الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في الحقوق والواجبات والعدل
ضبط المفاهيم و التصورات
- ضبط مفهوم الحقّ لغةً واصطلاحا، وتمييزه عن الصدق وعن الباطل
- التمييز بين الحقوق الطبيعية والحقوق المدنية، وبيان العلاقة التي تربطهما
- المقارنة بين المذهب الفردي والمذهب الجماعي في الحقوق، وردّ كلّ مذهب إلى مثله الأعلى في العدل
- توظيف أطروحة فلسفية مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في تحليل وضعية مشكلة
- مفهوم القيمة وموضوع نظرية القيم (الأكسيولوجيا)
- الفرق بين الطبيعي والوضعي، وبين الفردي والجماعي
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
إنّ العدل من الموضوعات التي نالت حظّها من الدراسة والاهتمام، إذ سلّم الفلاسفة منذ القدم بأنّه إحدى الفضائل الأربع الكبرى إضافةً إلى الشجاعة والعفّة والحكمة ؛ الأمر الذي جعل المجتمعات تاريخيّا — بالرغم من اختلاف عقائدها ومشاربها — تنشُده، وما تزال تراود أحلامَ مختلف طبقات المفكّرين من فلاسفة وسياسيين وسوسيولوجيين وقانونيين إلى يومنا هذا. وعبر هذا المسار التاريخي الطويل لم ينعقد إجماع هؤلاء المهتمّين على تصوّر محدَّد ومضبوط للعدل ؛ وإذا كان أكثرهم يعتبره بمثابة إعطاء كلّ ذي حقّ حقَّه، فإنّهم مختلفون في ترجمة هذا المفهوم، بدءا من طبيعة هذا الحقّ، وكذا الواجب الذي يقابله، وما إذا كان العدل نفسه حقّا أو واجبا أو كليهما. فنتساءل: ما أساس الحقوق ؟ وماذا عن الواجبات التي تقابل تلك الحقوق ؟ وأيّهما يسبق الآخر ؟ وهل باختلال التوازن بينهما يتلاشى العدل ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (أ) : نسمع كثيرا تداولَ النّاس لكلمة الحقوق والواجبات ؛ هل لك أن تقدّم لنا مثالا عن حقّ تراه من حقوقك ؟ ـ (ع) : بالتأكيد، الحقّ في العمل ؛ ـ (أ) : أفهم من كلامك أنّ الحقّ مكسبٌ وامتياز يُمنح لك ؟ ـ (ع) : بالطبع، وهل الحقّ يكون غير هذا ؟ ـ (أ) : لا أدري ؛ ولكنّ الحقّ بهذه الصفة يمكنك التنازل عنه، فلك كامل الحرّية في أخذه أو تركه. فهل الحقّ في العمل كذلك ؟ ـ (ع) : لا أعتقد ؛ فنفسي تلزمني به وغيري يرغمني عليه. ـ (أ) : معنى ذلك أنّ العمل واجب تجاه الذات، وواجب تجاه الآخر ؛ ومن هذا المنطلق فما اعتبرته منذ حين حقّا من حقوقك يصبح الآن واجبا من واجباتك. ـ (ع) : صحيح ما تقول يا أستاذ، فكيف السبيل إلى حلّ هذه المشكلة ؟ وقد نصّت المادّة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّ العمل حقّ من حقوق الأفراد، وممّا جاء تحتها: «لكلّ إنسان الحقّ في العمل وفي حرّية اختياره له، وله حقّ العمل في ظروف عادلة وملائمة» · «لكلّ من يعمل الحقّ في أن يتقاضى من عمله أجرا عادلا مناسبا يكفل له ولأسرته حياة كريمة»
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- اعتقادٌ بديهيّ يتزعزع : ينطلق التلميذ في محاورة أستاذه من اعتقاد راسخ في ذهنه، هو أنّ الحقوق والواجبات من الأمور البديهية التي لا يختلف حولها اثنان — فالحقّ حقّ والواجب واجب وكلاهما معروفان للجميع ؛ لكن أثناء النقاش يظهر أنّه قد صُدم نتيجة زعزعة اعتقاده.
- الحقّ ذو وجهين : تبيّن له أنّ الحقّ لم يعد مطلق الوضوح بقدر ما صار متغيّرا، وكلمة التغيّر هنا تفيد النسبية ؛ بمعنى أنّ الحقّ قد يحمل وجهين، فيكون حقّا بالنسبة إلى طرف ويكون في نفس الوقت واجبا بالنسبة إلى طرف آخر.
- والحقّ خاضع للتطوّر : كما تفيد النسبية أيضا أنّ الحقّ يخضع لمنطق التطوّر والتغيّر، فما قد يكون لك اليوم حقّا قد يصبح غدا واجبا، نظرا لتطوّر وتغيّر القوانين التي تضبط الحقوق والواجبات، وتغيّر الظروف التي تتحكّم في تطوّرها.
- سلوكات تحمل القيمتين معا : فالعمل حقٌّ نابع من الطبيعة الإنسانية، وواجبٌ ملازم للوجود الإنساني ؛ ممّا يعني أنّ هناك نوعا من السلوكات يحمل القيمتين معا في ذات الوقت. ونتيجةً لكلّ ذلك يجد التلميذ نفسه مع نهاية الحوار أمام مفارقة، كون الواجبات حلّت محلّ الحقوق ؛ ولعلّه تساءل: ما الذي يميّز الحقوق عن الواجبات إذن ؟ وحلّ هذه المشكلة يقتضي معرفة طبيعة الحقوق والعلاقة بينها، ثمّ علاقتها فيما بعد بالواجبات، لنصل إلى ما تحقّقه هذه العلاقة من توازن يكرّس العدل في نهاية المطاف.
I – كيف يمكن التمييز بين الحقّ والواجب في صلتهما بالعدل ؟ وماذا ينتج عن ذلك ؟
أولا : الحقّ من الفرد الطبيعي إلى المجتمع المدني
لو تمعّنّا في مفهوم الحقّ لرأينا أنّه يشكّل إحدى القيم الثلاث — إلى جانب الخير والجمال — التي تؤلّف مبحث القيم (الأكسيولوجيا). والحقّ في معناه العامّ هو الحكم المطابق للواقع، يُطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل ؛ وأمّا الصدق فقد شاع في الأقوال خاصّة، ويقابله الكذب. أمّا من الناحية الاصطلاحية فيمكن القول إنّ الحقّ هو ما تسمح القوانين بفعله — سواء كان ذلك السماح صريحا، أو كان نتيجة مبدإ يسوّغ كلّ فعل غير محظور — وهو ما يخوّله القانون للفرد من مكاسب، إمّا بحكم طبيعته وإمّا بحكم علاقاته بالآخر.
الحقّ من الناحية اللغوية يفيد الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، واليقين بعد الشكّ، والواجب والعدل، والأمر المقضيّ، وصدق الحديث ؛ كما يفيد أيضا مطابقة القول للواقع، فنقول: هذا قول حقّ، وهذا حكم حقّ متى كان مطابقا للواقع. ولذلك يقول «ديكارت»: «أن لا أتلقّى على الإطلاق شيئا على أنّه حقٌّ ما لم أتبيّن بالبداهة أنّه كذلك.» ديكارت، مقالة في الطريقة، ترجمة جميل صليبا، ص 102
وما يُستنتَج من هذا هو وجود نوعين من الحقوق، كما أوضحه التعليق على الوضعية: حقوقٌ تقتضيها طبيعة الإنسان كإنسان وتُسمّى الحقوق الطبيعية ؛ وحقوقٌ تتّصل بعلاقته بالآخر — سواء كان هذا الآخر فردا أو مؤسّسة اجتماعية داخل الدولة التي يعيش فيها — ويُصطلح عليها بـالحقوق المدنية. فما طبيعة كلّ من هذين النوعين ؟ وما طبيعة العلاقة التي تربطهما: هل الحقوق طبيعية بالدرجة الأولى ومدنية بالدرجة الثانية ؟ وهل تُعدّ الحقوق المدنية في أساسها امتدادا للحقوق الطبيعية ؟ ثمّ ما طبيعة الحقوق المدنية التي ترسمها القوانين: هل هي حقوق فردية أو جماعية ؟
1 ـ الحقّ الطبيعي حقٌّ فردي
يرتبط الحقّ الطبيعي بـنظرية الحقوق الطبيعية، التي ترتبط هي الأخرى ارتباطا وثيقا بالنموّ المنطقي للثورة الفكرية الإنسانية في عصر النهضة، والتي جاءت ضدّ سلطة التقليد ؛ وهكذا تصبح النزعة الفردانية (Individualisme) — وهي مبدأ يقوم على الاعتراف بالحقوق المطلقة للفرد بمعزل عن المجتمع والدولة — مقدّمةً ضرورية تاريخيّا ومنطقيّا معا لنشوء نظرية الحقوق الطبيعية. والحقوق الطبيعية هي تلك الحقوق الملازمة للطبيعة البشرية، حقوقٌ يقتضيها الوجود الإنساني من حيث هي تعبّر عن كينونته فلا تستقيم حياته بدونها ؛ لذلك فهي حقوق ثابتة لا يمكن إسقاطها، كالحقّ في الحياة، وفي التفكير، وفي الملكية، وفي العمل، وفي الحرّية، والحقّ في المساواة بين جميع الأفراد ؛ إذ أكّدت على قدسية هذه الحقوق حتّى الشرائع السماوية.
أعلن «جون لوك» أنّ للأفراد كامل الحقّ في التمتّع بالحرّية، وحقَّهم في الحياة والملكية، ولا يمكن أن يُنتزع منهم هذا الحقّ ؛ فلهم بالطبيعة الحقّ في المحافظة عليها: «… لمّا كان الإنسان يولد وله الحرّية التامّة والتمتّع بجميع حقوق السنّة الطبيعية وميزاتها، دون قيد أو شرط من سماته، سمةِ أيّ إنسان أو جماعة من النّاس في العالم، فله حقٌّ طبيعي بالمحافظة على مِلكه.» جون لوك (1632 – 1704) ؛ نقلا عن: ملحم قربان، قضايا الفكر السياسي، دار الكتاب، ط 1، بيروت، 1982، ص 45
ويضيف «بوذا» إلى هذه الحقوق الحقّ في المساواة، الذي يمثّل جوهر الإنسانية ؛ فكان يدعو مريديه قائلا: «… اذهبوا إلى كلّ بقاع الأرض، ولقّنوا الجميع هذا الدرس ؛ أكّدوا لهم أنّ الفقراء والضعفاء والوضعاء والأغنياء وعِلية القوم كلّهم سواء.» بوذا، مؤسّس البوذية (Bouddhisme)، وهي ديانة نشأت في الهند في القرن السادس قبل الميلاد ؛ ولنا في مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب تأكيدٌ على طبيعة هذه الحقوق: «متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا ؟» — وهي المقولة التي جسّدها روسو في عقده الاجتماعي، وأعلنتها الثورة الفرنسية في إعلان حقوق الإنسان والمواطن
إنّ هذه الحقوق يمليها من غير تدوين القانون الطبيعي، الذي هو «… مجموعة قواعد يكتشفها العقل الصحيح ويمليها على الإنسان، مشيرا إلى أنّ عملا ما، بقدر ما، لا ينسجم أو ينسجم مع الطبيعة العقلانية، يلازمه انحطاط أدبي أو ضرورة أخلاقية ؛ هو بالتالي إمّا محرَّم وإمّا محلَّل من جهة خالق الطبيعة، أي الله.» وقد تعدّدت صفات القانون الطبيعي عند القائلين به حتّى صعُب أن نجد له مفهوما دقيقا: فهو قانون غير مكتوب عند فلاسفة اليونان آتٍ من الله، وقانون أبديّ مستقرّ في القلوب عند الرومان، وصوّره الكنيسيون على أنّه قانون إلهيّ هدفه تحقيق الخير العامّ عن طريق العدل والإحسان. ملحم قربان، قضايا الفكر السياسي، دار الكتاب، ط 1، بيروت، 1982، ص 45
2 ـ الحقوق المدنية والأصول الطبيعية
إنّ المتمعّن في الحقوق التي رسمها القانون الطبيعي يلاحظ كيف أنّها أصبحت مصانةً محفوظةً مقنَّنةً تحت موادّ، بعدما كانت مجرّد إملاءات عقلية غير مدوَّنة ؛ فقد انتقلت من حالتها الطبيعية إلى المدنية. وهذا الانتقال هو في حقيقته انتقالٌ للإنسان نفسه من حالة الفطرة إلى حالة المدينة، حيث القانون الوضعي المدوَّن المتمثّل في مجموعة من القواعد تُسنّ من أجل تنظيم شؤون الجماعة وتسيير أمورها. وإنّ من أهمّ ما حملته هذه القواعد ونصّت عليه هو تثبيت تلك الحقوق الطبيعية ؛ ويظهر هذا بشكل جليّ تاريخيّا في القانون الروماني، فقد سعى فقهاء القانون وراء قاعدة تنطابق وطبيعةَ الأشياء تؤسّس للقانون الوضعي الذي جاء بالحقوق المدنية. وما القانون المدني الروماني إلاّ نتيجة وامتداد للقانون الطبيعي الرواقي، إذ تزاوجت الحقوق الطبيعية بالحقوق المدنية التي جاءت بفكرة العدالة والمواطنة والمساواة، انطلاقا من مبادئ ثلاثة: جميع النّاس متساوون، ويُخلَق جميع النّاس أحرارا، والعبودية مناقضة للطبيعة.
3 ـ من الامتداد التاريخي إلى التكامل الوظيفي
كلّ هذا يؤكّد على الامتداد التاريخي لأصول الحقوق المدنية وارتباطها بالحقوق الطبيعية ؛ لكن ماذا كان وراء هذا الامتداد ؟ وما هي نتائجه وآثاره ؟ وجب أوّلا أن تكون الحقوق المدنية في خدمة الحقوق الطبيعية، كون هدفهما واحدا ألا وهو خدمة الإنسان، ممّا يحتّم تكاملهما الوظيفي ؛ لذلك جاءت القوانين الوضعية الحاملة للحقوق المدنية مؤكّدةً بموادّها على ما رسمته القوانين الطبيعية. فإذا كانت الملكية حقّا طبيعيّا، فإنّ القوانين الوضعية أكّدت على هذا الحقّ وأعطته الشرعية المدنية ؛ فقد نصّت المادّة 17 من الإعلان العالمي: «لكلّ شخص حقّ التملّك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يجوز تجريد أحد من مِلكه تعسّفا». وجاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948: «يولد جميع النّاس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، ووُهبوا عقلا وضميرا، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء دون تمييز ؛ ولكلّ فرد حقّ الحياة والحرّية وسلامة الشخصية والمساواة أمام القانون». ولا تُحدَّد ممارسة الحقوق الطبيعية لكلّ إنسان إلاّ بالحقوق التي تؤمّن الأعضاء الآخرين في المجتمع، ولا يجوز أن تُحدَّد هذه الحدود إلاّ بقانون ؛ وليس للقانون أن يحظر إلاّ الأعمال المضرّة بالمجتمع. كما أنّه أثناء تطبيق قواعد العدل الأساسية في القضايا التي تكون نصوص القانون الوضعي حيالها غير وافية، يتمّ الرجوع إلى مبادئ القانون الطبيعي ؛ وهذا يدلّ على التواصل والتكامل بين نوعَي الحقوق، لأنّه لو كان ثمّة تعارض بينهما لما تمّ ذلك.
4 ـ حقوق الأفراد وحقوق الجماعات
لمّا كان الحقّ مكسبا يُخوَّل بفعل القانون، أليس للفرد حقٌّ وللجماعة آخر ؟ ثمّ إذا كان هذا الحقّ يتعلّق بالفرد ممّا يُكسبه الطابع الفردي، ألا يمكن النظر إليه على أنّه اجتماعيّ لكونه يُمارَس في وسط اجتماعي تكون الجماعة مدعوّةً للإقرار به ؟ وهل امتلاك الحقّ كممارسته ؟ يبدو أنّه من السهولة التمييز بين الحقّ الفردي والحقّ الجماعي، على اعتبار أنّ الأوّل ما خصّ الفرد وحده والثاني ما تعلّق بجماعة ؛ وأنّ الحقوق الفردية ترتبط بالقانون الطبيعي، كما ترتبط الحقوق الجماعية في جوهرها بالقانون الوضعي. ولمّا كان القانون الطبيعي سابقا للقانون الوضعي، كانت الحقوق قد بدأت فردية ثمّ انتقلت إلى حقوق جماعية ؛ والحديث عن هذين النوعين يقودنا بالضرورة إلى ذلك السجال الفكري القانوني بين مذهبين فلسفيين كبيرين.
- المذهب الفردي : يؤمن بالحقوق الفردية ويقدّسها، من منطلق نظرته للفرد واعتباره أعلى درجة ولا شيء يسمو فوقه، وهو الغاية التي يجب أن تنصهر فيها جميع الغايات ؛ وما الجماعة إلاّ مجرّد تنظيم يسمح له بممارسة حقوقه، كون وجوده سابقا لوجودها. فالفرد وُلد حرّا، وعندما دخل الجماعة على أساس عقد اجتماعي أُبرم مع سائر الأفراد، دخل العقد وهو يحمل حرّيته التي هي أصل حقوقه الطبيعية.
- ومثله الأعلى : العدل التبادلي : وهو العدل الذي يحقّق قاعدة «إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه» — كالحقّ في الحياة والحرّية والملكية والعمل والمبادرة الفردية وتنظيم علاقات المرء مع غيره.
- المذهب الجماعي : ينطلق من تصوّر مخالف ومعارض كلّية، حيث يقدّم الحقوق الجماعية بوضعها في المقام الأوّل ويضفي عليها الطابع القدسي، وهي سابقة في وجودها عن الحقوق الفردية ؛ من حيث إنّ الحقوق ترتبط بالقانون، وأنّ القانون جاءت به الجماعة، لذلك فهو يراعي مصالحها باعتبارها الهيئة التي تتركّز فيها مصلحة مجموع الأفراد الذين يخضعون لسلطانها.
- ومثله الأعلى : العدل التوزيعي : وهو الذي يكمن فيما توزّعه الجماعة من حقوق على الأفراد، كالحقّ في المساواة والملكية والأمن والحقّ في الوظائف والحقّ في التصويت في الانتخابات والترشّح لها.
تعقيب : لكن ألا يمكن اعتبار الحقّ الفردي يبدأ مع الحقّ الجماعي ويسايره جنبا إلى جنب ؟ فكيف يمكن منطقيّا قبول فكرة وجود حقّ للفرد قبل تعاقده مع الجماعة، وكون وجود الحقّ يفترض وجود طرف آخر يقع عليه هذا الحقّ ويمثّل بالنسبة له واجبا، وإلاّ فإنّ الحقّ لا يمكن ممارسته ؟ فمثلما لا يمكن تصوّر وجود واجب في غياب وجود من يقع عليه، فإنّه لا يمكن في المقابل تصوّر حقٍّ من غير تصوّر وجود طرف يعترف به كحقّ ويسهّل عملية ممارسته. ونتيجةً لهذا يمكن القول إنّ الحقوق فرديةٌ بالنظر إلى مصدرها، جماعيةٌ بالنظر إلى المحيط الذي تُمارَس فيه ؛ كما أنّ تقدّم الحقوق الفردية على الجماعية بمنظور بعض النظريات القانونية هو تقدّم منطقي لا تقدّم زماني، من منطلق أنّ وجود الحقّ يقتضي وجود طرفين: طرفٍ يكون له، وطرفٍ يقع عليه — بمعنى أنّ كلّ حقّ يسايره في النهاية واجبٌ ما.
لماذا لا يُحسم النزاع بين المذهبين بترجيح أحدهما ؟لماذا لا يُحسم النزاع بين المذهبين بترجيح أحدهما ؟
لأنّ المذهبين لا يتنازعان في الشيء نفسه من الجهة نفسها. فالمذهب الفردي محقٌّ في مصدر الحقّ: هو ملازم للطبيعة البشرية، ثابت لا يُسقَط، سابقٌ منطقيّا على كلّ تعاقد. والمذهب الجماعي محقٌّ في ممارسة الحقّ: فهي لا تقوم إلاّ في وسط اجتماعي تعترف فيه الجماعة بالحقّ وتضمنه بقانون. والدليل على أنّ الترجيح لا يستقيم هو أنّ الحقّ الواحد يحمل الطابعين معا: فحقّ الملكية حقٌّ فردي من حيث هو موجَّه للفرد يتحكّم فيه ويعود عليه بمنافع، وحقٌّ جماعي من حيث هو يُمارَس في وسط اجتماعي ويخضع لشروط تحدّدها الجماعة. ولهذا فإنّ ما يبدو خلافا في الأسبقية هو في الحقيقة خلطٌ بين المصدر والمحيط — ومن فرّق بينهما وجد أنّ التقدّم المزعوم تقدّمٌ منطقي لا زمانيّ، وأنّ ما يُنهي النزاع ليس ترجيحَ طرف، بل إدخالَ الطرف الغائب: الواجب.
Page 1/6
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net