Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم في علوم المادة الجامدة وعلوم المادة الحية

الملاحظة العلمية

🔊 The teacher reads for you
هل رأى أحدٌ مركزَ الأرض ؟ لم يره إنسانٌ قطّ ولن يراه. ومع ذلك يقول لك الجيولوجي في ثقة: إنّه على هذه الحال، وإنّ فيه كذا وكذا. ولو سألتَه: وكيف عرفتَ ؟ لَقال: بالآثار الّتي تتركها الظاهرة. فهل هذه ملاحظة، وقد غاب المرئيّ ؟ وإن لم تكن ملاحظةً، فما هي ؟ وإن كانت، فما بقي من قولنا إنّ العلم يبدأ بأن نفتح أعيننا على الظاهرة ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تعريف الملاحظة العلمية وتمييزها من المشاهدة العادية بشروطها الأربعة
  • تصنيف الملاحظة إلى عرضية ومقصودة، وبسيطة ومسلَّحة، وكيفية وكمّية
  • بيان كيف تتشكّل الملاحظة حسب طبيعة الموضوع، وكيف تُستبدَل بالاستدلال عند تعذّرها
  • تعداد أسباب قصور الملاحظة، وربطها بكون نتائج العلوم التجريبية ليست مطلقة ولا دقيقة
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • خطوات المنهج التجريبي الثلاث وموقع الملاحظة منها
  • معنى سوابق الأحكام وأثرها في إفساد النظر إلى الظاهرة
  • الفرق بين الوصف الكيفي والقياس الكمّي
هل الملاحظة العلمية مجرّد فتح العين على الظاهرة، أم أنّ لها من الشروط ما يجعلها عملا لا يُتقنه كلّ من يبصر ؟ وهل هي نوع واحد، أم لها مستويات تتغيّر بتغيّر الموضوع ؟ ثمّ ماذا يصنع الباحث حين يكون موضوعه ممّا لا يُشاهَد أصلا ؟ وإذا كانت الملاحظة أوّل الخطوات وأساسَها، فهل يكفي إتقانُها لبلوغ نتائج دقيقة ؟

مقدمة : طرح المشكلة

من المسلَّم به أنّ التجربة هي المقياس الأساسي الّذي يجعل العلم علما، وأنّ أوّل خطوات المنهج التجريبي الملاحظةُ. غير أنّ هذه البداهة الظاهرة تُخفي مشكلةً حقيقية: فالملاحظة في الاستعمال الشائع فعلٌ يقوم به كلّ إنسان في كلّ لحظة، ولو كانت هي هي في العلم لَكان كلّ مبصرٍ عالِما. ثمّ إنّ أخطر الظواهر الّتي يدرسها العلم ليست ممّا يقع تحت البصر أصلا. فما الّذي يجعل ملاحظةً علمية ؟ وما مستوياتها ؟ وماذا يفعل الباحث حين تتعذّر عليه المشاهدة ؟ وهل يكفي إتقانها لبلوغ نتائج دقيقة ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

موضوعان لا يُشاهَدان

يتعيّن على الباحث اللجوء إلى الاستدلال عندما لا يتمكّن من المشاهدة الحسّية المباشرة: ـ كما هو الحال في رؤية مركز الأرض لمعرفة هل هو صلب أو سائل أو غاز ؛ ـ أو في رؤية الشمس في مختلف أوقاتها، وخاصّةً في الصيف زوالا. ويستطيع أن يعرف ذلك عن طريق الآثار الّتي تتركها هذه الظواهر ؛ إلاّ أنّ الاستخلاص يكون بالتجريب في معناه الواسع. ولاحِظ أنّ سبب التعذّر ليس واحدا في الحالتين: ففي الأولى الموضوع بعيدٌ عن متناول الحسّ بطبيعته، وفي الثانية الحسّ نفسه لا يحتمل الظاهرة. ومع ذلك فالجواب واحد: أن يُستدَلّ بالأثر حين يمتنع النظر إلى المؤثِّر.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الملاحظة ليست شرطا في الرؤية بل في الضبط : فالجيولوجي لم يتخلَّ عن العلم حين عجز عن رؤية مركز الأرض ؛ إنّما استبدل طريقا بطريق، والغاية واحدة: إدراك الحادثة وضبطها. ومن هنا يتبيّن أنّ ما يُعرّف الملاحظة العلمية ليس العين، بل ما تُطلَب منه العين.
  2. والخطوة تتشكّل حسب طبيعة الموضوع : فقد يستغني الباحث عن بعض خطوات المنهج التجريبي كالملاحظة مثلا، ويستبدلها بغيرها، تماشيا مع طبيعة الموضوع الّذي يدرسه وخصوصيات العلم الّذي ينتمي إليه. فالمنهج واحدٌ في مبدئه، متنوّعٌ في تطبيقه.
  3. فالحدّ بين الملاحظة والتجريب أرقّ ممّا يُظنّ : ويمكن القول إنّ مفهوم الملاحظة لا يتعدّى اليوم مفهومَ التجريب ؛ وإذا وجدنا بعضهم يميّز بينهما، فذلك التمييز يبقى صالحا من الناحية النظرية أو لأغراض منهجية، لأنّ الملاحظة تقوم هي الأخرى على نشاط العقل وقد تلعب دور التجريب، ولأنّ التجريب في واقع أمره ليس سوى نوع آخر من الملاحظة.

II – وهل الملاحظة فتحُ العين على الظاهرة، أم أنّ لها من الشروط والمستويات ما يجعلها عملا علميا ؟

أولا : ما يميّز الملاحظة العلمية

إنّ الملاحظة الّتي يقوم بها الرجل العادي في حياته اليومية تختلف عن ملاحظة العالِم ؛ فالرجل العادي لا يبغي التوصّل لكشف علمي، ممّا يجعل ملاحظته عرضية، وغالبا ما تخضع لغرض النفع العامّ، فلا تتضمّن النقد الفاحص للظواهر ولا تطرح إشكالا ما. أمّا الملاحظة العلمية فإنّها تتجاوز مجرّد المشاهدة: إنّها «تركيزُ الانتباه لغرض البحث، وبصيرةٌ ذات تمييز، وإدراكٌ عقلي لأوجه الشبه والاختلاف، وحدّةُ الذهن وقدرتُه على التمييز والفهم العميق». وهي في تحديد آخر: مشاهدةُ الظواهر ومراقبتُها بالذهن والحواسّ على ما هي عليه بالذات، رغبةً في الكشف عن خصائصها وتحويلها إلى جملة من المفاهيم أو الظواهر العلمية. ولا تتحوّل الملاحظة العرضية إلى مقصودة منظَّمة إلاّ بأربعة شروط:

  1. الأناة والصبر : فالظاهرة لا تُظهر ما يثبت فيها وما يتغيّر إلاّ لمن طال نظرُه إليها.
  2. الابتعاد عن سوابق الأحكام : وهي الآراء الّتي يكوّنها العقل على نحو قبليّ دون سند من الخبرة ؛ ومن شأنها أن تحول بين الباحث وبين ملاحظة الظاهرة على نحو موضوعي وحقيقي.
  3. الترفّع عن الأهواء والرغبات وكلّ ما هو ذاتي : وهو الشرط الّذي لا يراقبه أحدٌ سوى الباحث نفسه.
  4. الاعتماد على الحواسّ : فهي الأدوات المباشرة للملاحظة، وعلى وجه أخصّ حاسّة البصر ؛ على أنّ سلامتها وإن كانت شرطا ضروريا لأداء عملها، فإنّ هذا الأداء محدودٌ بحدٍّ أعلى وحدٍّ أدنى لا يتجاوزهما.
حين تُسلَّح الحاسّة

تحتاج الحواسّ إلى أن تكون مسلَّحة أحيانا بأجهزة تقنية متخصّصة، تتعلّق برصد حوادث العالَمين: اللاّمتناهي في الكِبَر واللاّمتناهي في الصِّغَر، أو بقياسها على نحو كمّيّ دقيق ؛ ومثال ذلك المجاهر على مختلف أنواعها، والمِرقاب، والأقمار الصناعية، وجهاز قياس الحرارة، والضغط الجوّي، ودرجة الزلازل، وسرعة الرياح، والضوء، والصوت، فضلا عن المجسّات واللواقط وآلات التصوير في الطبّ وغيره. ولاحِظ أنّ الجهاز يفعل شيئين معا: يمدّ الحاسّة إلى ما وراء حدّها الأعلى والأدنى، ويحوّل الكيف إلى كمّ. فمقياس الحرارة لا يجعلك تحسّ الحرارة إحساسا أفضل، بل يستبدل بإحساسك رقما ؛ وبهذا الاستبدال تخرج الملاحظة من نطاق الملاحِظ الواحد إلى نطاق كلّ من يقرأ الرقم — وهذا هو معنى الموضوعية عمليّا.

ثانيا : مستوياتها، وكيف تتشكّل حسب الموضوع

  1. عرضية ومقصودة : فالأولى تقع للباحث كما تقع لغيره، والثانية يصنعها هو ؛ والانتقال بينهما يتمّ من خلال النشاط العقلي لا بزيادة في الانتباه.
  2. بسيطة ومسلَّحة : بحسب اكتفاء الحاسّة بنفسها أو حاجتها إلى الأداة ؛ وليست المسلَّحة أرقى مطلقا، وإنّما هي اللاّزمة حين يخرج الموضوع عن مجال الحاسّة.
  3. كيفية وكمّية : فالأولى تصف والثانية تقيس ؛ ولا يستغني العلم عن الأولى، ولكنّه لا يستقرّ إلاّ بالثانية، لأنّ الرقم وحده يُتداوَل بين الباحثين.
  4. وتتشكّل الخطوة نفسها حسب طبيعة الموضوع : فليس المنهج العلمي خطّةً جاهزة ولا طريقةً صلبة، ولكنّه منهجٌ طيّع يلين لكلّ عالِم يقصد فهم موضوعه فهما موضوعيا، وذلك حسب طبيعة هذا الموضوع ؛ وهذا من شأنه أن يزيد من توسيع قدرته على استيعاب أكبر مقدار من العلوم المختلفة.
كلود برنار — للملاحظ والمجرّب هدفٌ واحد

إنّ للملاحِظ والمجرِّب — فيما يرى «كلود برنار» — هدفا واحدا مشتركا، وهو إدراك الحوادث وضبطها بالوسائل العلمية الدقيقة ؛ والفرق الوحيد بينهما هو أنّ المجرِّب لا يدرك الحوادث كما هي عليه في الطبيعة، بل يدركها في شروط يهيّئها هو نفسه لغرض علمي معيّن. وتأمّل دقّة هذا التحديد: الفرق ليس في الأداة، ولا في المكان، ولا في درجة الدقّة ؛ الفرق في من هيّأ الشروط. فحين تُترك الظاهرة لشروطها فهي ملاحظة، وحين يهيّئ الباحث شروطها فهو تجريب. ومن هنا فهمنا لماذا يبقى الفلكي ملاحِظا مهما دقّت أدواته: فهو يهيّئ شروط الرصد، ولكنّه لا يملك أن يُحدث كسوفا أو خسوفا متى شاء، أي لا يهيّئ شروط الظاهرة نفسها.

ثالثا : حدود الملاحظة

غير أنّ إتقان هذه الخطوة لا يضمن نتائج مطلقة. فحتّى مع احترام المنهج التجريبي، فإنّ نتائج العلوم التجريبية ليست مطلقةً ولا دقيقة ؛ ويمكن التماس ذلك بوجه أخصّ على مستوى التنبّؤ بالمستقبل والتحكّم في الظواهر. فمن المستحيل نظريا أن يتمّ تنبّؤنا بالمستقبل على الوجه الأكمل، ما دام المنهج العلمي يقوم على استقراء غير شامل لجميع الظواهر: إذ القانون العلمي يقوم على ملاحظة حسّية تتناول ظاهرة جزئية في زمانها ومكانها، ومع ذلك يُسحب على جميع ما يشبهها من ظواهر لم تخضع لملاحظتنا، في الماضي والحاضر والمستقبل ؛ ولقد ألحّ فلاسفة العلوم على صفته الترجيحية والاحتمالية.

1 ـ أسباب القصور

ولا يرجع هذا القصور إلى تقصير الباحث وحده، بل إلى ثلاثة أسباب مختلفة الطبائع، أوّلها في الموضوع نفسه، والثاني في المنهج حين يُساء استعماله، والثالث في الأدوات:

  1. تغيّر الموضوع المستمرّ : فالشيء الملاحَظ لا يبقى هو هو حتّى تتمّ ملاحظته ؛ وهذا ما يفتح على مذهب الصيرورة، وهو أعمق اعتراض على الملاحظة.
  2. عدم مراعاة خصوصية العلم التجريبي : ومن أسباب هذه النتائج أيضا عدمُ تماشي الطريقة مع طبيعة الموضوع، وتطبيقُ التجربة في مفهومها الضيّق على فنون علمية مختلفة ؛ ومصدر هذه المفارقة اعتقادُ أنّ التجربة المعمول بها في الفيزياء هي النموذج المثالي أو الأوحد الّذي يجب أن يحتذي به كلّ علم. والصواب أنّ طبيعة الموضوع المدروس هي الّتي تحدّد المنهج وتنظّمه ؛ فهو إن كان واحدا بالنظر إلى المبدأ النظري، فهو متنوّع بالنظر إلى الميدان العملي، وقابلٌ للنموّ والنضوج.
  3. قصور أدوات الباحث : فالتجربة تحتاج دائما — لتكون دقيقة — إلى جملة من الوسائل والتجهيز، سواء تمّت على مستوى الملاحظة أو على مستوى التجريب ؛ ولمّا كانت الشروط لها تأثير في طريقة الوصول إلى النتائج، فليس من الغريب إذا وقع العالِم في الخطأ أكثر من مرّة، بسبب سوء تحقيق الملاحظة أو ضعف اختيار الفرضية وقلّة الوسائل.
  4. وحتّى مع توفّر الوسائل : تدفعنا فلسفة العلوم إلى القول بأنّ الطريقة العلمية قد تجانب الصواب لخلل ما في مستوى قِدَم وسائل العمل وضعف صيانتها، أو في مستوى صحّة الحواسّ ومصداقيتها، أو في مستوى ظروف التجربة المكانية والزمانية.
هرقليطس — أن تلاحظ ما لا يثبت

يذهب الفيلسوف «هرقليطس» إلى أنّ الصيرورة هي جوهر الكون وحقيقته ؛ فلا شيء يدوم على حال معيّنة لحظتين متتابعتين، وأنّ هذا البقاء الّذي ننسبه للأشياء — مع اختلاف في الطول والقصر باختلاف الأشياء نفسها — خداعٌ من الحواسّ لا يتّفق مع الواقع كما يُخيَّل إلينا. إنّ الموجة مثلا تظلّ هي بعينها تحبو على سطح الماء حتّى ترتطم بصخرة الشاطئ، مع أنّ الحقيقة المعروفة هي أنّ الموجة وإن احتفظت بصورتها الخارجية، فإنّ ماءها الّذي تتكوّن منه يتغيّر في كلّ لحظة زمنية ؛ وهكذا الأمر في كلّ شيء. وليس جبل اليوم هو جبل الأمس، ولن يكون جبل الغد ؛ ولا تمضي على الشيء لحظة زمنية واحدة مهما بلغت من القِصَر إلاّ ويطرأ عليه تغيّر ما. وقد شبّه الحياة كلّها، بما فيها عالَم الأشياء، بالنهر الّذي تراه من بعيد هادئا، ولكنّه أبدا متحرّك نحو مصبّه. هرقليطس (Héraclite، 535-475 ق.م.) ؛ أحمد أمين وزكي نجيب محمود، قصة الفلسفة اليونانية، ص 56 وما بعدها

إذا كان كلّ شيء يتغيّر، أفتكون كلّ ملاحظة كاذبة ؟

لا، ولكن يجب أن نعرف ما الّذي تلاحظه بالضبط. تأمّل مثال الموجة: هي تحتفظ بصورتها الخارجية بينما يتغيّر ماؤها في كلّ لحظة. فما الّذي يلاحظه الفيزيائي في الموجة ؟ ليس الماء بعينه — وهذا هو المتغيّر — بل الصورة والعلاقة: طولَ الموجة، وسرعتَها، وتردّدها. وهذه تثبت بينما يتبدّل حاملها. ومن هنا يتبيّن الجواب: الصيرورة تُبطل الملاحظة الّتي تدّعي أنّها تمسك الشيء، ولا تُبطل الملاحظة الّتي تمسك القانون. ولهذا لم يعد العلم الحديث يقصد إلى أيّ الظواهر سابقٌ وأيّها لاحق، وإنّما يقصد إلى القانون، أي التعبير عن علاقات ثابتة بين الظواهر. ويبقى من اعتراض «هرقليطس» ما هو حقّ ولا يُردّ: أنّ نتيجة الملاحظة تظلّ ترجيحية احتمالية، لأنّ الظاهرة الّتي لاحظناها ليست هي عينها الّتي سنعمّم عليها. وهذا ليس عيبا يُخفى، بل حدٌّ يُعلَن — والفرق بين العلم وغيره أنّه هو الّذي يُعلنه.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة استقصائية بالرفع («يقول قائل: الملاحظة وحدها تكفي لبناء العلم، فكيف تردّ عليه ؟») أو في تحليل نصّ عن خطوات المنهج. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① تعريف الملاحظة العلمية بلفظه، وشروطُها الأربعة، ومستوياتُها الثلاثة ؛ ② تحديد «كلود برنار» للفرق بين الملاحِظ والمجرِّب — هدفٌ واحد، والفرق أنّ المجرِّب يهيّئ الشروط — فهو أدقّ ما يُفرَّق به بينهما ؛ ③ أسباب قصور النتائج الثلاثة (تغيّر الموضوع · عدم مراعاة خصوصية العلم · قصور الأدوات) مع شاهد «هرقليطس». ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : جعل الملاحظة استقبالا سلبيا ثمّ الاستنتاج بأنّها موضوعية لهذا السبب ؛ والنصّ يقرّر أنّها تقوم على نشاط العقل وأنّها إدراكٌ عقلي لأوجه الشبه والاختلاف. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الظنّ بأنّ تعذّر المشاهدة يُخرج البحث من العلم ؛ ومركزُ الأرض حجّتك المضادّة: يُعرَف بالآثار الّتي تتركها الظاهرة، ويبقى الاستخلاص بالتجريب في معناه الواسع.
نتيجة — الملاحظة العلمية ليست مشاهدةً عادية: فالرجل العادي ملاحظتُه عرضية لا تتضمّن النقد الفاحص ولا تطرح إشكالا، أمّا العالِم فملاحظتُه تركيزُ انتباهٍ لغرض البحث، وبصيرةٌ ذات تمييز، وإدراكٌ عقلي لأوجه الشبه والاختلاف ؛ إنّها مراقبةٌ بالذهن والحواسّ معا. وشرطُها الأناةُ والصبر، والابتعاد عن سوابق الأحكام، والترفّع عن كلّ ما هو ذاتي، والاعتماد على حواسّ سليمة تُسلَّح عند الحاجة، لأنّ أداءها محدودٌ بحدٍّ أعلى وحدٍّ أدنى. وهي مستويات: عرضية ومقصودة، بسيطة ومسلَّحة، كيفية وكمّية ؛ وتتشكّل حسب طبيعة الموضوع، حتّى إنّ الباحث قد يستغني عنها ويستبدلها بالاستدلال حين تتعذّر المشاهدة، كما في مركز الأرض، فيعرفها بالآثار الّتي تتركها. ولهذا صار مفهومها لا يتعدّى مفهوم التجريب: فللملاحِظ والمجرِّب — عند «كلود برنار» — هدفٌ واحد هو إدراك الحوادث وضبطها، والفرق الوحيد أنّ المجرِّب يدركها في شروط يهيّئها هو. غير أنّ إتقانها لا يضمن نتائج مطلقة: فالقانون يقوم على استقراء غير شامل فيبقى ترجيحيا احتماليا، ويزيده قصورا تغيّرُ الموضوع المستمرّ كما بيّن «هرقليطس»، وعدمُ مراعاة خصوصية كلّ علم، وقصورُ الأدوات. ⟸ فإذا كانت الملاحظة على دقّتها لا تُنتج القانون وحدها، فما قيمة الخطوة الّتي تليها ؟ وما الّذي تضيفه الفرضية ولا تملكه الملاحظة ؟

Page 1/5

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net