبنيه.
ما العلاقةُ المنطقيّةُ التي يعقدها كلٌّ من «بل» و«مع ذلك»؟ وما أثرُ التّكرار في عبارة «قلب كبير»؟
العلاقةُ المنطقيّةُ التي يعقدها كلٌّ من «بل» و«مع ذلك» هي علاقةُ ترابطٍ واتّساقٍ وانسجام بين مختلف الجمل:
  • «بل» (الرّدّ 7: «بل تغيّرتُ») تفيد الإضراب، أي جعلَ ما قبلها متروكا، وهي من حروف العطف — فشهريارُ لا يناقش قولَ شهرزادَ «لم تتغيّرْ»، بل يبطله ويثبت ضدّه؛
  • «مع ذلك» (الرّدّ 10: «سيّانِ. ومع ذلك، ماذا علمتَ؟») من عبارات الرّبط المنطقيّة، وهي من عبارات التّعبير عن التّعارض — فشهرزادُ تُسقط دعواه ثمّ تستدرك لتسأله عن الحصيلة.
وأمّا أثرُ التّكرار في «قلب كبير» (الرّدّان 16 و17):
  • هو يقوّي المعنى الدّلاليّ الذي يرمي إليه الكاتب، والوظيفةُ هنا تأكيديّةٌ أوّلا؛
  • وهو تكرارٌ يفيد رغبةَ المتكلّم في تأكيد الصّفة التي نسبها إلى نفسه، ويؤكّد بتكراره أنّه غير راضٍ عن وضعٍ ما؛
  • وهو يضيف إلى الوظيفة التّأكيديّة وظيفةً إيقاعيّةً، من خلال تكرار ألفاظٍ بعينها بنوعٍ من التّوازي الصّوتيّ.
⚖️ ولاحظْ أنّ التّكرارَ الثّاني ليس في فم قائله الأوّل: شهرزادُ تقولها مرّتين ⁦(16)⁩، ثمّ يلتقطها شهريارُ ليسحقها: «سُحقًا للقلبِ الكبير!» ⁦(17)⁩. فالتّكرارُ هنا يربط ردَّيْن ويقلب المعنى من اعتزازٍ إلى احتقار.
ما هو دورُ الضّمائر في هذا الانسجام؟
الضّمائرُ هي الخيطُ الذي يمسك الرّدود بعضَها ببعض، وهي هنا على ثلاثة أنواع:
  • ضمائرُ الخطاب (أنتَ، أنتِ، كافُ الخطاب في «فيكَ، إليكِ، منكِ، عَقْلَكَ»): تُبقي كلَّ ردٍّ موجّها إلى مخاطَبٍ حاضر، فلا ينفصل ردٌّ عن سابقه؛
  • ضمائرُ المتكلّم (أنا، ياءُ المتكلّم في «منّي، عليَّ، حبيبي»): تحمل موقفَ كلّ شخصيّةٍ من نفسها؛
  • ضمائرُ الغائب العائدةُ على مذكورٍ سابق («ما عَهِدْتُهما فيكَ» ← الخضوعُ والإذعانُ؛ «ممّا تَتَحَرَّقُ لمعرفتِه» ← «ما»، الّتي يبيّنها «من أسرارٍ»): وهي الإحالةُ التي تمنع التّكرار.
⭐ والمنعطفُ الأهمّ ضميريٌّ: في الرّدّ 19 ينقطع ضميرُ الخطاب فجأةً ويحلّ محلَّه ضميرُ المتكلّم وحدَه — «مضى… أنا اليومَ إنسانٌ شقيٌّ» — والإرشادُ المسرحيّ يفسّره: «كالمخاطِبِ لنفسه». الضّميرُ وحدَه يخبرنا أنّ الصّراعَ انتقل من الخارج إلى الدّاخل.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

يُعتبَر توفيق الحكيم — بحقٍّ — أبا المسرح العربيّ الحديث، باعتباره الرّائدَ الأوّلَ للأدب المسرحيّ النّثريّ الفصيح. كما يُعترَف له بالقدرة على توظيف اللّغة العربيّة توظيفا دراميًّا، وقدرتِه على إدارة الحوار.

إلاّ أنّ إقحامَ فكرته الفلسفيّة التّعادليّة جعل شخصيّاته أدواتٍ منصاعةً بيده يوظّفها كيفما شاء، ولم يتركها تتصرّف بحرّيّة — كمحاولة شهريارَ الانتحارَ دونما سببٍ دراميٍّ مقبول. كما أنّ الحوارَ عنده فكريٌّ ذهنيٌّ لا يعمل على تحريك الصّراع الدّراميّ بين الشّخصيّات ومواقفِها الطّبيعيّة.

⚖️ وهذا هو ميزانُ التّقدير: فضلٌ لا يُنكَر في اللّغة والحوار والرّيادة، ومأخذٌ لا يُخفى في الدّراما. والحكمُ الأدبيُّ الجيّد هو الذي يجمع الطّرفين، لا الذي يختار أحدَهما.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1: في مجال قواعد اللّغة (أ – أيْ، أيّ، إي)

لقد مرّت بك في النّصّ الكلماتُ: أيّ، أيْ، إي. فهل تعرف التّمييزَ بينها، وبالتّالي توظيفَها في السّياقات المناسبة؟
عُدْ إلى النّصّ وتأمّلْ هذه الجملة (الرّدّ 26)

«أيُّ سرٍّ تَبْحَثُ عنه أيّـها الأبلهُ؟»

لا شكّ أنّك تدرك أنّ:
  • «أيّ» الأولى استفهاميّةٌ — سألت عن السّرّ المطلوب؛
  • و«أيّ» الثّانية منادى مع «ها» التّنبيه — نادت المخاطَب.

فهل هناك معانٍ أخرى لها؟ تأمّلْ هذه الجملَ، وقد بُنيت كلُّها على شخصيّة النّصّ نفسِها:

معاني «أيّ» و«أيْ» و«إي» — أمثلةُ الدّرس
المثالالمعنى
أيُّ سرٍّ تَبْحَثُ عنه؟استفهاميّة
أيّها الأبلهُوصلةٌ للنّداء (منادى مع «ها» التّنبيه)
شهريارُ رجلٌ أيُّ رجلٍكماليّة: صفةٌ للنّكرة «رجل»
شهريارُ محتارٌ في أيِّ موقفٍ سيتّخذهاسمٌ موصول
أيُّ سلوكٍ يَقُمْ به يُحاسَبْ عليهشرطيّة
أيْ شهريارُ أقبِلْحرفُ نداء
هل جُنَّ شهريار؟ إي واللهِحرفُ جوابٍ بمعنى «نعم»
هذا تِبْرٌ أيْ ذهبٌحرفُ تفسير
⭐ الخلاصةُ في سطرين: «أيّ» اسمٌ مُعرَب، له خمسةُ معانٍ (استفهاميّةٌ · كماليّةٌ · موصوليّةٌ · شرطيّةٌ · وصلةٌ للنّداء). و«أيْ» حرفٌ ساكنُ الياء، له معنيان (نداءٌ · تفسير). و«إي» حرفُ جوابٍ واحدٌ لا غير، بمعنى «نعم»، ولا يأتي إلاّ قبل القسم.
شواهدُ أخرى للمعاني الثّمانية — من القرآن الكريم ومن الشّعر
① «أيّ» الاستفهاميّة، الكماليّة، الموصوليّة، الشّرطيّة:
  • استفهاميّة: ﴿فأيُّ الفريقَيْنِ أحقُّ بالأمنِ﴾ (الأنعام: 81)؛
  • كماليّة، صفةٌ لنكرة: «شوقي شاعرٌ أيُّ شاعرٍ»؛
  • موصوليّة: ﴿ثمّ لَنَنْزِعَنَّ من كلِّ شيعةٍ أيُّهم أشدُّ على الرّحمنِ عِتيًّا﴾ (مريم: 69)؛
  • شرطيّة: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فلَهُ الأسماءُ الحُسنى﴾ (الإسراء: 110).
② «أيّ» وصلةً للنّداء — والشّاهدُ بيتٌ
الصّدرالعجز
يا أيُّها الرّجلُ المُرَجَّى عِمامتُهُهذا زمانُكَ إنّي قد مضى زمَني
③ «أيْ» حرفَ نداءٍ — والشّاهدُ بيتٌ
الصّدرالعجز
أَيْ رِجالَ الدُّنيا الجَديدَةِ مُدّوالِرِجالِ الدُّنيا القَديمَةِ باعا
④ «إي» حرفَ جواب:
  • ﴿قُلْ إي ورَبّي إنّهُ لَحَقٌّ﴾ (يونس: 53) — ولاحظْ أنّها جاءت قبل القسم، وهذا شرطُها.
⑤ «أيْ» حرفَ تفسيرٍ — والشّاهدُ بيتٌ
الصّدرالعجز
وتَرْمينَني بالطَّرْفِ أيْ أنتَ مُذنِبٌوتَقْلينَني لكنَّ إيّاكِ لا أَقْلي
💡 كيف تميّز بينها في أيّ نصٍّ؟ ① انظرْ إلى الشّكل: «أيّ» مشدّدةٌ مُعرَبةٌ (تُرفَع وتُنصَب وتُجَرّ)، و«أيْ» و«إي» ساكنتان لا تتغيّران. ② إن كانت «أيّ»، فاسألْ: أهي في سؤالٍ (استفهاميّة)؟ أبعد نكرةٍ تصفها (كماليّة)؟ أفي موضع «الّذي» (موصوليّة)؟ أيليها فعلان مجزومان (شرطيّة)؟ أبعدها «ها» ومنادى (وصلةُ نداء)؟ ③ وإن كانت «أيْ»، فانظرْ ما بعدها: منادًى (نداء) أم لفظٌ يفسّر ما قبله (تفسير)؟ ④ و«إي» لا تلتبس: جوابٌ يليه قسم.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1: في مجال قواعد اللّغة (ب – تصريف اللّفيف)

لعلّك تتذكّر أنّ اللّفيف هو ما اجتمع فيه حرفا علّة، وهو قسمان: · لفيفٌ مفروق: ما كانت فاؤه ولامُه حرفَيْ علّة؛ · لفيفٌ مقرون: ما كانت عينُه ولامُه حرفَيْ علّة. فهل تعلم كيف يتصرّف؟
تأمّلْ هاتين الجملتين الواردتين في النّصّ

«لقد أبصرتُ أكثرَ ممّا ينبغي لي أن أَعِيَ» (الرّدّ 21) «ما عادتْ تَحْوي شيئا ذا بالٍ عندي» (الرّدّ 25)

فالتّحليل:
  • الفعل «أَعِيَ» مضارعٌ منصوب، وماضيه «وعى» — وهو لفيفٌ مفروق (الفاءُ واوٌ، واللاّمُ ياء)؛
  • والفعل «تَحْوي» مضارعٌ مرفوع، وماضيه «حوى» — وهو لفيفٌ مقرون (العينُ واوٌ، واللاّمُ ياء).

فكيف يُصاغ اللّفيفُ إذا أُسنِد إلى الضّمائر في جميع أزمنة الفعل؟ يتمّ ذلك كما يأتي:

① في الماضي — القاعدة:
  • إذا أُسنِد الماضي اللّفيفُ — بنوعيه — إلى الضّمائر، فإنّه يحافظ على حرفَيْ علّته، إلّا أمام تاء التّأنيث السّاكنة وواو الجماعة فتُحذَف لامُه: وَعَتْ، وَعَتَا، وَعَوْا — حَوَتْ، حَوَتَا، حَوَوْا.
تطبيقُ القاعدة ① على فعلَيِ النّصّ
الضّميروعى (مفروق)حوى (مقرون)
أناوَعَيْتُحَوَيْتُ
أنتَوَعَيْتَحَوَيْتَ
أنتِوَعَيْتِحَوَيْتِ
هووَعَىحَوَى
هيوَعَتْحَوَتْ
نحنوَعَيْناحَوَيْنا
أنتماوَعَيْتُماحَوَيْتُما
هما (مذكّر)وَعَيَاحَوَيَا
هما (مؤنّث)وَعَتَاحَوَتَا
أنتموَعَيْتُمْحَوَيْتُمْ
أنتنّوَعَيْتُنَّحَوَيْتُنَّ
هموَعَوْاحَوَوْا
هنّوَعَيْنَحَوَيْنَ
② في المضارع — لفظُ القاعدة:
  • إذا أُسنِد المضارعُ المرفوع للّفيف — بنوعيه — إلى الضّمائر، فإنّ لامَه تُقلَب ياءً مع: أنا، أنتَ، هو، هي، أنتما، هما، أنتنّ، هنّ؛ وتُحذَف مع: أنتِ، أنتم، هم؛
  • وكذلك الشّأنُ مع المضارع المنصوب؛
  • أمّا المضارعُ المجزوم فتُحذَف منه لامُ الفعل.
تطبيقُ القاعدة ② — والشّاهدان من النّصّ
الحالةوعى (مفروق)حوى (مقرون)
مرفوع (هو)يَعِييَحْوي — «ما عادتْ تَحْوي»
مرفوع (أنتِ)تَعِينَتَحْوينَ
مرفوع (هم)يَعُونَيَحْوُونَ
منصوب (أنا)أن أَعِيَ — «ينبغي لي أن أَعِيَ»أن أَحْوِيَ
مجزوم (هو)لم يَعِلم يَحْوِ
③ في الأمر — القاعدة:
  • إذا أُسنِد أمرُ اللّفيف المفروق إلى الضّمائر، حُذفت فاؤه دائما، وحُذفت لامُه مع أنتَ وأنتِ وأنتم، وبقيت مع أنتما وأنتنّ: من «وعى» ⟸ عِ، عِي، عُوا — عِيَا، عِينَ؛
  • وأمّا اللّفيفُ المقرون فتُحذَف لامُه في الأمر مع أنتَ وأنتِ وأنتم، وتبقى مع أنتما وأنتنّ: من «حوى» ⟸ اِحْوِ، اِحْوِي، اِحْوُوا — اِحْوِيَا، اِحْوِينَ.
⭐ الخلاصةُ في سطرٍ واحد: الماضي يحفظ حرفَيِ العلّة إلّا أمام تاء التّأنيث وواو الجماعة (وَعَتْ، وَعَوْا)، والمضارعُ يقلب أو يحذف بحسب الضّمير وبحسب الإعراب، والأمرُ يحذف لامَه مع أنتَ وأنتِ وأنتم — وفاءَ المفروق دائما — ويُبقيها مع أنتما وأنتنّ (عِيَا، اِحْوِينَ).
تطبيقٌ — استخرجْ من النّصّ فعلا لفيفا، وبيّنْ نوعَه وحالتَه الإعرابيّة.
الفعلان الوحيدان في النّصّ، وهما اللّذان بُنيت عليهما القاعدة:
  • «أَعِيَ» (الرّدّ 21): ماضيه «وعى»، لفيفٌ مفروق، مضارعٌ منصوبٌ بـ«أن»، وعلامةُ نصبه الفتحةُ الظّاهرة على آخره؛
  • «تَحْوي» (الرّدّ 25): ماضيه «حوى»، لفيفٌ مقرون، مضارعٌ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضّمّةُ المقدّرة على الياء للثّقل.
💡 الطّريقةُ لتعيدَها على أيّ فعل: ① ردّ الفعلَ إلى ماضيه المجرّد؛ ② اكتبْ حروفَه الأصليّة الثّلاثة (ف - ع - ل)؛ ③ انظرْ أيَّ موضعٍ نزل فيه حرفُ العلّة: الفاءُ واللاّمُ ⟸ مفروق، العينُ واللاّمُ ⟸ مقرون، اللاّمُ وحدَها ⟸ ناقص.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2: في مجال البلاغة (الجمع مع التّفريق)

ماذا نعني بالجمع والتّفريق؟ وما الأثرُ الذي يحدثه هذا المحسّنُ المعنويُّ في المتلقّي؟ لكي تعرف ذلك، عُدْ إلى النّصّ وتأمّلْ جوابَ شهريار.
الشّاهد — الرّدّ 9

«رغم أنّ شهريارَ الأمسِ وشهريارَ اليومِ هو ذاك الملكُ القاتلُ؛ لكنّي كنتُ أقتلُ لألهوَ، واليومَ أقتلُ لأعلمَ.»

ما الذي يجمع بين شهريارِ الأمسِ وشهريارِ اليومِ؟ وما الذي يفرّق بينهما؟
① ما يجمع بينهما — حكمٌ واحدٌ يشملهما معا:
  • أنّه في الحالين «ذاك الملكُ القاتلُ»؛
  • فالقتلُ صفةٌ ثابتة لم تتغيّر بمرور ألف ليلةٍ وليلة.
② ما يفرّق بينهما — الغايةُ التي يختصّ بها كلٌّ منهما:
  • شهريارُ الأمسِ: يقتل من أجل اللّهو؛
  • شهريارُ اليومِ: يقتل من أجل العلم؛
  • فالفعلُ واحدٌ، والباعثُ مختلف.
فما هو الجمعُ مع التّفريق؟ هو أن تجمع في الحكم (القاتل) بين أمرين (شهريارُ الأمسِ وشهريارُ اليومِ)، ثمّ تفرّق بينهما فيما يختصّ كلَّ واحدٍ (القتلُ من أجل اللّهو، والقتلُ من أجل العلم).
وما الأثرُ الذي يحدثه هذا المحسّنُ المعنويُّ في المتلقّي؟
الأثرُ يظهر بالتّجربة: احذفِ الشّطرَ الثّاني من الرّدّ، وانظرْ ما يضيع.
  • لو اكتفى بالجمع («شهريارُ الأمسِ وشهريارُ اليومِ هو ذاك الملكُ القاتلُ») لكان اعترافا بالثّبات، ولانتهى الكلام؛
  • ولو اكتفى بالتّفريق («كنتُ أقتلُ لألهوَ واليومَ أقتلُ لأعلمَ») لكان دعوى تغيّرٍ لا سندَ لها؛
  • وباجتماعهما يحدث الأثر: يقرّ المتكلّمُ أوّلا بما لا يستطيع إنكارَه، ثمّ يفاجئ السّامعَ بفرقٍ لم يكن ينتظره.
⟸ فالأثرُ في المتلقّي ثلاثةُ أشياء:
  • شدُّ الانتباه: التّسويةُ توهم بأنّ الكلامَ انتهى، فيأتي الفرقُ فيوقظ السّامع؛
  • إبرازُ الفرق: لا شيءَ يُظهِر الاختلافَ مثلُ أن يُوضَع على أرضيّةٍ من التّشابه؛
  • تثبيتُ المعنى: الصّورةُ المزدوجة (اجتماعٌ ثمّ افتراق) أرسخُ في الذّهن من عبارةٍ مفردة.
⚖️ ولا تنسَ موقعَ الشّاهد في المسرحيّة: شهريارُ يستعمل هذا المحسّنَ ليدافع عن نفسه — يعترف بالجريمة ليكسب حقَّ الادّعاء بالتّغيّر. ثمّ تهدم شهرزادُ الحيلةَ بكلمةٍ واحدة: «سيّانِ» (الرّدّ 10). فالبلاغةُ هنا ليست زينةً: هي سلاحٌ في الحوار.

الصفحة 1/7

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net