Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم في علوم المادة الجامدة وعلوم المادة الحية

الحتمية و الغائية في البيولوجيا

🔊 The teacher reads for you
قال العلماء في وصف الكائن الحيّ إنّ فيه «وظيفةً عامّة تصل الجزء بالكلّ، وتشمل أيضا الأجزاء فيما بينها شمولا ديناميا». قِف عند كلمة وظيفة: هي تقول إنّ للجزء عملا يؤدّيه من أجل غيره. ولو قلتَ عن حصاة إنّ لها وظيفة في الجبل، لَما فُهم كلامُك. فالعلم إذن يصف الحيّ بلغةٍ لا يستعملها في الجامد. فهل في الكائن الحيّ غايةٌ حقّا ؟ وكيف يدرسه علمٌ لا يعترف إلاّ بالأسباب ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديد ما تقتضيه لغة الغاية في وصف الحيّ، وتمييز صيغتها القوية من صيغتها الوظيفية
  • عرض ما أثبتته الفيزيولوجيا من خضوع الظواهر الحيّة لعمليات فيزيائية كيميائية
  • شرح تصوّر الوسطين الداخلي والخارجي، ومعنى الغاية الحيوية المشتركة
  • بيان كيف تجتمع الحتمية والغاية في وصف واحد للكائن الحيّ من غير تناقض
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • خصائص الموضوع الحيّ الثلاث والعوائق النابعة عنها
  • مبدأ الحتمية ومبدأ الاطّراد، وما تعنيه العلاقة الثابتة بين الظواهر
  • كيف كيّف «كلود برنار» المنهج التجريبي لدراسة المادّة الحيّة
بأيّ لغة يُوصَف الكائن الحيّ: لغةِ الأسباب أم لغةِ الغايات ؟ وإذا كان القول بغاية في الطبيعة قد عُدّ عائقا أوقف البحث قرونا، فلماذا يعود العلم نفسه فيتكلّم عن وظيفة العضو وعن غاية حيوية مشتركة ؟ أهي عودةٌ إلى ما طُرد، أم أنّ للغاية معنيين لا معنًى واحدا ؟ وأين تقف الحتمية من هذا كلّه إذا كانت هي الّتي أثمرت في هذا الميدان بالذات ؟

مقدمة : طرح المشكلة

رأينا أنّ من العقبات الّتي أوقفت البحث في الحيّ الإيمانَ بمبدأ الغائية، وأنّ التخلّص منه كان شرطا لإدراك أنّ الأجسام — جامدةً كانت أو حيّة — تستجيب لنظام واحد هو نظام الكون. غير أنّ البيولوجيا، بعد أن تحرّرت من ذلك المبدأ، لم تكفّ عن استعمال لغة الغاية: فهي تتكلّم عن وظيفة العضو، وعن مبرّر وجوده، وعن غاية حيوية مشتركة تتعاون من أجلها الأجزاء. فإمّا أنّ العلم يناقض نفسه، وإمّا أنّ لفظ «الغاية» يحمل معنيين مختلفين: واحدا يُقصي البحث وآخر يُنتجه. فما الفرق بينهما، وأين موقع الحتمية من الاثنين ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وصفٌ علمي بلغة الغاية

لم يعد يغيب عن العلماء أنّ العضوية تعيش في وسطين: وسطٍ داخلي ووسطٍ خارجي. ـ ففي الوسط الداخلي : يدركون جيّدا أنّ كلّ الأجزاء المؤلِّفة للعضوية تشكّل وحدةً محكمة، وتساهم من أجل تحقيق غاية حيوية مشتركة ؛ وأنّ هذه الغاية الحيوية تفقد مبرّر تحقيقها خارج الوسط الّذي يحيط بها. ـ وأمّا الوسط الخارجي : فليس المقصود به مجرّد عالَم الأشياء فقط، وإنّما هو أيضا وبوجه أخصّ المحيط الفيزيولوجي والسيكولوجي. ـ ومثاله : إنّ لوزة الرُّضاب تجد مبرّر وجودها ضمن علاقتها بالجهاز الهضمي، وضمن علاقة عناصرها الهستولوجية بالدم ؛ مع هذه الإشارة، وهي أنّ الجهاز الهضمي يتأثّر بما يوفّره الوسط الخارجي من موادّ غذائية من جهة، وأنّ الدم من جهة أخرى هو في علاقة مع الهواء. فلاحِظ الألفاظ: «تساهم من أجل»، «غاية»، «مبرّر وجودها». هذه لغةُ غايات في نصّ فيزيولوجي خالص.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الغاية هنا لا تُنسب إلى العضو بل تُقرأ في علاقاته : فالنصّ لم يقل إنّ لوزة الرُّضاب تقصد تسهيل الهضم ؛ قال إنّها تجد مبرّر وجودها ضمن علاقتها بالجهاز الهضمي وبالدم. والفرق بين الصيغتين هو الفرق بين نيّةٍ مفترَضة في الشيء وعلاقةٍ ملاحَظة بين الأشياء.
  2. وهذه العلاقة قابلة للتتبّع حلقةً حلقة : عضوٌ في جهاز، وجهازٌ في عضوية، وعضويةٌ في وسط، ووسطٌ فيه الغذاء والهواء. وكلّ حلقة منها تُدرَس على حدة وتُقاس ؛ فالكلام عن الغاية هنا لا يوقف البحث بل يوجّهه، إذ يُملي على الباحث أن يبحث عن الحلقة التالية.
  3. ومن هنا يظهر معياران للتمييز : فالغاية الّتي تُقصي البحث هي الّتي تُفترض قوّةً داخل الكائن تُغني عن البحث عن الأسباب ؛ والغاية الّتي يستعملها العلم هي وظيفةٌ في نسق، تُستخرج من العلاقات ولا تُضاف إليها. والأولى تُفسَّر بها كلُّ نتيجة فلا تُمتحَن، والثانية تسقط إن ثبت أنّ العضو لا علاقة له بما نُسب إليه.

V – فبأيّ لغة يُوصَف الكائن الحيّ : لغةِ الأسباب أم لغةِ الغايات ؟

أولا : الغائية في صيغتها القوية

أمّا الصيغة القوية للغائية فهي الّتي وقفت في وجه المنهج التجريبي. فقد وجد بعض المفكّرين في عقبات البيولوجيا مبرّرات لمعارضة تطبيق المنهج على الكائنات الحيّة، فأضافوا إليها عقبةً تتمثّل في العفوية الحرّة الّتي تتمتّع بها الكائنات الحيّة والّتي تخضع لقوانين خاصّة ؛ إنّهم يسلّمون بأنّ هناك قوّة حيوية تحرّك سائر حوادث الحياة وتُخضعها لنظامها الحرّ، وكأنّها بمثابة قوّة باطنية مستقلّة تتحكّم في أفعال هذه الحوادث وتُعفيها من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية. وقد كان لهذه الصيغة أثرٌ عملي بيّن:

  1. أنّها تجعل الحيّ خارج الحتمية : فما دامت القوّة تُعفي الحوادث من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية، فلا معنى للبحث عن سبب خارجي ولا داخلي ؛ وبهذا يسقط المنهج التجريبي من أساسه في هذا الميدان.
  2. وأنّها لا تُمتحَن : إذ إنّ كلّ ما يقع في الكائن يمكن أن يُنسب إليها، وكلّ ما لا يقع كذلك ؛ فهي فرضٌ لا سبيل إلى تحقيقه، على نحو ما نبّه إليه من حذّر من التمادي في الافتراضات الّتي لا تقبل التحقّق.
  3. وأنّها كانت من العقبات الإبستيمولوجية : فقد عُدّ الإيمان بمبدأ الغائية — إلى جانب تحريم تشريح الجثث وفكرة لاأخلاقية التشريح على الحيّ — ممّا يتعيّن التخلّص منه، مع بعض الاعتبارات الفلسفية والاعتقادات الدينية وتقديس المأثور عن السلف ؛ وعندئذ لم يعد للنفور من دراسة الظواهر البيولوجية أيّ مبرّر معقول.
لماذا سقطت هذه الصيغة

لم تسقط الصيغة القوية للغائية لأنّ أصحابها أخطؤوا في وصف الحيّ ؛ فوصفُهم في جزء منه صحيح: الكائن الحيّ فعلا كلٌّ متكامل، وفعلا يعوّض ما فُقد منه، وفعلا لا يكون هو هو إلاّ في محيطه. سقطت لأنّها حوّلت هذه الملاحظات إلى قوّة باطنية مستقلّة، أي إلى تفسير من نوع لا يُختبَر. ولاحِظ الفرق بين قولين: «كلّ جزء في الحيّ تابعٌ للكلّ ولكلّ الأجزاء الأخرى» — وهذا وصفٌ يُتحقّق منه بالتشريح والتجريب ؛ و«ثمّة قوّة حيوية تُعفي الحوادث من تأثير التغيّرات» — وهذا لا يُتحقّق منه بشيء. فالقول الأوّل بقي في العلم وصار أساسا للعوائق الأربعة الّتي درسناها ؛ والثاني خرج منه. وهذا يبيّن أنّ الخلاف لم يكن حول خصوصية الحيّ، بل حول نوع التفسير الّذي تستحقّه.

ثانيا : ما أثبتته الحتمية في مجال الحيّ

وفي مقابل ذلك، أثبتت الفيزيولوجيا أنّ الظواهر الحيّة تُفسَّر بالمبادئ نفسها الّتي ترتدّ إليها المادّة الجامدة. وقد قام هذا على تقرير أنّ خصائص المادّة الحيّة لا يمكن معرفتها إلاّ بعلاقتها مع خصائص المادّة الخام، وأنّ في العضويات المركّبة ثلاثة أنواع من الأجسام: أجسامٌ بسيطة كيميائيا لا تتعدّى الستّة عشر في تركيب عضوية الإنسان ؛ ومبادئُ غير مباشرة تحتفظ بخصائصها إذا اقتُطفت لأنّها لم تبقَ حيّة، فهي منتوجات عضوية غير منظَّمة ؛ وعناصرُ تشريحية منظَّمة هي الأجزاء الوحيدة الّتي تعرف النظام والحياة، ولا تنفصل عن العضوية دون أن تفقد حيويتها. وهذه الفئات الثلاث، مع اختلافها، قادرةٌ كلّها على أن تعطي عمليات فيزيائية كيميائية تحت تأثير منبّهات خارجية كالحرارة والضوء والكهرباء ؛ ولذلك يبيح العالِم الفيزيولوجي لنفسه فهم الظواهر الحيّة وتفسيرها اعتمادا على تلك المبادئ. فعملية التنفّس مثلا ترتدّ في النهاية إلى أكسدة اليحمور وإلى تأكسدات خاصّة بالخلايا.

كلود برنار — التفكيك من أجل النفوذ

لقد اجتهد «ك. برنار» من أجل إخراج العلوم البيولوجية من مجال التحجّر إلى مجال الازدهار والتقدّم، وذلك بسعيه إلى تطبيق مناهج البحث في الدراسات الفيزيائية الكيميائية ؛ ورأى أنّه إذا كنّا لم نتمكّن من اكتشاف قوانين المادّة الخام إلاّ بالتغلغل في الأجسام، فإنّنا لا نستطيع الوصول إلى معرفة قوانين وخصائص المادّة الحيّة إلاّ بتفكيك العضويات الحيّة للنفوذ في دواخلها. وبفضل ذلك استطاع أن يقلب حيوانات ذات دم حارّ إلى حيوانات ذات دم بارد، حتّى يستقصي خصائص عناصرها الهستولوجية. وتأمّل ما تعنيه هذه التجربة بالذات في نزاعنا: لو كانت في الحيّ قوّةٌ باطنية مستقلّة تُعفيه من تأثير التغيّرات الخارجية، لَما استجاب لتغيير نظام حرارته من الخارج. فالحجّة ليست كلاما ضدّ كلام، بل واقعةٌ تكذّب دعوى. كلود برنار (C. Bernard، 1813-1878)، عالم فيزيولوجي فرنسي، صاحب «مدخل لدراسة الطبّ التجريبي»

ثالثا : كيف تجتمع الحتمية والغاية في وصف واحد

وهنا يظهر الجواب عن سؤال الدرس: فالعلم لم يستبدل بلغة الغاية لغةَ الأسباب، بل جعل لكلٍّ منهما موضعا. الحتمية تجيب عن كيف يقع ما يقع في العضو: بأيّ تفاعل، وتحت أيّ منبّه، وبأيّ مقدار. والغاية الوظيفية تجيب عن موقع هذا العضو من الوحدة المحكمة الّتي ينتمي إليها. وليس بين الجوابين تنازع، لأنّهما لا يجيبان عن سؤال واحد.

1 ـ الغاية بوصفها علاقةً لا قوّةً

ويمكن أن نجمع الفروق بين الغائية الّتي طُردت والغاية الّتي بقيت في أربع، وهي الفروق نفسها الّتي تفصل — في كلّ ميدان — بين تفسير يُغلق البحث وتفسير يفتحه:

  1. من حيث الموضع : الأولى قوّةٌ مفترضة داخل الكائن ؛ والثانية علاقةٌ ملاحَظة بين الأجزاء وبين الكائن ووسطه.
  2. من حيث الأثر في البحث : الأولى تُغني عن البحث عن السبب لأنّها تفسّر كلّ شيء ؛ والثانية تُلزم بالبحث عن الحلقة التالية — فمن قال إنّ للوزة الرُّضاب مبرّرا في علاقتها بالجهاز الهضمي، وجب عليه أن يبيّن هذه العلاقة ويقيسها.
  3. من حيث القابلية للامتحان : الأولى تُعفي الحوادث من تأثير التغيّرات فلا يكذّبها شيء ؛ والثانية تسقط إذا ثبت أنّ العضو لا يؤدّي ما نُسب إليه، أو أنّ الوظيفة تتمّ بدونه.
  4. من حيث الشرط : الأولى مطلقة لا تتعلّق بشيء ؛ والثانية مشروطة بالوسط، إذ تفقد الغايةُ الحيوية مبرّرَ تحقيقها خارج الوسط الّذي يحيط بها — وهذا الشرط وحده كافٍ لتمييزها، لأنّ القوّة المزعومة لا تفقد شيئا بتغيّر الوسط.
الحجّة الأخيرة : ثمرةُ المنهج

إنّ الخصوصيات الّتي تميّز الظاهرة البيولوجية ليست متروكةً للعفوية بالمفهوم الهمجي، أي المتمرّدة عن النظام ؛ بدليل أنّ المنهج التجريبي القائم على مبدأَي الحتمية والاطّراد مكّن العلماء في مجال الكائنات الحيّة من إحراز تقدّم مذهل، أدرك ذروته مع تسخير المورّثات في مجال الاستنساخ. ومهما كان «الشرود المؤقّت» الّذي يشير إليه الباحثون بشأن بعض الحوادث في الفيزياء الذرّية أو بعض سلوك العضويات الطارئ في البيولوجيا، فإنّ معرفة طبيعة هذا النوع من الوقائع معرفةً معمّقة كفيلةٌ بتقليص ما نسمّيه بهامش الشواذّ. ولاحِظ بنية هذه الحجّة: هي لا تُثبت الحتمية ببرهان نظري — وقد رأينا أنّها مسلَّمة غير مبرهَن عليها — بل تُثبتها بما أنتجته. فالمسلَّمات الفلسفية الضرورية غير المبرهَن عليها، مثل مبدأَي الحتمية والاطّراد، هي مسلَّماتٌ يتأكّد صدقُها وفائدتها مع استمرار الاكتشافات العلمية.

أليس القول بغاية حيوية مشتركة رجوعا إلى الغائية من باب آخر ؟

الفرق يظهر إذا سألتَ سؤالا واحدا: ما الّذي يكذّب هذا القول ؟ قُل: «في الكائن قوّةٌ حيوية باطنية مستقلّة تُعفي حوادثه من تأثير التغيّرات» — ثمّ ابحث عن تجربة تكذّبها. لن تجد: فإن استجاب الكائن للتغيّر قيل إنّ القوّة سمحت بذلك، وإن لم يستجب قيل إنّها منعت. وقُل: «أجزاء العضوية تشكّل وحدةً محكمة تساهم من أجل غاية حيوية مشتركة، تفقد مبرّر تحقيقها خارج وسطها» — ثمّ ابحث عن تجربة تكذّبها. ستجدها فورا: انقل الكائن إلى محيط اصطناعي وانظر أيضطرب سلوكه ؛ أو أزِل عضوا وانظر أتختلّ الوظيفة. وهذه تجارب أُجريت فعلا، وهي بعينها الّتي كشفت العائق الرابع — التفاعل المتقلّب للكائن الحيّ مع المحيط. فالقول الثاني إذن ليس غائيةً بالمعنى الّذي طُرد، لأنّه يعرّض نفسه للسقوط. وهذا هو المعيار الوحيد الّذي يفصل، لا موضوع القول ولا الألفاظ الّتي صيغ بها.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية («هل الظاهرة البيولوجية خاضعة للحتمية أم للغائية ؟») وهي من أكثر مقالات فلسفة العلوم ورودا. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① أطروحة الغائية بلفظها (العفوية الحرّة · قوّة حيوية باطنية مستقلّة تُعفي الحوادث من تأثير التغيّرات) وموقعُها بوصفها عائقا إبستيمولوجيا ؛ ② نقيضُها بالوقائع لا بالكلام: أنواع الأجسام الثلاثة، وردُّ التنفّس إلى أكسدة، وقلبُ حيوان حارّ الدمّ إلى بارد الدمّ ؛ ③ التركيب: الوسطان والغاية الحيوية المشتركة الّتي تفقد مبرّر تحقيقها خارج وسطها — وهي العبارة الّتي تُبنى عليها خاتمتك. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الانتهاء إلى إلغاء الغائية إلغاءً تامّا، فتضيع عليك مادّةُ التركيب كلّها ؛ فالنصّ نفسه يحتفظ بغاية حيوية مشتركة في الوسط الداخلي. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الاستشهاد بـ«الشرود المؤقّت» لصالح الغائية ؛ والنصّ يقول إنّ معرفة هذه الوقائع معرفةً معمّقة كفيلةٌ بتقليص هامش الشواذّ، أي أنّه حجّةٌ للحتمية لا عليها.
نتيجة — لفظ «الغاية» في البيولوجيا يحمل معنيين لا معنًى واحدا. أمّا الغائية في صيغتها القوية فهي القول بعفوية حرّة وقوّة حيوية باطنية مستقلّة تحرّك حوادث الحياة وتُعفيها من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية ؛ وقد عُدّ الإيمان بها عائقا إبستيمولوجيا يتعيّن التخلّص منه، لا لأنّ وصفها للحيّ خاطئ في كلّ شيء، بل لأنّها حوّلت الوصف إلى تفسير لا يُمتحَن. وقد ردّت عليها الفيزيولوجيا بالوقائع: فبيّنت أنّ في العضويات المركّبة ثلاثة أنواع من الأجسام، وأنّها جميعا تعطي عمليات فيزيائية كيميائية تحت تأثير المنبّهات، فارتدّ التنفّس إلى أكسدة، واستطاع «كلود برنار» أن يقلب حيوانات حارّة الدمّ إلى باردة الدمّ. وأمّا الغاية بمعناها الوظيفي فقد بقيت في صميم الوصف العلمي: إذ تعيش العضوية في وسطين، وفي الوسط الداخلي تشكّل كلُّ الأجزاء وحدةً محكمة تساهم من أجل تحقيق غاية حيوية مشتركة، تفقد مبرّر تحقيقها خارج الوسط الّذي يحيط بها ؛ والوسط الخارجي ليس عالَم الأشياء فقط بل المحيط الفيزيولوجي والسيكولوجي أيضا. فالغاية هنا علاقةٌ تُتتبّع وتُقاس — كما تجد لوزةُ الرُّضاب مبرّر وجودها في علاقتها بالجهاز الهضمي وبالدم — لا قوّةٌ تُعفي من التفسير. ولهذا لا تنازع بين الحتمية والغاية بهذا المعنى: الأولى تقول كيف يقع ما يقع، والثانية تقول أين موقعه من الكلّ ؛ والدليل الأخير أنّ المنهج القائم على الحتمية والاطّراد هو الّذي أثمر في هذا الميدان بالذات تقدّما مذهلا.

Page 1/5

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net