الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في الذاكرة والخيال
قيمة النسيان
- بيان لماذا يكون بناء الذكرى نسبيا وتقريبيا لا مطابقا للأصل
- عرض آلية النسيان في عمليات الذاكرة الثلاث: الاستقبال والتخزين والاسترجاع
- التمييز بين النسيان الطبيعي الضروري والنسيان المرضي، وتعداد أمراض الذاكرة
- توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في تقويم قيمة النسيان
- تعريف الذاكرة والتذكّر، وعمليات الذاكرة: الاستقبال والتثبيت والاسترجاع
- أنّ التذكّر إعادة بناء لا استنساخ، وأنّ الانفعال المستعاد حالة جديدة
- الفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة المرضية في الوظائف النفسية
مقدمة : طرح المشكلة
مهما كانت الصورة الإيجابية لفاعليّتَي الذاكرة والتخيّل — سواء في بناء الذكريات وإعادة الماضي، أو في إبداع الصور — فإنّ ذلك يتمّ بشكل نسبيّ وتقريبيّ فقط ؛ فمن جهة لا تستطيع ذاكرة الإنسان أن تحتفظ بكلّ ما يمرّ بها من دقائق الأمور، ومن جهة ثانية قد يسرح الإنسان بخياله ليعيش الأوهام. وأمام هذه الحقيقة موقفان متقابلان: موقفٌ يرى في النسيان نقصا وعجزا يجب أن يُعالج، وموقفٌ يرى فيه وظيفة لها معناها في اقتصاد الحياة النفسية. والمشكلة أنّ حياتنا الاجتماعية كلّها، ومنها النظام القضائي، تقوم في جزء كبير منها على مسلّمة أنّ ذاكرتنا لا تخطئ ولا يعتريها النسيان — والواقع غير ذلك.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ المشهد الأوّل : في عام 1978 بإحدى المحاكم الأمريكية، يقف الألماني فرانك فالوس متّهما بارتكاب جرائم حرب وقتل عدد كبير من المدنيين في بولونيا خلال الحرب العالمية الثانية. وبما أنّ المتّهم لم يعترف، بل اعترض بحجّة دامغة مفادها أنّه كان طوال تلك المدّة ينفّذ أعمالا إجبارية في مزارع بألمانيا، فلم يبق أمام القاضي سوى الاعتماد على شهادة الشهود ؛ إلاّ أنّ الصدمة كانت شديدة: لم يتعرّف الشهود إليه — وحتّى القاضي لم يتعرّف هو الآخر إليه — من خلال صوره الملتقطة إبّان الحرب والمعروضة في القضية ؛ إنّ وجهه وشكله قد تغيّرا كثيرا على مدى ثلاثة عقود من الزمن. فما العمل ؟ ـ المشهد الثاني : يُحال المتّهم إلى أحد الرسّامين من غير المطّلعين على تلك الصور، ويُطلب منه أن يحاول تخيّل ملامحه في مرحلة الشباب قبل ثلاثة عقود ؛ فكانت كلمة المفتاح هي الخيال العقلي، لأنّ من شروط الرسم استخدام العقل والصور الذهنية. ولكنّ القاضي انتهى إلى التمييز بين الرسومات والصور الأولى لعدم تطابقهما. وعلى الرغم من أنّ المحكمة أخلت سبيل المتّهم على الفور، إلاّ أنّها رأت أنّ هناك خطأ جسيما ربّما يكون قد ارتُكب. ترى لماذا ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- النظام القضائي يقوم على الذاكرة، وهي غير موثوقة وحدها : فكثيرا ما تلجأ المحاكم إلى شهادة الشهود لإثبات فعل إجرامي أو نفيه، لكنّ الأمر النهائي يرجع إلى السلطة التقديرية للقاضي في أخذ شهادتهم أو تركها ؛ والسبب هو هذا الاعتماد على الذاكرة في قضايا مصيرية.
- والشهود أصابهم انحراف الذاكرة : فجميعهم تعرّفوا على وجه المتّهم العجوز ذي السّمات والملامح العامّة المشابهة لملامح وجه المجرم، لكنّهم لم يتذكّروا بعض السمات الخاصّة المميّزة له ؛ لقد تغيّرت ذكرياتهم.
- وأمّا الرسّام فأصابه تراخي الخيال : فتخيّله يحيط بوصف حقيقة ما ولا يتأتّى له أن يصل إليها، فتبدو محاولته ظاهريا مجرّد تخيّلات ضعيفة، بل تصوّرات ذهنية لا طائل من ورائها، وهو لا يعرف غير هذه التخيّلات. ⟸ فالوظيفتان معا — الذاكرة والتخيّل — قصّرتا في الوضعية نفسها، وبقصورهما تحرّرت الحقيقة من أن تُبلغ.
III – ولكن لماذا لا يتمّ بناء هذه الذكرى وإبداع تلك الصورة إلا بشكل نسبي وتقريبي ؟
أولا : الذاكرة بناء غير مكتمل للماضي
لا يحتاج المرء إلى محكمة ليكتشف نقص ذاكرته: يكفي أن يحاول أن يكتب سيرته. فنحن نلاحظ في جلّ النصوص التي تحكي اعترافات العظماء وهم يحرّرون مذكّرات حياتهم ذلك اللجوءَ إلى التصرّف والإضافة، لأجل الربط المنطقي لحوادث الماضي حتّى يكون لها معنى، أو لسدّ النقائص والثغرات التي يسبّبها ضعف الذاكرة. وهذه الإضافات — التي يزيدها الخيال تنميقا — تجعل الماضي المسترجَع عن طريق الذاكرة ليس بالحقيقي المطابق للأصل ؛ وكأنّ العقل يعيد بناء حوادث الماضي حسب ما يقتضيه الموقف.
«… ولسوف أقول في رباطة جأش: هذا ما فعلتُ وما فكّرتُ ؛ لقد رويتُ في كتابي الطيّبَ والخبيثَ على السواء بصراحة، فلم أمحُ أيّ رديء، ولا انتحلتُ زورا أيّ طيّب ؛ وإذا كنتُ قد استخدمتُ بعض التزويق الفارغ، فما ذلك إلاّ لأملأ نقصا نشأ في الذاكرة.» والاعتراف هنا مزدوج: اعتراف بالوقائع، واعتراف بأنّ الذاكرة نفسها لم تكن كافية لروايتها ؛ فالتزويق لم يأت ليكذب، بل ليسدّ ثغرة. وهو العمل نفسه الذي يقوم به بعض المؤرّخين حين يواجهون الفراغ الناشئ من نقص المعطيات في الحادثة التاريخية — وهو إجراء يكرّس تغلغل الذاتية في الدراسة التاريخية. روسو (1712 – 1778)، اعترافات، ترجمة حلمي مراد، ج 1، المؤسسة العربية الحديثة، ص، 4
- إعادة البناء تتمّ بعمل المخيّلة : أي من خلال تذكّر الملامح البارزة مع الميل إلى تضخيمها وتشويهها ؛ ويتأثّر الفرد في ذلك بخبراته السابقة ودوافعه.
- وما يثير الدهشة أنّ صاحب الذكرى لا يشعر بذلك : فالناس في مثل هذه الحالات لا يدركون مطلقا أنّهم يغيّرون أو يلفّقون ؛ ولهذا لم يكن شهود القضية كاذبين، وكانوا مخطئين.
- والانفعال يفرز ما يبقى وما يزول : فعندما يكون المرء تحت سيطرة الانفعالات تتعزّز قدرته على الاحتفاظ بالذكريات وتسلسل الأحداث، بينما يتسرّب النسيان تدريجيا إلى الأحداث المحايدة انفعاليا ؛ ولذلك تبدو ذكرى الأحداث الانفعالية أقوى حدّة وأكثر تذكّرا.
- والتذكّر إبداع لا إحياء : فهو ليس إحياء للحالات السابقة بذاتها، وإنّما إبداع حالات جديدة مشابهة للحالات الماضية ؛ وكلّ حالة نفسية حاضرة جديدة بالنسبة إلى ما قبلها، عقلية كانت أو انفعالية.
«… فعندما يكون المرء تحت سيطرة الانفعالات تتعزّز قدرته على الاحتفاظ بالذكريات وتسلسل الأحداث، بينما يتسرّب النسيان تدريجيا إلى أحداث محايدة من الناحية الانفعالية، تكون أحداث أخرى أقلّ تأثّرا بالنسيان. ومن هذا المنطلق فإنّ ذكرى الأحداث الانفعالية تبدو لنا إذن أقوى حدّة وأكثر تذكّرا.» إليزابيث فيلبيس، عندما يقوّي الانفعال الذاكرة، ترجمة محمد ياسر منصور، مقال، الثقافة العالمية، العدد 105، مارس – أبريل 2001، ص، 70، 71
1 ـ آلية النسيان
كما أنّ الذاكرة لا تُفسَّر إلاّ من خلال العمليات التي تتمّ بها — عملية الاستقبال، فالتثبيت والتخزين، ثمّ عملية الاسترجاع — كذلك لا نستطيع أن نتصوّر النسيان إلاّ من خلال هذه العمليات نفسها. وإذا كان النسيان في ظاهره الوجه السلبي للتذكّر، وكان التذكّر يعني القدرة على التثبيت والتخزين والقدرة على الاسترجاع، فإنّ النسيان هو فشل أثناء استقبال المعلومات، وفشل في تخزينها، وفشل في استرجاعها. ⟸ ومعنى ذلك أنّ النسيان ليس ضدّا خارجيا يهاجم الذاكرة، بل هو الوجه الآخر لعملها نفسه: ما من عملية من الثلاث إلاّ ويمكن أن تفشل.
- النسيان ظاهرة ملازمة لحياة الإنسان : لكنّه أحيانا يكون طبيعيا وضروريا لحياته وللتكيّف، كما هو سائد عند عامّة الناس ؛ وأحيانا أخرى يكون مرضيا إذا ما تجاوز حدوده المعقولة ومستوياته العادية، خاصّة في تحصيل العلم، إذ «آفة العلم النسيان» كما يقال.
- وهو ضروري للمدارك : إذ بدونه تتراكم الخبرات بلا طائل ؛ وبتدخّله يُنقَّح أهمّها ويُرتَّب، ويُسقَط بالمقابل غير الضروري منها.
- وهو عامل من عوامل التوازن النفسي : حينما يتمّ به إبعاد الذكريات المؤلمة والمكدّرة ؛ فالذي لا ينسى شيئا لا يبرأ من شيء.
- وهو عامل من عوامل التلاؤم الاجتماعي : بتجاوز الأحقاد، سواء بين الأفراد أو بين الأمم.
2 ـ أمراض الذاكرة
- صعوبة التذكّر : تنشأ عن عجز في تثبيت الذكريات نتيجة مرض يصيب الجملة العصبية، يكون مؤقّتا أحيانا مثل المصاب بالحمّى الشديدة، أو شبه دائم كما في أعراض الشيخوخة.
- فقدان الذاكرة : ويعني اضمحلال الذكريات والعجز عن استحضارها واسترجاعها ؛ وقد يكون جزئيا ومؤقّتا، أي لمدّة محدّدة أو لبعض أنواع الذكريات كالأسماء أو الأماكن أو المهن، أو فقدانا لحلقة زمنية من الماضي، كما قد يكون عامّا لجميع الذكريات.
- انحراف الذاكرة : وهو مرض الذاكرة الكاذبة، ينشأ عن فساد العرفان، حيث يورد المصاب باستمرار خبرات خاطئة ومحرّفة ومشوّهة، وهو لا يعلم أنّها كذلك.
- فرط التذكّر : وهو قوّة استدعاء الذكريات بجزئياتها وتفاصيلها من الماضي القريب والبعيد، ويُعرف أيضا بمرض تضخّم الذاكرة، الشائع خاصّة عند المتقدّمين في السنّ.
3 ـ حصيلة : نسيانان لا نسيان واحد
نستنتج إذن أنّ هذه الأمراض، فضلا عن النسيان المرضي، تجعل من الذاكرة وظيفة تعيق التكيّف وتهدّد توازن الشخصية ونشاط الإنسان ؛ وهي بهذا المعنى نقص يُعالَج. أمّا النسيان الناتج عن طبيعة الذاكرة التي لا تستطيع أن تحتفظ بكلّ ما يمرّ بها من حوادث، فقد رأينا أنّه ضروري لحياة الإنسان. ⟸ فالكلمة الواحدة تسمّي أمرين متقابلين: نسيانا هو انتقاء تقوم به وظيفةٌ سليمة، ونسيانا هو عطبٌ في الوظيفة نفسها ؛ والمعيار بينهما ليس الكمّ وحده، بل أثره في التكيّف وفي وحدة الشخصية. ولاحظ أنّ فرط التذكّر مُعدود في الأمراض هو أيضا: فلا صحّة في أن تحفظ كلّ شيء، كما لا صحّة في أن تفقد كلّ شيء.
توصّل بعض العلماء المتخصّصين في الذاكرة إلى أنّ شهود قضية فرانك فالوس قد تعرّضوا ربّما للنتائج الرهيبة لانحراف الذاكرة، وهو مرض من أمراض الذاكرة التي تسبّب النسيان ؛ فجميعهم تعرّفوا على الملامح العامّة ولم يتذكّروا السمات الخاصّة المميّزة. وتجربة فالوس ليست الوحيدة: فالمشكلة أنّ النظام القضائي يقوم في جزء كبير منه على مسلّمة أنّ ذاكرتنا لا تخطئ ولا يعتريها النسيان، لكنّ الواقع غير ذلك، فبناء الذكريات كثيرا ما يكون بشكل نسبي. ليزا غانييه، التاريخ الطبيعي للذكريات، ترجمة محمد ياسر منصور، مقال نُشر بمجلّة الثقافة العالمية، العدد 105، مارس – أفريل 2001، الكويت
«… إنّ الخيال يمكّننا من التجوّل في ظلمات المجهول عسانا نلمح شيئا قد يكون هامّا ؛ لكنّنا ما إن نخرج به من هذه الظلمات ونعرضه على الفحص، حتّى يتّضح لنا عادة أنّه لم يكن سوى سراب استرعى بريقُه الخادع انتباهنا. فالخيال، كما أنّه مصدر الأمل والإلهام، هو أيضا مصدر لخيبة الأمل.» وبهذا القول علّق القاضي على عدم تطابق رسوم الرسّام مع الصور الأولى ؛ فلم يكن الخطأ في أنّ الرسّام تخيّل، بل في أن يُطلب من الخيال أن يقوم مقام الدليل. بفردج، فن البحث العلمي، ص 102
إذا كان النسيان ضروريا، فلماذا نُتعب أنفسنا في الحفظ ؟إذا كان النسيان ضروريا، فلماذا نُتعب أنفسنا في الحفظ ؟
لأنّ الضروري في النسيان ليس زوالَ المعلومات، بل انتقاؤها. النسيان الذي يُنقّح ويرتّب ويُسقط غير الضروري هو نسيان يشتغل على ما ثُبّت أوّلا ؛ أمّا النسيان الذي يقع أثناء الاستقبال — حين لا ننتبه أصلا — فليس انتقاء، بل فشلٌ في العملية الأولى قبل أن تبدأ. ولذلك لا تناقض بين الأمرين: أنت تحفظ لتُثبّت، والذاكرة تنسى لتُرتّب. وبينهما تقع طريقة العمل كلّها: أن تفهم قبل أن تكرّر، وأن تربط الفكرة بغيرها، وأن تصنع لنفسك منبّهات — عناوين ومخطّطات — لأنّ الاسترجاع لا يقوم بغير منبّه. ⚠️ واحذر من قلب القاعدة: «آفة العلم النسيان» لا تعني أنّ النسيان آفة في ذاته، بل أنّه آفة في تحصيل العلم حين يتجاوز حدوده المعقولة. فالنسيان في الحياة رحمة، وفي المراجعة عدوّ — وليس في هذا تناقض، بل اختلاف في الميدان.
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net