Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثانية: في العلاقات بين الناس التنوع الثقافي والعولمة

ضبط المفاهيم والتصورات

🔊 The teacher reads for you
تشتري حذاء رياضيا صُمّم في بلد، وصُنع في بلد ثانٍ، ويُعرض عليك بعملة بلد ثالث، وتدفع ثمنه بتطبيق على هاتفك، وتشاهد إشهاره في المباراة نفسها التي يشاهدها معك ملايين الناس في القارّات الخمس. لم تسافر خطوة، ومع ذلك صار العالم كلّه بين يديك. فما هذه العولمة التي تجعل العالم قرية واحدة ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • ضبط مفهوم العولمة وتمييزه عن مترادفاته: الدوللة والشوملة والكونانية والعالمية
  • تحديد أصل كلمة العولمة في اللغة العربية، ومعناها في الاصطلاح الشائع
  • عرض مدخل العولمة إلى «اقتصاد القرية الكونية»
  • ترتيب مراحل النظام العالمي الجديد الستّ، وتحديد لحظة التحوّل فيها
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • الفرق بين المشكلة والإشكالية، وطريقة طرح مشكلة فلسفية
  • الفرق بين الكلّي والجزئي، وبين العامّ والخاصّ
  • الفرق بين الاقتصاد الليبرالي (اقتصاد السوق) والاقتصاد الموجّه في خطوطهما العامّة
كيف يمكننا تصوّر بقاء الأمم بثقافاتها، وإثبات الذات، أمام تحدّيات العولمة التي تقرّر مرجعيات المستقبل ؟

مقدمة : طرح المشكلة

نصوغ الوضعية المشكلة في هذه الجملة من التساؤلات المحرجة: هل في إرجاع الكثرة إلى الوحدة، واستيعاب الشمول للتنوّع، نعمةٌ لاستمرار حياة الشعوب والأمم باختلاف خصوصياتها الثقافية، أو نقمةٌ عليها ؟ ألا يُخشى من الوحدة أن تسحق الكثرة سحقا، ومن الشمول أن يبتلع التنوّع ابتلاعا ؟ هل بين ما يسمّى بالعولمة أو الشوملة، والخصوصية، تناقض أم تجانس ؟ هل العلاقة بين المجموعة وعناصرها علاقة تذويب وابتلاع، أو تمايز واجتماع ؟ هل يجوز الحديث عن عولمة تطمس حدود الأمم وخصوصياتها، وتذهب بفضاءات شعوبها الترابية منها والتراثية ؟ هل العولمة، في مستوى هذه التساؤلات، قدرٌ محتوم ؟ وهل يفترض انتشارها تصادما أو حوارا بين جميع الشعوب، فقيرها وغنيّها، شرقيّها وغربيّها، محافظها ومتفتّحها ؟ ويمكن أن نضيف تساؤلات أخرى: كيف نتصوّر حقوق الإنسان العالمية في ظلّ عالم يقوم على التنوّع الثقافي ؟ ألا يجب أن تتغيّر هذه الحقوق من ثقافة إلى أخرى ؟ وهل الإنسان واحد، بالنظر إلى حدوده الزمانية والمكانية النسبية، حتّى تنطبق عليه الحقوق العالمية للإنسان ؟ وفي كلمة: كيف يمكننا تصوّر بقاء الأمم بثقافاتها المتنوّعة، وإثبات الذات، أمام تحدّيات العولمة التي تقرّر مرجعيات المستقبل ؟ لمحاولة الردّ على هذه التساؤلات، يتعيّن علينا الوقوف على النقاط الأربع الآتية: لماذا العولمة ؟ وما هي فلسفتها ؟ وما مخاطرها ؟ وأخيرا، كيف يمكن إدراك عولمة بين التناقض والتهذيب ؟

I – لماذا العولمة ؟

أولا : تعريف

ليس من السهل تعريف مفهوم العولمة، نظرا إلى تعدّد المترادفات التي تشير إليه، واختلاف المعنى الذي يُعطى لكلّ واحد منها. فمن المترادفات التي تتناولها المقالات والخطب: الدوللة والشوملة والكونانية والعالمية، وهي مفاهيم يكثر استعمالها في مجالات التجارة والمالية ؛ ويوصف بالعالمي كلّ ما هو مشترك بين جميع الكائنات البشرية، ويمتدّ على سائر مساحة الكرة الأرضية، ويهمّ الناس جميعا.

  1. الدوللة : ظاهرة قديمة تعود إلى عدد من القرون، وبمقتضاها تتّسع قواعد منتوجات المنشآت وخدماتها ما وراء حاجات السوق المحلّية أو «الوطنية»، قصد البحث عن أكبر حصّة من الربح ؛ فانطلاقا من القاعدة الوطنية ترقى المنشآت إلى المستوى الدولي لتأمين مؤنها وربح تكاليف النقل، بغزو أسواق البيع بعيدا عن الحدود المحلّية.
  2. العولمة : تتخطّى عتبة منطق المنشآت، لنزوعها نحو الانتشار الأفقي والعمودي لقدرتها على الإنتاج، من أجل خطّة أكثر صرامة في غزو منهجي للسوق العالمية، مع الاعتماد على قواها الذاتية أكثر منها على قوى الدول التي ساعدت على حمايتها في مرحلة الدوللة. وقد أدركت ذروتها في آخر القرن العشرين، مع انتصار الليبرالية واقتصاد السوق على الشيوعية أو الاقتصاد الموجّه ؛ فنهاية الاقتصاد الموجّه، ورفع العوائق عن التجارة الدولية والدفق المالي، كان كلّه في صالحها.
  3. الشوملة : المرحلة القصوى أو شبه القصوى التي تسعى إلى بلوغها العولمة، والتي يسمّيها الفلاسفة، في إطار القيم الإنسانية، بالشمولية المتعالية. ويرى بعض المفكّرين أنّها سائرة نحو تلاقي الاشتراكية والليبرالية في رؤية جديدة للعالم وتسييره ككلّ لا يقبل القسمة، وللبشرية ككيان جماعي غير قابل للفصل ؛ وبهذا المعنى تُعتبر إيديولوجيا الألفية الجديدة، وكأنّها دين جديد لعالم الأعمال والنخبة السياسية. ومن هنا يمكن التمييز بين العولمة كظاهرة انتشار، هي في الحقيقة مفيدة، والشوملة كجهاز قيادي للعالم من طرف مصالح اقتصادية قويّة عابرة للأمم وفوق الدول ؛ وهكذا يمكن القول: إنّنا سائرون من العولمة إلى الشوملة. وقد استُعمل لفظ العولمة بالمعنيين على حدّ سواء في أثناء تغطية إعلامية لقمّة «سيتلي»، وربّما وقع انطباق العولمة مع المنظّمة العالمية للتجارة، وهي منظّمة تستلهم سياستها من فكرة الوحدوية الاقتصادية ذات الطابع الليبرالي الحديث.
  4. في اللغة العربية : أصل العولمة القريب هو من «عالَم»، جمعه عوالم وعالَمون، ومعناه كلّ مخلوق ؛ ولقد جمعه القرآن الكريم في لفظ «العالَمين»، وقصد به، حسب المفسّرين، وخاصّة منهم «الزمخشري» و«الفخر الرازي»، كلّ موجود سوى الله تعالى ؛ وبهذا فإنّ العالَمين تشمل كلّ جنس ممّا سوى الله. والعولمة كلمة عربية مهذّبة يعرفها مجمع اللغة العربية، ولا تشذّ عن قواعد اللسان العربي الحديث.
  5. في الاصطلاح : في الاصطلاح الشائع لدى رجال الأعمال والسياسيين وبعض المفكّرين، إذا كان الإنجليز يستعملون لفظ العولمة، فإنّ بعض الفرنسيين يستعملون لفظين: الشوملة، عندما تتّجه القوى الاقتصادية بوجه أخصّ إلى صالح وحدوية اقتصادية تنجرّ عنها وحدوية ثقافية ؛ والعولمة، وهي ظاهرة أكثر اتّساعا، حيث تنفتح الحدود، وتنمو الاتصالات والتكنولوجيات الجديدة، وينتقل الأشخاص والأفكار، وتتلاقح الثقافات فيما بينها. ومهما يكن من أمرهما، فإنّ هذه الإيديولوجيا إستراتيجية تنموية جديدة تتحكّم فيها الأسواق المالية. ومن التعاريف المتداولة في مجال الاقتصاد، وهو مجالها الأصلي، قول بعض الأخصّائيين: «إنّها الحرّية التي يتمتّع بها كلّ شركة من زمرتي، من أجل الاستثمار حيث ما أراد، ومتى أراد إنتاج ما يريد، وشراء وبيع ما يريد، مع تحمّل أقلّ ضغط ممكن يقتضيه التشريع الاجتماعي».

ثانيا : مدخل إلى العولمة

1 ـ اقتصاد القرية الكونية

بعد أن عرف القرن الماضي، وبالتحديد إلى غاية 1990، مجابهةَ إيديولوجيتين سائدتين، الليبرالية والشيوعية، وبعد أن شهد العالم انهيار الإيديولوجيا الثانية، فإنّ القرن الواحد والعشرين داخلٌ في عالم متقلّص وسط قرية كونية صغيرة. فالتغيير العجيب الذي عرفته العلاقات الإنسانية، والذي أنشأه في أواخر القرن الماضي التطوّرُ المثير للتقنيات الجديدة للإعلام والاتصال، قد شكّل بعمق سلوك الإنسان، بفرضه على هؤلاء وأولئك مقاييس يصعب، لا بل يستحيل، جهلها على الدوام ؛ وهذه التقنيات تفرض نفسها، بحكم فائدتها ووفرتها، حتّى على الجماهير الأكثر عزلة وتهميشا. وبفضل شبكات الأقمار الصناعية وإمكانات الإنترنت، سيتوفّر في كلّ مكان الصوت والصورة والخطاب بصورة تفاعلية وبتكلفة أقلّ ؛ وسيندفع المرء، أمام اختيارات لا متناهية في الثقافة والترفيه، إلى قبول المعايير السائدة في العالم الذي أضحى مجرّد قرية كونية، وهي معايير تعيّن له موضعه في المجتمع العالمي. وفي عالم يتحوّل إلى قرية كونية، يكون من المحتمل أن يحتلّ الحوار المكان الأرحب بدلا من الحروب، وتتّجه عولمة الاقتصاد إلى طور أعلى تسعى فيه إلى حلّ مشاكل محيط سياسي ومؤسّساتي واقتصادي واجتماعي وثقافي تكون قد ساهمت في خلقه. وما دامت التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال قد قلّصت المسافات والزمان، فيتعيّن على الإنسان أن يتهيّأ جدّيا للدخول في عصر تلتقي فيه كلّ اهتماماته وتطلّعاته، وهو عصر يستوجب الاستمرار في بذل الجهد والانكباب على المشاركة في بناء مستقبل جديد.

2 ـ مراحل النظام العالمي الجديد : العولمة

  1. العولمة الأولى : ظهرت ضمن المركانتيلية، أي ضمن الحركة التجارانية، بين ⁦(1498–1763)⁩.
  2. العولمة الثانية : ظهرت تحت دفع التوسّع الرأسمالي بين ⁦(1763–1883)⁩.
  3. العولمة الثالثة : حملتها الحركة المتعدّية للأمم بين ⁦(1883–1980)⁩.
  4. العولمة الرابعة : وهي التي أخذت تُعرف بشوملة العولمة، انطلاقا من ⁦(1980–1988)⁩.
  5. العولمة الخامسة : في أوروبا، وبدافع من التاتشرية — نسبةً إلى «مرغريت تاتشر» رئيسة الوزراء البريطانية — في بداية الثمانينيات، ثمّ بحماس من طرف مختلف حكومات القارّة، تحوّلت إلى سياسة «الفرنك القويّ» وحرّية تنقّل رؤوس الأموال المقرّرة في 1988، لتصل إلى تتويجها في معاهدة «ماستريش»، ثمّ في عقد استقرار الميزانية لسنة 1997. وهذا النظام العالمي، الذي يخدم مصالح المال الأمريكي، ويسعى إلى رفع كلّ العقبات التي تقف في وجه حرّية الحركات الرأسمالية على المستوى الكوني، احتاج بعد ذلك عددا كبيرا من الدول «المستفيدة» من قروض مؤسّسات «بروطن وود» واعتماداتها، تحت خنق «إجماع واشنطن» ؛ وهي قروض مشروطة يفرضها صندوق النقد الدولي، تتزايد حتّى تفقد الدول المستقرضة القدرة على دفع الديون، فاتّسعت الهوّة بين الدول الغنية والدول الفقيرة ضعفين.
  6. العولمة السادسة : وهي المرحلة الحالية، أعيدت فيها مراجعة الشوملة بعد 11 سبتمبر 2001.
لماذا لا تكفي كلمة «العولمة» وحدها لضبط المفهوم ؟

لأنّ الكلمة تتزاحم مع مترادفات قريبة منها لكلّ واحد منها معنى مختلف: فالدوللة ظاهرة قديمة تنطلق فيها المنشآت من قاعدتها الوطنية نحو المستوى الدولي ؛ والعولمة تتخطّى منطق المنشآت إلى غزو منهجي للسوق العالمية ؛ والشوملة مرحلتها القصوى، حين تصير جهازا يقود العالم من طرف مصالح اقتصادية فوق الدول ؛ أمّا العالمي فهو كلّ ما هو مشترك بين جميع الكائنات البشرية ويهمّ الناس جميعا. ويزيد الاصطلاح الأمر تعقيدا: فالإنجليز يستعملون لفظا واحدا، وبعض الفرنسيين يستعملون لفظين، يخصّون الشوملة بالوحدوية الاقتصادية التي تنجرّ عنها وحدوية ثقافية، والعولمة بالظاهرة الأوسع التي تنفتح فيها الحدود وتتلاقح الثقافات. ولهذا فإنّ ضبط المفهوم هو تمييز قبل أن يكون تعريفا ؛ وأصل الكلمة في العربية، «العالَم» أي كلّ مخلوق، يذكّر بأنّ أفقها الأوسع هو الإنسانية كلّها، لا السوق وحدها.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة ضبط للمفاهيم داخل مقالة عن العولمة، أو في صيغة سؤال مقارنة: «ما الفرق بين العولمة والعالمية ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① المترادفات بتعريفها المختصر (الدوللة: توسّع المنشآت انطلاقا من القاعدة الوطنية · العولمة: غزو منهجي للسوق العالمية · الشوملة: جهاز قيادي للعالم فوق الدول) والعالمي: «كلّ ما هو مشترك بين جميع الكائنات البشرية» ؛ ② أصل الكلمة في العربية («عالَم»: كلّ مخلوق · «العالَمين» عند الزمخشري والفخر الرازي: كلّ موجود سوى الله) ؛ ③ لحظة التحوّل: انتصار الليبرالية واقتصاد السوق على الشيوعية والاقتصاد الموجّه في آخر القرن العشرين، والمراحل الستّ من المركانتيلية إلى ما بعد 11 سبتمبر 2001. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين العولمة والعالمية — العالمية ما هو مشترك بين البشر جميعا، والعولمة غزو منهجي للسوق العالمية قد يصير شوملة. ⚠️ وخطأ ثانٍ : تقديم العولمة ظاهرة حديثة كلّيا، في حين أنّ الدوللة ظاهرة قديمة تعود إلى قرون، وأنّ أولى مراحل العولمة تعود إلى المركانتيلية ⁦(1498–1763)⁩.
نتيجة — ضبط مفهوم العولمة يقتضي تمييزه عن مترادفاته: فالدوللة ظاهرة قديمة تتّسع فيها المنشآت انطلاقا من قاعدتها الوطنية، والعولمة غزو منهجي للسوق العالمية بلغ ذروته في آخر القرن العشرين مع انتصار الليبرالية واقتصاد السوق، والشوملة مرحلتها القصوى حين تصير جهازا يقود العالم فوق الدول، والعالمي ما هو مشترك بين جميع البشر. وأصل الكلمة في العربية «العالَم»، أي كلّ مخلوق ؛ وقد أدخلت العولمة الإنسانَ في «قرية كونية» تفرض عليه معاييرها، بعد مراحل ستّ امتدّت من المركانتيلية إلى مراجعة الشوملة بعد 11 سبتمبر 2001. ⟸ وإذا كانت العولمة تجعل العالم قرية كونية واحدة، فما مصير الأمم وخصوصياتها الثقافية في قلبها ؟

Page 1/3

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net