الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم › في علوم المادة الجامدة و علوم المادة الحية
تجاوز العوائق في البيولوجيا
- تحديد العوائق الأربعة الّتي تصطدم بها البيولوجيا أمام المنهج التجريبي، وردّ كلّ عائق إلى خصوصية في الموضوع الحيّ
- بيان العقبة الّتي أضافها المعارضون، وتقدير حجّتهم
- عرض الكيفية الّتي كيّف بها «كلود برنار» المنهج التجريبي لدراسة المادّة الحيّة
- الاستشهاد بنتائج مُحرَزة تُثبت أنّ العوائق تُقتحم ولا توقف البحث
- خطوات المنهج التجريبي الثلاث، وطريقتَي التلازم في الحضور وفي الغياب
- الفرق بين الكلّ المتكامل ومجموع الأجزاء
- معنى الحتمية ومعنى الاطّراد في العلم التجريبي
مقدمة : طرح المشكلة
إنّ المعارف الّتي تطمح إلى تطبيق المنهج التجريبي لا شكّ في أنّها تسعى من وراء ذلك إلى الالتحاق بركب العلوم وبلوغ مراتبها ؛ وهو المنهج الّذي استخدمته أصلا العلوم التجريبية في المادّة الجامدة كالفيزياء والكيمياء، والّذي كان وراء نجاحها وازدهارها. وليس بالغريب إذا كانت العلوم المبتدئة في الطموح إلى هذا المبتغى — كعلوم المادّة الحيّة أو البيولوجيا — تحاول استثمار خبرات العلوم السالفة وتقليدها في تطبيق المنهج العلمي. ولكنّ المشكلة المطروحة هي: إذا لم يتمّ استخدام هذا المنهج استخداما صارما — وهذا احتمال وارد — فهل يُرتجى الحصول على نتائج دقيقة ؟ وإذا تمّ تطبيقه بهذه الصورة في كلّ الدراسات، بما فيها دراسة الظاهرة البيولوجية، فماذا يبقى من اعتبار لخصوصية الموضوع المدروس ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (ط) : ما لي أراك شاحبَ الوجه وقد انتهت الحرب ؟ ـ (ع) : لقد انتهت الحرب، ولم تنتهِ عندي مشاهدُها المفزعة ؛ ـ (ط) : هذا أمر طبيعي، فما أوجعك أكثر يا صديقي ؟ ـ (ع) : المشي على الجثث وبتر أعضائها، واختراق حرمة معتقداتنا في تقديسها ؛ ـ (ط) : هذا أمر طبيعي في عهد الفتنة ؛ ـ (ع) : وماذا تقول عن شقّ بطون النساء والرجال وترقيع أعضائهم ونحن في خيمة العمليات الجراحية ؟ ـ (ط) : هذا موضوع آخر ؛ ألستَ مُعيني في علاج المرضى والمجروحين وغيرهم ؟ ـ (ع) : لستُ في الحقيقة طبيبا ولا أخصّائيا في الاقتراب من كائناتكم الحيّة هاته ؛ كنتُ دائما كطالب أميّز بين الأجسام الثابتة والأجسام الحيّة، بين الأشياء الّتي تنظّمها قوانين الكون والكائنات الّتي يحرّكها مبدأ الحياة والقيم ؛ وكان ميلي متّجها دائما نحو دراسة الأشياء الجامدة ؛ ـ (ط) : لا يدخل خيمتنا من لم يضع هذه الاعتبارات بعيدا عن عتبتنا ؛ فمهما اختلفت الأجسام في طبيعتها، فإنّ نظام الكون يسري عليها جميعا ؛ ـ (ع) : هل أفهم من هذا أنّ النباتات والحيوانات والناس أشياءُ مثل جميع الأشياء ؟ وأنّه من المباح أن تُفحص وتُختبر بنفس الطرائق المستعملة في شأن الأجسام الجامدة ؟ ـ (ط) : نعم ؛ ـ (ع) : إنّ ميلي نحو دراسة الأشياء الجامدة أوقفني على حقيقة واحدة، وهي أنّ النتائج الحاصلة عن طريق المنهج التجريبي المستعمل في هذه الدراسة ليست دقيقة ؛ فما بالك بمستوى النتائج إذا تعلّق الأمر بالكائنات الحيّة ؟ ـ (ط) : إنّ ما كان في القديم محظورا في مجال الدراسات البيولوجية أصبح مندوبا بحكم الضرورة ؛ فنحن اليوم لم نعد نسأل لماذا تحيا هذه الكائنات الحيّة، بل كيف ؟ انظر أمامك إلى ما يجري من تقدّم مدهش في ميدان الجراحة الطبية ورتق الأعضاء وتربية الجينات وتهذيبها ؛ ـ (ع) : ألا يمكن أن تتنوّع الطرائق التجريبية بقدر تنوّع خصائص الظواهر القابلة للدراسة ؟ أليس من الضروري الحديث عن أخلاقيات الاقتراب من هذه الظواهر ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الأشياء الجامدة تختلف عن الأشياء الحيّة : يبيّن لنا الحوار المفارقةَ الموجودة بين عالَم الكائنات الحيّة وعالَم الأجسام الهامدة ؛ الأوّل مصدر الحرّية والحركية الهادفة، وأمّا الثاني فإنّه موقع الأشياء الجامدة المقيَّدة الّتي تستجيب لنظام الكون. فإذا جاز لنا لأهداف علمية تفتيتُ قطعة من الطباشير أو تذويبُ قطعة من المعدن، فإنّه لا يجوز لنا استخدام نفس الأسلوب مع الإنسان، لأنّه موضع إجلال وتقديس له اعتبارُه وحرّيته وحقوقه ؛ فإن كنّا بعد تفتيت قطعة من الطباشير نحصل على جزء من الطباشير، فإنّنا بعد تفتيت جسم الإنسان نكون قد حصلنا على شيء آخر غير الإنسان.
- الأشياء الجامدة تشبه الأشياء الحيّة : ومع ذلك، فإنّه مهما اختلفت طبيعة الأجسام — سواء كانت جامدة أو حيّة — فهي في نهاية الأمر واحدة، من حيث إنّها تستجيب لنظام واحد هو نظام الكون. ولإدراك هذه الحقيقة يتعيّن علينا التخلّص من بعض الاعتبارات الفلسفية والاعتقادات الدينية وتقديس المأثور عن السلف — وكم هو صعب — وعندئذ لم يعد للنفور من دراسة الظواهر البيولوجية أيّ مبرّر معقول.
- للضرورة أحكام : فالمشكلة المنهجية الّتي تواجه العالِم البيولوجي ذات شقّين: الأوّل هو المغامرة الّتي يخوضها عالِم الظواهر الطبيعية في دراسة المادّة الجامدة بطريقة التجريب، مع علمه بأنّ هذه الطريقة لا تهدينا إلاّ إلى نتائج تقريبية ؛ والثاني هو الاضطرار إلى تطبيق طريقة وُضعت خصّيصا لدراسة الأشياء الجامدة، على الرغم من العقبات الموضوعية الّتي تفرضها خصوصيات الظواهر الحيّة. ولم ينتهِ الحوار إلى نتيجة، بل ترك الباب مفتوحا والسؤال معلَّقا: كيف نجعل من مقياس التجربة مقياسا ديناميا يحافظ على خصوصية الظاهرة المبحوثة ؟
III – وما هي مخاطر استخدام هذا المقياس في العلوم الحيّة، وكيف تُقتحم ؟
أولا : عوائق تطبيق المنهج التجريبي في العلوم الحيّة
تصطدم البيولوجيا أمام المنهاج التجريبي بعقبات شتّى، يمكن ردُّها إلى أربع ؛ ولاحِظ أنّها جميعا ترجع إلى خاصّية واحدة في الموضوع الحيّ: أنّه كلٌّ، لا مجموع أجزاء:
- العقبة الأولى : طبيعة الموضوع : إنّ الموضوع الّذي تعتني بدراسته البيولوجيا كائنٌ حيّ، كلّ جزء فيه تابعٌ للكلّ ولكلّ الأجزاء الأخرى ؛ بينما لا تشكّل المادّة الجامدة أيّ وحدة متعاضدة تحافظ على تماسكها. فإذا كان بالإمكان تفتيت المادّة الجامدة وتفكيكها إلى أجزاء لامتناهية دون أن تفقد طبيعتها، فإنّ المادّة الحيّة — إذا نزعنا منها عضوا — تستجيب كوحدة جديدة تختلف تماما عمّا كانت عليه. وهذا ما يجعل طريقة التلازم في الغياب عند «مل» صعبةَ التحقيق، ما دام التعويض يسدّ ثغرة الحذف.
- العقبة الثانية : تصنيف الحوادث : ليست ظواهر المادّة الحيّة سهلةَ التصنيف كما هو الشأن في ظواهر المادّة الجامدة، حيث يتيسّر التمييز بين ما هو فيزيائي وما هو كيميائي وما هو فلكي. وتعود هذه الصعوبة إلى أنّ كلّ كائن حيّ ينطوي على خصوصيات ينفرد بها دون غيره ؛ وكلّ محاولة تقسّم الكائنات الحيّة إلى أصناف ما تكاد تقضي على الفردية. فالتصنيف المرفولوجي أو الفيزيولوجي عملٌ مصطنع يشوّه طبيعة الموضوع ويشوّش نتائج البحث.
- العقبة الثالثة : تعميم النتائج : فقد يستخدم الباحث تجارب على بعض الحيوانات قصد دراسة ظواهر بيولوجية معيّنة، حتّى إذا اهتدى إلى نتائج نهائية سحبها على مجموع الكائنات الأخرى، حيّةً أو بشرية، الداخلةِ في الجنس الواحد أو النوع الواحد. وهذا تعسّفٌ واضح، لأنّ الكائنات الحيّة عموما لا تكون هي هي مع أنواع أخرى.
- العقبة الرابعة : مصداقية التجريب : ومصدر تبريرها هو التفاعل المتقلّب للكائن الحيّ مع المحيط ؛ فمن المعلوم أنّ الكائن الحيّ لا يكون حتما هو هو إلاّ في محيطه الأصلي، ويكفي أن ننقله إلى محيط اصطناعي حتّى يتغيّر سلوكه ويضطرب. والمنهج المعروف في الدراسات الفيزيائية، الّذي يدعو إلى حذف جميع العوامل الأخرى لفحص عامل واحد، هو منهجٌ يشوّه تماما طبيعة هذا العامل إذا استُخدم في الدراسات البيولوجية، لأنّ في الكائن الحيّ الكلَّ يرتدّ إلى الكلّ.
«إنّ سائر أجزاء الجسم الحيّ مرتبطة فيما بينها ؛ فهي لا تستطيع الحركة إلاّ بقدر ما تتحرّك كلّها معا. والرغبة في فصل جزء من الكتلة معناها نقلُه إلى نظام الذوات المَيّتة، ومعناها تبديلُ ماهيته تبديلا تامّا.» وتأمّل العبارة الأخيرة: ليس الجزء المفصول جزءا مصابا، بل هو شيء من نظام آخر. ومن هنا يتبيّن لماذا لا يُنقَل التحليل من الفيزياء إلى البيولوجيا نقلا حرفيا: التحليل في الفيزياء يعزل عنصرا ليدرسه، وفي البيولوجيا يُنشئ عنصرا آخر ثمّ يدرسه ظانّا أنّه الأوّل. جورج كوفيي (Cuvier، 1769-1832)، عالم فرنسي اهتمّ بدراسة المستحاثات الحيوانية والنباتية، أسّس علم التشريح المقارن
ثانيا : عقبة خامسة أضافها المعارضون
ولقد وجد بعض المفكّرين في هذه العقبات مبرّرات لمعارضة تطبيق المنهج التجريبي على الكائنات الحيّة، فأضافوا إليها عقبةً أخرى تتمثّل في العفوية الحرّة الّتي تتمتّع بها الكائنات الحيّة والّتي تخضع لقوانين خاصّة ؛ إنّهم يسلّمون بأنّ هناك قوّة حيوية تحرّك سائر حوادث الحياة وتُخضعها لنظامها الحرّ، وكأنّها بمثابة قوّة باطنية مستقلّة تتحكّم في أفعال هذه الحوادث وتُعفيها من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية. ولاحِظ الفرق بين هذه العقبة والعقبات الأربع: تلك صعوباتٌ في الطريق، وهذه دعوى بأنّ الطريق نفسه مسدود من حيث المبدأ.
«فهل يمكن دراسة استئصال الغدّة النخامية دون أن نأخذ بعين الاعتبار مفعول المخدّر على العضوية، ونتائجَ الصدمة الّتي تتركها العملية الجراحية الضرورية ؟ هذا، ولكي ندرس الخلايا والأنسجة والباكتيريات — وهذه كلّها كائنات حيّة، في الهستولوجيا وفي علم التشريح الباثولوجي وفي علم الباكتيريات — لا بدّ من قتلها وتثبيتها ثمّ تلوينها قبل أن توضع تحت المجهر ؛ وقتلُ الخلية وتخثيرُها وتلوينُها معناه حتما إفسادُها.» وفي هذا المقطع تجتمع العقبتان الأولى والرابعة معا: فالاستئصال يُدخل عاملين جديدين (المخدّر والصدمة) لم يكونا في الفرضية، والتثبيت يقتل ما جاء ليدرسه. جمال الدين بوقلي حسن، قضايا فلسفية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1979، ص 445
أصبح من المألوف استخدام حيوانات معيّنة تُصطفى للتجريب على ظواهر محدَّدة ؛ ومن ذلك: الفأر والفيتامينات، والكوباي ومرض السلّ، والكلب ومرض السكّر التجريبي، والقرد وبعض الهرمونات، والحصان والدورة الدموية. ولاحِظ أنّ هذا الاصطفاء نفسه اعترافٌ ضمنيّ بالعقبة الثالثة: فلو كانت النتائج تنتقل من نوع إلى نوع انتقالا حرّا، لَما كان لاختيار حيوان بعينه لظاهرة بعينها معنًى. فالعالِم البيولوجي يعلم أنّ ما صحّ في الكوباي قد لا يصحّ في الفأر ؛ ومن هنا يظلّ الانتقال من الحيوان إلى الإنسان هو الخطوة الّتي لا تُقطع إلاّ بحذر شديد.
ثالثا : اقتحام العوائق
لم يتوقّف الإنسان بفضوله عن محاولة كشف النقاب عن الكائنات الحيّة منذ القدم، على الرغم ممّا تغلغل فيه من اعتقادات تحذّره من الاقتراب منها ؛ واستعمل في عملية الكشف أساليب متنوّعة، بعضها معلَن عنه وبعضها الآخر تمّ تحت ستار الكتمان، وهي أساليب تقنية ساهمت في إنتاجها الفطرة وتجارب التطبيب التقليدي. وظلّت هذه العملية عبر التاريخ تُخطئ وتُصيب، تُفسد وتُصلح، إلى عهد نضج فيه تطبيق المنهج العلمي، فألهم بعض العلماء والمفكّرين إلى الاستئناس به، أمثال «كلود برنار».
1 ـ «كلود برنار» : كيف يُكيَّف المنهج بدل أن يُنقَل
لقد عرف هذا الرجل كيف يستثمر هذا المنهج الّذي وُضع خصّيصا لدراسة المادّة الجامدة، ويكيّفه في دراسة المادّة الحيّة مع حفاظه على خصوصية هذه المادّة ؛ وقد عبّر عن محاولته هذه في كتابه «مدخل لدراسة الطبّ التجريبي». وأوّل ما قرّره أنّ خصائص المادّة الحيّة لا يمكن معرفتها إلاّ بعلاقتها مع خصائص المادّة الخام، ذلك أنّ في العضويات المركّبة ثلاثة أنواع من الأجسام:
- الأجسام البسيطة كيميائيا : ستّة عشر منها فقط تدخل في تركيب عضوية الإنسان، وهي أكثر العضويات تركيبا ؛ ولكن من تفاعل هذه الأجسام تتألّف مختلف الذوات السائلة والصلبة والغازية.
- المبادئ غير المباشرة : وهي الّتي تدخل كعناصر مؤلِّفة وجوهرية في تكوين الأجسام الحيّة ؛ منها ما يُؤخذ من العالَم الخارجي مباشرةً تامَّ التكوين كالأملاح الترابية والفوسفات والكلورور والسلفات، ومنها ما ليس مستعارا من العالَم الخارجي بتاتا لأنّه من تكوين العضوية الحيوانية أو النباتية، كالنشاء والسكّر والشحم والألبومين. وهذه المبادئ المقتطفة من الجسم تحتفظ بخصائصها لأنّها لم تبقَ حيّة ؛ إنّها منتوجات عضوية ولكنّها غير منظَّمة.
- العناصر التشريحية المنظَّمة : وهي الأجزاء الوحيدة الّتي تعرف النظام والحياة ؛ سريعةُ التهيّج، وتُبدي تحت تأثير منبّهات متنوّعة خصائصَ تميّز الكائنات الحيّة بصفة كلّية. وهي الّتي لا يمكن أن تنفصل عن العضوية دون أن تفقد حيويتها.
- والنتيجة المنهجية : أنّ هذه الفئات الثلاث من الأجسام، مع اختلافها، قادرةٌ كلّها على أن تعطي عمليات فيزيائية كيميائية تحت تأثير منبّهات خارجية كالحرارة والضوء والكهرباء ؛ ولذلك يبيح العالِم الفيزيولوجي لنفسه فهمَ الظواهر الحيّة وتفسيرَها اعتمادا على المبادئ الّتي ترتدّ إليها المادّة الجامدة. فعملية التنفّس مثلا ترتدّ في النهاية إلى أكسدة اليحمور وإلى تأكسدات خاصّة بالخلايا.
بفضل هذا المنهج العلمي صحّح «باستور» الفكرةَ القائلة بالنشوء العفوي للجراثيم، مثبتا أنّ هذه الجراثيم منشؤها في الهواء ؛ وبفضل طريقتَي التلازم في الحضور والتلازم في الغياب استطاع أن يحارب مرض الجمرة الخبيثة الّذي كان يصيب الشياه: وذلك بأن أخذ مجموعتين من الشياه، فطعّم إحداهما بلقاح مضادّ وترك الأخرى بلا تطعيم، ثمّ نقل المرض إلى المجموعتين كلتيهما ؛ وأثمرت العملية، إذ المجموعة المطعَّمة قاومت المرض فعلا، والمجموعة الثانية هلكت. ولاحِظ أنّ الطريقتين المستعملتين هنا هما بعينهما طريقتان من طرق «مل»: أي أنّ المنهج لم يُستبدَل، وإنّما وُضع في تصميم يحترم خصوصية الموضوع — مجموعتان متماثلتان، لا كائنٌ واحد يُفكَّك. لويس باستور (L. Pasteur، 1822-1895)، عالم كيميائي وبيولوجي فرنسي، من أهمّ إنجازاته إعداد اللقاح المضادّ لمرض الجمرة الخبيثة سنة 1881، واللقاح المضادّ للكَلَب سنة 1885
إذا كانت العوائق حقيقية إلى هذا الحدّ، فلماذا لم توقف البيولوجيا ؟إذا كانت العوائق حقيقية إلى هذا الحدّ، فلماذا لم توقف البيولوجيا ؟
لأنّ العائق في العلم ليس جدارا، بل شرطُ تصميمٍ. تأمّل ما فعله «باستور»: العقبة كانت أنّ حذف عامل واحد من كائن حيّ يغيّر الكائن كلّه ؛ فبدل أن يحذف من كائن، قابَل بين مجموعتين. لقد احترم القاعدة المنهجية (التلازم في الحضور والغياب) واحترم في الوقت نفسه أنّ الكائن الحيّ لا يُفكَّك. فالعائق لم يُلغَ، وإنّما دار حوله التصميمُ. وهذا هو الفرق بين موقف المعارضين وموقف «كلود برنار»: المعارضون استنتجوا من خصوصية الحيّ أنّ المنهج لا يصلح له، و«برنار» استنتج منها أنّ المنهج يجب أن يُكيَّف. والتاريخ حكم بينهما بنتائج لا تُردّ: من التلقيح إلى الجراحة إلى تربية الجينات. غير أنّ حجّة المعارضين لم تسقط كلّها: فبقي منها سؤالُ العسكري في الحوار — «أليس من الضروري الحديث عن أخلاقيات الاقتراب من هذه الظواهر ؟» — وهو سؤال لم يجب عنه المنهج، لأنّه ليس سؤالا منهجيا.
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net