Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية

تحديات الأسرة

🔊 The teacher reads for you
اسأل أيّ أسرة تعرفها عمّا تغيّر في بيتها خلال عشرين سنة، فستسمع الجواب نفسه تقريبا: صار لكلّ فرد وقتُه، وشاشتُه، وأصدقاؤه الذين لا يعرفهم البقية، وقراراتُه التي يُعلمهم بها بعد أن يتّخذها. لم يخرج أحد من البيت، ومع ذلك صار كلّ واحد فيه وحده. فهل هذا تفكّك للأسرة، أم صورة جديدة لها لم نتعلّم بعدُ كيف نعيشها ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تعيين أخطر ما يتهدّد الأسرة اليوم، وربط التفكّك بسببه لا بمظهره
  • تعريف الطلاق والهجر والتمييز بينهما بوصفهما نمطَين من التفكّك
  • عرض أثر عمل المرأة في مكانتها وفي بنية الأسرة، والتمييز بين التحرّر المظهري والجوهري
  • بيان لماذا تعجز التربية التقليدية عن التكيّف، وما الذي تقتضيه عصرنة أساليبها
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • وظائف الأسرة الأربع، والفرق بين الأسرة الممتدّة والأسرة النواة
  • الفرق بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية
  • قراءة معطى إحصائي دون أن تحمّله ما لا يقوله
إذا كانت الحياة الزوجية تتعرّض لعوائق داخلية وخارجية تمثّل تحدّيات أمام الأسرة، فما هي هذه التحدّيات الجديدة ؟ وما أسباب التفكّك الأسري ؟ ثمّ كيف السبيل إلى مواجهتها: أبالتمسّك بأساليب التربية الموروثة، أم بعصرنتها ؟

مقدمة : طرح المشكلة

لا شكّ في أنّ المجتمع الإنساني لهذا العصر يدفع بالأسرة إلى إعادة تقويم وظيفتها الأخلاقية والتربوية، في مواجهة شيوع نزعة التفكّك الاجتماعي والتحلّل من قيود الموروث، وما أدّى إليه من تنامي روح المغامرة والتمرّد على مستوى الأفراد. والأسرة التقليدية لم تكن تعرف من المشكلات سوى التفكّك أو الطلاق، في حين أنّ تطوّر الحياة المعاصرة وتعقّد علاقاتها أدّى إلى بروز مشكلات من نوع آخر: كتمرّد الفرد، وضعف رعاية الدولة، والتمييز ضدّ المرأة. ومن هنا يصير السؤال مضاعفا: ما هذه التحدّيات في حقيقتها ؟ ثمّ بأيّ أداة تُواجَه — أبالأداة نفسها التي وُرثت، وقد نشأت لزمان آخر، أم بأداة تُصنع لهذا الزمان ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

سؤال أمّ في ختام حوارها مع ابنها المُقدِم على الزواج

ـ (ع) : على رِسلك يا أمّاه ! فإنّ لعصرنا مشكلاته التي لا تجدي فيها تقاليدنا وقيمنا، بل لا بدّ من مواجهتها والتأقلم معها… ـ (ر) : ربّما أنت على حقّ، فقد خُلقتم لزمان غير زماننا ؛ ولكنّ المشكلة أنّنا لا ندري هل بإمكاننا نحن، بما جُبلنا عليه من إرث أخلاقي، أن نتأقلم مع زمانكم هذا ؟! ولاحظ أنّ الأمّ لم تنكر التحدّي ولم تدافع عن الماضي: هي تسأل عن أداة المواجهة، لا عن وجود ما يُواجَه. وهذا بالضبط هو سؤال الدرس.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. التحدّي معترَف به من الطرفين : فالابن يقول إنّ لعصره مشكلات، والأمّ تقرّ بأنّه «ربّما على حقّ» ؛ فالخلاف ليس في الواقعة بل في الوسيلة.
  2. والإرث الأخلاقي موضوع السؤال لا موضوع الاتّهام : فالأمّ تسأل: هل بإمكاننا بما جُبلنا عليه أن نتأقلم ؟ ⟸ وهو سؤال عن قابلية القيم للتكيّف، لا عن صلاحيتها في ذاتها.
  3. وما يهدّد الأسرة أخطر ممّا يبدو في الحوار : فأخطر ما يتهدّدها ميل أفرادها إلى النزعة الفردية على حساب النزعة الاجتماعية، ممّا يفسح المجال أمام نشوب الأزمات وتراكمها ؛ فيظهر الخلل في العلاقات الأسرية التي لا تقدر على مواجهة أيّ انحراف بالقياس إلى أنماط الحياة العادية، وتكون النتيجة الطبيعية حدوث التفكّك الأسري وتعذّر استمرار وحدة الأسرة.

I – كيف يمكن للأسرة أن ترتقي بمكتسبات وقيم التراث باتجاه معالجة مشكلاتها الجديدة ؟

ثانيا : مشكلاتها الوظيفية (المواجهة والتكيف)

1 ـ تحدّيات جديدة أمام الأسرة

  1. النزعة الفردية على حساب النزعة الاجتماعية : وهي السبب الأوّل الذي تتفرّع عنه بقيّة المظاهر ؛ فحين يتقدّم مطلب الفرد على مصلحة الجماعة داخل البيت، تتراكم الأزمات ولا تجد العلاقات الأسرية ما تواجه به الانحراف.
  2. الطلاق : وهو أكبر دليل على تصدّع الأسرة وانهيار مقوّماتها ؛ فهو إنهاء زواج صحيح في حياة الزوجين، وصورة من الفسخ القانوني لرابطة الزواج، وينتج في العادة عن الصراعات المتّصلة التي تنعكس على أعضاء الأسرة نفسيا واجتماعيا بالسلب.
  3. الهجر : وهو نمط آخر من التفكّك ؛ الفصل بين الزوجين دون طلاق، أي أنّهما يحتفظان بالصورة الكاذبة للزواج ؛ وأبسط صوره تبدو عندما يترك بعض الأزواج البيت دون ترتيب موارد مالية وغيرها من المسؤوليات.
  4. وتغيّر الرأي العامّ نفسه : فقد ظهرت تغيّرات واضحة في الرأي العامّ حول الطلاق، إذ أصبح الآن يُتقبّل مثل سائر الأمور العادية ؛ ⚠️ وهذا التغيّر أخطر من الظاهرة نفسها، لأنّه يعكس تحوّلا أساسيا في القيم والمعايير — أي في الأداة التي كنّا نقيس بها.

ومن بواعثه غير المباشرة في المجتمعات المعاصرة ذلك الكفاح من أجل رفع المستوى الاقتصادي والانتقال إلى مستوى اجتماعي أعلى ؛ ممّا دفع بالمرأة إلى مشاركة الرجل في كفاحه لزيادة دخل الأسرة عن طريق التحاقها بالعمل. وبالتالي تحسّنت مكانة المرأة الاجتماعية، فأعطاها ذلك نمطا من الاستقلال والحرّية، الأمر الذي جعل حقوقها تمتدّ إلى مجالات أخرى كالتعليم والرياضة ومنافسة الذكور فيها. ⚠️ وانتبه إلى دقّة العبارة: عمل المرأة مذكور هنا بوصفه باعثا غير مباشر ضمن كفاح اقتصادي عامّ، لا سببا مباشرا للطلاق ؛ ومن جعله سببا مباشرا فقد حمّل المعطى ما لا يقوله.

سناء الخولي — عمل المرأة في زيادة مستمرّة

نسبة النساء العاملات — سواء في المجتمعات المتقدّمة أو النامية — في زيادة مستمرّة، سواء كنّ متزوّجات أو غير متزوّجات. وقد كانت المرأة جزءا من نظام البيت، تتبع زوجها وتكون تحت رعايته وسلطته المطلقة دون رأي أو حقّ ؛ ونتيجة للحركة التحرّرية أصبحت اليوم تشارك الرجل المدرسة والجامعة والمصنع وكلّ مجالات العمل، وبالتالي نالت معظم حقوقها. وعلى الرغم من كلّ هذا، لا يزال المجتمع يفرض عليها قيودا تعطّلها عن الحركة، وهي قيود ثقافية تمتدّ جذورها بعمق إلى ظروف التربية التقليدية. سناء الخولي، الأسرة والحياة العائلية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص، 103

إلاّ أنّ المرأة اكتشفت فيما بعد أنّ التحرّر الذي نالته ليس سوى تحرّر مظهريّ ؛ أمّا الجوهر فهو أخطر بكثير ولا يزال بعيد المنال. وهذه الصورة كان لزاما عليها أن تثور ضدّها للتحرّر منها، وهذا لا يتحقّق إلاّ بالعمل على تصحيح الأوضاع المزيّفة التي دعمتها المفاهيم الاجتماعية السائدة، ومنحِ المرأة المقدرةَ على أن تمارس بحرّية كلّ إمكانياتها. ⟸ فالتحدّي هنا مزدوج: تحدٍّ أمام الأسرة في إعادة توزيع أدوارها، وتحدٍّ أمام المجتمع في أن يجعل ما مُنح في النصوص واقعا في الحياة.

2 ـ عصرنة أساليب التربية

مثل هذه التحدّيات الجديدة تعصف بكيان الأسرة، ممّا يقتضي مواجهتها ؛ والتجربة أكّدت أنّ التربية التقليدية عاجزة عن تحقيق التكيّف مع التغيّر الاجتماعي، ممّا يستوجب عصرنة أساليب التربية لمواجهة هذه التحدّيات والتكيّف مع العصر. وسبب هذا العجز بيّن: ما نراه اليوم من تغيّر اجتماعي سريع تزداد فيه أنواع الصراع الثقافي بين القديم والجديد، نتيجةَ ثورة الاتّصالات وسرعتها وكثرتها، لم يصحبه تغيير في المفاهيم والاتّجاهات نحو الآخرين ؛ فبقيت الأداة القديمة تواجه واقعا جديدا.

  1. تنمية القدرات العقلية للفرد : كي يدرك ما يجري حوله في العالم الذي يعيش فيه ؛ فعندما يكون على معرفة بما يجري حوله يستطيع أن يشخّص من الناحية الاجتماعية الظروف والمشكلات التي تواجهه، وإلاّ كان ضحيّة الواقع بدلا من أن يسيطر عليه.
  2. وبناء فهم جديد للقواعد والقيم : يشمل ما يحكم العلاقات المختلفة بين الأفراد وبين المجتمعات بعضها ببعض ؛ وواجب التربية أن تهيّئ الفرص للأطفال والشباب والكبار كي يشاركوا في أعمال تعيد بناء الأفكار والاتّجاهات، لتحقيق التضامن الاجتماعي في فترة تحكمها علاقات معقّدة دائمة التغيّر.
  3. وإعادة البناء الاجتماعي : بالفحص المستمرّ للآراء والأفكار والمعتقدات والمؤسّسات الاجتماعية، أي للتراث الثقافي، في ضوء المشكلات الجديدة والظروف الجديدة ؛ ⚠️ فحصٌ لا رفضٌ: التراث يُعاد فحصه ليُوظَّف، لا ليُترك.
  4. وإنشاء مؤسّسات نفسية للاستشارة والتوجيه : تعمل على مساعدة الأسرة على تجاوز مشكلاتها ؛ فما عاد ممكنا أن تُترك الأسرة وحدها أمام مشكلات تجاوزت خبرتها.
لماذا لا تكفي التربية التقليدية، وهي التي نجحت أجيالا طويلة ؟

لأنّ نجاحها كان مشروطا بشرط لم يعد قائما: أن يكون العالم الذي يخرج إليه الابن هو نفسه العالم الذي عرفه الأب. فالتربية التقليدية تنقل أجوبة جاهزة، وهي كافية ما دامت الأسئلة تتكرّر. أمّا حين تتغيّر الحياة الاجتماعية بسرعة — بثورة اتّصالات لم يصحبها تغيير في المفاهيم والاتّجاهات — فإنّ الابن يواجه أسئلة لم يواجهها أبوه، فلا تُسعفه الأجوبة المنقولة، ويصير كما تقول الفقرة «ضحيّة الواقع الذي يواجهه بدلا من أن يسيطر عليه». ⚖️ ولذلك كانت العصرنة المطلوبة عصرنةَ أسلوب لا استبدالَ قيم: أن تنقل التربية القدرة على التشخيص بدل الجواب الجاهز، وأن تعيد فحص التراث في ضوء المشكلات الجديدة بدل أن تسلّمه كما هو أو تتخلّى عنه. وهذا هو الجواب الذي كانت الأمّ تبحث عنه في سؤالها: نعم، يمكن للإرث الأخلاقي أن يتأقلم — بشرط أن يُفحص، لا أن يُكرَّر.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة استقصائية بالوضع: «هل الأسرة الجزائرية قادرة على مواجهة تحدّيات العصر ؟»، أو في سؤال عن أسباب التفكّك الأسري. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① السبب الجذري مقدَّما على المظاهر: النزعة الفردية على حساب النزعة الاجتماعية، ثمّ الطلاق والهجر بوصفهما نمطَين من التفكّك ؛ ② معطى عمل المرأة بحدوده الصحيحة (باعث غير مباشر ضمن كفاح اقتصادي · تحسّن المكانة · تحرّر مظهريّ لم يبلغ الجوهر) مع مرجعه ؛ ③ أربعة عناصر لعصرنة التربية (تنمية القدرات العقلية · بناء فهم جديد للقيم · إعادة فحص التراث · مؤسّسات الاستشارة النفسية). ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : تحويل الجواب إلى خطاب أخلاقي يُحمّل عمل المرأة مسؤولية التفكّك ؛ وهذا تحريفٌ للمعطى، وسيُحسب عليك في التعليل قبل أن يُحسب في المضمون. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : جعل «عصرنة التربية» تخلّيا عن التراث ؛ والنصّ يطلب إعادة فحصه في ضوء المشكلات الجديدة، وهذا غير الرفض.
نتيجة — أخطر ما يتهدّد الأسرة اليوم ميل أفرادها إلى النزعة الفردية على حساب النزعة الاجتماعية، فتتراكم الأزمات ويعجز البناء الأسري عن مواجهة الانحراف، فتكون النتيجة التفكّك. وأبرز صوره الطلاق — وهو إنهاء زواج صحيح وفسخ قانوني لرابطته — والهجر، وهو فصلٌ بين الزوجين دون طلاق مع الاحتفاظ بالصورة الكاذبة للزواج ؛ ويزيد الأمر خطورةً أنّ الرأي العامّ نفسه صار يتقبّل الطلاق كسائر الأمور العادية، وهو ما يعكس تحوّلا في القيم والمعايير. ومن البواعث غير المباشرة الكفاحُ من أجل رفع المستوى الاقتصادي، الذي دفع بالمرأة إلى العمل فتحسّنت مكانتها وامتدّت حقوقها إلى التعليم والرياضة وغيرهما ؛ غير أنّ التحرّر الذي نالته بقي مظهريا، والجوهر لا يزال بعيد المنال بفعل قيود ثقافية جذورها في التربية التقليدية. ومواجهة ذلك كلّه لا تكون بالتربية الموروثة، فقد أثبتت التجربة عجزها عن التكيّف مع التغيّر الاجتماعي، بل بعصرنة أساليبها: تنميةً للقدرات العقلية حتّى يشخّص الفرد مشكلاته، وبناءً لفهم جديد للقيم التي تحكم العلاقات، وإعادةَ فحص مستمرّ للتراث الثقافي في ضوء المشكلات الجديدة، وإنشاءً لمؤسّسات نفسية للاستشارة والتوجيه. ⟸ فالأسرة مؤسّسة يحكمها نظام ثقافي ومنظومة قيمية، تتأثّر بما يحدث في المجتمع كما تؤثّر فيه، ولها صلة وثيقة بأنظمته الأخرى الاقتصادية والسياسية — وإليها ننتقل.

Page 1/4

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net