الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في الذاكرة والخيال
طبيعة الإبداع
- التمييز بين التخيّل التمثيلي والتخيّل المبدع بمعيار الإنشاء لا بمعيار القوّة
- بيان دور الخيال في الإبداع العلمي وفي الإبداع الفنّي بمثال من كلّ مجال
- بيان كيف تصنع الصورة المتخيَّلة الواقع مع أنّ مادّتها من الواقع
- عرض شروط الإبداع النفسية والموضوعية، وتوظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها ومرجعها
- طبيعة التخيّل: استرجاعيته واستمراريته، وفرقه عن التذكّر وعن الإدراك
- قيد المادّة في الخيال: حرّية في التركيب لا في الخلق
- الفرق بين الفرضية والنتيجة في المنهج التجريبي
مقدمة : طرح المشكلة
ليس التخيّل صورة واحدة، فهو معانٍ مختلفة ؛ فهناك من يربطه بحالة عادية من حالات استرسال النفس في ربط الصور لمجرّد تمثيلها دون التعرّف عليها، وثمّة من يراه ملكة تركيب لتلك الصور بإبداع الجديد منها. وإذا كان النوع الأوّل عامّا في حياتنا اليومية، فإنّ النوع الثاني هو الذي يطرح المشكلة: كيف يكون الخيال — وهو تجاوز للواقع وإفلات منه — مصدرا لأخصب ما أنتجه الإنسان في العلم والفنّ ؟ وهل يكفي أن نسمّيه «موهبة» لنفسّر به الاكتشاف، أم أنّ للإبداع شروطا يمكن تعيينها في الذات وفي المجتمع معا ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
يروي لنا العالم الكيميائي الألماني كيكله (1829 – 1896) كيف اهتدى إلى اكتشاف حلقة البنزين وهو جالس يكتب أحد مصنّفاته في الكيمياء، قائلا: «ولكنّ التأليف لم يكن على ما يرام، إذ كانت روحي هائمة في أشياء أخرى ؛ فأدرتُ مقعدي ناحية المدفأة، واستغرقتُ فيما يشبه الحلم، وأخذت الذرّات تنطلق مارقة أمام عينيّ: صفوف طويلة تتّحد في أشكال مختلفة، وتتقارب أكثر فأكثر، متحرّكة تتلوّى وتدور كالثعابين. ولكن ما هذا ؟ لقد أمسكتُ أحد الثعابين وأخذت أديره باستخفاف، ثمّ استيقظتُ كما لو أنّ ومضة برق قد بهرت عينيّ ؛ وأمضيتُ بقيّة الليلة في استخلاص النتائج. فلنتعلّم أن نحلم أيّها السادة !» بفردج، فن البحث العلمي، ص، 99
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الصورة سبقت النتيجة ولم تكن هي النتيجة : فما رآه العالِم لم يكن قانونا ولا معادلة، بل صورة ؛ والليلة كلّها بعدها أُنفقت في «استخلاص النتائج». فالخيال هنا افتتح العمل ولم يُغنِ عنه.
- والمادّة كلّها واقعية : الذرّات من علمه، والصفوف والحركة والالتواء من خبرته الحسّية ؛ لقد استطاع أن يبدع صورة ما من خلال ما هو متوفّر لديه من مادّة واقعية.
- والثمرة عادت إلى الواقع : فما أبدعه كان في خدمة الإنسان وفي صناعة الواقع ؛ ⟸ وهكذا تكتمل الدائرة: من الواقع تُؤخذ العناصر، وفي الخيال تُركَّب، وإلى الواقع تعود صناعةً وأثرا.
II – وكيف يمكن اعتبار التخيل استشرافا لما هو آتٍ بغيةَ إبداع صورٍ لما هو واقع ؟
ثانيا : التخيل المبدع أخصب أنواعه
إنّ ما يميّز التخيّل المبدع عن التمثيلي ليس قوّة الصورة ولا وضوحها، بل كونه إنشاء: ففي بعض الأحيان يلجأ الإنسان إلى تركيب الصور ليستخرج منها نموذجا جديدا يتجاوز به الواقع وينفلت منه. ومن هنا كان الخيال وضعا نفسيا كلّيا فعّالا: فهو كلّيّ كالإدراك، إذ يستشير الإنسانُ فيه النفس كلّها في رغباتها وآمالها، وفي عواطفها وانفعالاتها، كما في أفكارها ومعانيها ؛ وهو فعّال لأنّه إنشاء، وقد يترتّب عليه سلوك ما. ولهذا تُفضَّل كلمة «تخيّل» على «خيال»، لأنّ الأولى تشير إلى الفعالية ؛ فعندما يتصوّر الطالب نفسه ناجحا تتملّكه الصورة ويحاول تحقيقها، فيندفع في المذاكرة للانتساب إلى الجامعة.
بيّن الفيزيائي تندول (1820 – 1893) أهمّية الخيال في تاريخ الإبداع العلمي بقوله: «كان انتقال نيوتن من تفّاحة ساقطة إلى قمر ساقط عملا من أعمال الخيال المتأهّب ؛ ومن بين الحقائق الكيميائية استطاع خيال دالتون البنّاء أن يشيّد النظرية الذرّية ؛ وقد منحت الطبيعة دافني موهبة تخيّلية غزيرة ؛ أمّا فاراداي فقد مارس هذه الموهبة على الدوام، فكانت سابقة ومصاحبة ومرشدة لجميع تجاربه، وترجع قدرته وخصوبته كمكتشف — إلى حدّ كبير — إلى القوّة الدافعة للخيال.» وليم بفردج، فن البحث العلمي، ترجمة زكريا فهمي، دار إقرأ، بيروت، 1983، ص 101 ؛ ونيوتن (1642 – 1727) فيزيائي وفلكي، ودالتون (1766 – 1844) فيزيائي، ودافني (1778 – 1829) كيميائي وفيزيائي، وفاراداي (1791 – 1867) فيزيائي، والأربعة بريطانيون
وفي الإبداع الفنّي كذلك: فالرسّام الذي يعبّر في لوحة عن الحرّية قد يستخدم عناصر من الواقع كالأسلاك الشائكة، وقليلا من الظلام في جانب من اللوحة، وربّما يدا تحمل مشعلا، أو نورا كنور الشمس مقابل الظلام ؛ فيعطي بخياله، في تركيب فنّيّ، أبعادا جمالية للوحة. فهذه الصورة النهائية ليست واقعية بل خيالية، ولكنّها بالرغم من ذلك تركيبٌ لعناصر واقعية: يدٌ، ومشعل، وأسلاك، ونور، وظلام. وهذا النوع من التخيّل، في الحالتين معا، هو ما يُعرف بالتخيّل الإبداعي ؛ وهو لا يخصّ مجالا بعينه، بل نجده في حياتنا العملية كما نجده في الحياة النظرية العلمية: في العلم والسياسة والفنّ والفلسفة.
أمّا دور التخيّل في الفنّ فواضح جليّ: فتخيّل الشاعر هو مصدر إلهامه، وإذا لم يحلّق الشاعر بخياله فإنّه لن ينظم الشعر. فالشاعر عند أفلاطون كائن إلهيّ مقدّس ذو جناحين، لا يمكن أن يبتكر قبل أن يُلهَم، فيفقد صوابه وعقله ؛ وما دام الإنسان يحتفظ بعقله فإنّه لا يستطيع أن ينظم الشعر. أفلاطون، محاورة «أيون» ؛ أورد النصّ حسن أحمد عيسى، الإبداع في الفن والعلم، مطابع الوطن، الكويت، 1979، ص، 21
ثالثا : الصور الإبداعية وصناعة الواقع
على الرغم من أنّ التخيّل في أحد جوانبه تجاوزٌ وإفلاتٌ من الواقع، إلاّ أنّ المادّة التي نكوّن بها هذه الصور اللاواقعية هي من صميم الواقع ؛ فمهما بلغ خيال الإنسان من مدى، فإنّه لا يتجاوز حدود ما هو واقعيّ فيما يخصّ الصور التي يركّبها، والتي تؤلّف في الأخير صورة إبداعية. والغريب أنّ هذه الصورة المتخيَّلة تلعب دورا في صناعة الواقع حتّى وإن كانت متوهَّمة ؛ فمن المفاهيم ما هو منفصل عن الواقع — كاللامتناهي الرياضي في الصغر أو في الكبر، والعدد التخيّلي — وتوهُّمُ العقل لها إنّما هو لفتح آفاق أوسع.
«… إنّنا لن نعرف حقيقة العالم، فلننظر أيّ التصوّرات التي نتوهّمها أقدر على التعبير عن العالم، والعقل يتصرّف كما لو كان العالم هكذا» ؛ وبهذا وُضعت فلسفة الأوهام، التي تعني إهمال الواقع والانفصال عنه لينصبّ الاهتمام على تشييد كيانات ذهنية، لكنّها مفيدة على خلاف الأوهام الأسطورية. والفرق بين الوهم المفيد والوهم الأسطوري ليس في مطابقته للواقع — فكلاهما غير مطابق — بل في ما يفعله: هذا يفتح آفاقا ويُختبر ويُثمر، وذاك يُغلق ويُصدَّق ولا يُختبر. يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، سلسلة عالم المعرفة، مطابع الوطن، الكويت، 2000، ص، 321
1 ـ شروط التخيل الإبداعي
- عوامل نفسية عقلية وانفعالية : إذ غالبا ما تكون حالات الاختراع نتاج تفكير فردي واعٍ، يبدأ بإدراك الصعوبة والمشكلة التي تكون بمثابة الحافز، ويتبع ذلك انبثاق حلٍّ مقترح في الذهن الواعي، وهنا يظهر العقل ليفحص الفكرة إمّا ليدحضها وإمّا ليقبلها.
- فكرة تستحوذ دون أن تتسلّط : فيكون المخترع تحت تأثير فكرة تستحوذ عليه كفرض أوّلي، لكن دون أن تتسلّط عليه أكثر ممّا يجب، ليستخلص منها النتائج ثمّ يختبر تلك النتائج. ⚠️ وهنا الحدّ الفاصل بين المبدع والواهم: كلاهما تملّكته صورة، والأوّل وحده عرضها على الفحص.
- وعوامل موضوعية : وهناك من يردّ الإبداع إليها، وتتمثّل في الحاجة الحيوية والطبيعية والاجتماعية ؛ إذ المبدع ابن البيئة التي يعيش فيها، ومن ثمّ فإبداعه نتاج الظروف المحيطة به من جهة، وما يحتاج إليه المجتمع من جهة أخرى، كما نلاحظه في سِيَر العلماء والفنّانين في فترات الإبداع التاريخية.
- والمتعارف عليه أنّ الإبداع يتمّ بها جميعا : فتتدخّل في صقله كلّ الفاعليات العقلية والنفسية والحيوية والاجتماعية، بفضل الخيال الذي يتولّى الاختبار النقدي لما يُنتَج ؛ إنّه المهندس الذي يضع مُصمَّم النظرية أو الأثر الفنّي.
«… يبدأ بإدراك الصعوبة والمشكلة التي تكون بمثابة الحافز، ويتبع ذلك انبثاق حلٍّ مقترح في الذهن الواعي ؛ وهنا يظهر العقل ليفحص الفكرة إمّا ليدحضها أو ليقبلها.» فالإبداع في هذا التحليل ليس ومضة تأتي من فراغ، بل سلسلة لها بداية معلومة — مشكلة تُحسّ — ونهاية معلومة — فحصٌ يقبل أو يردّ ؛ وما بينهما هو موضع الخيال. جون ديوي (1859 – 1952) الفيلسوف ورجل التربية الأمريكي، عبر مذهبه المعروف بالأداتية والمرتبط بالبرغماتية
ما الذي يفصل خيال المبدع عن خيال دون كيشوت ؟ما الذي يفصل خيال المبدع عن خيال دون كيشوت ؟
ليس الفصل في قوّة الصورة: صورة دون كيشوت كانت من القوّة بحيث ملأت عليه عقله ؛ وصورة كيكله كانت شبه حلم أمام مدفأة. ولا الفصل في مادّتها: كلتاهما مركّبة من عناصر واقعية — فرسانٌ وسلاح عند الأوّل، وذرّاتٌ وحركة عند الثاني. الفصل في ما فعل صاحبها بها بعد أن رآها. فدون كيشوت خرج ينفّذ ما تمنّاه «بكلّ ما يملك من حماسة وبأسرع وقت ممكن»، ولم يعرض صورته على فحصٍ قطّ ؛ حتّى حصانه الذي لم يبق منه إلاّ الجلد والعظام «بدا له في حالة حسنة جدّا» — وهذا هو استبدال الخيال بالحقيقة. أمّا كيكله فأمضى بقيّة الليلة في استخلاص النتائج، أي في تحويل الصورة إلى فرضٍ يُختبر. ⚖️ فالخيال في الحالتين واحد ؛ والذي يجعله إبداعا أو وهما هو ما يليه: فرضٌ يُعرض على الاختبار، أو يقينٌ يُعفى منه. ولهذا كان الخيال في المنهج العلمي مقبولا، بل ضروريا، ما دام موقعه في أوّل الطريق لا في آخره.
خاتمة : حل المشكلة
إنّ الحديث عن الخيال يقتضي لا محالة الحديث عن مشكلة الذاكرة، إذ من الصعب تصوّر حياة نفسية مقصورة على مطلق الحاضر ؛ فالخيال هو الصورة الباقية في النفس بعد غيبة المحسوس عنها، ولو اقتصرنا في حياتنا النفسية على الحاضر المطلق لكان التفسير غير ممكن، لأنّ الذاكرة هي التي تصل الحاضر بالماضي، بينما الخيال قوّة للنفس تحفظ ما يدركه الحسّ المشترك من صور المحسوسات بعد غياب المادّة. ومن هنا أمكننا القول إنّ الخيال يرتبط بالذاكرة منطقيا، ويختلف عنها في أنّها تحمل طابع الماضي على حين أنّه غير مقيّد بالزمان، إذ قد يعود إلى النفس ألف مرّة من غير أن يلبس ثوب الماضي. وما نخلص إليه في الأخير هو أنّ العالم الخارجي ودرايتنا به يشكّلان كلاّ موحّدا ؛ فقد اتّضح لنا بكلّ جلاء أنّه لا جدوى واقعيا من التفريق بين الذاكرة والخيال، وأنّ ما نطلق عليه الذاكرة الخالصة أو الخيال المجرّد لا وجود له، وأنّ الذاكرة منبع للخيال بقدر ما تشكّل منطلقا له كفعل ناتج عن نشاط عقلي بصورة جزئية أو كلّية ؛ فهما إذن في علاقة جدلية متفاعلة على الدوام.
Page 1/6
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net