Arabic Language

3 — التّضامن الإنسانيّ فهم المنطوق

نصّ منطوق : الإنسانيّة ومشكلاتها

🔊 The teacher reads for you
تخيّلْ أُمًّا لا تُفرّق بين أبنائها: لا بين غنيٍّ وفقير، ولا بين مؤمنٍ وكافر، ولا بين بارٍّ وعاقّ. ثمّ تخيّلْ أنّ أبناءها هم الّذين يُعذّبونها. ستستمع في هذا الدّرس إلى خطابٍ نُشِر في مجلّة الشّهاب سنة ⁦1930⁩، يجعل الإنسانيّةَ تلك الأمَّ، ويجعلنا نحن أبناءها. فممّن تستغيث الإنسانيّةُ اليوم؟ ولماذا لا يأتي المُغيث؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • فهمِ خطابٍ مسموع وتحديدِ موضوعه ومشكلاته دون أن تراه مكتوبًا
  • إدراكِ أنّ الفقرة الواحدة قد تجمع أكثرَ من نمط: وصفًا ثمّ تفسيرًا ثمّ سردًا ثمّ توجيهًا
  • تحديدِ أسلوب العبارة (طلبيٌّ أم خبريّ) ونوعِه (أمرٌ · استفهام)، وربطِه بالنّمط الّذي ينتمي إليه
  • بيانِ كيف يخدم الوصفُ السّردَ، وكيف يخدم التّفسيرُ التّوجيهَ
  • التّعرّفِ على التّوجيه الضّمنيّ: أن يأتي الطّلب في صورة جملةٍ خبريّةٍ بـ«لو»
  • بناءِ كلمةٍ شفويّةٍ مهيكلةٍ (مقدّمةٌ · عرضٌ · خاتمة) تجمع بين التّفسير والتّوجيه
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • تمييزَ الأنماط: الوصفيّ والسّرديّ والتّفسيريّ والتّوجيهيّ
  • أساليبَ الإنشاء الطّلبيّ: الأمرَ (ومنه لامُ الأمر) والاستفهامَ، ومعرفةَ أنّها تخرج عن معناها الأصليّ
  • أدواتِ الشّرط، وخاصّةً «لو» وجوابَها المقترنَ باللّام، وأفعالَ المقاربة (كاد)
🎧 كيف تدرس نصًّا منطوقًا وأنت وحدك؟ في القسم يقرأ الأستاذ الخطابَ بصوته وأنت تستمع. وهنا زرُّ الاستماع في أعلى الصّفحة يقوم مقامه. ① اضغطْ على ▶ واستمعْ إلى الخطاب كلَّه دون أن تفتح الإطار الّذي يحويه. ② أجِبْ عن الأسئلة من ذاكرتك — هذه هي الكفاءة المطلوبة: أن تفهم بأذنك. ③ ثمّ افتحِ الإطار واقرأِ النّصّ لتراجع إجاباتك. ⭐ وهذا الخطابُ بالذّات يُغني فيه السّماعُ عن القراءة: فيه سَجْعٌ متتابعٌ ونداءٌ واستغاثة، ولا تُدرَك موسيقاه إلّا بالأذن.

أستمع إلى الخطاب بِوَعْي

🎧 الخطاب المنطوق — ⛔ لا تفتحْه إلّا بعد أن تستمع وتجيب

«الإنْسانِيَّةُ ومُشْكَلاتُهَا»

الإنسانيّةُ، تلك الأمُّ الرّؤومُ الّتي لا تُحابي واحدًا من أبنائها دون آخر، ولا تُميّز بين بارٍّ منهم وفاجر، ولا تُفرّق بين مؤمنٍ منهم وكافر؛ تلك الأمُّ المعذَّبةُ بالويلات والمِحَن: من ويلات الحروب الّتي أتلفت الملايين، إلى ويلات الأمراض والطّواعين، إلى ويلات الزّلازل والبراكين. الإنسانيّةُ الّتي لو تمثّلتْ بشرًا لتمثّلتْ بقول الشّاعر العربيّ:

فَلَوْ كَانَ رُمْحًا وَاحِدًا لاتَّقَيْتُهُ · وَلَكِنَّهُ رُمْحٌ وَثَانٍ وَثَالِثُ

عجيبٌ لهذه الإنسانيّة! ما كفاها من مصائب الدّهر تقاطعُ أبنائها وتدابُرُهم، ونصبُ الحبائل وبثُّ المكائد لبعضهم بعضًا. ما كفاها من مصائب الدّهر أن يكون في أبنائها قويٌّ يستعبد ضعيفًا، وشريفٌ يستخدم مشروفًا.

ما كفاها أن تنقلب الحقائقُ على أبنائها المارقين العاقّين، فيركبون مطايا الخير للشّرّ، ويستعملون سلاحَ النّفع للضّرّ، ويتوسّلون بالدّين لجمع الدّنيا. ما كفتها هذه المصائبُ المجتاحة، حتّى ظاهرتها الطّبيعةُ الجبّارةُ على هذه الإنسانيّة المسكينة.

يا اللّهُ! أمَا كفتها مصائبُ الأرض حتّى تُظاهرَها مصائبُ السّماء؟ ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ من في قلبه رحمة! ألا وإنّ الإنسانيّةَ تستغيث فهل من مغيث؟ وتستنجد فهل من مُنجِد؟

استغاثتِ الإنسانيّةُ قديمًا بأبنائها الصّادقين على أبنائها المارقين. استغاثتْ من المفسدين لنظام الفطرة، والعاملين على تفريق هذه الأسرة، فأغاثها الأنبياءُ والمرسلون والعبّادُ الصّالحون. واستغاثتْ من عبّاد المادّة الحائدين عن الجادّة، فأغاثها أنصارُ الرّوح، والمقدِّسون للرّوح، والقائلون بخلود الرّوح. واستغاثتْ من أعداء العقل المفكِّر وعبّادِ الحسّ والمحسوس، فأغاثها الحكماءُ الرّبّانيّون والفلاسفةُ الإشراقيّون. واستغاثتْ من طواغيت الاستبداد وقياصرةِ الاستعباد، فأغاثها دعاةُ الدّيمقراطيّة وأنصارُ المساواة والإنصاف — فما كاد المتنبّي، واضعُ شريعة التّمايز بين السّادة والعبيد، يجفُّ ثراه، حتّى قيّض اللّهُ له فيلسوفَ المعرّة ناسخًا لتلك الشّريعة الجائرة، ومبشِّرًا بشريعة الأخوّة السّمحة. واستغاثتْ من المشعوذين المحتالين، والمُمَخْرِقين المبتدعين، والضّالّين المضلّين، الّذين يستغلّون جهلَ الجهلاء، ويمتصّون دماءَ البسطاء، البائعين للشّفاعة، العابدين للوهم، المغترّين بالأسماء والألقاب وشهرةِ الأنساب، الوارثين لما لا يُورَث من التّسلّط على العباد بعظمة الآباء والأجداد — فأغاثها العلماءُ المصلحون وحزبُ اللّهِ المفلحون.

وهي الآن تستغيث من داهيتين، وتستجير من غائلتين، ولا ندري متى تُغاث، ولا في أيّ وقتٍ تُجاب. هي تستغيث من داهية الحرب وتحكيمِ السّيف في مواقع الخلاف؛ فمتى يقف عقلاءُ الأمم بين الصّفّين موقفَ دعاة التّحكيم يومَ صِفّين؟ لا ندري. ولا ندري لماذا لا ندري. وهي تستغيث من غائلة الفقر وشرورِه وجيوشِه الّتي يجرّها من خراب العالم لتخريب معموره؛ فمتى يفقه أغنياءُ الأمم هذا السّرَّ، فيعملون على اتّقاء الشّرّ؟ لا ندري، ولا ندري لماذا لا ندري.

إنّما الّذي ندريه، ونقوله ولا نُخفيه، هو أنّه لو تساند أغنياءُ الأمم ومدّوا أيديَهم متعاضدين، وعرفوا كيف يحاربون الفقرَ باستجلاب الفقير والأخذِ بيده، لَـأحسنوا لأنفسهم وللعالم. ولو فعلوا ذلك لَـدفعوا عن العالم غارةً شعواءَ تلتهم الأخضرَ واليابس، وشرًّا مستطيرًا يستأصل. بل لو بذل أغنياءُ المسلمين ما أوجبه عليهم الإسلامُ من الزّكاة، وعرَف عقلاؤهم كيف يستخدمونها، لَـقاموا ببعضٍ من هذا الواجب الاجتماعيّ. هذه نفثةُ مصدور، وللنّفوس ثورةٌ ثمّ تسكن.

مجلّة الشّهاب، الجزء الأوّل، المجلّد السّادس، فيفري ⁦1930⁩.

⁦1⁩ — ما مفهومُ الإنسانيّة حسب الخطاب؟

الإنسانيّةُ في هذا الخطاب أُمٌّ، والنّاسُ جميعًا أبناؤها. والخطابُ يفتتح بهذا التّعريف ولا يؤخّره: «الإنسانيّةُ، تلك الأمُّ الرّؤومُ…»

وثلاثُ صفاتٍ تُحدِّد مفهومَها، وكلُّها بالنّفي:
  • «لا تُحابي واحدًا من أبنائها دون آخر» — لا تُفضِّل أحدًا.
  • «ولا تُميّز بين بارٍّ منهم وفاجر» — لا تُخرِج المسيءَ من رعايتها.
  • «ولا تُفرّق بين مؤمنٍ منهم وكافر» — لا تسأل عن دين ابنها.

⭐ ولمَ عرّفها بالنّفي ثلاثَ مرّاتٍ ولم يعرّفها بالإثبات؟ لأنّ ما يميّزها هو ما لا تفعله: كلُّ الرّوابط الأخرى — القبيلةُ والدّينُ والوطن — تجمع قومًا وتُخرِج آخرين، والإنسانيّةُ وحدَها لا تُخرِج أحدًا. ⟸ فهي أوسعُ رابطةٍ بين النّاس، ولذلك سمّاها أمًّا.

وله عليها وصفٌ ثانٍ لا يقلّ أهمّيّةً: «تلك الأمُّ المعذَّبةُ بالويلات والمِحَن». ⟸ أمٌّ لا تُحابي، وأمٌّ تُعذَّب: وبين الوصفين تقوم مأساةُ الخطاب كلِّه.

⁦2⁩ — اذكرْ بتعبيرك سببَ استغاثة الإنسانيّة.

تستغيث لأنّها تُضرَب من جهتين في وقتٍ واحد: من السّماء ومن أبنائها. وهذا ما لخّصه الخطابُ في سؤالٍ واحد: «أمَا كفتها مصائبُ الأرض حتّى تُظاهرَها مصائبُ السّماء؟»

مصدرا العذاب كما يعرضهما الخطاب
ما لا يدُ للإنسان فيهما يصنعه أبناؤها بأيديهم
«ويلاتُ الأمراض والطّواعين» · «ويلاتُ الزّلازل والبراكين» · «الطّبيعةُ الجبّارةُ» تُظاهِر عليها«الحروبُ الّتي أتلفت الملايين» · «تقاطعُ أبنائها وتدابُرُهم» · «نصبُ الحبائل وبثُّ المكائد»
—«قويٌّ يستعبد ضعيفًا، وشريفٌ يستخدم مشروفًا»
—انقلابُ الحقائق: «يركبون مطايا الخير للشّرّ» · «يستعملون سلاحَ النّفع للضّرّ» · «يتوسّلون بالدّين لجمع الدّنيا»

⭐ ولاحِظْ أنّ العمود الثّاني أطولُ من الأوّل بكثير. وهذا مقصودُ صاحب الخطاب: مصائبُ الطّبيعة تُذكَر في سطر، ومصائبُ الأبناء في ثلاث فقرات. ⟸ الإنسانيّةُ لا تشكو من الزّلازل بقدر ما تشكو من أبنائها.

وأمّا اليوم، فقد حصر الخطابُ استغاثتَها في اثنتين: «تستغيث من داهيتين وتستجير من غائلتين» — داهيةُ الحرب وغائلةُ الفقر.

⁦3⁩ — هل ما تستغيث منه الإنسانيّةُ قديمٌ أم حديثٌ في رأي صاحب الخطاب؟ علّلْ إجابتك.

قديمٌ متجدّد، لا قديمٌ انتهى ولا حديثٌ طرأ. والخطابُ يقول ذلك بلفظين متقابلين، فلا يحتاج جوابُك إلى ظنّ:

  • «استغاثتِ الإنسانيّةُ قديمًا…» — ثمّ يعدّد أربعَ استغاثاتٍ من الماضي، لكلٍّ منها مُغيثُها.
  • «وهي الآن تستغيث من داهيتين…» — الفعلُ مضارعٌ، والزّمنُ حاضر.

لكنّ الفرقَ بين الزّمنين ليس في الاستغاثة، بل في الجواب، وهذا هو موضعُ الدّقّة في السّؤال:

الاستغاثةُ واحدةٌ، والجوابُ اختلف
قديمًاالآن
«فأغاثها الأنبياءُ والمرسلون» · «فأغاثها أنصارُ الرّوح» · «فأغاثها الحكماءُ الرّبّانيّون» · «فأغاثها دعاةُ الدّيمقراطيّة» · «فأغاثها العلماءُ المصلحون»«لا ندري متى تُغاث، ولا في أيّ وقتٍ تُجاب»

⭐ فالكلمةُ الّتي تحمل الجوابَ كلَّه هي الفاءُ في «فأغاثها»، وقد تكرّرت خمسَ مرّات في الماضي، ولم تردْ ولا مرّةً في الحاضر. ⟸ لم يتغيّرِ الدّاء، بل غاب الدّواء.

⁦4⁩ — علّقْ على الحلول الّتي قدّمها الكاتب.

الحلولُ كلُّها في آخر الخطاب، وكلُّها موجَّهةٌ إلى جهةٍ واحدة: الأغنياء.

  1. التّساند والتّعاضد: «لو تساند أغنياءُ الأمم ومدّوا أيديَهم متعاضدين».
  2. محاربةُ الفقر بالأخذ بيد الفقير: «وعرفوا كيف يحاربون الفقرَ باستجلاب الفقير والأخذِ بيده» — لا بالصّدقة العابرة، بل بإدخاله في العمل.
  3. الزّكاةُ عند المسلمين، مع حُسْن استخدامها: «لو بذل أغنياءُ المسلمين ما أوجبه عليهم الإسلامُ من الزّكاة، وعرَف عقلاؤهم كيف يستخدمونها».
وأربعُ ملاحظاتٍ على هذه الحلول، هي جوهرُ التّعليق المطلوب منك:
  • حلولٌ اجتماعيّةٌ لا سياسيّة: لم يطلب قانونًا ولا سلطانًا، بل طلب أن يتغيّر سلوكُ القادرين.
  • يخاطب القادرَ لا العاجز: الفقيرُ في هذه الحلول مفعولٌ به لا فاعل، وهذا ما قد تناقشه أنت.
  • يشترط المعرفةَ مع البذل: قال «وعرفوا كيف يحاربون الفقر»، و«وعرَف عقلاؤهم كيف يستخدمونها». ⟸ عنده أنّ المالَ وحدَه لا يكفي، بل يحتاج إلى تدبير.
  • يقدّمها بصيغة «لو» لا بصيغة الأمر — وهذا اختيارٌ سنعود إليه في آخر الدّرس: طلبٌ في ثوب خبر.

⭐ وأصدقُ تعليقٍ على الحلول هو تعليقُ صاحبها نفسِه: ختَم خطابَه بقوله «هذه نفثةُ مصدور، وللنّفوس ثورةٌ ثمّ تسكن». أي: هذا كلامُ رجلٍ ضاق صدرُه فتنفّس. ⟸ فهو يعرف أنّه قدّم دعوةً لا برنامجًا، ولم يدّعِ غير ذلك. وهذه أمانةٌ في القول قلّ من يلتزمها.

أحلِّل الخطاب وأحدِّد نمطه

سنستمع الآن إلى الخطاب جزءًا جزءًا، وفي كلّ جزءٍ نمطٌ غالبٌ تخدمه أنماطٌ أخرى. أعِدِ الاستماعَ إلى المقطع المعنيّ وحدَه قبل أن تجيب، ثمّ افتحِ الإطارَ لتراجع.

الجزء الأوّل — «الإنسانيّةُ تلك الأمُّ الرّؤوم… مصائبُ السّماء»

⁦1⁩ — يعرّف الكاتبُ الإنسانيّةَ بمجموعةٍ من الصّفات. فبِمَ وصفها: بمفرداتٍ أم بجُمَل؟ وبِمَ شبّهها؟

وصفها بالاثنين معًا، والغالبُ الجُمَل.

صفاتُ الإنسانيّة: مفرداتٌ وجُمَل
الصّفةُ المفردةالصّفةُ الجملة
«الرّؤوم» · «المعذَّبة» · «المسكينة»«الّتي لا تُحابي واحدًا من أبنائها دون آخر»
—«ولا تُميّز بين بارٍّ منهم وفاجر»
—«ولا تُفرّق بين مؤمنٍ منهم وكافر»
—«الّتي لو تمثّلتْ بشرًا لتمثّلتْ بقول الشّاعر»

⭐ والفرقُ بين النّوعين فرقٌ في القوّة: المفردةُ تُطلِق الحُكمَ («الرّؤوم») والجملةُ تُثبِته («لا تُحابي… ولا تُميّز… ولا تُفرّق»). ⟸ فالكاتبُ يقول لك أوّلًا إنّها رؤوم، ثمّ يُريك رأفتها في ثلاث جُمَل.

وبِمَ شبّهها؟ شبّهها بـالأمّ: «تلك الأمُّ الرّؤوم». وهو تشبيهٌ حُذِفتْ أداتُه ووجهُ الشّبه فيه، فصارت الإنسانيّةُ هي الأمَّ نفسَها. ⟸ ولذلك صار النّاسُ «أبناءها»، وصار تقاتلُهم عقوقًا: «أبنائها المارقين العاقّين».

وشبّه حالَها ببيت الشّاعر: «فَلَوْ كَانَ رُمْحًا وَاحِدًا لاتَّقَيْتُهُ · وَلَكِنَّهُ رُمْحٌ وَثَانٍ وَثَالِثُ». ⟸ ليست المصيبةُ في الطّعنة، بل في تعدّدها: طعنةٌ واحدةٌ تُتَّقى، وثلاثٌ لا تُتَّقى. وهذا هو حالُ الإنسانيّة في الخطاب كلِّه: مصائبُ من الأرض ومصائبُ من السّماء معًا.

⁦2⁩ — يذكر الخطابُ مشكلاتِ الإنسانيّة. عدِّدْها.
مشكلاتُ الإنسانيّة في هذا الجزء، بترتيب ورودها
  1. الحروب — «ويلاتُ الحروب الّتي أتلفت الملايين».
  2. الأمراض والأوبئة — «ويلاتُ الأمراض والطّواعين».
  3. كوارثُ الطّبيعة — «ويلاتُ الزّلازل والبراكين».
  4. التّقاطعُ والتّدابر — «تقاطعُ أبنائها وتدابُرُهم».
  5. المكرُ والخديعة — «نصبُ الحبائل وبثُّ المكائد لبعضهم بعضًا».
  6. الاستعبادُ والاستغلال — «قويٌّ يستعبد ضعيفًا، وشريفٌ يستخدم مشروفًا».
  7. انقلابُ الحقائق — «يركبون مطايا الخير للشّرّ» · «يستعملون سلاحَ النّفع للضّرّ» · «يتوسّلون بالدّين لجمع الدّنيا».

⭐ ولاحِظِ السّابعةَ خاصّة، فهي أخطرُها في نظر صاحب الخطاب: الأُولى ستٌّ منها أذًى ظاهر، وهذه أذًى مُتنكِّرٌ في ثوب الخير. ⟸ والخيرُ حين يُستعمَل سُلَّمًا إلى الشّرّ يفقد النّاسُ ثقتَهم بالخير نفسِه. ولذلك قال «تنقلب الحقائق»، ولم يقلْ «تكثر الشّرور».

⁦3⁩ — ما النّمط الغالب على هذا الجزء من الخطاب؟ اذكرْ مؤشّرين من مؤشّراته.

النّمط الغالب على مطلع الخطاب هو الوصف. والمؤشّران المطلوبان:

  1. كثرةُ النّعوت والجُمَل الواصفة: «الرّؤوم» · «المعذَّبة» · «المجتاحة» · «الجبّارة» · «المسكينة» · «المارقين العاقّين»، وثلاثُ جُملٍ واصفةٍ متتابعةٍ في السّطر الأوّل.
  2. التّشبيه والصّورة: «تلك الأمُّ الرّؤوم» (تشبيهٌ بليغ) · بيتُ الرّماح · «يركبون مطايا الخير» · «يستعملون سلاحَ النّفع».

ويمكنك أن تضيف مؤشّرًا ثالثًا: الجملُ الاسميّة الّتي تصف حالًا ثابتةً لا حدثًا يجري — «الإنسانيّةُ تلك الأمُّ…»، «عجيبٌ لهذه الإنسانيّة!»

⭐ وما القصدُ من هذا الوصف؟ ليس أن نعرف شكلَ الإنسانيّة، فلا شكلَ لها. القصدُ التّحسيسُ بقيمتها: أن نُشفِق عليها كما نُشفِق على أمٍّ معذَّبة. ⟸ الوصفُ هنا بابٌ إلى العاطفة، والعاطفةُ بابٌ إلى الاستجابة.

⁦4⁩ — وُظِّفت في هذا الجزء أداتان ربطتا بين فقرتين. أحقّقت هاتان الأداتان فقرتين متلازمتين متزامنتين، أم فقرتين متلازمتين متتاليتين زمنيًّا متعاقبتين؟
الأداتان والفقرتان
الأداةالفقرة
أمَا (النّفيُ المتكرّر: ما كفاها… ما كفتها)كفاها من مصائب الدّهر… هذه المصائبُ المجتاحة؛
حتّىظاهرتها الطّبيعةُ الجبّارةُ… هذه الإنسانيّةَ المسكينة.

الجواب: فقرتان متلازمتان متتاليتان زمنيًّا متعاقبتان — لا متزامنتان.

والدّليلُ في الأداتين نفسِهما:
  • النّفيُ المتكرّر («ما كفاها… ما كفاها… ما كفتها») يضع أوّلًا مصائبَ الأرض ويقول إنّها لم تكفِ.
  • «حتّى» حرفُ غايةٍ وتعقيب: ما بعدها يقع بعد ما قبلها لا معه. «ما كفتها هذه المصائبُ المجتاحة حتّى ظاهرتها الطّبيعةُ الجبّارة» — أي: لم تكفِ الأولى، فجاءت الثّانية بعدها.
  • وقد أعاد التّركيبَ نفسَه في السّؤال الّذي يليه: «أمَا كفتها مصائبُ الأرض حتّى تُظاهرَها مصائبُ السّماء؟» ⟸ الأرضُ أوّلًا، ثمّ السّماء.

⭐ ولمَ يهمّ هذا التّمييز؟ لأنّ التّعاقبَ هو الّذي يصنع الظُّلم في هذا الخطاب: لو كانت المصيبتان معًا لكانتا قَدَرًا واحدًا؛ أمّا أن تأتيَ الثّانيةُ وقد أَنهَكَتْها الأولى، فتلك زيادةٌ في العذاب. و«حتّى» وحدَها هي الّتي تقول ذلك.

⁦5⁩ — انتهت الفقرةُ بجملةٍ طلبيّة. فماذا طلب مُرسِلُ الخطاب؟ وممّن؟ · وحدِّدْ أسلوبَ العبارات ونوعَها · وإلى أيّ نمطٍ تنتمي؟

طلب الرّحمةَ والإغاثة، وطلبها ممّن بقيت في قلبه رحمة: «ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ من في قلبه رحمة». ⟸ ولاحِظْ أنّه لم يُخاطِبْ حاكمًا ولا هيئةً: جعل الشّرطَ في القلب لا في المنصب، فصار الطّلبُ موجَّهًا إلى كلّ سامع.

أسلوبُ العبارات ونوعُه
العبارةأسلوبهانوعه
«ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ من في قلبه رحمة»إنشائيٌّ طلبيّأمرٌ بلام الأمر «لِـ» الدّاخلة على المضارع
«فهل من مغيث؟»إنشائيٌّ طلبيّاستفهامٌ خرج عن معناه الأصليّ إلى الحثّ والاستنهاض
«فهل من مُنجِد؟»إنشائيٌّ طلبيّاستفهامٌ كذلك، للحثّ والتّمنّي

وهذه العبارات الطّلبيّة تنتمي إلى النّمط التّوجيهيّ، لأنّها لا تُخبِر بشيءٍ بل تطلب فعلَ شيء: أن تُرحَم الإنسانيّةُ وأن تُغاث.

⭐ ولمَ لم يقلْ «أغيثوا الإنسانيّة» صريحًا؟ لأنّ «هل من مغيث؟» تفعل ما لا يفعله الأمر: تفترض أنّ المغيثَ قد لا يوجد، فتضع السّامعَ أمام سؤالٍ عن نفسه — أأنا منهم أم لا؟ ⟸ الأمرُ يُطاع أو يُعصى؛ والسّؤالُ يُدخِل السّامعَ في الحساب.

⁦6⁩ — أعِدِ الاستماعَ إلى الجزء نفسِه من أجل هيكلته من خلال أنماطه.
هيكلةُ الجزء الأوّل بأنماطه
الفقراتالنّمطالقصد من الخطاب
من بداية النّصّ إلى نهاية البيت الشّعريّوصفيّالتّحسيسُ بقيمة الإنسانيّة
من بداية الفقرة الثّانية إلى الجملة الطّلبيّةتفسيريٌّ يتخلّله سردبيانُ مشكلات الإنسانيّة وتعليلُ استغاثتها
الجملة الطّلبيّةتوجيهيّدعوةُ من في قلبه رحمةٌ إلى إغاثتها

⭐ واقرأِ الجدولَ من أعلى إلى أسفل، فهو خُطّةُ إقناعٍ كاملة: ① أُحبِّبُك في الإنسانيّة (وصف) ② أُريك ما يُصيبها ولمَ (تفسير وسرد) ③ أطلب منك أن تتحرّك (توجيه). ⟸ ولو قُلِب التّرتيب لبطل الأثر: من يُؤمَر بالرّحمة قبل أن يعرف المرحومَ لا يرحم.

أستنتج. يمكن أن نجد في الفقرة الواحدة أكثرَ من نمط، بحيث يتداخل نمطٌ معيّنٌ مع أنماطٍ أخرى — كما في هذه الفقرة، حيث بدأ الخطابُ بالـوصف ثمّ الـتفسير والـسرد والـتوجيه، خدمةً لقصد مُرسِل الخطاب.

الجزء الثّاني — «ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ… حزبُ اللّهِ المفلحون»

⁦1⁩ — استعِنْ بمؤشّرات الجدول وحدِّدْ أنماطَ الجُمَل المستخرَجة من الخطاب · ولِمَ استخدم الخطابُ هذا العددَ من الأنماط؟ · وما النّمط الّذي غلب؟ ولِمَ؟
ثلاثُ جُمَلٍ، وثلاثةُ أنماط
الجملةالمؤشّراتالنّمط
«ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ من في قلبه رحمة، ألا وإنّ الإنسانيّةَ تستغيث فهل من مغيث؟ وتستنجد فهل من مُنجِد؟»أفعالٌ مضارعةٌ تدلّ على الأمر · جُملٌ استفهاميّةتوجيهيّ
«استغاثتِ الإنسانيّةُ قديمًا بأبنائها الصّادقين على أبنائها المارقين… واستغاثتْ من طواغيت الاستبداد وقياصرةِ الاستعباد فأغاثها دعاةُ الدّيمقراطيّة وأنصارُ المساواة والإنصاف»أفعالٌ في الزّمن الماضي · ظرفُ زمان («قديمًا») · حدثان متتابعان (استغاثتْ ⟸ فأغاثها)سرديّ
«استغاثتْ من المشعوذين المحتالين والمُمَخْرِقين المبتدعين والضّالّين المضلّين، الّذين يستغلّون جهلَ الجهلاء ويمتصّون دماءَ البسطاء»تعدّدُ الصّفاتوصفيّ

ولِمَ هذا العددُ من الأنماط؟ لأنّ القصدَ واحدٌ والوسائلَ متعدّدة. ولكلّ نمطٍ عملٌ لا يقوم به غيرُه:

  • التّوجيه يُحرِّك السّامعَ ويطلب منه فعلًا.
  • السّرد يُثبِت أنّ الإغاثةَ قد وقعت من قبل — وهذه أقوى حُجّةٍ على أنّها ممكنةٌ اليوم.
  • الوصف يجعل السّامعَ يكره المستغاثَ منهم قبل أن يُخبَر بفعلهم.

وما النّمط الّذي غلب؟ السّرد. والدّليلُ أنّ الجزءَ كلَّه مبنيٌّ على تركيبٍ واحدٍ يتكرّر خمسَ مرّات: «استغاثتْ من… فأغاثها…» — سلسلةُ أحداثٍ في ترتيبٍ زمنيّ، من الأنبياء إلى العلماء المصلحين.

⁦2⁩ — ما مضمونُ هذا الجزء؟ · وهل يتناول أفكارًا أم أحداثًا؟ · وحدِّدِ الدّلالةَ الزّمنيّة للأفعال الواردة فيه.

المضمون: تاريخُ استغاثات الإنسانيّة، ومَن أغاثها في كلّ مرّة. خمسُ محنٍ وخمسةُ مُغيثين.

خمسُ استغاثاتٍ ومُغيثوها
استغاثتْ من…فأغاثها…
«المفسدين لنظام الفطرة، والعاملين على تفريق هذه الأسرة»«الأنبياءُ والمرسلون والعبّادُ الصّالحون»
«عبّاد المادّة الحائدين عن الجادّة»«أنصارُ الرّوح، والمقدِّسون للرّوح، والقائلون بخلود الرّوح»
«أعداء العقل المفكِّر وعبّادِ الحسّ والمحسوس»«الحكماءُ الرّبّانيّون والفلاسفةُ الإشراقيّون»
«طواغيت الاستبداد وقياصرةِ الاستعباد»«دعاةُ الدّيمقراطيّة وأنصارُ المساواة والإنصاف»
«المشعوذين المحتالين… والضّالّين المضلّين»«العلماءُ المصلحون وحزبُ اللّهِ المفلحون»

وهل يتناول أفكارًا أم أحداثًا؟ أحداثًا. الجزءُ لا يناقش رأيًا ولا يشرح مصطلحًا: هو يحكي وقائعَ وقعت في تاريخ البشر. ⭐ غير أنّ هذه الأحداثَ مسوقةٌ في خدمة فكرة، وهي أنّ الإغاثة ممكنة.

والدّلالةُ الزّمنيّة للأفعال: الماضي — «استغاثتْ» (ستّ مرّات) · «أغاثها» (خمس مرّات) · «قيّض» · «جفّ». ⟸ وهذا أوّلُ مؤشّرات السّرد. ويخالطها مضارعٌ في جُمَل الصّلة: «يستغلّون جهلَ الجهلاء» و«يمتصّون دماءَ البسطاء»، ودلالتُه هنا الاستمرارُ والتّجدّد: فعلُهم لم ينقطعْ بانقطاع زمنِهم.

⁦3⁩ — في العبارة «فما كاد المتنبّي، واضعُ شريعة التّمايز بين السّادة والعبيد، يجفُّ ثراه، حتّى قيّض اللّهُ له فيلسوفَ المعرّة» حدثان: حدِّدْهما · أهما متزامنان أم متعاقبان؟ علّلْ · وإلى أيّ نمطٍ تؤشّر الأداتان؟
🔍تحليلُ العبارة
الجملةدلالتهازمانهاالأداة
«يجفُّ ثراه»حدثالماضي — لأنّ فعلَ المقاربة «كاد» ماضٍ، فأخرج المضارعَ بعده إلى الماضيالأداتان: ما… حتّى…
«قيّض اللّهُ له فيلسوفَ المعرّة»حدثالماضيفعلُ المقاربة: كاد يجفّ

الحدثان: ① أن يجفَّ ثرى المتنبّي — أي أن يمضيَ على موته زمنٌ يسير · ② أن يُقيّضَ اللّهُ فيلسوفَ المعرّة ناسخًا لشريعة التّمايز، مبشِّرًا «بشريعة الأخوّة السّمحة».

أهما متزامنان أم متعاقبان؟ متعاقبان، ولكنْ بمهلةٍ قصيرةٍ جدًّا. والتّعليلُ في التّركيب نفسِه: «ما كاد… حتّى…» أسلوبٌ موضوعٌ في العربيّة للدّلالة على أنّ الثّاني وقع عقِبَ الأوّل مباشرةً وقبل أن يتمّ. ⟸ ولو أراد التّزامنَ لقال «بينما… إذ».

وإلى أيّ نمطٍ تؤشّر الأداتان؟ إلى السّرد. فهما أداتا ترتيبٍ زمنيّ، والتّرتيبُ الزّمنيّ عملُ السّرد.

⭐ ولمَ اختار الكاتبُ هذا التّركيبَ بالذّات؟ ليقول شيئًا لم يقلْه صراحةً: إنّ الإصلاح لا يتأخّر. ما إن يظهر قولٌ جائرٌ حتّى يُقيَّض له من ينقضه. ⟸ فالعبارةُ في ظاهرها خبرٌ عن رجلين، وفي باطنها وعدٌ للسّامع: لن تبقى الإنسانيّةُ بلا مُغيث.

أستنتج. من مؤشّرات السّرد: ورودُ الأفعال في زمن الماضي، وتعاقبُ الأحداث بفضل الأدوات الدّالّة على ذلك.
⁦4⁩ — أعِدِ الاستماعَ إلى الجزء نفسِه: استخرجِ الصّفاتِ الواردة فيه مع بيان موصوفاتها · وحدِّدِ النّمطَ الّذي تشير إليه · وبيّنِ العلاقة بين النّمطين.
الصّفاتُ وموصوفاتُها — كلُّ فريقٍ وصفتُه
الموصوفصفاتُهالفريق
أبناؤها«الصّادقين» ⟸ «المارقين» «العاقّين»الطّرفان معًا
المستغاثُ منهم«المفسدين لنظام الفطرة» · «العاملين على تفريق هذه الأسرة»المُدانون
عبّاد المادّة«الحائدين عن الجادّة»المُدانون
المشعوذون«المحتالين» · «المُمَخْرِقين المبتدعين» · «الضّالّين المضلّين» · «الّذين يستغلّون جهلَ الجهلاء ويمتصّون دماءَ البسطاء» · «البائعين للشّفاعة» · «العابدين للوهم» · «المغترّين بالأسماء والألقاب»المُدانون
البسطاء— (لا يصفهم النّصّ بغير بساطتهم)الضّحايا
أنصارُ الرّوح«المقدِّسون للرّوح» · «القائلون بخلود الرّوح»المُغيثون
الحكماء والفلاسفة«الرّبّانيّون» · «الإشراقيّون»المُغيثون
العلماء وحزبُ اللّه«المصلحون» · «المفلحون»المُغيثون

والنّمط الّذي تشير إليه هذه الصّفات هو الوصف. أمّا النّمط الغالب على الجزء فهو السّرد، كما رأيتَ.

فما العلاقة بين النّمطين؟ الوصفُ يخدم السّردَ. ⟸ والصّفةُ هنا ليست زينةً: هي الّتي تُعرِّفك بالفاعل قبل أن تسمع فعلَه. فقبل أن يُخبِرك بأنّ هؤلاء استُغيث منهم، يكون قد سمّاهم «مفسدين» و«ضالّين مضلّين»؛ وقبل أن يُخبِرك بأنّ أولئك أغاثوا، يكون قد سمّاهم «صالحين» و«مصلحين». فالحكمُ يقع في أذنك قبل أن يقع الحدث.

⭐ واختبِرْه بنفسك — وهذه هي خُطّةُ إعادة الصّياغة: استمعْ إلى الجزء الثّاني، ثمّ احذفِ الصّفاتِ منه، ثمّ قارِنْ. مثالٌ محلول: «استغاثتْ من طواغيت الاستبداد وقياصرةِ الاستعباد، فأغاثها دعاةُ الدّيمقراطيّة وأنصارُ المساواة» ⟸ بلا صفات: «استغاثتْ من قومٍ فأغاثها قومٌ آخرون». الحدثُ باقٍ، والموقفُ ذاهب. ⟸ فماذا تستنتج؟ أنّ الصّفةَ هي الّتي تحمل موقفَ صاحب الخطاب.

ولاحِظْ أخيرًا السّجعَ الّذي يقرن كلَّ متقابلين: الصّادقين ⟸ المارقين · الاستبداد ⟸ الاستعباد · المصلحون ⟸ المفلحون · الجهلاء ⟸ البسطاء. ⟸ الأذنُ تسمع التّقابلَ قبل أن يفهمه العقل — ولذلك قلنا في أوّل الدّرس إنّ هذا الخطابَ يُسمَع ولا يُقرَأ.

أستنتج. يحتاج السّردُ إلى نمطٍ نصّيٍّ يخدمه — كالـوصف — لبيان موقف صاحب الخطاب من الموصوف الّذي صنع الأحداثَ المسرودة.

الجزء الثّالث — «وهي الآن تستغيث… وللنّفوس ثورةٌ ثمّ تسكن»

⁦1⁩ — انتقل زمنُ الخطاب من الماضي إلى الحاضر؛ فهل تغيّرت حالُ الإنسانيّة؟

لم تتغيّرْ حالُها، بل ازدادت. والفعلُ نفسُه يتكرّر في الزّمنين: «استغاثتْ» في الماضي، «تستغيث» في الحاضر.

لكنّ ثلاثةَ أشياءَ اختلفت، وهي جوهرُ الجواب:
  • غاب المُغيث: في الماضي «فأغاثها…» خمسَ مرّات؛ وفي الحاضر «لا ندري متى تُغاث، ولا في أيّ وقتٍ تُجاب».
  • تقلّص العددُ واشتدّ الوقع: كانت المحنُ خمسًا متفرّقة، فصارت اثنتين فقط — «داهيتين» و«غائلتين» — لكنّهما الحربُ والفقر، وهما أشملُ ما يُصيب البشر.
  • دخل العجزُ على الخطاب نفسِه: عبارةُ «لا ندري، ولا ندري لماذا لا ندري» تتكرّر مرّتين. ⟸ صاحبُ الخطاب لا يجهل الجوابَ فحسب، بل يجهل سببَ جهله.

⭐ ولاحِظْ لفظَيْ «داهية» و«غائلة»: كلاهما يدلّ على مصيبةٍ تأتي فجأةً وتُهلِك. ⟸ ولم يقلْ «مشكلتين»، لأنّ المشكلةَ تُحَلّ والدّاهيةَ تُدفَع.

⁦2⁩ — عرَض الخطابُ مشكلةَ الإنسانيّة على نحوٍ خاصّ. فبِمَ أنهى كلَّ مشكلة؟ وما النّمطان المستعملان؟ وما مساهمةُ كلٍّ منهما في تبيان قصد صاحب الخطاب؟
هيكلةُ عرض المشكلة: من الإجمال إلى التّفصيل
المشكلةهيكلةُ عرضهاالجزءُ الإجماليّالتّفصيل
معاناةُ الإنسانيّة من الحروب ومن الفقرمن العرض الإجماليّ إلى التّفصيل«هي الآن تستغيث من داهيتين وتستجير من غائلتين»⁦1⁩ — «هي تستغيث من داهية الحرب وتحكيمِ السّيف في مواقع الخلاف» · ⁦2⁩ — «وهي تستغيث من غائلة الفقر وشرورِه وجيوشِه»

فبِمَ أنهى كلَّ مشكلة؟ بسؤالٍ يتبعه اعترافٌ بالعجز، والصّيغةُ واحدةٌ في الاثنتين:

خاتمةُ كلّ مشكلة
المشكلةالسّؤالما بعده
الحرب«فمتى يقف عقلاءُ الأمم بين الصّفّين موقفَ دعاة التّحكيم يومَ صِفّين؟»«لا ندري. ولا ندري لماذا لا ندري»
الفقر«فمتى يفقه أغنياءُ الأمم هذا السّرَّ، فيعملون على اتّقاء الشّرّ؟»«لا ندري، ولا ندري لماذا لا ندري»

والنّمطان المستعملان: التّفسيريّ — بمؤشّر الإجمال ثمّ التّفصيل · والتّوجيهيّ — بمؤشّر الاستفهام المحفِّز «فمتى…؟».

ومساهمةُ كلٍّ منهما في تبيان القصد:
  • التّفسير يُفهِمك المشكلة: يجملها في كلمتين ثمّ يفصّلها، فلا تخرج وأنت تظنّ أنّ المصيبةَ واحدة.
  • التّوجيه يُحرّك المسؤولَ عنها: و«متى» هنا ليست سؤالًا عن وقت، بل حثٌّ ولومٌ وتمنٍّ — أي: قد آن أن تفعلوا. ⟸ ولاحِظْ أنّ كلَّ سؤالٍ يُسمّي المخاطَبَ به: «عقلاءُ الأمم» للحرب، و«أغنياءُ الأمم» للفقر.

⭐ وما وظيفةُ «لا ندري» بعد كلّ سؤال؟ هي أقوى من الجواب. لو أجاب لأراحك؛ وحين يقول «لا ندري لماذا لا ندري» يترك السّؤالَ مفتوحًا في أذنك — وهذا هو المطلوب: ألّا تُغلِق الموضوعَ حين ينتهي الخطاب.

أستنتج. لتوضيح غاية الخطاب يتمّ توظيفُ النّمط التّفسيريّ من خلال مؤشّر الإجمال والتّفصيل، لتبريرِ القصد من الخطاب من خلال النّمط التّوجيهيّ عبر استفهامٍ استفساريٍّ مُحَفِّزٍ.
⁦3⁩ — تطرّق الخطابُ في الفقرة الأخيرة إلى توجيه النّاس إلى حلّ هذه المشكلة. فهل استعمل التّصريح أم التّلميح؟

استعمل التّلميح. ولم يقلْ «تسانَدوا» ولا «ابذلوا الزّكاة»، بل ساق ثلاثَ جُملٍ خبريّةٍ شرطيّةٍ بـ«لو».

ثلاثُ جُمَلٍ: ظاهرُها خبرٌ وباطنُها طلب
جُمَل الفقرةأسلوبهاالدّلالة الظّاهريّةالقصد البعيد
«لو تساند أغنياءُ الأمم… لأحسنوا لأنفسهم وللعالم»خبريّشرطيّةٌ تفيد التّأكيدطلبيّة
«ولو فعلوا ذلك لدفعوا…»خبريّشرطيّةٌ تفيد التّأكيدطلبيّة
«بل لو بذل أغنياءُ المسلمين… لقاموا ببعضٍ من هذا الواجب»خبريّشرطيّةٌ تفيد التّأكيدطلبيّة

ولمَ اختار التّلميحَ على التّصريح؟ لثلاثة أسباب تظهر في النّصّ:

  1. «لو» تُري النّتيجةَ لا الأمر: فبدل أن يقول «افعلوا»، يقول «لو فعلتم لأحسنتم لأنفسكم وللعالم». ⟸ والمخاطَبُ يقتنع بالمنفعة أكثرَ ممّا يقتنع بالأمر.
  2. «لو» تحمل لومًا مُضمَرًا: فهي تفيد امتناعَ الجواب لامتناع الشّرط — أي أنّهم لم يفعلوا. ⟸ فالجملةُ تلوم وتدعو في وقتٍ واحد.
  3. المخاطَبُ أقوى من الآمر: صاحبُ الخطاب كاتبٌ يخاطب «أغنياء الأمم»، ولا سلطانَ له عليهم. والتّلميحُ سلاحُ من لا يملك الأمر.

⭐ ولاحِظْ «بل» في الجملة الثّالثة: «بل لو بذل أغنياءُ المسلمين ما أوجبه عليهم الإسلامُ من الزّكاة». وهي حرفُ إضرابٍ ينتقل من العامّ إلى الأخصّ، ومن المستحبّ إلى الواجب. ⟸ فالجملتان الأوليان دعوةٌ، والثّالثةُ مطالبةٌ بحقٍّ مفروض.

أستنتج. قد يأتي النّمط التّوجيهيّ بغير الصّيغ الطّلبيّة ولا الإنشائيّة؛ بل يتّخذ شكلًا ضمنيًّا يُكتشَف من خلال السّياق والتّمعّن في غرض الخطاب.

أتدرّب على الإنتاج الشّفويّ

🎤 حَضِّرْ كلمةً ثمّ ألقِها — سجِّلْ صوتَك واستمعْ إليه، فهو أستاذُك الأوّل. الموضوع: تنبيهٌ إلى العمل على توحيد الجهود والتّعاون من أجل مساعدة زملائك الّذين يعانون من صعوباتٍ في التّعلّم خلال التّحضير للامتحانات. الهيكلة: ① المقدّمة — اقترابُ الامتحانات. ② العرض — الانتباهُ إلى أهمّيّة الامتحانات في مصير التّلاميذ · الانتباهُ إلى مشاكل تعلّم الزّملاء الّذين يعانون من مشكلات التّعلّم رغم جِدِّهم. ③ الخاتمة — الدّعوةُ إلى مساعدتهم. الأنماط: النّمط التّفسيريّ لتبرير الدّعوة إلى المساعدة · والنّمط التّوجيهيّ لهذه الدّعوة.
⭐ وخُذْ من الخطاب الّذي درستَه أدواتِه الثّلاث، فهي تصلح لكلمتك: ① ابدأْ بالوصف لا بالأمر — كما بدأ هو بـ«الأمّ الرّؤوم». صِفْ زميلًا يجتهد ولا يبلغ، قبل أن تطلب شيئًا. ② ثمّ فصِّلْ بعد إجمال — قُلْ «صعوبتان»، ثمّ سَمِّ كلَّ واحدةٍ في سطر. هذا هو مؤشّر التّفسير. ③ واختِمْ بسؤالٍ لا بأمر — «فمتى…؟» أقوى من «افعلوا»، لأنّها تضع السّامعَ أمام نفسه. ⛔ وتجنّبْ ما تجنّبه الخطاب: لا تتّهمْ أحدًا بعينه. الكلمةُ الّتي تجرح لا تجمع الجهود، وأنت تطلب التّعاون لا الخصومة.
🎓 نحو شهادة التّعليم المتوسّط. في تحليل الخطابات يعود سؤالان: «ما النّمط الغالب وما الأنماط الخادمة؟» و«حدِّدْ أسلوبَ العبارة ونوعَه». والفخُّ في الثّاني أنّ المطلوب شيئان: الأسلوبُ (خبريٌّ أم إنشائيّ طلبيّ) ثمّ النّوعُ (أمرٌ · نهيٌ · استفهامٌ · نداء). ثلاثةُ عناصرَ جاهزة: ① لامُ الأمر الدّاخلةُ على المضارع أمرٌ وإن لم تكن بصيغة «افعلْ» — «فليرحمْ» ② الاستفهامُ يخرج عن معناه إلى الحثّ والتّمنّي واللّوم؛ فاسألْ دائمًا: هل يُنتظَر جوابٌ حقًّا؟ ③ «لو» الشّرطيّةُ في سياق الدّعوة طلبٌ في ثوب خبر. ⛔ والخطأ الأكثر تكرارًا: أن يُحكَم على النّمط من صيغة الجملة وحدَها. جملةٌ خبريّةٌ قد تكون توجيهًا، وسؤالٌ قد يكون أمرًا. اسألْ عن القصد، ثمّ سَمِّ النّمط.
خلاصة الدّرس. «الإنسانيّة ومشكلاتها» خطابٌ منطوقٌ نُشِر في مجلّة الشّهاب سنة ⁦1930⁩، يجعل الإنسانيّةَ أمًّا رؤومًا لا تُفرّق بين أبنائها، ويجعلها معذَّبةً بمصائبَ من الأرض ومن السّماء، أشدُّها ما يصنعه أبناؤها بأيديهم. ثمّ يحكي كيف استغاثت قديمًا فأُغيثت خمسَ مرّات، وكيف تستغيث اليومَ من داهيتين — الحربِ والفقر — «ولا ندري متى تُغاث». وقد تعلّمتَ فيه أنّ الفقرة الواحدة تجمع أربعةَ أنماط: وصفٌ يُحبِّبك في الموصوف، وتفسيرٌ يُفهِمك المشكلة، وسردٌ يُثبِت أنّ الحلَّ وقع من قبل، وتوجيهٌ يطلب منك أن تتحرّك. وكلُّها في خدمة قصدٍ واحد. وتعلّمتَ أنّ الطّلبَ قد يلبس ثوبَ الخبر: ثلاثُ جُملٍ بـ«لو» هي في الحقيقة ثلاثُ دعواتٍ للأغنياء. ⭐ وقد تدرّبتَ هنا على كفاءةٍ لا تُتقَن بالقراءة: أن تفهم بأذنك. وهذا الخطابُ بالذّات لا يُعطي سرَّه إلّا للسّامع: «الصّادقين ⟸ المارقين»، «الاستبداد ⟸ الاستعباد»، «المصلحون ⟸ المفلحون». أعِدِ الاستماعَ مرّةً أخيرة، وأصغِ إلى التّقابل قبل أن تفكّر فيه.

Page 1/5

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net