Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثانية: في العلاقات بين الناس اللغة والفكر

ضبط المفاهيم والتصورات

🔊 The teacher reads for you
تبتسم فيفهم صديقك أنّك راضٍ، وتصرخ فيفهم أنّك تتألّم — ولم تتّفقا يوما على معنى الابتسامة ولا على معنى الصرخة. ثمّ تقول له: «أنا مسرور»، فيفهم الشيء نفسه — وهذه المرّة لأنّكما تعلّمتما معا لسانا واحدا. ولو وُلدتَ في بلد آخر لتغيّرت الجملة ولم تتغيّر الابتسامة. فهل الاثنان لغة ؟ وإن لم يكونا كذلك، فما الذي يجعل أحدهما علامةً لغوية دون الآخر ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • التمييز بين الإشارات الطبيعية والإشارات الاصطلاحية، وردّ كلٍّ منهما إلى أصله
  • بيان لماذا لا يُعدّ اتّصال الحيوان لغةً بالمعنى الدقيق، مسندا ذلك إلى صاحبه ومرجعه
  • تحديد الخصائص التي تجعل من الجملة علامةً لغوية، والتمثيل لكلّ خاصّية
  • تحليل وضعية مشكلة بتمييز ما هو انفعالي فطري ممّا هو اصطلاحي مكتسب
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • الفرق بين الفطري والمكتسب، وبين الغريزة والفعل الواعي
  • الفرق بين المشكلة والإشكالية، وطريقة طرح مشكلة فلسفية
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
إذا لم تكن اللغة مجرّد أصوات نُحدثها ولا مجرّد رسوم نخطّها، فما عساها أن تكون ؟ أليست عبارة عن إشارات ورموز نبدعها لتساعدنا على تنظيم حياتنا الداخلية، وعلى تحقيق التواصل مع غيرنا، فضلا عن تحديد علاقاتنا مع عالم الأشياء ؟ وإذا لم تكن مجرّد تعبير انفعالي ولا نشاط حيويّ عامّ، ففيمَ تتمثّل طبيعتها ؟

مقدمة : طرح المشكلة

من المتعارف عليه أنّ اللغة — كنسق وكظاهرة — تشير إلى الأشياء، خاصّة المادّية، وتجرّدها في أصوات أو خطوط تُغني المتكلّم أو القارئ عن إحضارها. وعندما نتأمّل في صورها وأشكالها نجدها من التنوّع بحيث يصعب حصرها في كيفية واحدة: فالكلام لغة، والإيماءات لغة، والموسيقى لغة … وهي بهذه الكيفيات تراثٌ يرتبط بكينونة الكائن وحضارة الإنسان ؛ ومن هنا ارتبطت اللغة دوما بطبيعة متميّزة وأهمّية خاصّة. وفي رحلة البحث عن بيان طبيعتها والكشف عن أهمّيتها وجب أن نتساءل: إذا لم تكن اللغة مجرّد أصوات نُحدثها ولا مجرّد رسوم نخطّها، فما عساها أن تكون ؟

مدخل إلى المشكلة : ملاحظة وضعيات والتعليق عليها

الوضعية الأولى — نملة سليمان في القرآن الكريم

لنتوقّف عند الآية الكريمة التي يشير فيها القرآن إلى قصّة النبيّ سليمان عليه السلام مع النملة، في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ سورة النمل، الآية 18

الوضعية الثانية — كارل فون فريش ورقصات النحل

لنتأمّل في مجتمع الحشرات ؛ إنّنا ننبهر بقدرة أفراده على الاتّصال فيما بينهم من خلال الحركات والإشارات والإفرازات الكيميائية، الأمر الذي يجعل البعض منّا لا يتردّد في الاعتراف بوجود «لغة» لديها. فقد وصف «كارل فون فريش» طريقة التواصل بين النحل، حيث تقوم النحلة التي تجد الطعام برقصات دائرية تحرّك فيها أجنحتها وذيلها، تُخبر من خلالها بقية العاملات بمكان وجوده وموضعه وبُعده عن الخلية ؛ مستعينةً في ذلك بمعالم منها موقع الخلية وموضع الشمس، وهذا ما يسمح لبقية العاملات بالوصول إليه بدقّة. كارل فون فريش ⁦(K. Von Frisch 1886 – 1982)⁩، عالم حيوان نمساوي، من أشهر كتبه: حياة وعادات النحل

الوضعية الثالثة — الببغاء والشمبانزي وإشارات الوجه

ولننظر في عالم الطيور ؛ بالتأكيد سنُعجَب ممّا يردّده طائر الببغاء من الرسائل الصوتية المقلَّدة، فلا نملك إلاّ أن ننسب إليه قدرةً ما على التخاطب والتعبير. وأخيرا، لنتأمّل بعض الإشارات الطبيعية عند الإنسان وبعض الفقاريات العليا كالشمبانزي: إنّ بشاشة الوجه والتبسّم علامتان تدلاّن على الرضا والسرور، وعبوس الوجه والصراخ يدلاّن على التألّم والحزن ؛ وفي هذا المستوى لا يختلف تعبير الإنسان عن تعبير الحيوان كثيرا. لكنّ الإنسان يمكنه اللجوء أيضا إلى بعض الإشارات الاصطلاحية، كأن يعبّر عن حاله بقوله: «أنا فرحٌ ومسرور» أو «أنا حزين وأتألّم».

التعليق على الوضعيات

  1. في الوضعية الأولى : من الجحود إنكار وجود اتّصال بين أفراد النوع الواحد مثل النمل، كما ورد في الآية ؛ إلاّ أنّ طبيعة هذا الاتّصال ومكوّناته لا تشبه ما في لغة الإنسان. فالإشارات والأصوات التي يستخدمها الحيوان محدودة العدد، كما أنّها فطرية تولد مع الكائن، بالإضافة إلى أنّها نوعية أي لا يتمايز فيها أفراد النوع الواحد.
  2. في الوضعية الثانية : إنّ تحليلها يُفضي بنا إلى الإقرار بوجود مُرسِل — النحلة التي قامت بالرقصة — ومُرسَل إليه وهو بقية عاملات الخلية، ورسالة هي الإشارة عن طريق الحركات التي تُخبر عن وجود الطعام وموضعه وبُعده. فهذا التحليل الأوّلي لا يدع مجالا لإنكار وجود لغة يتواصل بها النحل — في الظاهر على الأقلّ.
  3. في الوضعية الثالثة : يظهر أنّ الإنسان يعبّر بالطريقتين معا: بإشارات طبيعية يشترك فيها مع الحيوان، وبإشارات اصطلاحية ينفرد بها. وهنا يتحدّد موضع المشكلة بدقّة: ليست المسألة هل يتواصل الحيوان — فهو يتواصل — بل هل كلّ اتّصال لغة ؟

I – إذا لم تكن اللغة مجرّد تعبير انفعالي ولا نشاط حيويّ عامّ، ففيمَ تتمثّل طبيعتها ؟

أولا : أشكال التعبير الانفعالي

لكنّ تحليل علم النفس السلوكي لا يوافق على النتيجة التي انتهت إليها الوضعية الثانية ؛ فما لاحظه «فون فريش» لا يزيد عن كونه سلوكا غريزيّا يحرّكه منبّه طبيعي يؤدّي إلى استجابة آلية. بل إنّ تجارب إيفان بافلوف تثبت أنّه يمكن تعليم الحيوان فقط استجابةً شرطية لمنبّهات غير طبيعية ؛ والعلاقة بين الرقصات — أي الإشارة — واتّجاه العاملات إلى موضع الطعام — أي الاستجابة — لا يمكن أن تتصوّرها النحلة، فهي مجرّد ردّ فعل آليّ خالٍ من التفكير. ونخلص إلى أنّ عالم الحيوان، وإن كان يتواصل باستخدام رموز وإشارات، فإنّها خالية من الذكاء والتفكير. والملاحظة الثانية أنّ التواصل الحيواني خالٍ من الحوار: فالنحلة التي تتلقّى الرسالة لا تجيب برقصة أخرى لتعيد إنتاجها، بل تقوم بسلوك وهو الطيران إلى الموضع المعلَن عنه.

تجربة فون فريش نفسها — حين تعجز الإشارة عن قول «فوق»

أخذ «فون فريش» عشر نحلات وصعد بها مسافة خمسين مترا على عمود اللاسلكي، وأوصلها إلى الغذاء — وهو محلول سكّري — وتركها هناك فاكتشفته ؛ ثمّ عادت إلى الخلية وشرعت في القيام بالرقصات، فطار سربٌ من العاملات نحو العمود. ولمّا وصلت إلى الموضع بقيت تحلّق حوله أفقيّا، ولم تطر إحداها عموديّا إلى الأعلى ؛ لأنّ النحل ببساطة لا يمتلك إشارةً حركية تُخبر بالأعلى أو بما هو «فوق» — فالزهور لا تنبت في السماء بل على الأرض. وهذه التجربة أدقّ ما يفصل في المسألة: نظامٌ لا يستطيع أن يقول ما لم يُبرمَج عليه ليس لغةً، مهما بلغت دقّته فيما بُرمج عليه. نايف خرما، أضواء على الدراسات اللغوية الحديثة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1978، ص 124-125 ؛ إيفان بافلوف ⁦(I. Pavlov 1849 – 1936)⁩، طبيب وفيزيولوجي روسي صاغ نظرية المنعكس الشرطي

ديكارت — أن ينطق لا يعني أن يتكلّم

إنّ اللغة ليست مجرّد ظاهرة فيزيولوجية ؛ ذلك أنّ الحيوان قد ينتج الأصوات والإشارات الحركية، لكنّها مجرّد استجابات انفعالية لمؤثّرات خارجية أو داخلية تسبّب له اللذّة أو الألم، وهي خالية من التصوّرات. لذا فالحيوان عاجز عن التعبير بواسطة اللغة، وهذا العجز لا ينشأ من نقص الأعضاء — أي العجز المادّي — بل بسبب غياب الوعي. وهنا يقول «ديكارت»: «… إنّك تجد العقعق والببغاء يستطيعان أن ينطقا بعض الألفاظ مثلنا، ولكنّك لا تجدهما قادرين مثلنا على الكلام ؛ أعني كلاما يشهد بأنّهما يعيان ما يقولان.» على ألاّ يُفهم من «الكلام» هنا القدرةُ على إنشاء أصوات ونطقها فقط، بل يُقصد به التعبير. ديكارت ⁦(1596 – 1650)⁩ ؛ René Descartes, Discours de la méthode, p 74

  1. التعبير لدى الحيوان فطري وراثي : وهذا ما يجعله مرتبطا بالغريزة، حيث ينطلق منها ويعبّر عنها ولا يتجاوزها ؛ لذا لا يستطيع الحيوان أن يغيّره، لأنّه جزء من موروثه البيولوجي.
  2. وهو مُعدٌّ لحالات محدودة : مرتبطة بالحياة وحفظ البقاء ؛ فموضوع الرسالة في رقصات النحل ينحصر في مكان وجود الطعام وبُعده عن الخلية فقط. لذا فلغة الحيوان لا تعدو أن تكون نظاما إشاريّا مغلقا وبدائيّا ؛ فالنحلة التي تُخبر بموضع الطعام لا تُخبر عن كمّيته ونوعيته.
  3. وهو غير إرادي وخالٍ من القصد : فشكل الاتّصال عند الحيوانات — كما قال دونالد هب — يندرج ضمن الأساليب المنعكسة، وهي نماذج نمطية توصل معلومات لكن بطريقة غير إرادية وخالية من القصد.
  4. ورسالته لا تُفكَّك : فالإشارة التي يرسلها الحيوان لا يمكن تحليلها وتجزئتها ؛ فالمسافة والموضع يتجلّيان في رقصة النحلة ولا ينفكّان عنها، على النقيض من الكلمات التي يستخدمها الإنسان والتي يمكن أن تُفكَّك وتُستخدَم للإشارة إلى أشياء أخرى.

ثانيا : التعبير من التكيّف إلى الوعي

إنّ محاولة حلّ المشكلة تبتدئ أوّلا من الإقرار بحقيقةٍ تضمّنتها الوضعية الأخيرة: أنّ الإنسان بإمكانه أن يعبّر عن أفكاره وأحواله النفسية بالطريقتين معا — بالإشارات الطبيعية وبالإشارات الاصطلاحية. وضبط الفرق بين هاتين الطريقتين هو المفتاح الذي يُغني عن كلّ جدل حول «لغة الحيوان».

جميل صليبا — العلامة الطبيعية

أ – الإشارات الطبيعية : وهي التي لا تحتاج إلى تعلّم، لأنّ للإنسان ملكة فطرية تساعده على فهمها ؛ وإن كانت تُخبر بشيء حاضر أو غائب، ظاهر أو خفيّ، إلاّ أنّها مجرّد انعكاس شرطي لمنبّه داخلي أو خارجي، وقراءتها تعتمد على مبدإ العلّية — الأمر الذي قد يكون سببا للخطإ. فالإشارات الطبيعية من تبسّم وبشاشة وجه، أو عبوس وصراخ وبكاء، تُعتبر عند اللغويين علامات طبيعية، أي «… حادثٌ مُدرَك بالحواسّ، ينقل الذهن إلى تصوّر حادثٍ آخر غير مُدرَك أو غير ممكن الإدراك». جميل صليبا، علم النفس، دار الكتاب اللبناني، ط 2، بيروت، 1981، ص 504

فنحن نفسّر التبسّم وبشاشة الوجه على أنّه علامة على السرور والرضا، بينما يعني الصراخ والبكاء التألّم والحزن. وبالرغم من كونهما علامتين تُشيران وتحملان معنى غير ظاهر، إلاّ أنّ ذلك لا يبرّر اعتبارهما علامتين لغويّتين ؛ وسبب ذلك أنّهما غير قابلتين للتحليل والتفكيك، أي أنّهما كتلة واحدة لا تتجزّأ — ولو حاولنا تفكيكهما لفقدتا قدرتهما على الدلالة، فالصوت «أيْ» لو جُزّئ إلى «أ» و«يْ» لما فُهم منه أنّه يشير إلى الألم. كما أنّهما ردّ فعل آليّ لمثير داخلي أو خارجي ؛ فهما أقرب إلى كونهما سلوكا من كونهما علامتين لغويتين.

ب – الإشارات الاصطلاحية : وهي نسقٌ من الرموز الاتّفاقية المكتسبة بالتعلّم ؛ يتواضع عليها البشر ويتفاهمون من خلالها، ولا نجد لها مثيلا في عالم الحيوان — الأمر الذي يبرّر حصر اللغة في الإنسان، خاصّة إذا تعلّق الأمر بالكلام. أمّا الجملتان «أنا فرحٌ ومسرور» و«أنا حزين وأتألّم» فيسمّيهما اللغويون علامات لغوية.

  1. لا ترابط طبيعيّ بين الدالّ ومدلوله : فلا يوجد ترابط طبيعي بين كلمة «مسرور» والحالة النفسية التي أشعر بها ؛ عكس ما هو عليه الحال في الإشارة الطبيعية التي ترتبط بما تُشير وتدلّ عليه — مثلا: الدخان لا ينفكّ عن النار بل يشير إليها.
  2. والكلمة قابلة لإعادة التوظيف : فكلّ كلمة وردت في الجملتين يمكن أن تُوظَّف في جملة أخرى ؛ فـ«أنا» يمكن أن أوظّفها فأقول: «أنا تلميذ في السنة الثالثة ثانوي».
  3. والجملة قابلة للتفكيك : فجملة «أنا فرحٌ ومسرور» تقبل التفكيك إلى وحدات صوتية دنيا، لكلّ وحدة صورة صوتية خاصّة ومعنى خاصّ ؛ فلو فكّكناها إلى «أنا» و«فرح» و«و» و«مسرور» لوجدنا كلّ وحدة قابلةً للانفكاك عن المجموع، ويمكن أن تُوظَّف في جمل أخرى لتؤدّي معانيَ مختلفة.
لماذا لا يكفي وجود مُرسِل ومُرسَل إليه ورسالة لنقول: هذه لغة ؟

لأنّ هذه الأطراف الثلاثة تصف بنية الاتّصال، لا طبيعة العلامة. فالدخان يُرسل إلى الناظر رسالةً مفادها أنّ ثمّة نارا، ولا أحد يقول إنّ الدخان لغة ؛ لأنّه لا ينفكّ عن مدلوله، ولا يُنتقى، ولا يُفكَّك، ولا يُعاد توظيفه في سياق آخر. والفرق الحاسم إذن ثلاثة أمور مجتمعة: أن يكون بين الدالّ ومدلوله اعتباطٌ اصطلاحيّ لا رابطة طبيعية ؛ وأن تكون العلامة قابلة للتفكيك إلى وحدات دنيا لكلٍّ منها معنى ؛ وأن تكون هذه الوحدات قابلة لإعادة التركيب في رسائل أخرى. وبهذا الميزان تسقط دعوى «لغة النحل» لا لأنّ النحلة لا تُخبر — فهي تُخبر بدقّة مذهلة — بل لأنّ رقصتها كتلةٌ واحدة: المسافة والموضع فيها لا ينفكّان عنها، ولا يمكن أن تُنتزع «المسافة» من الرقصة لتُستعمل في إخبارٍ آخر. وهذا بعينه ما جعلها عاجزة عن قول «فوق» في تجربة العمود.

يُوظَّف هذا المورد في البكالوريا في ضبط المفاهيم الذي تُفتَتح به كلّ مقالة في اللغة والفكر، وقد يُطرح مستقلّا في صيغة مقالة مقارنة («قارن بين العلامة الطبيعية والعلامة اللغوية» · «بين لغة الإنسان ولغة الحيوان»). احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① أوصاف اتّصال الحيوان الأربعة (فطري وراثي · محدود بحالات البقاء · غير إرادي خالٍ من القصد عند دونالد هب · رسالته لا تُفكَّك) ؛ ② تعريف العلامة الطبيعية مع مرجعه (جميل صليبا) وخصائص العلامة اللغوية الثلاث (اعتباطية · قابلة للتفكيك · قابلة لإعادة التوظيف) ؛ ③ نصّ ديكارت في العقعق والببغاء، وتجربةُ فون فريش على العمود — وهما أقوى شاهدين في الدرس. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الاستدلال على وجود «لغة» عند الحيوان بمجرّد وجود مُرسِل ومُرسَل إليه ورسالة ؛ هذه بنية الاتّصال لا طبيعة العلامة، والخلط بينهما يُفسد المقالة من أوّلها. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : عدّ الابتسامة والصراخ علامات لغوية لأنّها «تدلّ» ؛ الدلالة وحدها لا تكفي، والفارق أنّها كتلة لا تتجزّأ.
نتيجة — ليست اللغة كلّ ما يدلّ، ولا كلّ ما يوصِل رسالة. فالحيوان يتواصل فعلا — وقد وصف فون فريش رقصات النحل التي تُخبر بموضع الطعام وبُعده — غير أنّ هذا التعبير فطريّ وراثيّ مرتبط بالغريزة، محدودٌ بحالات حفظ البقاء، غير إراديّ خالٍ من القصد كما قال دونالد هب، ورسالته كتلةٌ لا تُفكَّك ؛ ولذلك عجزت النحلة عن الإخبار بما هو «فوق» حين رُفع الغذاء على عمود. وقد ردّ علم النفس السلوكي هذا التواصل إلى منبّه طبيعي واستجابة آلية، وبيّن ديكارت أنّ العقعق والببغاء ينطقان ولا يتكلّمان — أي لا يعيان ما يقولان — وأنّ عجز الحيوان ليس عجزا في الأعضاء بل غيابا للوعي. أمّا الإنسان فيعبّر بالطريقتين معا: بإشارات طبيعية هي حوادث مُدرَكة بالحواسّ تنقل الذهن إلى تصوّر حادث آخر، وهي انعكاس آليّ لا تتجزّأ فليست علامات لغوية ؛ وبإشارات اصطلاحية هي نسقٌ من الرموز الاتّفاقية المكتسبة بالتعلّم، لا ترابط طبيعيّ فيها بين الدالّ ومدلوله، وتقبل التفكيك إلى وحدات دنيا وإعادةَ التوظيف في جمل أخرى. ⟸ فإذا كانت الإشارة الاصطلاحية وحدها هي العلامة اللغوية، فكيف يمكن اعتبارها ما يميّز الإنسان، بل كيف يمكن حصره فيها بالماهية ؟

Page 1/4

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net