3 — التّضامن الإنسانيّ › فهم المنطوق
نصّ منطوق : الإنسانيّة ومشكلاتها
- فهمِ خطابٍ مسموع وتحديدِ موضوعه ومشكلاته دون أن تراه مكتوبًا
- إدراكِ أنّ الفقرة الواحدة قد تجمع أكثرَ من نمط: وصفًا ثمّ تفسيرًا ثمّ سردًا ثمّ توجيهًا
- تحديدِ أسلوب العبارة (طلبيٌّ أم خبريّ) ونوعِه (أمرٌ · استفهام)، وربطِه بالنّمط الّذي ينتمي إليه
- بيانِ كيف يخدم الوصفُ السّردَ، وكيف يخدم التّفسيرُ التّوجيهَ
- التّعرّفِ على التّوجيه الضّمنيّ: أن يأتي الطّلب في صورة جملةٍ خبريّةٍ بـ«لو»
- بناءِ كلمةٍ شفويّةٍ مهيكلةٍ (مقدّمةٌ · عرضٌ · خاتمة) تجمع بين التّفسير والتّوجيه
- تمييزَ الأنماط: الوصفيّ والسّرديّ والتّفسيريّ والتّوجيهيّ
- أساليبَ الإنشاء الطّلبيّ: الأمرَ (ومنه لامُ الأمر) والاستفهامَ، ومعرفةَ أنّها تخرج عن معناها الأصليّ
- أدواتِ الشّرط، وخاصّةً «لو» وجوابَها المقترنَ باللّام، وأفعالَ المقاربة (كاد)
أستمع إلى الخطاب بِوَعْي
🎧 الخطاب المنطوق — ⛔ لا تفتحْه إلّا بعد أن تستمع وتجيب🎧 الخطاب المنطوق — ⛔ لا تفتحْه إلّا بعد أن تستمع وتجيب
«الإنْسانِيَّةُ ومُشْكَلاتُهَا»
الإنسانيّةُ، تلك الأمُّ الرّؤومُ الّتي لا تُحابي واحدًا من أبنائها دون آخر، ولا تُميّز بين بارٍّ منهم وفاجر، ولا تُفرّق بين مؤمنٍ منهم وكافر؛ تلك الأمُّ المعذَّبةُ بالويلات والمِحَن: من ويلات الحروب الّتي أتلفت الملايين، إلى ويلات الأمراض والطّواعين، إلى ويلات الزّلازل والبراكين. الإنسانيّةُ الّتي لو تمثّلتْ بشرًا لتمثّلتْ بقول الشّاعر العربيّ:
فَلَوْ كَانَ رُمْحًا وَاحِدًا لاتَّقَيْتُهُ · وَلَكِنَّهُ رُمْحٌ وَثَانٍ وَثَالِثُ
عجيبٌ لهذه الإنسانيّة! ما كفاها من مصائب الدّهر تقاطعُ أبنائها وتدابُرُهم، ونصبُ الحبائل وبثُّ المكائد لبعضهم بعضًا. ما كفاها من مصائب الدّهر أن يكون في أبنائها قويٌّ يستعبد ضعيفًا، وشريفٌ يستخدم مشروفًا.
ما كفاها أن تنقلب الحقائقُ على أبنائها المارقين العاقّين، فيركبون مطايا الخير للشّرّ، ويستعملون سلاحَ النّفع للضّرّ، ويتوسّلون بالدّين لجمع الدّنيا. ما كفتها هذه المصائبُ المجتاحة، حتّى ظاهرتها الطّبيعةُ الجبّارةُ على هذه الإنسانيّة المسكينة.
يا اللّهُ! أمَا كفتها مصائبُ الأرض حتّى تُظاهرَها مصائبُ السّماء؟ ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ من في قلبه رحمة! ألا وإنّ الإنسانيّةَ تستغيث فهل من مغيث؟ وتستنجد فهل من مُنجِد؟
استغاثتِ الإنسانيّةُ قديمًا بأبنائها الصّادقين على أبنائها المارقين. استغاثتْ من المفسدين لنظام الفطرة، والعاملين على تفريق هذه الأسرة، فأغاثها الأنبياءُ والمرسلون والعبّادُ الصّالحون. واستغاثتْ من عبّاد المادّة الحائدين عن الجادّة، فأغاثها أنصارُ الرّوح، والمقدِّسون للرّوح، والقائلون بخلود الرّوح. واستغاثتْ من أعداء العقل المفكِّر وعبّادِ الحسّ والمحسوس، فأغاثها الحكماءُ الرّبّانيّون والفلاسفةُ الإشراقيّون. واستغاثتْ من طواغيت الاستبداد وقياصرةِ الاستعباد، فأغاثها دعاةُ الدّيمقراطيّة وأنصارُ المساواة والإنصاف — فما كاد المتنبّي، واضعُ شريعة التّمايز بين السّادة والعبيد، يجفُّ ثراه، حتّى قيّض اللّهُ له فيلسوفَ المعرّة ناسخًا لتلك الشّريعة الجائرة، ومبشِّرًا بشريعة الأخوّة السّمحة. واستغاثتْ من المشعوذين المحتالين، والمُمَخْرِقين المبتدعين، والضّالّين المضلّين، الّذين يستغلّون جهلَ الجهلاء، ويمتصّون دماءَ البسطاء، البائعين للشّفاعة، العابدين للوهم، المغترّين بالأسماء والألقاب وشهرةِ الأنساب، الوارثين لما لا يُورَث من التّسلّط على العباد بعظمة الآباء والأجداد — فأغاثها العلماءُ المصلحون وحزبُ اللّهِ المفلحون.
وهي الآن تستغيث من داهيتين، وتستجير من غائلتين، ولا ندري متى تُغاث، ولا في أيّ وقتٍ تُجاب. هي تستغيث من داهية الحرب وتحكيمِ السّيف في مواقع الخلاف؛ فمتى يقف عقلاءُ الأمم بين الصّفّين موقفَ دعاة التّحكيم يومَ صِفّين؟ لا ندري. ولا ندري لماذا لا ندري. وهي تستغيث من غائلة الفقر وشرورِه وجيوشِه الّتي يجرّها من خراب العالم لتخريب معموره؛ فمتى يفقه أغنياءُ الأمم هذا السّرَّ، فيعملون على اتّقاء الشّرّ؟ لا ندري، ولا ندري لماذا لا ندري.
إنّما الّذي ندريه، ونقوله ولا نُخفيه، هو أنّه لو تساند أغنياءُ الأمم ومدّوا أيديَهم متعاضدين، وعرفوا كيف يحاربون الفقرَ باستجلاب الفقير والأخذِ بيده، لَـأحسنوا لأنفسهم وللعالم. ولو فعلوا ذلك لَـدفعوا عن العالم غارةً شعواءَ تلتهم الأخضرَ واليابس، وشرًّا مستطيرًا يستأصل. بل لو بذل أغنياءُ المسلمين ما أوجبه عليهم الإسلامُ من الزّكاة، وعرَف عقلاؤهم كيف يستخدمونها، لَـقاموا ببعضٍ من هذا الواجب الاجتماعيّ. هذه نفثةُ مصدور، وللنّفوس ثورةٌ ثمّ تسكن.
مجلّة الشّهاب، الجزء الأوّل، المجلّد السّادس، فيفري 1930.
1 — ما مفهومُ الإنسانيّة حسب الخطاب؟1 — ما مفهومُ الإنسانيّة حسب الخطاب؟
الإنسانيّةُ في هذا الخطاب أُمٌّ، والنّاسُ جميعًا أبناؤها. والخطابُ يفتتح بهذا التّعريف ولا يؤخّره: «الإنسانيّةُ، تلك الأمُّ الرّؤومُ…»
- «لا تُحابي واحدًا من أبنائها دون آخر» — لا تُفضِّل أحدًا.
- «ولا تُميّز بين بارٍّ منهم وفاجر» — لا تُخرِج المسيءَ من رعايتها.
- «ولا تُفرّق بين مؤمنٍ منهم وكافر» — لا تسأل عن دين ابنها.
⭐ ولمَ عرّفها بالنّفي ثلاثَ مرّاتٍ ولم يعرّفها بالإثبات؟ لأنّ ما يميّزها هو ما لا تفعله: كلُّ الرّوابط الأخرى — القبيلةُ والدّينُ والوطن — تجمع قومًا وتُخرِج آخرين، والإنسانيّةُ وحدَها لا تُخرِج أحدًا. ⟸ فهي أوسعُ رابطةٍ بين النّاس، ولذلك سمّاها أمًّا.
وله عليها وصفٌ ثانٍ لا يقلّ أهمّيّةً: «تلك الأمُّ المعذَّبةُ بالويلات والمِحَن». ⟸ أمٌّ لا تُحابي، وأمٌّ تُعذَّب: وبين الوصفين تقوم مأساةُ الخطاب كلِّه.
2 — اذكرْ بتعبيرك سببَ استغاثة الإنسانيّة.2 — اذكرْ بتعبيرك سببَ استغاثة الإنسانيّة.
تستغيث لأنّها تُضرَب من جهتين في وقتٍ واحد: من السّماء ومن أبنائها. وهذا ما لخّصه الخطابُ في سؤالٍ واحد: «أمَا كفتها مصائبُ الأرض حتّى تُظاهرَها مصائبُ السّماء؟»
| ما لا يدُ للإنسان فيه | ما يصنعه أبناؤها بأيديهم |
|---|---|
| «ويلاتُ الأمراض والطّواعين» · «ويلاتُ الزّلازل والبراكين» · «الطّبيعةُ الجبّارةُ» تُظاهِر عليها | «الحروبُ الّتي أتلفت الملايين» · «تقاطعُ أبنائها وتدابُرُهم» · «نصبُ الحبائل وبثُّ المكائد» |
| — | «قويٌّ يستعبد ضعيفًا، وشريفٌ يستخدم مشروفًا» |
| — | انقلابُ الحقائق: «يركبون مطايا الخير للشّرّ» · «يستعملون سلاحَ النّفع للضّرّ» · «يتوسّلون بالدّين لجمع الدّنيا» |
⭐ ولاحِظْ أنّ العمود الثّاني أطولُ من الأوّل بكثير. وهذا مقصودُ صاحب الخطاب: مصائبُ الطّبيعة تُذكَر في سطر، ومصائبُ الأبناء في ثلاث فقرات. ⟸ الإنسانيّةُ لا تشكو من الزّلازل بقدر ما تشكو من أبنائها.
وأمّا اليوم، فقد حصر الخطابُ استغاثتَها في اثنتين: «تستغيث من داهيتين وتستجير من غائلتين» — داهيةُ الحرب وغائلةُ الفقر.
3 — هل ما تستغيث منه الإنسانيّةُ قديمٌ أم حديثٌ في رأي صاحب الخطاب؟ علّلْ إجابتك.3 — هل ما تستغيث منه الإنسانيّةُ قديمٌ أم حديثٌ في رأي صاحب الخطاب؟ علّلْ إجابتك.
قديمٌ متجدّد، لا قديمٌ انتهى ولا حديثٌ طرأ. والخطابُ يقول ذلك بلفظين متقابلين، فلا يحتاج جوابُك إلى ظنّ:
- «استغاثتِ الإنسانيّةُ قديمًا…» — ثمّ يعدّد أربعَ استغاثاتٍ من الماضي، لكلٍّ منها مُغيثُها.
- «وهي الآن تستغيث من داهيتين…» — الفعلُ مضارعٌ، والزّمنُ حاضر.
لكنّ الفرقَ بين الزّمنين ليس في الاستغاثة، بل في الجواب، وهذا هو موضعُ الدّقّة في السّؤال:
| قديمًا | الآن |
|---|---|
| «فأغاثها الأنبياءُ والمرسلون» · «فأغاثها أنصارُ الرّوح» · «فأغاثها الحكماءُ الرّبّانيّون» · «فأغاثها دعاةُ الدّيمقراطيّة» · «فأغاثها العلماءُ المصلحون» | «لا ندري متى تُغاث، ولا في أيّ وقتٍ تُجاب» |
⭐ فالكلمةُ الّتي تحمل الجوابَ كلَّه هي الفاءُ في «فأغاثها»، وقد تكرّرت خمسَ مرّات في الماضي، ولم تردْ ولا مرّةً في الحاضر. ⟸ لم يتغيّرِ الدّاء، بل غاب الدّواء.
4 — علّقْ على الحلول الّتي قدّمها الكاتب.4 — علّقْ على الحلول الّتي قدّمها الكاتب.
الحلولُ كلُّها في آخر الخطاب، وكلُّها موجَّهةٌ إلى جهةٍ واحدة: الأغنياء.
- التّساند والتّعاضد: «لو تساند أغنياءُ الأمم ومدّوا أيديَهم متعاضدين».
- محاربةُ الفقر بالأخذ بيد الفقير: «وعرفوا كيف يحاربون الفقرَ باستجلاب الفقير والأخذِ بيده» — لا بالصّدقة العابرة، بل بإدخاله في العمل.
- الزّكاةُ عند المسلمين، مع حُسْن استخدامها: «لو بذل أغنياءُ المسلمين ما أوجبه عليهم الإسلامُ من الزّكاة، وعرَف عقلاؤهم كيف يستخدمونها».
- حلولٌ اجتماعيّةٌ لا سياسيّة: لم يطلب قانونًا ولا سلطانًا، بل طلب أن يتغيّر سلوكُ القادرين.
- يخاطب القادرَ لا العاجز: الفقيرُ في هذه الحلول مفعولٌ به لا فاعل، وهذا ما قد تناقشه أنت.
- يشترط المعرفةَ مع البذل: قال «وعرفوا كيف يحاربون الفقر»، و«وعرَف عقلاؤهم كيف يستخدمونها». ⟸ عنده أنّ المالَ وحدَه لا يكفي، بل يحتاج إلى تدبير.
- يقدّمها بصيغة «لو» لا بصيغة الأمر — وهذا اختيارٌ سنعود إليه في آخر الدّرس: طلبٌ في ثوب خبر.
⭐ وأصدقُ تعليقٍ على الحلول هو تعليقُ صاحبها نفسِه: ختَم خطابَه بقوله «هذه نفثةُ مصدور، وللنّفوس ثورةٌ ثمّ تسكن». أي: هذا كلامُ رجلٍ ضاق صدرُه فتنفّس. ⟸ فهو يعرف أنّه قدّم دعوةً لا برنامجًا، ولم يدّعِ غير ذلك. وهذه أمانةٌ في القول قلّ من يلتزمها.
أحلِّل الخطاب وأحدِّد نمطه
الجزء الأوّل — «الإنسانيّةُ تلك الأمُّ الرّؤوم… مصائبُ السّماء»
1 — يعرّف الكاتبُ الإنسانيّةَ بمجموعةٍ من الصّفات. فبِمَ وصفها: بمفرداتٍ أم بجُمَل؟ وبِمَ شبّهها؟1 — يعرّف الكاتبُ الإنسانيّةَ بمجموعةٍ من الصّفات. فبِمَ وصفها: بمفرداتٍ أم بجُمَل؟ وبِمَ شبّهها؟
وصفها بالاثنين معًا، والغالبُ الجُمَل.
| الصّفةُ المفردة | الصّفةُ الجملة |
|---|---|
| «الرّؤوم» · «المعذَّبة» · «المسكينة» | «الّتي لا تُحابي واحدًا من أبنائها دون آخر» |
| — | «ولا تُميّز بين بارٍّ منهم وفاجر» |
| — | «ولا تُفرّق بين مؤمنٍ منهم وكافر» |
| — | «الّتي لو تمثّلتْ بشرًا لتمثّلتْ بقول الشّاعر» |
⭐ والفرقُ بين النّوعين فرقٌ في القوّة: المفردةُ تُطلِق الحُكمَ («الرّؤوم») والجملةُ تُثبِته («لا تُحابي… ولا تُميّز… ولا تُفرّق»). ⟸ فالكاتبُ يقول لك أوّلًا إنّها رؤوم، ثمّ يُريك رأفتها في ثلاث جُمَل.
وبِمَ شبّهها؟ شبّهها بـالأمّ: «تلك الأمُّ الرّؤوم». وهو تشبيهٌ حُذِفتْ أداتُه ووجهُ الشّبه فيه، فصارت الإنسانيّةُ هي الأمَّ نفسَها. ⟸ ولذلك صار النّاسُ «أبناءها»، وصار تقاتلُهم عقوقًا: «أبنائها المارقين العاقّين».
وشبّه حالَها ببيت الشّاعر: «فَلَوْ كَانَ رُمْحًا وَاحِدًا لاتَّقَيْتُهُ · وَلَكِنَّهُ رُمْحٌ وَثَانٍ وَثَالِثُ». ⟸ ليست المصيبةُ في الطّعنة، بل في تعدّدها: طعنةٌ واحدةٌ تُتَّقى، وثلاثٌ لا تُتَّقى. وهذا هو حالُ الإنسانيّة في الخطاب كلِّه: مصائبُ من الأرض ومصائبُ من السّماء معًا.
2 — يذكر الخطابُ مشكلاتِ الإنسانيّة. عدِّدْها.2 — يذكر الخطابُ مشكلاتِ الإنسانيّة. عدِّدْها.
- الحروب — «ويلاتُ الحروب الّتي أتلفت الملايين».
- الأمراض والأوبئة — «ويلاتُ الأمراض والطّواعين».
- كوارثُ الطّبيعة — «ويلاتُ الزّلازل والبراكين».
- التّقاطعُ والتّدابر — «تقاطعُ أبنائها وتدابُرُهم».
- المكرُ والخديعة — «نصبُ الحبائل وبثُّ المكائد لبعضهم بعضًا».
- الاستعبادُ والاستغلال — «قويٌّ يستعبد ضعيفًا، وشريفٌ يستخدم مشروفًا».
- انقلابُ الحقائق — «يركبون مطايا الخير للشّرّ» · «يستعملون سلاحَ النّفع للضّرّ» · «يتوسّلون بالدّين لجمع الدّنيا».
⭐ ولاحِظِ السّابعةَ خاصّة، فهي أخطرُها في نظر صاحب الخطاب: الأُولى ستٌّ منها أذًى ظاهر، وهذه أذًى مُتنكِّرٌ في ثوب الخير. ⟸ والخيرُ حين يُستعمَل سُلَّمًا إلى الشّرّ يفقد النّاسُ ثقتَهم بالخير نفسِه. ولذلك قال «تنقلب الحقائق»، ولم يقلْ «تكثر الشّرور».
3 — ما النّمط الغالب على هذا الجزء من الخطاب؟ اذكرْ مؤشّرين من مؤشّراته.3 — ما النّمط الغالب على هذا الجزء من الخطاب؟ اذكرْ مؤشّرين من مؤشّراته.
النّمط الغالب على مطلع الخطاب هو الوصف. والمؤشّران المطلوبان:
- كثرةُ النّعوت والجُمَل الواصفة: «الرّؤوم» · «المعذَّبة» · «المجتاحة» · «الجبّارة» · «المسكينة» · «المارقين العاقّين»، وثلاثُ جُملٍ واصفةٍ متتابعةٍ في السّطر الأوّل.
- التّشبيه والصّورة: «تلك الأمُّ الرّؤوم» (تشبيهٌ بليغ) · بيتُ الرّماح · «يركبون مطايا الخير» · «يستعملون سلاحَ النّفع».
ويمكنك أن تضيف مؤشّرًا ثالثًا: الجملُ الاسميّة الّتي تصف حالًا ثابتةً لا حدثًا يجري — «الإنسانيّةُ تلك الأمُّ…»، «عجيبٌ لهذه الإنسانيّة!»
⭐ وما القصدُ من هذا الوصف؟ ليس أن نعرف شكلَ الإنسانيّة، فلا شكلَ لها. القصدُ التّحسيسُ بقيمتها: أن نُشفِق عليها كما نُشفِق على أمٍّ معذَّبة. ⟸ الوصفُ هنا بابٌ إلى العاطفة، والعاطفةُ بابٌ إلى الاستجابة.
4 — وُظِّفت في هذا الجزء أداتان ربطتا بين فقرتين. أحقّقت هاتان الأداتان فقرتين متلازمتين متزامنتين، أم فقرتين متلازمتين متتاليتين زمنيًّا متعاقبتين؟4 — وُظِّفت في هذا الجزء أداتان ربطتا بين فقرتين. أحقّقت هاتان الأداتان فقرتين متلازمتين متزامنتين، أم فقرتين متلازمتين متتاليتين زمنيًّا متعاقبتين؟
| الأداة | الفقرة |
|---|---|
| أمَا (النّفيُ المتكرّر: ما كفاها… ما كفتها) | كفاها من مصائب الدّهر… هذه المصائبُ المجتاحة؛ |
| حتّى | ظاهرتها الطّبيعةُ الجبّارةُ… هذه الإنسانيّةَ المسكينة. |
الجواب: فقرتان متلازمتان متتاليتان زمنيًّا متعاقبتان — لا متزامنتان.
- النّفيُ المتكرّر («ما كفاها… ما كفاها… ما كفتها») يضع أوّلًا مصائبَ الأرض ويقول إنّها لم تكفِ.
- «حتّى» حرفُ غايةٍ وتعقيب: ما بعدها يقع بعد ما قبلها لا معه. «ما كفتها هذه المصائبُ المجتاحة حتّى ظاهرتها الطّبيعةُ الجبّارة» — أي: لم تكفِ الأولى، فجاءت الثّانية بعدها.
- وقد أعاد التّركيبَ نفسَه في السّؤال الّذي يليه: «أمَا كفتها مصائبُ الأرض حتّى تُظاهرَها مصائبُ السّماء؟» ⟸ الأرضُ أوّلًا، ثمّ السّماء.
⭐ ولمَ يهمّ هذا التّمييز؟ لأنّ التّعاقبَ هو الّذي يصنع الظُّلم في هذا الخطاب: لو كانت المصيبتان معًا لكانتا قَدَرًا واحدًا؛ أمّا أن تأتيَ الثّانيةُ وقد أَنهَكَتْها الأولى، فتلك زيادةٌ في العذاب. و«حتّى» وحدَها هي الّتي تقول ذلك.
5 — انتهت الفقرةُ بجملةٍ طلبيّة. فماذا طلب مُرسِلُ الخطاب؟ وممّن؟ · وحدِّدْ أسلوبَ العبارات ونوعَها · وإلى أيّ نمطٍ تنتمي؟5 — انتهت الفقرةُ بجملةٍ طلبيّة. فماذا طلب مُرسِلُ الخطاب؟ وممّن؟ · وحدِّدْ أسلوبَ العبارات ونوعَها · وإلى أيّ نمطٍ تنتمي؟
طلب الرّحمةَ والإغاثة، وطلبها ممّن بقيت في قلبه رحمة: «ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ من في قلبه رحمة». ⟸ ولاحِظْ أنّه لم يُخاطِبْ حاكمًا ولا هيئةً: جعل الشّرطَ في القلب لا في المنصب، فصار الطّلبُ موجَّهًا إلى كلّ سامع.
| العبارة | أسلوبها | نوعه |
|---|---|---|
| «ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ من في قلبه رحمة» | إنشائيٌّ طلبيّ | أمرٌ بلام الأمر «لِـ» الدّاخلة على المضارع |
| «فهل من مغيث؟» | إنشائيٌّ طلبيّ | استفهامٌ خرج عن معناه الأصليّ إلى الحثّ والاستنهاض |
| «فهل من مُنجِد؟» | إنشائيٌّ طلبيّ | استفهامٌ كذلك، للحثّ والتّمنّي |
وهذه العبارات الطّلبيّة تنتمي إلى النّمط التّوجيهيّ، لأنّها لا تُخبِر بشيءٍ بل تطلب فعلَ شيء: أن تُرحَم الإنسانيّةُ وأن تُغاث.
⭐ ولمَ لم يقلْ «أغيثوا الإنسانيّة» صريحًا؟ لأنّ «هل من مغيث؟» تفعل ما لا يفعله الأمر: تفترض أنّ المغيثَ قد لا يوجد، فتضع السّامعَ أمام سؤالٍ عن نفسه — أأنا منهم أم لا؟ ⟸ الأمرُ يُطاع أو يُعصى؛ والسّؤالُ يُدخِل السّامعَ في الحساب.
6 — أعِدِ الاستماعَ إلى الجزء نفسِه من أجل هيكلته من خلال أنماطه.6 — أعِدِ الاستماعَ إلى الجزء نفسِه من أجل هيكلته من خلال أنماطه.
| الفقرات | النّمط | القصد من الخطاب |
|---|---|---|
| من بداية النّصّ إلى نهاية البيت الشّعريّ | وصفيّ | التّحسيسُ بقيمة الإنسانيّة |
| من بداية الفقرة الثّانية إلى الجملة الطّلبيّة | تفسيريٌّ يتخلّله سرد | بيانُ مشكلات الإنسانيّة وتعليلُ استغاثتها |
| الجملة الطّلبيّة | توجيهيّ | دعوةُ من في قلبه رحمةٌ إلى إغاثتها |
⭐ واقرأِ الجدولَ من أعلى إلى أسفل، فهو خُطّةُ إقناعٍ كاملة: ① أُحبِّبُك في الإنسانيّة (وصف) ② أُريك ما يُصيبها ولمَ (تفسير وسرد) ③ أطلب منك أن تتحرّك (توجيه). ⟸ ولو قُلِب التّرتيب لبطل الأثر: من يُؤمَر بالرّحمة قبل أن يعرف المرحومَ لا يرحم.
الجزء الثّاني — «ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ… حزبُ اللّهِ المفلحون»
1 — استعِنْ بمؤشّرات الجدول وحدِّدْ أنماطَ الجُمَل المستخرَجة من الخطاب · ولِمَ استخدم الخطابُ هذا العددَ من الأنماط؟ · وما النّمط الّذي غلب؟ ولِمَ؟1 — استعِنْ بمؤشّرات الجدول وحدِّدْ أنماطَ الجُمَل المستخرَجة من الخطاب · ولِمَ استخدم الخطابُ هذا العددَ من الأنماط؟ · وما النّمط الّذي غلب؟ ولِمَ؟
| الجملة | المؤشّرات | النّمط |
|---|---|---|
| «ألا فليرحمِ الإنسانيّةَ من في قلبه رحمة، ألا وإنّ الإنسانيّةَ تستغيث فهل من مغيث؟ وتستنجد فهل من مُنجِد؟» | أفعالٌ مضارعةٌ تدلّ على الأمر · جُملٌ استفهاميّة | توجيهيّ |
| «استغاثتِ الإنسانيّةُ قديمًا بأبنائها الصّادقين على أبنائها المارقين… واستغاثتْ من طواغيت الاستبداد وقياصرةِ الاستعباد فأغاثها دعاةُ الدّيمقراطيّة وأنصارُ المساواة والإنصاف» | أفعالٌ في الزّمن الماضي · ظرفُ زمان («قديمًا») · حدثان متتابعان (استغاثتْ ⟸ فأغاثها) | سرديّ |
| «استغاثتْ من المشعوذين المحتالين والمُمَخْرِقين المبتدعين والضّالّين المضلّين، الّذين يستغلّون جهلَ الجهلاء ويمتصّون دماءَ البسطاء» | تعدّدُ الصّفات | وصفيّ |
ولِمَ هذا العددُ من الأنماط؟ لأنّ القصدَ واحدٌ والوسائلَ متعدّدة. ولكلّ نمطٍ عملٌ لا يقوم به غيرُه:
- التّوجيه يُحرِّك السّامعَ ويطلب منه فعلًا.
- السّرد يُثبِت أنّ الإغاثةَ قد وقعت من قبل — وهذه أقوى حُجّةٍ على أنّها ممكنةٌ اليوم.
- الوصف يجعل السّامعَ يكره المستغاثَ منهم قبل أن يُخبَر بفعلهم.
وما النّمط الّذي غلب؟ السّرد. والدّليلُ أنّ الجزءَ كلَّه مبنيٌّ على تركيبٍ واحدٍ يتكرّر خمسَ مرّات: «استغاثتْ من… فأغاثها…» — سلسلةُ أحداثٍ في ترتيبٍ زمنيّ، من الأنبياء إلى العلماء المصلحين.
2 — ما مضمونُ هذا الجزء؟ · وهل يتناول أفكارًا أم أحداثًا؟ · وحدِّدِ الدّلالةَ الزّمنيّة للأفعال الواردة فيه.2 — ما مضمونُ هذا الجزء؟ · وهل يتناول أفكارًا أم أحداثًا؟ · وحدِّدِ الدّلالةَ الزّمنيّة للأفعال الواردة فيه.
المضمون: تاريخُ استغاثات الإنسانيّة، ومَن أغاثها في كلّ مرّة. خمسُ محنٍ وخمسةُ مُغيثين.
| استغاثتْ من… | فأغاثها… |
|---|---|
| «المفسدين لنظام الفطرة، والعاملين على تفريق هذه الأسرة» | «الأنبياءُ والمرسلون والعبّادُ الصّالحون» |
| «عبّاد المادّة الحائدين عن الجادّة» | «أنصارُ الرّوح، والمقدِّسون للرّوح، والقائلون بخلود الرّوح» |
| «أعداء العقل المفكِّر وعبّادِ الحسّ والمحسوس» | «الحكماءُ الرّبّانيّون والفلاسفةُ الإشراقيّون» |
| «طواغيت الاستبداد وقياصرةِ الاستعباد» | «دعاةُ الدّيمقراطيّة وأنصارُ المساواة والإنصاف» |
| «المشعوذين المحتالين… والضّالّين المضلّين» | «العلماءُ المصلحون وحزبُ اللّهِ المفلحون» |
وهل يتناول أفكارًا أم أحداثًا؟ أحداثًا. الجزءُ لا يناقش رأيًا ولا يشرح مصطلحًا: هو يحكي وقائعَ وقعت في تاريخ البشر. ⭐ غير أنّ هذه الأحداثَ مسوقةٌ في خدمة فكرة، وهي أنّ الإغاثة ممكنة.
والدّلالةُ الزّمنيّة للأفعال: الماضي — «استغاثتْ» (ستّ مرّات) · «أغاثها» (خمس مرّات) · «قيّض» · «جفّ». ⟸ وهذا أوّلُ مؤشّرات السّرد. ويخالطها مضارعٌ في جُمَل الصّلة: «يستغلّون جهلَ الجهلاء» و«يمتصّون دماءَ البسطاء»، ودلالتُه هنا الاستمرارُ والتّجدّد: فعلُهم لم ينقطعْ بانقطاع زمنِهم.
3 — في العبارة «فما كاد المتنبّي، واضعُ شريعة التّمايز بين السّادة والعبيد، يجفُّ ثراه، حتّى قيّض اللّهُ له فيلسوفَ المعرّة» حدثان: حدِّدْهما · أهما متزامنان أم متعاقبان؟ علّلْ · وإلى أيّ نمطٍ تؤشّر الأداتان؟3 — في العبارة «فما كاد المتنبّي، واضعُ شريعة التّمايز بين السّادة والعبيد، يجفُّ ثراه، حتّى قيّض اللّهُ له فيلسوفَ المعرّة» حدثان: حدِّدْهما · أهما متزامنان أم متعاقبان؟ علّلْ · وإلى أيّ نمطٍ تؤشّر الأداتان؟
| الجملة | دلالتها | زمانها | الأداة |
|---|---|---|---|
| «يجفُّ ثراه» | حدث | الماضي — لأنّ فعلَ المقاربة «كاد» ماضٍ، فأخرج المضارعَ بعده إلى الماضي | الأداتان: ما… حتّى… |
| «قيّض اللّهُ له فيلسوفَ المعرّة» | حدث | الماضي | فعلُ المقاربة: كاد يجفّ |
الحدثان: ① أن يجفَّ ثرى المتنبّي — أي أن يمضيَ على موته زمنٌ يسير · ② أن يُقيّضَ اللّهُ فيلسوفَ المعرّة ناسخًا لشريعة التّمايز، مبشِّرًا «بشريعة الأخوّة السّمحة».
أهما متزامنان أم متعاقبان؟ متعاقبان، ولكنْ بمهلةٍ قصيرةٍ جدًّا. والتّعليلُ في التّركيب نفسِه: «ما كاد… حتّى…» أسلوبٌ موضوعٌ في العربيّة للدّلالة على أنّ الثّاني وقع عقِبَ الأوّل مباشرةً وقبل أن يتمّ. ⟸ ولو أراد التّزامنَ لقال «بينما… إذ».
وإلى أيّ نمطٍ تؤشّر الأداتان؟ إلى السّرد. فهما أداتا ترتيبٍ زمنيّ، والتّرتيبُ الزّمنيّ عملُ السّرد.
⭐ ولمَ اختار الكاتبُ هذا التّركيبَ بالذّات؟ ليقول شيئًا لم يقلْه صراحةً: إنّ الإصلاح لا يتأخّر. ما إن يظهر قولٌ جائرٌ حتّى يُقيَّض له من ينقضه. ⟸ فالعبارةُ في ظاهرها خبرٌ عن رجلين، وفي باطنها وعدٌ للسّامع: لن تبقى الإنسانيّةُ بلا مُغيث.
4 — أعِدِ الاستماعَ إلى الجزء نفسِه: استخرجِ الصّفاتِ الواردة فيه مع بيان موصوفاتها · وحدِّدِ النّمطَ الّذي تشير إليه · وبيّنِ العلاقة بين النّمطين.4 — أعِدِ الاستماعَ إلى الجزء نفسِه: استخرجِ الصّفاتِ الواردة فيه مع بيان موصوفاتها · وحدِّدِ النّمطَ الّذي تشير إليه · وبيّنِ العلاقة بين النّمطين.
| الموصوف | صفاتُه | الفريق |
|---|---|---|
| أبناؤها | «الصّادقين» ⟸ «المارقين» «العاقّين» | الطّرفان معًا |
| المستغاثُ منهم | «المفسدين لنظام الفطرة» · «العاملين على تفريق هذه الأسرة» | المُدانون |
| عبّاد المادّة | «الحائدين عن الجادّة» | المُدانون |
| المشعوذون | «المحتالين» · «المُمَخْرِقين المبتدعين» · «الضّالّين المضلّين» · «الّذين يستغلّون جهلَ الجهلاء ويمتصّون دماءَ البسطاء» · «البائعين للشّفاعة» · «العابدين للوهم» · «المغترّين بالأسماء والألقاب» | المُدانون |
| البسطاء | — (لا يصفهم النّصّ بغير بساطتهم) | الضّحايا |
| أنصارُ الرّوح | «المقدِّسون للرّوح» · «القائلون بخلود الرّوح» | المُغيثون |
| الحكماء والفلاسفة | «الرّبّانيّون» · «الإشراقيّون» | المُغيثون |
| العلماء وحزبُ اللّه | «المصلحون» · «المفلحون» | المُغيثون |
والنّمط الّذي تشير إليه هذه الصّفات هو الوصف. أمّا النّمط الغالب على الجزء فهو السّرد، كما رأيتَ.
فما العلاقة بين النّمطين؟ الوصفُ يخدم السّردَ. ⟸ والصّفةُ هنا ليست زينةً: هي الّتي تُعرِّفك بالفاعل قبل أن تسمع فعلَه. فقبل أن يُخبِرك بأنّ هؤلاء استُغيث منهم، يكون قد سمّاهم «مفسدين» و«ضالّين مضلّين»؛ وقبل أن يُخبِرك بأنّ أولئك أغاثوا، يكون قد سمّاهم «صالحين» و«مصلحين». فالحكمُ يقع في أذنك قبل أن يقع الحدث.
⭐ واختبِرْه بنفسك — وهذه هي خُطّةُ إعادة الصّياغة: استمعْ إلى الجزء الثّاني، ثمّ احذفِ الصّفاتِ منه، ثمّ قارِنْ. مثالٌ محلول: «استغاثتْ من طواغيت الاستبداد وقياصرةِ الاستعباد، فأغاثها دعاةُ الدّيمقراطيّة وأنصارُ المساواة» ⟸ بلا صفات: «استغاثتْ من قومٍ فأغاثها قومٌ آخرون». الحدثُ باقٍ، والموقفُ ذاهب. ⟸ فماذا تستنتج؟ أنّ الصّفةَ هي الّتي تحمل موقفَ صاحب الخطاب.
ولاحِظْ أخيرًا السّجعَ الّذي يقرن كلَّ متقابلين: الصّادقين ⟸ المارقين · الاستبداد ⟸ الاستعباد · المصلحون ⟸ المفلحون · الجهلاء ⟸ البسطاء. ⟸ الأذنُ تسمع التّقابلَ قبل أن يفهمه العقل — ولذلك قلنا في أوّل الدّرس إنّ هذا الخطابَ يُسمَع ولا يُقرَأ.
الجزء الثّالث — «وهي الآن تستغيث… وللنّفوس ثورةٌ ثمّ تسكن»
1 — انتقل زمنُ الخطاب من الماضي إلى الحاضر؛ فهل تغيّرت حالُ الإنسانيّة؟1 — انتقل زمنُ الخطاب من الماضي إلى الحاضر؛ فهل تغيّرت حالُ الإنسانيّة؟
لم تتغيّرْ حالُها، بل ازدادت. والفعلُ نفسُه يتكرّر في الزّمنين: «استغاثتْ» في الماضي، «تستغيث» في الحاضر.
- غاب المُغيث: في الماضي «فأغاثها…» خمسَ مرّات؛ وفي الحاضر «لا ندري متى تُغاث، ولا في أيّ وقتٍ تُجاب».
- تقلّص العددُ واشتدّ الوقع: كانت المحنُ خمسًا متفرّقة، فصارت اثنتين فقط — «داهيتين» و«غائلتين» — لكنّهما الحربُ والفقر، وهما أشملُ ما يُصيب البشر.
- دخل العجزُ على الخطاب نفسِه: عبارةُ «لا ندري، ولا ندري لماذا لا ندري» تتكرّر مرّتين. ⟸ صاحبُ الخطاب لا يجهل الجوابَ فحسب، بل يجهل سببَ جهله.
⭐ ولاحِظْ لفظَيْ «داهية» و«غائلة»: كلاهما يدلّ على مصيبةٍ تأتي فجأةً وتُهلِك. ⟸ ولم يقلْ «مشكلتين»، لأنّ المشكلةَ تُحَلّ والدّاهيةَ تُدفَع.
2 — عرَض الخطابُ مشكلةَ الإنسانيّة على نحوٍ خاصّ. فبِمَ أنهى كلَّ مشكلة؟ وما النّمطان المستعملان؟ وما مساهمةُ كلٍّ منهما في تبيان قصد صاحب الخطاب؟2 — عرَض الخطابُ مشكلةَ الإنسانيّة على نحوٍ خاصّ. فبِمَ أنهى كلَّ مشكلة؟ وما النّمطان المستعملان؟ وما مساهمةُ كلٍّ منهما في تبيان قصد صاحب الخطاب؟
| المشكلة | هيكلةُ عرضها | الجزءُ الإجماليّ | التّفصيل |
|---|---|---|---|
| معاناةُ الإنسانيّة من الحروب ومن الفقر | من العرض الإجماليّ إلى التّفصيل | «هي الآن تستغيث من داهيتين وتستجير من غائلتين» | 1 — «هي تستغيث من داهية الحرب وتحكيمِ السّيف في مواقع الخلاف» · 2 — «وهي تستغيث من غائلة الفقر وشرورِه وجيوشِه» |
فبِمَ أنهى كلَّ مشكلة؟ بسؤالٍ يتبعه اعترافٌ بالعجز، والصّيغةُ واحدةٌ في الاثنتين:
| المشكلة | السّؤال | ما بعده |
|---|---|---|
| الحرب | «فمتى يقف عقلاءُ الأمم بين الصّفّين موقفَ دعاة التّحكيم يومَ صِفّين؟» | «لا ندري. ولا ندري لماذا لا ندري» |
| الفقر | «فمتى يفقه أغنياءُ الأمم هذا السّرَّ، فيعملون على اتّقاء الشّرّ؟» | «لا ندري، ولا ندري لماذا لا ندري» |
والنّمطان المستعملان: التّفسيريّ — بمؤشّر الإجمال ثمّ التّفصيل · والتّوجيهيّ — بمؤشّر الاستفهام المحفِّز «فمتى…؟».
- التّفسير يُفهِمك المشكلة: يجملها في كلمتين ثمّ يفصّلها، فلا تخرج وأنت تظنّ أنّ المصيبةَ واحدة.
- التّوجيه يُحرّك المسؤولَ عنها: و«متى» هنا ليست سؤالًا عن وقت، بل حثٌّ ولومٌ وتمنٍّ — أي: قد آن أن تفعلوا. ⟸ ولاحِظْ أنّ كلَّ سؤالٍ يُسمّي المخاطَبَ به: «عقلاءُ الأمم» للحرب، و«أغنياءُ الأمم» للفقر.
⭐ وما وظيفةُ «لا ندري» بعد كلّ سؤال؟ هي أقوى من الجواب. لو أجاب لأراحك؛ وحين يقول «لا ندري لماذا لا ندري» يترك السّؤالَ مفتوحًا في أذنك — وهذا هو المطلوب: ألّا تُغلِق الموضوعَ حين ينتهي الخطاب.
3 — تطرّق الخطابُ في الفقرة الأخيرة إلى توجيه النّاس إلى حلّ هذه المشكلة. فهل استعمل التّصريح أم التّلميح؟3 — تطرّق الخطابُ في الفقرة الأخيرة إلى توجيه النّاس إلى حلّ هذه المشكلة. فهل استعمل التّصريح أم التّلميح؟
استعمل التّلميح. ولم يقلْ «تسانَدوا» ولا «ابذلوا الزّكاة»، بل ساق ثلاثَ جُملٍ خبريّةٍ شرطيّةٍ بـ«لو».
| جُمَل الفقرة | أسلوبها | الدّلالة الظّاهريّة | القصد البعيد |
|---|---|---|---|
| «لو تساند أغنياءُ الأمم… لأحسنوا لأنفسهم وللعالم» | خبريّ | شرطيّةٌ تفيد التّأكيد | طلبيّة |
| «ولو فعلوا ذلك لدفعوا…» | خبريّ | شرطيّةٌ تفيد التّأكيد | طلبيّة |
| «بل لو بذل أغنياءُ المسلمين… لقاموا ببعضٍ من هذا الواجب» | خبريّ | شرطيّةٌ تفيد التّأكيد | طلبيّة |
ولمَ اختار التّلميحَ على التّصريح؟ لثلاثة أسباب تظهر في النّصّ:
- «لو» تُري النّتيجةَ لا الأمر: فبدل أن يقول «افعلوا»، يقول «لو فعلتم لأحسنتم لأنفسكم وللعالم». ⟸ والمخاطَبُ يقتنع بالمنفعة أكثرَ ممّا يقتنع بالأمر.
- «لو» تحمل لومًا مُضمَرًا: فهي تفيد امتناعَ الجواب لامتناع الشّرط — أي أنّهم لم يفعلوا. ⟸ فالجملةُ تلوم وتدعو في وقتٍ واحد.
- المخاطَبُ أقوى من الآمر: صاحبُ الخطاب كاتبٌ يخاطب «أغنياء الأمم»، ولا سلطانَ له عليهم. والتّلميحُ سلاحُ من لا يملك الأمر.
⭐ ولاحِظْ «بل» في الجملة الثّالثة: «بل لو بذل أغنياءُ المسلمين ما أوجبه عليهم الإسلامُ من الزّكاة». وهي حرفُ إضرابٍ ينتقل من العامّ إلى الأخصّ، ومن المستحبّ إلى الواجب. ⟸ فالجملتان الأوليان دعوةٌ، والثّالثةُ مطالبةٌ بحقٍّ مفروض.
أتدرّب على الإنتاج الشّفويّ
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net