الإشكالية الثالثة: في المذاهب الفلسفية › في المذهب العقلاني والمذهب التجريبي
المذهب التجريبي (معيار الحقيقة هو التجربة الحسية)
- تحديد المذهب التجريبي وأعلامه في مفهومه التقليدي وفي مفهومه الجديد
- صياغة المسلَّمة الأساسية للتجريبية في مظهرَيها: النقدي والتأسيسي
- الاستدلال على أنّ العلم في كلّ صوره يرتدّ إلى التجربة، بحجّة فقدان الحاسّة وبأطروحة مسندة للوك
- بيان أنّ الآثار الحسّية هي المرجع الأخير لقياس صحّة الأفكار، والتمييز بين الأفكار البسيطة والمركّبة
- مسلَّمات العقلانية: الأفكار الفطرية، والحدس، والمبادئ السابقة لكلّ تجربة
- الفرق بين القبْلي والبعْدي، وبين البسيط والمركّب
- معنى الانطباع الحسّي والإحساس والإدراك
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا نسقا يجعل العقل منبعا أوّل للمعرفة، ويجعل التجربة حلقةً في السلسلة لا مصدرا لها ؛ فإذا كان الإنسان يتميّز عن غيره من الكائنات بالعقل، فلأنّ في هذا العقل سرّا — وسرّه أنّه يحدس الحقائق البديهية الثابتة فيجعلها منطلقا صلبا، ثمّ يستدلّ منها على المجهول. وههنا نسقٌ آخر يقلب الترتيب رأسا على عقب: فيجعل التجربة أوّلا ثمّ العقل. ولا يُلمَس نسقه إلاّ في المبدأ الجوهري الذي يحرّكه، وفي المسلَّمات التي يقتضيها وطريقة اختبارها. وقبل الإطلال عليه، من المثير أن نطرح التساؤلات الآتية: هل تستطيع التجربة أن تنشئ في العقل المعاني والتصوّرات ؟ وهل لها القدرة على خلع صفة الصدق على ما تبتدعه من معرفة ؟ وهل العلم في كلّ صوره يرتدّ إلى التجربة ؟
II – المذهب التجريبي أو مذهب الحسّيين
أولا : مدخل إلى المذهب — نشأته وامتداده
بدأت التجريبية في مفهومها التقليدي مع فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر، أمثال «بيكون» و«لوك» و«هيوم» ؛ واستمرّت في مفهومها الجديد مع النفعيين والتطوريين وأصحاب الوضعية المنطقية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وبين المفهومين فرقٌ في المجال لا في المبدأ: ففي الأوّل اتّجه الاهتمام نحو نظرية المعرفة ؛ وفي الثاني اتّسع الانشغال إلى كلّ حقول التفكير — كالآداب والتشريع والأخلاق — فضلا عن المعرفة. والأمر الذي يهمّنا في هذا المقام هو الحديث عن المذهب من حيث أسسه لا من حيث ممثّلوه.
ثانيا : المسلَّمة التي يأخذون بها
إنّها في الحقيقة مسلَّمة واحدة — وهي الأساسية — ذات مظهرين: أنّ المصدر الجوهري الأسبق لكلّ أنواع المعرفة هو التجربة. وهي تتفرّع إلى جزأين: جزءٍ نقدي يتمّ فيه استبعاد المذهب العقلاني من أصوله، وجزءٍ تأسيسي يتمّ فيه بناء المذهب التجريبي.
- الجزء النقدي : العقل لا يستطيع أن ينشئ بالفطرة المعاني والتصوّرات ؛ وليست له القدرة على خلع صفة الصدق على ما يبتدعه من معرفة.
- الجزء التأسيسي : والعلم في كلّ صوره يرتدّ إلى التجربة.
ثالثا : معيار الحقيقة هو التجربة الحسّية
لا يُفهم هذا المذهب إن نحن قرأناه على أنّه مجرّد إنكار للأفكار الفطرية ؛ فهو قبل ذلك إثباتٌ لمصدر. وأوّل حجّة على ذلك أنّ من فقد حاسّة فقد المعاني المتعلّقة بها: فالليمونة يصل إلينا لونها عن طريق البصر، ورائحتها عن طريق الشمّ، وطعمها عن طريق الذوق، وملمسها عن طريق اللمس ؛ فلو تناول هذه الليمونة كفيفُ البصر لأحاط بكلّ أعراضها وصفاتها إلاّ لونها. فالكفيف محروم من فكرة الألوان، والأصمّ ليس محروما من الأصوات فقط بل من النطق وما يقتضيه من ألفاظ ومعان. فلولا الحواسّ لما كان للأشياء الخارجية وجودٌ في العقل. ولاحظ قوّة الحجّة: إنّها لا تُناقَش بالكلام، وإنّما تُجرَّب. فلا يستطيع أحدٌ أن يعلّم مكفوفَ البصر معنى الأحمر بالبرهان مهما بلغ ذكاؤه ؛ ولو كانت المعاني في العقل قبل التجربة لكان بلوغها ممكنا من غير طريق الحسّ.
«ليس في العقل شيء جديد إلاّ وقد سبق وجوده في الحسّ أوّلا.» ويقول أيضا: إنّ الأبيض ليس الأسود، واللذّة ليست الألم ؛ فلا يُعقل القول بأنّنا نسلّم بهذه القضايا الملموسة الجزئية لأنّنا نسلّم بقضايا أخرى مجرّدة عامّة تكون بمثابة المبدأ بالنسبة إليها. فنحن نعرف الملموس قبل المجرّد، والخاصّ قبل العامّ، ولا نصل إلى المجرّد إلاّ انطلاقا من الملموس.
رابعا : الآثار الحسّية هي المرجع الأخير
ويميّز «هيوم» — كما ذهب إلى ذلك «لوك» من قبله — بين الأفكار البسيطة والأفكار المركّبة: فالمركّبة هي التي ينتجها الفكر البشري نفسه عن طريق ترابط الأفكار البسيطة ؛ والبسيطة على العكس من ذلك هي التي لا يصنعها الفكر ولا يحدسها، وإنّما يجب بالضرورة أن يستقبلها من التجربة. وهنا يظهر المعيار في صيغته الحاسمة: الآثار الحسّية هي المرجع الأخير الذي نقيس به صحّة الأفكار وحقيقتها ؛ فإذا استطعنا أن نرجع الفكرة إلى أصلها الحسّي كانت صادقة، وإلاّ فهي وهمٌ واختلاق من العقل. وحقّا إنّ هناك أفكارا مركّبة لا تماثل الآثار الحسّية، ولكنّنا لو حلّلناها ألفيناها مكوّنة من عدد من الأفكار البسيطة التي تنشأ من الحواسّ مباشرة ؛ فتكون تلك الأفكار المركّبة صحيحة ما دامت ترتدّ في التحليل إلى آثار حسّية. فليس ثمّة إذن أفكار مفطور عليها العقل منذ ولادته على الإطلاق.
«لا شيء من الأفكار يستطيع أن يحقّق لنفسه ظهورا في العقل ما لم يكن قد سبقته ومهّدت له الطريق انطباعاتٌ مقابلة له.» فالفكرة ليست سوى «نسخة من انطباع مماثل» ؛ و«لم تتعدَّ القدرةُ الخلاّقة التي يقرّ بوجودها أهل العقل أكثرَ من أن تكون ملكةً تتولّى عملية تركيب وتنقيل وتخفيف المواد التي توفّرها لنا الحواسّ والتجربة». دافيد هيوم (1711-1776)، رسالة في الطبيعة البشرية — عن زكي نجيب محمود، دفيد هيوم، ص 181
ويترتّب على هذا المعيار نتيجةٌ في الاتّجاه المعاكس: أنّ العلم بجميع أنواعه لا يرتدّ فقط إلى التجربة، بل يتّسع في كلّ صوره كلّما اتّسعت تجارب الإنسان ؛ فجميع أفكارنا تتطوّر وتتّسع مع ما نكتسبه من خبرة في حياتنا اليومية. فالحياة أوسع وأشدّ ثقة وأكثر عمقا من القياسات العقلية ومن أيّ منطق ساكن قائم على أساس من «الحقائق الثابتة»: إنّها متدفّقة متغيّرة، تفاجئ جميع القوانين بما لا تتوقّعه ؛ وإنّ عدد الأشياء التي رفض العقل أوّلَ الأمر الاعترافَ بها ثمّ قبلها في النهاية لَعددٌ كبير جدّا.
وباختصار، يمكن القول بأنّ مصدر المعارف — العلمية أو الأخلاقية — التي يحملها الإنسان إنّما هو التجربة لدى الفلاسفة التجريبيين أو الحسّيين ؛ وذلك لأنّ نشاط العقل بأتمّه ينطلق من العالم الخارجي، فضلا عن حياة الناس ومشاكلها الطبيعية. وإذا كان كلّ ذلك يشكّل المنهل الأساسي الأوّل الذي ينهل منه الإنسان معطياته الأولى، فذلك لأنّه يملك القدرات العقلية المؤهّلة لذلك. فالأمر الذي آل إليه المذهب التجريبي هو أنّ التجربة أوّلا، ثمّ العقل بعد ذلك.
إذا كان كلّ شيء آتيا من الحواسّ، فما الذي يبقى للعقل عند التجريبيين ؟إذا كان كلّ شيء آتيا من الحواسّ، فما الذي يبقى للعقل عند التجريبيين ؟
يبقى له عملٌ حقيقي، ولكنّه عملٌ على مادّة لم يصنعها هو. فالعقل عندهم ليس وعاءً خاملا، وإنّما ملكةٌ تتولّى تركيب المواد التي توفّرها الحواسّ والتجربة وتنقيلها وتخفيفها: يجمع البسائط فيؤلّف منها المركّبات، ويقارن ويجرّد ويعمّم. وهذا هو الفرق بين قولنا إنّ العقل لا ينشئ المعاني وقولنا إنّه لا يفعل شيئا — والأوّل هو مذهبهم، لا الثاني. ولهذا فإنّ خلاصة المذهب ليست إلغاء العقل، بل ترتيبه: التجربة أوّلا ثمّ العقل بعد ذلك ؛ والإنسان إنّما ينهل من العالم الخارجي معطياته الأولى لأنّه يملك القدرات العقلية المؤهّلة لذلك. وتبقى نقطة الخلاف مع العقلاني في السؤال الأصلي وحده: هل جاءت المبادئ مع العقل، أم جاءته من الخارج فنسي كيف جاءت ؟
Page 1/5
© Madrassati — a lesson written by Madrassati · madrassati.net