Philosophy🎓 baccalaureate goal

الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم في العلوم الإنسانية

طبيعة الموضوع والعوائق الابستيمولوجية في: علم الاجتماع

🔊 The teacher reads for you
أنت لم تختر اللغة التي تتكلّمها، ولا النقود التي تشتري بها، ولا صيغة التحية التي تلقيها كلّ صباح، ولا يوم العطلة الذي ترتاح فيه. وُلدتَ فوجدت ذلك كلّه جاهزا قبلك وسيبقى بعدك. وأنت حرٌّ نظريا في أن تخرج عن واحدة منها — فجرّب، وسترى مقاومةً تأتي إليك من كلّ جهة دون أن تأتي من أحد بعينه. فما هذه القوّة التي لا وجه لها ولا عنوان ؟ وهل ما يوجد خارج شعور الأفراد يمكن أن يُدرَس كما تُدرَس الأشياء ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديد طبيعة موضوع علم الاجتماع، وبيان لماذا لا تكون الظاهرة الاجتماعية اجتماعية خالصة
  • عرض العوائق الابستيمولوجية الخمسة للظاهرة الاجتماعية، وربط كلّ عائق بخاصية في الظاهرة نفسها
  • عرض خصائص الظاهرة الاجتماعية كما حدّدها «دوركايم»، وبيان كيف حوّل التحديدُ العائقَ إلى شرط للدراسة
  • تقويم نتائج علم الاجتماع: ما وُجّه إليها من نقد، وما فتحته من فروع وفوائد
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • شروط المنهج التجريبي: الملاحظة، الفرضية، التجربة، القانون
  • الفرق بين الفرد والجماعة، وبين ما يصدر عن الشخص وما يفرضه عليه المجتمع
  • الفرق بين الموضوعي والذاتي، وبين الوصف الكيفي والتقدير الكمّي
إنّ الظاهرة الإنسانية ليست ظاهرة شبيهة بالظواهر الأخرى: فهي ذاتية وقصدية، توجّهها القيم والقواعد، ولا تثبت على حال لأنّها مصدر ابتداع وحرية ؛ وهذا ما يشكّل عقبات أمام تطبيق مقياس التجربة المعروف في العلوم الطبيعية. تُرى ما هي هذه العقبات على مستوى علم الاجتماع ؟ وهل يمكن أن تُعالَج الوقائع الاجتماعية «على أنّها أشياء» وهي صادرة عن كائنات تملك حرّية الإرادة ؟

مقدمة : طرح المشكلة

كثر التساؤل عن مكانة العلوم الإنسانية ودورها في فهم الواقع البشري، وأصل هذا التساؤل: هل نستطيع أن نتنبّأ بما يصدر عن الإنسان من سلوكات إذا ما استطعنا الوصول إلى دراسته وعرفنا قواعد النظام الذي يحكمه ؟ ويتّخذ هذا التساؤل في علم الاجتماع صورةً خاصّة: فموضوعه لا يقع تحت الحسّ كالجسم، ولا هو باطنيّ محضٌ كالشعور ؛ إنّه بين الاثنين — عاداتٌ وأعرافٌ وقوانين وشرائع، توجد خارج الأفراد وتفرض نفسها عليهم، ومع ذلك فهي من صنعهم. فكيف يُدرَس ما هو من صنعنا ويحكمنا في آنٍ واحد ؟ وللرّدّ على هذا التساؤل نمهّد لفهم المشكلة بالمدخل التالي.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

من حوار بين صديقين (أ) و(ب) حول ورقة مخطوطة

ـ (أ) : فماذا لو علمتَ بأنّ هذه الورقة هي وثيقة خطّتها أنامل «الأمير عبد القادر الجزائري» ؟ ـ (ب) : أهذا هو خطّه حقّا ؟ وما هذه الأشكال المتنوّعة الّتي تراها، أليست رسما لبندقية قديمة ولقطعة نقدية يصعب قراءتها ؟ ـ (أ) : فبشيء من الاجتهاد تهتدي إلى أنّ الوثيقة ظاهرة خاصّة ؛ فهي ليست جسما فيزيائيا ولا بيولوجيا ؛ إنّها ظاهرة تحمل سمات كائن بشري ؛ ـ (ب) : هذا صحيح ؛ إنّها لحظة تاريخية، ونفحة نفسية، ومرآة عاكسة لمؤثّرات اجتماعية ؟ ـ (أ) : إنّ صاحبها إنسان … ولكنّه أيضا يعيش مع الناس، وينسج معهم علاقات اجتماعية وما يترتّب عنها من حقوق وواجبات … ؛ ـ (ب) : ( يقاطعه الحديث ) … إنّه إذن كائن الحياة الاجتماعية ؛ ـ (أ) : أضف إلى ذلك أنّه يمثّل لحظة من لحظات التاريخ، فيباشر الحاضر ليتحوّل إلى ماضٍ ؛ ـ (ب) : فهو إذن كائن أبعادٍ ثلاثة: بعدٍ نفسي وبعدٍ اجتماعي وبعدٍ تاريخي ؛ ـ (أ) : وكائن من هذا القبيل يحتاج إلى عناية منهجية خاصّة.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. أثرٌ فردي تعبر فيه الجماعة : الوثيقة خطّها شخص واحد، ومع ذلك فهي «مرآة عاكسة لمؤثّرات اجتماعية» ؛ فما يصدر عن الفرد يحمل بصمة الجماعة التي تكوّن فيها، وهذا هو الباب الذي يدخل منه عالم الاجتماع.
  2. كائن الحياة الاجتماعية : فالإنسان يعيش مع الناس وينسج معهم علاقات اجتماعية وما يترتّب عنها من حقوق وواجبات ؛ وهذه العلاقات هي موضوع علم الاجتماع، لا الأفراد مأخوذين واحدا واحدا.
  3. تداخل الأبعاد الثلاثة : فالظاهرة الإنسانية معقّدة لأنّ عوامل إنتاجها متداخلة، ومترامية الأطراف لأنّ المؤثّرات النفسية والاجتماعية تتفاعل فيها ضمن حدود الزمان ؛ ومن هنا يبدأ عائق علم الاجتماع الأوّل: أين تنتهي الظاهرة الاجتماعية وأين يبدأ ما هو نفسي أو تاريخي ؟

I – ضبط مفهوم العلوم الإنسانية وموضع علم الاجتماع منها

تتّخذ العلوم الإنسانية من أحوال الناس وسلوكاتهم موضوعَ بحث بطريقة منهجية منظّمة ؛ فهي تتناول الواقع الإنساني سواء تعلّق بالإنسان منفردا أو مرتبطا بغيره، لغاية فهمه وتحديد ثوابته. ونقول «إنسانية» نسبةً إلى موضوعها، كما نقول «تجريبية» نسبةً إلى منهجها، و«معيارية» نسبةً إلى المعيار الذي يُقدَّر على مثاله السلوك. ويأخذ علم الاجتماع من موضوع هذه العلوم جانبا محدّدا: الإنسان من حيث إنّه يعيش في جماعة ويخضع لتأثيراتها ويدخل في علاقات مختلفة مع أعضائها. فليس موضوعه الفردَ في ذاته — ذاك موضوع علم النفس — ولا الحادثة الماضية — تلك موضوع التاريخ — وإنّما ما يقوم بين الأفراد فيتجاوزهم.

أولا : طبيعة موضوع علم الاجتماع

موضوع علم الاجتماع هو الظاهرة الاجتماعية: العادات والأعراف والقوانين والعقائد والطقوس وأشكال العيش. وأوّل ما يلفت النظر في هذا الموضوع أنّه ليس بسيطا ولا خالصا: فهو يشترك مع البيولوجيا في أنّه يتعلّق بكائنات حيّة، ومع علم النفس في أنّه يمرّ بشعور الأفراد، ومع التاريخ في أنّه لا يكاد يقع حتّى يصير ماضيا. ولذلك اختلف الباحثون أنفسهم في إلحاقه: فمنهم من رأى ضمّه إلى الدراسات البيولوجية، ومنهم من رآه أقرب إلى الدراسات النفسية، ومنهم من عدّه حدثا تاريخيا. وهذا الاشتراك نفسه هو أوّل عوائقه.

ثانيا : العوائق الابستيمولوجية للظاهرة الاجتماعية

  1. ليست اجتماعية خالصة : إنّها تنطوي على خصائص بعضها بيولوجي وبعضها نفسي وبعضها تاريخي ؛ فمن الباحثين من يلحقها بالدراسات البيولوجية لأنّ ما يميّزها لا يختلف كثيرا عمّا يميّز الظواهر الحيوية، ومنهم من يلحقها بالدراسات النفسية، ومنهم من يرى ضمّها إلى مجال الأحداث التاريخية لأنّها لا تكاد تتطوّر في الزمان والمكان حتّى تدخل في الماضي.
  2. بشرية لا تشبه الأشياء : إنّها متّصلة بحياة الإنسان، وما هو متّصل بها يصعب إخضاعه للبحث العلمي، لأنّ الإنسان يملك حرّية الإرادة في التصرّف ولا تتحكّم فيه تلك الحتمية التي تحكم الظواهر المادية ؛ فالزوج مثلا في مستطاعه ألاّ يطلّق زوجته بالرغم من حضور الأسباب المهيّئة للطلاق، لأنّه يملك حرّية الاختيار.
  3. خاصّة وليست عامّة : أي أنّها تتعلّق بالفرد ؛ وما هو خاصّ يكون غير قابل للدراسة من الخارج بفضل التحليل والتجريد. فكيف يمكن أن يكون عالم الاجتماع موضوعيا في دراسته لموضوع ينطوي على جوانب ذاتية ؟
  4. معقّدة يعوزها التقدير الكمّي : فما هو ذاتي يُعدّ معقّدا تدخل في تأليفه عناصرُ متشعّبة بعيدة عن البساطة المعروفة في مجال الظواهر المادية ؛ والمعقّد في معظمه قابل للوصف الكيفي لا للتقدير الكمّي.
  5. تستعصي على التجربة : وهي التي تُعتبر أصلا لكثير من القوانين الطبيعية التي تساعد على التنبّؤ ؛ ويترتّب على ذلك أنّه يستحيل على الباحث الاجتماعي تدوين قوانين تصوّر لنا ما سيكون.
ج. س. مِل

«إنّ الظواهر المعقّدة والنتائج التي ترجع إلى علل وأسباب متداخلة ومركّبة، لا تصلح أن تكون موضوعا حقيقيا للاستقراء العلمي المبني على الملاحظة والتجربة.» مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه، الكتاب الثاني، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965

ثالثا : تجاوز العوائق — تحديد الظاهرة الاجتماعية

لقد بدأ اقتحام العقبات مع تحديد «دوركايم» للظاهرة الاجتماعية ؛ فالعائق الأوّل كان أنّ الباحث لا يعرف بالضبط ما الذي يدرسه، فإذا ضُبط الموضوع وُضع المنهج. وأهمّ هذه الخصائص خمس.

  1. توجد خارج شعور الأفراد : أي أنّهم في سلوكهم مقيَّدون بجملة من العادات والأعراف والقوانين التي هُيّئت لهم قبل أن يولدوا. إنّ العقائد والطقوس الدينية مثلا لها وجود خارجي بالنسبة للمؤمن، فهو يجدها تامّة التكوين منذ الولادة.
  2. تمتاز بقوّة آمرة قاهرة : ممّا يجعل الظاهرة الاجتماعية تتّسم بطابع الإكراه والإلزام ؛ فهي تستطيع أن تفرض نفسها على الفرد، أراد ذلك أم كره.
  3. جماعية : وتتمثّل فيما يسمّيه «دوركايم» بـالضمير الجمْعي ؛ ومعنى ذلك أنّ الظاهرة الاجتماعية، بالرغم من أنّ الفضل في نشوئها يعود إلى الأفراد، لا تنتسب إلى أيّ واحد منهم انتسابا خاصّا ولا إلى بضعة أفراد ؛ إنّها من صنع المجتمع وتظهر على مسرحه بصورة طبيعية تلقائية، عامّة ومنتشرة يشترك فيها الأفراد وتتكرّر مدّة طويلة من الزمن.
  4. في ترابط يؤثّر بعضها في بعض : وهذا يعني أنّ الظاهرة الاجتماعية لا تعمل منفردة ؛ فالأسرة مثلا مرآة المجتمع، وبينهما تأثير متبادل.
  5. حادثة تاريخية : إذ تعبّر عن لحظة من لحظات تاريخ الاجتماع البشري ؛ فالعادات والمعتقدات والشرائع التي يتناقلها النشء عن الأجداد هي معا وقائع اجتماعية وأساس التراث التاريخي.
دوركايم — الإكراه الاجتماعي

«لستُ مجبرا على استخدام اللغة الفرنسية كأداة للتخاطب مع أبناء وطني، ولستُ مضطرا إلى استخدام النقود الرسمية ؛ ولكنّي لا أستطيع إلاّ أن أتكلّم هذه اللغة وإلاّ أن أستخدم هذه النقود. ولو حاولتُ التخلّص من هذه الضرورة لباءت محاولتي بالفشل المُمِضّ.» دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمود قاسم، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1961، ص 69

دوركايم — قاعدة المنهج

«يجب أن نعالج الظواهر على أنّها أشياء» — أي نعالجها بنفس المناهج التي يدرس بها العالِم الفيزيائي الحادثةَ الطبيعية. وقد وسّع نطاق الموضوع إلى أقصاه فقال: «ما من حادثة إنسانية إلاّ ويمكن أن يُطلق عليها اسم الظاهرة الاجتماعية». دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمود قاسم، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1961، ص 50

وهكذا ساعد تحديد الظاهرة الاجتماعية على تصحيح بعض التعاريف الفاسدة، وسمح للدراسات الاجتماعية بالانتقال تدريجيا من مجال الفلسفة والتصوّرات إلى مجال العلم والموضوعية. فصارت الظاهرة قابلة للدراسة انطلاقا من منهج الملاحظة ووضع الفروض والانتهاء إلى الميدان التجريبي لتدوين القانون ؛ ووسائل ذلك الاستطلاعات والاستجوابات وسبر الآراء، مع تجارب محلية محدودة النطاق تنحصر في «عيّنات» كقرية أو حيّ، حتّى إذا نجحت طُبّقت على نطاق أوسع، بالاستعانة بمنهج الإحصاء من حسابات ومخطّطات بيانية. ومن جملة القوانين التي توصّل إليها الاجتماعيون قانون «وارد» القائل بأنّ الأفراد يبحثون عن أكبر كسب بأقلّ مجهود، وقانون «دوركايم» حول الانتحار: أنّ الميل الشخصي إلى الانتحار يزداد مع قلّة الروابط التي تربط الفرد بالمجتمع.

رابعا : نقد النتائج

ومن المؤاخذات التي تُوجَّه لمدرسة «دوركايم» أنّه لا بدّ من التمييز الواضح بين الظواهر الفيزيائية والظواهر الاجتماعية، بين الأشياء الخالية من الشعور و«الأشياء» التي تنطوي على حالات من الشعور. ولا بدّ كذلك من الاعتراف بأنّ هناك بعض التداخل بين حقل الدراسات الاجتماعية وحقل الدراسات التاريخية: فالبحث في الظاهرة الاجتماعية لا يكاد ينتهي إلى مبتغاه حتّى تدخل هذه الظاهرة في عالم الماضي ؛ ولهذا قيل إنّها «تتألّف من الأموات أكثر ممّا تتألّف من الأحياء».

جول مونرو

الوقائع الاجتماعية ليست أشياء، وإنّما هي حالات معيشة ؛ فمعالجتها «على أنّها أشياء» قاعدةٌ منهجية نافعة، لا وصفٌ صادق لطبيعتها. J. Monnerot, Les faits sociaux ne sont pas des choses, Gallimard, 1946, p. 68

خامسا : تقدّم فهمنا وفائدته

  1. علم الاجتماع العامّ : يشتمل على دراسة المقوّمات العامّة للاجتماع الإنساني والبحث في طبيعته وأشكاله، ويحتضن المبحث الجديد في قياس الظاهرة الاجتماعية ؛ وهو بمثابة فلسفة العلوم الاجتماعية، يجمع ما انتهت إليه الفروع الخاصّة من نتائج وقوانين ويضع أسس الدراسة وطرائق البحث.
  2. علم أصول المدنيات وتطوّرها : وتنضوي تحته دراسات علم الإنسان والأجناس، وعلم الاجتماع الثقافي، والديناميك الاجتماعية.
  3. المورفولوجيا والديمغرافيا : أي دراسة بنية المجتمع في تركيبه وطبقاته ونموّ مدنه ووظائفها، والدراسات السكّانية.
  4. الفيزيولوجيا الاجتماعية : أو علم وظائف الاجتماع، وتضمّ علوما تتعلّق بالأسرة والاقتصاد والسياسة والقانون والنفس والأخلاق والجمال واللغة والتربية والدين والريف والصناعة والحرب.

أمّا الفائدة فإنّ الاطّلاع على الدراسات الاجتماعية — فضلا عن ممارستها — يهذّب الناس ويرقّي تكوينهم ؛ فمن خلاله يدركون أكثر أنّنا خُلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف وينفتح بعضنا على بعض، ويصحّحون الأحكام التعسّفية القائلة بأنّ الناس فئات: متحضّرون لهم الحقّ في امتلاك الدنيا، وبدائيون يمنعهم توحّشهم من الرقيّ — وبأنّ الفئة المغلوبة يجب أن تقلّد النموذج الغربي تقليدا أعمى. وللدراسات الاجتماعية الميدانية الفضل أيضا في توسيع مفهوم النسبية الذي كان منحصرا في مجالات الفيزياء والكيمياء وغيرها: فقد أقرّت بأنّ القيم الإنسانية، مهما تغنّى بمطلقيتها الفلاسفةُ ورجال الأخلاق، تنصاع للحدود الزمانية والمكانية وتستجيب للثقافات المتعدّدة ؛ ومع ذلك تفيدنا فلسفة الاجتماع بأنّه مهما تعدّدت أساليب العيش فإنّها إرثٌ لنا جميعا، واحترامه يتّسع بقدر اعتزاز كلّ واحد منّا بخصوصياته الثقافية.

كيف يكون المجتمع من صنع الأفراد ثمّ يفرض نفسه عليهم من الخارج ؟

لأنّ الظاهرة الاجتماعية لا تنتسب إلى أيّ فرد بعينه ولا إلى بضعة أفراد: هي من صنع المجتمع، تظهر على مسرحه بصورة تلقائية، وتدوم مدّة طويلة من الزمن. فاللغة صنعها متكلّمون، ولكن لا أحد منهم يستطيع تغيير قواعدها بقرار ؛ والعُرف صنعه الناس، ولكنّه يستقبل كلّ مولود جاهزا. فالخارجية هنا ليست خارجية في المكان، بل خارجية عن الإرادة الفردية. وهذا بالذات ما يبرّر القاعدة المنهجية: معالجة الظواهر «على أنّها أشياء» لا تعني أنّها أشياء بلا شعور، وإنّما تعني أن يمتنع الباحث عن تفسيرها بما يجده في نفسه من نيّات وأحكام مسبقة، فيدرسها من الخارج كما يُدرس ما لا يطيعنا. وهي قاعدة في المنهج، لا نظرية في طبيعة الإنسان — ومن يخلط بين الاثنتين يستحقّ النقد الذي وُجّه إلى المدرسة.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية أو استقصائية: «هل يمكن دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية ؟» أو «هل الوقائع الاجتماعية أشياء ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① عائقان قويّان بمثالهما (الحرّية: الزوج الذي لا يطلّق رغم توفّر الأسباب · التعقيد الذي يقبل الوصف الكيفي لا القياس الكمّي) ؛ ② خصائص «دوركايم» الثلاث الأولى مصوغةً بألفاظها (توجد خارج شعور الأفراد · قوّة آمرة قاهرة · الضمير الجمْعي) مع مثال اللغة والنقود ؛ ③ حجّة الخصم مسندة: الوقائع الاجتماعية «حالات معيشة» عند «جول مونرو». ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : فهم قاعدة «عالجوا الظواهر على أنّها أشياء» على أنّها إنكارٌ لشعور الإنسان ؛ وهي قاعدة في المنهج تطلب من الباحث أن يتحرّر من أحكامه المسبقة، فمن فهمها على غير ذلك بنى مقالته على خطأ. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الاكتفاء بسرد الخصائص الخمس دون بيان أنّ كلّ خاصية كانت جوابا عن عائق.
نتيجة — موضوع علم الاجتماع هو الظاهرة الاجتماعية: ما يقوم بين الأفراد فيتجاوزهم من عادات وأعراف وقوانين ومعتقدات. وهي بطبيعتها موضوعٌ عسير: ليست اجتماعية خالصة بل تتداخل فيها الأبعاد البيولوجية والنفسية والتاريخية، وهي بشرية لا تشبه الأشياء لأنّ صاحبها يملك حرّية الإرادة، وخاصّة يصعب دراستها من الخارج، ومعقّدة يعوزها التقدير الكمّي، وتستعصي على التجربة فيتعذّر التنبّؤ. غير أنّ العائق الأكبر كان غموض الموضوع نفسه ؛ ولذلك بدأ التجاوز بتحديده: ظاهرةٌ توجد خارج شعور الأفراد، ذات قوّة آمرة قاهرة، جماعية تتمثّل في الضمير الجمْعي، مترابطة، وتاريخية. وعلى هذا التحديد قامت قاعدة المنهج — «أن نعالج الظواهر على أنّها أشياء» — فدخل علم الاجتماع الميدان بالاستطلاع والعيّنة والإحصاء ودوّن قوانينه. وبقيت نتائجه محلّ نقد، لأنّ ما يُعالَج كالأشياء يبقى حالات معيشة ؛ ومع ذلك اتّسعت فروعه، ووسّع مفهوم النسبية، وصحّح أحكاما تعسّفية عن الشعوب.

Page 1/7

© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net