الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية
السياسة و الأخلاق
- عرض الموقفين من غاية الدولة: الغاية الأخلاقية والغاية الأمنية
- بيان وظيفة الدولة بين معيار القانون ومعيار الصالح العامّ
- تحليل الأزمة الأخلاقية في العلاقات الدولية وبيان لماذا لا تحلّها القوانين
- بيان أنّ القيم الخلقية المستمدّة من التراث تتخلّل التنظيمات الاجتماعية كلّها
- مفهوم الدولة ومقوّماتها، والفرق بينها وبين الحكومة
- أنظمة الحكم الفردي والجماعي، ومعنى المشروعية
- الفرق بين الإلزام القانوني والالتزام الأخلاقي
مقدمة : طرح المشكلة
قطعنا في هذه المشكلة طريقا طويلا: بدأنا من الأسرة بوصفها مصدر الأخلاق والدعامة الأساسية لكلّ تهذيب للسلوك، ثمّ في النظام الاقتصادي حيث انتهينا إلى أنّ ما يعيب النظم الكبرى هو ابتعادها عن الأساس الأخلاقي، ثمّ في الدولة وأنظمة حكمها. وفي كلّ محطّة كان السؤال نفسه يعود بصيغة جديدة: هل للقيم موضع في التنظيم، أم أنّ التنظيم يقوم بقوانينه وحدها ؟ والآن نطرحه في أصعب ميدان يمكن أن يُطرح فيه: ميدان السياسة، حيث تجري الممارسة تحت ضغط المصلحة والقوّة، وحيث يقال منذ قرون إنّ ما يصلح في الأخلاق لا يصلح في الحكم. فهل وظيفة الدولة أخلاقية أم قانونية ؟ وهل بينهما تعارض أصلا ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ طُلب من ميكيافيلي (1469 – 1527) أن يحدّد وظيفة للدولة فقال: «… إنّ هناك عددا ضخما من الأمثلة التي تقيم الدليل على أنّ الواجب يدعو — عند تأليف الدول والتشريع لها — إلى اعتبار الناس جميعا من الأشرار، وإلى أنّهم يُنفّسون دائما عمّا في ضمائرهم من الشرّ عندما تُتاح لهم الفرصة للتنفيس عنه.» ـ وسُئل كيني (1694 – 1774): «ماذا تفعل لو كنت ملكا ؟» فأجاب: «لا أفعل شيئا !» ثمّ سُئل: «ومن يتولّى الحكم ؟» فأجاب: «القوانين». فأحدهما يبني الدولة على افتراضٍ في أخلاق الناس، والآخر يرفع الحاكم من الصورة ويضع القانون مكانه. فأيّهما يحكم في النهاية: الأخلاق أم القانون ؟ ميكيافيلي، المطارحات، ترجمة خيري حمّاد، المكتبة التجارية، بيروت، ط 1، ص، 223، 224 — جان توشار وآخرون، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة علي مقلّد، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2، 1983، ص 325
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الأوّل يُخرج الأخلاق من التأسيس ليُدخلها من باب الحذر : فهو لا يقول إنّ الأخلاق لا قيمة لها، بل يقول إنّ المشرّع لا يبني على حسن الظنّ ؛ فيصير الافتراض في شرّ الناس قاعدةً في الهندسة السياسية لا حكما على البشر.
- والثاني ينقل السلطة من الشخص إلى القاعدة : «لا أفعل شيئا… القوانين» ⟸ أي أنّ خير الحكم أن يغيب فيه أثر الحاكم ويحضر أثر القانون ؛ وهذا في ظاهره تخلٍّ عن السياسة، وفي حقيقته أعلى مطالبها.
- والسؤال الذي يولّده الجوابان معا : إذا كان الحاكم لا يفعل شيئا سوى السهر على تنفيذ القانون فلماذا يحكم ؟ ومن يضع له هذه القوانين ؟ أيمارس السلطة أصالةً أم نيابةً وتفويضا ؟ ⟸ فالقانون نفسه يحتاج إلى من يضعه، ووضعُه اختيارٌ بين قيم — وهنا بالضبط تدخل الأخلاق من حيث أُريد إخراجها.
III – وهل بوسع الدولة أن تراهن على تفعيل تراثها القيمي بما يواكب تحوّلات العصر ؟
أولا : وظيفة الدولة بين الأخلاق والقانون
سُئل أرسطو: ما غاية الدولة ؟ فأجاب: «… لا يجتمع الناس من أجل وجودهم المادّي فحسب، وإنّما يجتمعون من أجل الحياة السعيدة ؛ وإلاّ كان تجمّع العبيد أو الحيوانات عبارة عن دولة، وهذا أمر محال، لأنّ هذه الكائنات لا تشارك قطّ لا في تحقيق السعادة ولا في تأسيس حياة تقوم على الإرادة الحرّة.» وسُئل الفارابي: ماذا تمثّل الدولة كقيمة ومثل أعلى ؟ فأجاب: «… الإنسان من الأنواع التي لا يمكن أن يتمّ لها الضروري من أمورها، ولا تنال الأفضل من أحوالها، إلاّ باجتماع جماعات منها كثيرة في مسكن واحد […] فالمدينة هي أوّل مراتب الكمالات.» ⟸ ولاحظ الحجّة المشتركة بينهما: ما يميّز اجتماع الناس عن اجتماع الحيوانات ليس العدد ولا التنظيم، بل المشاركة في غاية وفي إرادة حرّة ؛ فإذا نُزعت الغاية الأخلاقية من الدولة لم يبق ما يفصلها عن قطيع منظّم. نقلا عن عبد الرحمن بدوي، أرسطو عند العرب، الأنجلومصرية، القاهرة، ص 102 — أبو نصر الفارابي، كتاب السياسة المدنية، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ص 69
1 ـ المعيار القانوني : الدولة حامية لقيم الفرد
- التبرير الأمني للسلطة : فالذي يبرّر أيّ ممارسة سياسية تسلكها الدولة عند ميكيافيلي هو حماية نفسها وحماية مواطنيها من شرّ المواطنين أنفسهم ومن شرّ الأعداء الخارجيين.
- والغاية عند لوك حفظُ الأشخاص والممتلكات والحرّية : فالدولة قامت أساسا من أجل ذلك، وعلى صاحب السلطة أن يحكم وفق القوانين الثابتة المستقرّة المعلنة للشعب والمعروفة منه.
- والقانون حدٌّ على الحاكم قبل أن يكون حدّا على المحكوم : فبالتخلّي عن القانون يبتدئ الطغيان ؛ والحاكم الذي يتجاوز الصلاحيات التي أُعطيت له بموجب القانون يكون قد فقد الحقّ في ممارسة السلطة. ⚠️ وهذه هي النقطة التي تجعل القانون نفسه موقفا أخلاقيا: لأنّه يقيّد الأقوى، ولا مصلحة للأقوى في أن يُقيَّد.
- ولا يكفي تطبيق القانون وحده : بل يجب أن تتدخّل الدولة في حدود ما يمكّنها من التوفيق بين المصالح المتعارضة للمواطنين ؛ لأنّه داخل الدولة لا توجد قوّة واحدة فاعلة، وهذا يحتّم وجود سلطة عليا ذات سيادة فوق جميع السلطات الاجتماعية، تلعب دور الحكم الذي يسهر على فرض احترام القانون.
«… إذن فالغاية الكبرى الرئيسية من اتّحاد الناس بعضهم مع بعض لتشكيل دول، ووضعِ أنفسهم تحت سلطة الحكومة، هي المحافظة على ما يمتلكون […] فإنّ كلّ من كانت بيده السلطة التشريعية أو السلطة العليا لأيّة دولة، كان لزاما عليه أن يحكم وفق القوانين الثابتة المستقرّة المعلنة للشعب والمعروفة منه.» ويعتقد لوك أنّه بالتخلّي عن القانون يبتدئ الطغيان ؛ فالحاكم الذي يتجاوز الصلاحيات التي أُعطيت له بموجب القانون يكون قد فقد الحقّ في ممارسة السلطة. ⟸ وتأمّل الصياغة: لم يقل «يكون قد أخطأ»، بل «يكون قد فقد الحقّ» ؛ فالخروج على القانون لا يجعل الحاكم سيّئا فحسب، بل ينزع عنه المشروعية التي بها كان حاكما. ج. راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمة، دار الثقافة، بيروت، ج 1، ص 496، 497
2 ـ المعيار الأخلاقي : رعاية الصالح العام
- الوظيفة تتجاوز السياسي إلى الاجتماعي : فوظيفة الدولة لا تقتصر على ما هو سياسي، بل تمتدّ لتشمل مجالات الحياة الاجتماعية وتوفير الشروط الموضوعية للحياة الإنسانية الكريمة، كما يتبيّن من رأي أرسطو والفارابي.
- رعايةٌ اقتصادية : فأغلب الدول المعاصرة تنفق أموالا ضخمة في رعاية المصالح العامّة للمجتمع: كالرعاية الصحّية، والتربية والتعليم، والترفيه والرياضة، والسكن ؛ وبقدر ما تتطوّر الحضارة تتّجه الدولة إلى تحمّل عبء إشباع الحاجات العليا والنبيلة للمجتمع، مع تحمّل مسؤولية أكبر حيال الضعفاء اقتصاديا من أعضائها.
- ورعايةٌ سياسية : وتتمثّل في الهيمنة التي تطالب بها وتمارسها الدولة على مجموع أعضائها من مقتضيات السيادة ؛ ومنها التشريع للمجتمع وحمايته من الأخطار الداخلية والخارجية، ويلزم من هذا اضطلاعها بتشريع الحقوق وحمايتها.
- ⟸ فالمعياران لا يتعارضان بل يتدرّجان : القانون يمنع الشرّ، والرعاية تصنع الخير ؛ ومن اكتفى بالأوّل بلغ دولةً لا تظلم، ومن أضاف الثاني بلغ دولةً ترقّي — وهذا هو الفرق بين أن تكون الدولة سدّا وأن تكون «أوّل مراتب الكمالات».
3 ـ حين تغيب الأخلاق : أزمة العلاقات الدولية
وإذا كان هذا شأن الأخلاق في الداخل، فإنّ الميدان الذي يظهر فيه غيابها أوضح ما يكون هو ميدان العلاقات بين الدول. إنّ العلاقات الدولية المعاصرة تعاني من أزمة أخلاقية يصعب تجاوزها بمجرّد سنّ قوانين دولية، حتّى وإن كانت هذه القوانين تجسّد قانون المواطن العالمي ؛ ثمّ إنّ القول بفكرة المواطن العالمي يجعل فكرة السيادة متناقضة، لأنّ دعوة الدول للخضوع لهذا القانون وتجسيده في تشريعاتها تجعل السيادة لهذا القانون لا لسلطة الدولة. وهذا التعارض بين فكرة السيادة والممارسات السياسية الدولية أمر ظاهر لا تكاد تخطئه العين: فوسائل الإعلام لا تتوقّف عن إطلاعنا على التحرّشات التي تمارسها القوى العظمى على الدول المستضعفة ؛ وتحت غطاء الهيئات الدولية الرسمية تُحرم دولٌ من حقّها في امتلاك صناعة تكنولوجية ؛ وباسم حقوق الإنسان والحرّية، وباسم القضاء على التطرّف، يُمارَس الإكراه من أجل «دمقرطة» تلك الدول. ⚠️ ولاحظ الدرس الذي يقدّمه هذا الميدان: حيث لا سلطة عليا تُلزم، ينكشف أنّ القانون وحده لا يكفي — فالقوانين الدولية موجودة، والأزمة أخلاقية.
4 ـ الديمقراطية نفسها قيمٌ وشعور لا إجراء
ولذلك فإنّ الديمقراطية ليست طريقة في الحكم فقط، بل ديمقراطية مؤسَّسة على القيم ؛ فنحن أمام قيم يُفترض في الديمقراطية أن تكون تجسيما لها، وهي الحرّية والعدالة والأخوّة والمساواة — قيمٌ غائية يتوق إليها الناس أكثر ممّا هي حقائق محسوسة في حياتهم، ولذلك يختلف الناس في تصوّرها وتطبيقها. وهي قبل هذا وذاك شعورُ الفرد نحو نفسه ونحو الآخرين، وجملةُ الشروط الاجتماعية والسياسية اللازمة لتكوين هذا الشعور فيه ؛ فلا يمكن قيام مجتمع ديمقراطي أو حكم ديمقراطي ما لم يكن داخل المجتمع أفراد يملؤهم الشعور الديمقراطي ؛ وهو الشعور الذي ينقل الفرد داخل الدولة من فرد تابع لسيّد أو مَلِك إلى مواطن صاحب إرادة حرّة ومستقلّة يحظى بالتكريم الإنساني. ⟸ وهذه هي الحلقة التي تُغلق الدرس: السياسة تُقاس في النهاية بما تصنعه في الإنسان، لا بما تصنعه من مؤسّسات.
أليست السياسة «فنّ الممكن» ؟ فكيف نطالبها بما يطالَب به الفرد ؟أليست السياسة «فنّ الممكن» ؟ فكيف نطالبها بما يطالَب به الفرد ؟
الاعتراض قويّ، ولا يُردّ بالوعظ ؛ بل بأن نسأل: ما الذي يحدث فعلا حين تُعفى السياسة من المعيار الأخلاقي ؟ أوّلا، لا تختفي القيم، بل تُستبدل: من افترض الناس جميعا أشرارا لم يُلغِ الحكم الأخلاقي، بل بنى عليه ؛ ومن قال «تحكم القوانين» احتاج إلى من يضع القوانين، ووضعُها اختيار بين قيم. فالسياسة لا تخلو من الأخلاق، وإنّما تخلو من إعلانها. ثانيا، ما إن يسقط المعيار حتّى يسقط معنى الطغيان نفسه: فلوك لم يقل إنّ الحاكم المتجاوز للقانون سيّئ الخُلق، بل إنّه فقد الحقّ في السلطة ؛ فلو لم يكن ثمّة معيار فوق إرادة الحاكم، لما أمكن أن يفقد شيئا مهما فعل — وهذا بالضبط ما قاله المذهب المطلق حين جعل العدل والظلم ما يقرّره الحاكم. ثالثا، الشاهد العمليّ أمامك في العلاقات الدولية: القوانين موجودة والأزمة أخلاقية ؛ فالقانون بلا وازع يصير غطاءً، حتّى إنّ الإكراه يُمارَس باسم الحرّية. ⚖️ فالسياسة فنّ الممكن، نعم ؛ ولكنّ الممكن نفسه يتّسع ويضيق بمقدار ما في الناس من شعور ومن قيم. ولهذا كان الرهان — كما تختم به هذه المشكلة — على تفعيل القيم لا على تكثير النصوص.
خاتمة : حل المشكلة
نخلص ممّا تقدّم إلى أنّ قيمنا الخلقية المستمدّة من تراثنا الحضاري ومخزون العقيدة في الذاكرة الجماعية — باعتبارها تتخلّل كافّة تنظيماتنا الاجتماعية، بدءا من علاقاتنا الأسرية وصولا إلى نظمنا السياسية والاقتصادية — تبقى منهلا نتشرّب منه ونبراسا نهتدي به كلّما كنّا في حاجة إلى التعامل مع تطوّرات العصر التي تلاحقنا في كلّ يوم. كما تظلّ هذه القيم نفسها في حاجة دائمة إلى إعادة قراءة عميقة ومتأنّية، حتّى تنشّط تفاعلاتنا كسلوك جماعي منظّم من جهة، ولأجل تكييف مواقفنا مع ما استجدّ وما يستجدّ في الخارج من تحوّلات كبرى من جهة أخرى ؛ وذلك على أساس من التوازن والاعتدال والوسطية الفاعلة بين تراثنا الذي نعتزّ به، ومكتسباتنا الثقافية العالمية التي نتطلّع إلى الاندماج فيها — وذلك رهانٌ لا بدّ من كسبه.
Page 1/6
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net