الإشكالية الثانية: في العلاقات بين الناس › العنف والتسامح
ضبط المفاهيم والتصورات
- ضبط مفهوم العنف انطلاقا من تعريفه، وتمييز نوعيه: المادّي والمعنوي
- ضبط مفهوم التسامح، نقيض العنف، في الحسّ المشترك وبالمعنى الأخلاقي
- تصنيف أسباب العنف إلى اجتماعية واقتصادية، وسياسية وثقافية، ونفسية، والتمثيل لكلّ صنف
- عرض تعليلات العنف لدى بعض المتفلسفين، وإسناد كلّ تعليل إلى صاحبه
- التمييز بين من يجعل العنف طبيعةً في العالم وفي الإنسان، ومن يجعله وسيلةً تستمدّ مشروعيتها من غايتها
- مبدأ عدم التناقض (مبدأ الهُويّة) في المنطق الصوري: النقيضان لا يجتمعان
- الفرق بين المشكلة والإشكالية، وطريقة طرح مشكلة فلسفية
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
من المبادئ الأساسية التي يعتمد عليها العقل في نشاطاته الفكرية، والتي يتأسّس عليها المنطق الصوري، مبدأ الهُويّة، ويُعرف أيضا بمبدأ عدم التناقض. وبموجبه لا يجتمع النقيضان: فإذا صحّ أحدهما ارتفع الآخر ؛ فإن ثبتت (أ) ارتفعت (لا أ)، ولا يُعقل منطقيا أن تجتمعا معا. ويمكن توسيع العلاقة بين المتناقضين لتشمل التضادّ والتعاكس، مع التغاضي عن الفروق الطفيفة التي تميّز هذه العلاقة عن تلك. أمّا المبادرة التي تسعى إلى تجاوز هذا المبدأ، فإنّ أصحابها — على ضوء مقياس المنطق الصوري — إمّا مختلطة عقولهم، وإمّا أنّ لهم منطقا آخر يصلح لمجال غير المجال الذي يعمل فيه العقل. فهل الانتقال من مجال المعاني الصورية إلى مجال المفاهيم الأخلاقية، كالعنف واللاعنف والتسامح واللاتسامح، من شأنه أن يهذّب العلاقة بين «النقيضين» ؟ وما هذه الحكمة التي تواجه هذه المفاهيم «الأخلاقية» قصد تقريبها وتبنّي المغزى منها ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (ح) : كيف يكون ردّ فعلك على من شتمك أو ضربك ؟ ـ (ش) : أشتمه كما شتمني، أو أضربه كما ضربني أو أكثر ؛ ـ (ح) : لماذا أكثر ؟ ـ (ش) : لأنّه تعدّى عليّ، والبادئ أظلم ؛ ـ (ح) : ولكن لو أردت أن تكون عادلا ؛ ـ (ش) : الشتم بالشتم والضرب بالضرب ؛ ـ (ح) : لو كان أحد إخوتك قد تسبّب ظلما في فقء عين خصمه، فهل كنت ستقبل تطبيق هذه القاعدة — «القصاص بالمثل» — على أخيك ؟ ـ (ش) : (صمتٌ وتردّد) ؛ ـ (ح) : لماذا هذا التردّد ؛ هل هناك ما يقلقك ؟ ـ (ش) : بصراحة، نعم ؛ ـ (ح) : إذن، عندما يمسّ القصاص بالمثل أحدَ إخوتك، تريد قصاصا أقلّ لا أكثر ممّا كنت تراه وأنت مظلوم ؟ ـ (ش) : هذا صحيح ؛ ـ (ح) : وفي هذا التنازل، هل من بديل ؟ ألا ترى في التعويض سبيلا أقلّ ضررا ؟ ـ (ش) : نعم، بالفدية أو ما يعادلها ؛ ـ (ح) : ألا يمكنك أن تنصرف من لغة الأكثر والأقلّ إلى لغة «الأحسن» ؟ ـ (ش) : ماذا تقصد ؟ ـ (ح) : ألا ترى معي بأنّ الأحسن هو إصلاحُ الجاني ومساعدتُه على الاهتداء إلى الصواب، فتقابل السوء بالطيّب والشرّ بالخير ؟ ـ (ش) : هذه دعوة صريحة إلى تشجيع أهل الشرّ ؛ ـ (ح) : فمقابلة الشرّ بالشرّ تعود بنا إلى عهد قانون الغاب، وقد نفرتَ منه قبل قليل ؛ ـ (ش) : هل تريد منّي أن أعامل صاحب السوء بالطيّب، وصاحب العنف باللاعنف ؟ ـ (ح) : ألا ترى معي أنّ الشتم بالشتم والنار بالنار يزيد الأمر تأزّما وتأجّجا دون نهاية ؟ ـ (ش) : أجل ؛ فبالإمكان مقابلة التعدّي بنقيضه أو ضدّه: السوء باللاسوء، والكراهية بالمحبّة، والعنف باللاعنف، واللاتسامح بالتسامح ؛ ـ (ح) : ألا ترى في العلاقات بين «متنافرين» البديل المنطقي المناسب للموقف ؟ ـ (ش) : وهل أفهم بأنّ التنافر في المنطق شيء، وفي العلاقات الإنسانية شيء آخر ؟ ـ (ح) : عاشر الناس بالمعروف، واصفح عنهم وقل: سلامٌ ؛ ـ (ش) : ولكنّ هذا أجمل لمن يتّعظ ؟ ـ (ح) : إنّك في طريق الصواب، فهلّا تصل ؛ فهل من متّعظ ؟ في قول الشابّ «والكراهية بالمحبّة»: كان المفروض أن تقابَل الكراهية باللاكراهية، ولكنّ المحبّة فُضِّلت ما دام التضادّ قد وُضع في حكم التناقض. وفي قول الحكيم «واصفح عنهم وقل: سلامٌ» إحالة إلى الآيات: البقرة، 109 · المائدة، 13 · الحجر، 85 · النور، 22 · الزخرف، 89 · التغابن، 14.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الفطرة بين الانتقام والتخفيف : أثبت الحوار أنّ الفطرة تقتضي أن نردّ على العدوان أو العنف بروح انتقامية ردّا مماثلا، لا بل أكثر ؛ ولكنّها تقتضي أيضا أن يُقتصّ منّا — عندما نبادر نحن بالاعتداء على غيرنا — بعقوبة أقلّ وأخفّ.
- من المثل الأكثر إلى المثل الأقلّ : يسّر الحوار في مرحلة أولى الاستدراجَ من المثل الأكثر إلى المثل بالمثل، ومن ثمّة إلى المثل الأقلّ.
- من الحساب إلى الحكمة : ثمّ وقع في مرحلة ثانية الانصرافُ من القصاص المؤسَّس على الحسابات الرياضية إلى التقدير المؤسَّس على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، فأصبح التعامل مع العنف يتّجه من الأحسن إلى الأجمل: من مقابلة الشرّ بالطيّب واللاتسامح بالتسامح، إلى مقابلتهما بالصفح الجميل والمحبّة، دون انزعاج منطقي ولا تنازع عقلي.
- سرّ القضية : تنتهي الوضعية إلى تساؤل يفيد بأنّ سرّ القضية هو في التعامل الإنساني الحكيم مع مقتضيات الواقع ؛ وهو تمهيد يدعونا إلى الردّ على تساؤلات أربعة: ما قانون مقابلة المثل بالمثل في القصاص ؟ ما العنف وما أسبابه وتعليلاته ؟ ما السبيل إلى الحكمة التي تقابل الشرّ بالخير ؟ ما التسامح وما طبيعته وما الحكمة من فكّ قيوده ؟
II – ما العنف وما أسبابه وتعليلاته ؟
أولا : ما هو العنف ؟
هو كلّ عمل يضغط به شخص — فردا كان أو شخصا معنويا — على إرادة الغير لسبب أو لآخر ؛ وهذا العمل يستوجب استعمال القوّة. ومن الآثار التي يتركها: التسلّط على الغير، والنيل من حرمة حياته الجسدية والذهنية، وتحطيمه، وهو أخطر مظاهر العنف. وفي تعريف آخر: «إنّ العنف يكمن في استخدام القوّة، ولكن من أجل الضغط على الغير، مع نفي استقلاله وحرّيته ووحدته الفيزيائية وأحيانا تمليك حياته نفسها، ومع عدم الاكتراث به ككائن عاقل». والعنف نوعان:
- عنف مادّي : كالتعدّي على الجسد بالضرب والجرح والقتل.
- عنف معنوي : كالإساءة إلى شخص الغير — فردا حقيقيا كان أو معنويا — وإلى معتقداته.
أمّا نقيضه، التسامح، فهو في الحسّ المشترك الموقف الذي يبيح لشخص ما قبولَ أساليب الآخرين في التفكير والحياة، وهي تختلف عن أساليبه الخاصّة ؛ وهو بالمعنى الأخلاقي درجات تختلف من شخص إلى آخر، ومن ظرف إلى آخر، وعند الشخص الواحد من حالة إلى أخرى. والقاسم المشترك بين تعريفاته أنّ حدود المجال الذي ينصبّ عليه المفهوم تعيّنها قيود.
ثانيا : ما هي أسبابه وتعليلاته ؟
إنّ العنف ظاهرة معقّدة تحكمها عوامل مختلفة ومتداخلة ؛ وهو يشكّل موضوع انشغال عدد من العلوم، منها علم الاجتماع وعلم النفس والبيولوجيا وعلم الجريمة، فهو ظاهرة قابلة للدراسة العلمية. ومن المفارقات أن يكون العنف سلوكا عدوانيا تنجم عنه عواقب سلبية، وأن يكون أحيانا تدخّلا تبقى قيمته الأخلاقية محلّ نظر.
1 ـ أسبابه
- الأسباب الاجتماعية والاقتصادية : ومن أهمّ مظاهرها تفاقم مشاكل البيت، من فقر مدقع، ويُتمٍ متوحّش، وتوجيه تربوي غير مسؤول، وعلاقات اجتماعية مفكّكة. وفي كلمة، إنّ العنف في جميع أشكاله، من إرهاب وعمليات انتحارية أو استشهادية، ظواهر اجتماعية معقّدة يجب إدراجها في إطار النسق الاقتصادي والاجتماعي، بتلاحمه العضوي مع النسق الثقافي والسياسي.
- الأسباب السياسية والثقافية : ومن أهمّها الاحتلال العسكري لأراضي شعب، وتسلّط الحكم الديكتاتوري، وتقييد الحرّيات، وانتشار المظالم، وانهيار القيم الأخلاقية — كالشرف والكرامة — وانحطاط المفاهيم الثقافية، كتدهور الكلمة الصادقة والصورة المحتشمة والمقاومة الشرعية.
- الأسباب النفسية : وهي متشابكة، أهمّها الحسد، والغيرة المرضية، وفقدان الأمل، والحرمان. وفي هذه الحالة الأخيرة يركّز «فرويد» على عملية الكبت، وخاصّة في نظريته الأولى: فالضغط الاجتماعي يتحوّل نفسيا إلى كبت لدى الفرد، ليعود في شكل سلوك عدواني ضدّ ما يعتبره المسؤول عن معاناته ؛ وقد يصل به الأمر إلى استرخاص الحياة واختيار الموت.
2 ـ وله تعليلاته لدى بعض المتفلسفين
منها أنّ العنف أصل حركة العالم وبنائه، وقصد عدواني لإثبات الذات، ومصدر التسلّط، وأداة شرعية أخلاقيا ودينيا لاسترجاع الحقوق المغتصبة.
يذهب «هرقليطس» إلى أنّه لكي تكون الأشياء — مع العلم بأنّ لا شيء يأتي من لا شيء — لا بدّ من نفي الشيء أو تحطيمه ؛ و«أنّ القتال هو أبو سائر الأشياء وملك كلّ شيء». فالعنف خصوبة، ولكنّه أيضا موتٌ يتضمّن الحياة. هرقليطس، المقطع 53
يقول «كاليكلاس»: إذا كان القويّ في الطبيعة هو الذي يسيطر، فإنّه من العدل أن يكون الأمر كذلك في المجتمع الإنساني. والطبيعة نفسها تُعلن أنّ من العدل أن ينال الأقوى أكثر من الأضعف، وتبيّن ذلك بأمثلة لا تُحصى في عالم الحيوان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المجتمع الإنساني: من العدل أن يكون الأقوى فيه هو المتفوّق وصاحب السلطة. فليأتِ إنسان قويّ وجبّار، وحينئذ يمكننا أن نعرف «القانون الحقيقي، وهو قانون الأقوى، ويمكننا أن نعرف من هو الذي ننحني أمامه». كاليكلاس (Callicles)، محاوِر «سقراط» في «غورجياس»
من زاوية فينومينولوجية، يعود أصل العنف إلى قصد عدواني متّجه نحو شيء أُريد نفيُه: نفي الآخر الذي أحقد عليه وأكرهه، أو تحطيم نفسي التي لم أعد أتحمّلها. يقول «ج. غسدورف»: إنّ ازدواجية الأنا والآخر تتألّف في شكل صراع. والحكمة من هذا التأليف هي إمكانية الاعتراف المتبادل، والتوافق والاحترام المتبادل. وعندما تنحلّ هذه العلاقة، يهدم العنف ما كان يسمح بالتواصل ؛ ومن هنا يظهر الغضب الذي يسلب من الإنسان توازنه ويجعله فريسة للجنون.
عند «فرويد» العنف هو أصل الإنسان وسلوكاته: فهو ميل عدواني طبيعي (ثناطوس) يتعايش مع ميل طبيعي آخر يقابله، يتّجه نحو الحياة (إيروس). فهو ميل تلقائي لدى كلّ عضوية ؛ فهو يحيا ليموت. على أنّ «فرويد» يعود في نظريته الثانية متشائما، إلى أنّ أصل العنف صراع بين نزعتين أساسيتين: نزعة الحياة (إيروس) ونزعة الموت (ثناطوس) ؛ الأولى تنزع نحو المحافظة على حياة الذات، والثانية تنزع نحو إرجاع الحياة إلى السكون. وكأنّ «فرويد» يصوغ مقولة «هوبس» — «الإنسان ذئب على أخيه الإنسان» — في عبارات أخرى تناسب انشغالاته السيكولوجية.
إنّ العنف يولّد مجتمعا جديدا، كما قال «أنجلز». فأمام العنف المقنّع (اللامساواة الاجتماعية والتفاوت واستغلال طبقات لطبقات أخرى)، يوجد عنف مضادّ عادل، هو العنف الإيجابي البنّاء الذي يهدف إلى تصحيح الواقع الرديء وإعادة بنائه بصورة تتناسب أكثر مع قيم الخير والحقّ والعدل في الحياة.
العنف وسيلة تشرف بشرف غايتها: فالثورة الأصيلة في أساسها أخلاقية أمام الاضطهاد والظلم، من حيث إنّها تسعى إلى استرجاع الحقّ وتحقيق العدل. ولا يوجد عنف من أجل العنف، أي أنّ العنف لا يتّخذ من نفسه غاية، ولكنّه وسيلة ضرورية، «شرّ من أجل غاية سامية». يقول «روسو»: ليس لنا الحقّ فقط، بل من الواجب أن نثور إذا اقتضت الضرورة ذلك ؛ فهناك نوع من الأخلاقية يدعونا إلى حمل السلاح في أوقات ما. ويقول «ماوو»: نقوم بالحرب من أجل السلم، لا الحرب من أجل الحرب. والعنف لا تبرّره الغاية السامية فقط، وإنّما يبرّره أيضا الدفاع عن النفس. ويقول «كامو»: إنّ الرجل الثائر هو الرجل الذي يقول: «لا» ! وهذا يعني أنّ الأمور تفاقمت وزادت في التدهور، وأنّ هناك حدودا يجب الوقوف عندها.
والثورة أو المقاومة ضدّ الاحتلال هي عند أهلها ثورة لا تعرف توقّفا: طالما هناك احتلال فهناك مقاومة ؛ والمقاومة أشكال ودرجات ومستويات ومراحل. فإذا كانت الظروف التاريخية والاجتماعية سببا في العنف، فيجب التحكّم في السبب لتجاوز هذا العنف. وهنا يجب التنبيه إلى أنّ مفهوم العنف من خلال المقاومة يتغيّر معناه حسب أن نكون مستعمَرين أرضُنا محتلّة، أو استعماريين استولينا على أراضي غيرنا وثرواته: في الحالة الأولى تكون المقاومة حقّا مشروعا لأهله لأنّها دفاع عن النفس ؛ وفي الحالة الثانية تكون المقاومة تمرّدا أو عنفا لا بل إرهابا، وخاصّة لدى الصهيونيين والإدارة الأمريكية بعد 11 سبتمبر 2001. ومن مبرّرات العنف — فيما يروي بعض الأدباء — شعور الكاتب الياباني «مِشيما» باسترخاص الحياة، عندما رأى أنّ هويّة اليابان الثقافية مهدّدة أمام الغزو ؛ فاختار أن ينتحر على طريقة التقليد الياباني. وكان ذلك مشهدا في التعبير عن تمسّكه بثقافته الوطنية، بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك لنقول إنّ انتحاره كان محاولةً لإنعاش القيم اليابانية في ذاكرة قرّائه ومحبّيه. والمسلمون يبرّرون اللجوء إلى «العنف» كوسيلة ضرورية للجهاد في سبيل الله أو لبناء دولة إسلامية، وإن كانوا غير متّفقين على طريقة استخدامه ؛ ففي القضية موقفان متناقضان: موقف يبرّر العنف بكلّ أشكاله باسم الجهاد أو باسم المقاومة، استجابةً لقوله تعالى: «إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون»، وقد قال «ابن كثير»: حمله الأكثرون على أنّها نزلت في كلّ مجاهد في سبيل الله ؛ وموقف لا يجيزه، لأنّه — إن لم يكن انتحاريا، وهو محرَّم — عمل لا يصيب العدوّ فقط، وإنّما يصيب أيضا المدنيين.
لماذا لا يكفي تعريف العنف لنحكم عليه أخلاقيا ؟لماذا لا يكفي تعريف العنف لنحكم عليه أخلاقيا ؟
لأنّ التعريف يصف الفعل — ضغطٌ على إرادة الغير يستوجب استعمال القوّة — ولا يقول شيئا عن سببه ولا عن غايته ولا عن موقع من يمارسه. والفعل الواحد يتغيّر معناه بتغيّر هذه الأمور: فالمقاومة حقّ مشروع عند من احتُلّت أرضه لأنّها دفاع عن النفس، وهي تمرّد أو إرهاب في نظر من احتلّها. ولهذا انقسمت تعليلات المتفلسفين: فمنهم من ردّ العنف إلى الطبيعة — قانونا للعالم عند «هرقليطس»، وحقّا للأقوى عند «كاليكلاس»، وميلا عدوانيا طبيعيا عند «فرويد» — ومنهم من جعله وسيلة تستمدّ مشروعيتها من غايتها، كالعنف المضادّ العادل عند «أنجلز»، وواجب الثورة عند «روسو»، والحرب من أجل السلم عند «ماوو». والحكم الأخلاقي على العنف يقتضي إذن النظر في أسبابه وغاياته، لا في مظهره وحده.
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net