الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم › في علوم المادة الجامدة و علوم المادة الحية
تجاوز العوائق الابستمولوجية في البيولوجيا
- تعريف سوابق الأحكام وتحديد مصادرها، وبيان دورها السلبي في إعاقة البحث
- تمييز العائق الإبستيمولوجي من العائق الموضوعي، وردّ كلّ واحد إلى موضعه
- تعيين الاعتقادات الّتي أعاقت البحث البيولوجي بالتحديد، كما تذكرها المصادر
- بيان الفرق بين سؤال «لماذا ؟» وسؤال «كيف ؟» وأثره في تحرير البحث
- خطوات المنهج التجريبي، وشرط التجرّد في الملاحظة
- العوائق الموضوعية الّتي تصطدم بها البيولوجيا: طبيعة الموضوع والتصنيف والتعميم ومصداقية التجريب
- الفرق بين الحكم المؤسَّس على الخبرة والحكم المتوارَث
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا أنّ المنهج التجريبي واجه في عالَم الأشياء الحيّة عوائقَ ترجع كلّها إلى طبيعة الموضوع: أنّه كلٌّ لا يُفكَّك، وأنّه فردٌ لا يُصنَّف، وأنّه لا يُعمَّم عليه، وأنّه يتغيّر بتغيّر محيطه. وهذه كلّها عوائق موضوعية، تُقتحم بتكييف المنهج وبابتكار التصاميم. غير أنّ المصادر تقرّر شيئا أخطر: أنّ أصعب ما يعيق تقدّم البحوث البيولوجية ليس من هذا الصنف أصلا، بل عقباتٌ إبستيمولوجية تابعةٌ لثقافة الباحث وموروثه الروحي ومكنوناته النفسية. وهذا يقلب المسألة: فالعائق لم يعد أمام الباحث، بل فيه ؛ فكيف يُرى، وكيف يُتجاوَز ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
لكي يُدرَك أنّ الأجسام — مهما اختلفت طبيعتها، جامدةً كانت أو حيّة — تستجيب لنظام واحد هو نظام الكون، يتعيّن التخلّص من بعض الاعتبارات الفلسفية والاعتقادات الدينية وتقديس المأثور عن السلف — وكم هو صعب — وخاصّةً منها: ـ الإيمان بمبدأ الغائية ؛ ـ تحريم تشريح الجثث ؛ ـ فكرة لاأخلاقية التشريح على الحيّ. وعندئذ لم يعد للنفور من دراسة الظواهر البيولوجية أيّ مبرّر معقول. إنّ أصعب ما يعيق تقدّم البحوث البيولوجية العقباتُ الإبستيمولوجية التابعة لثقافة الباحث وموروثه الروحي ومكنوناته النفسية. ولاحِظ عبارة «وكم هو صعب»: هي تعترف بأنّ المطلوب ليس تعديلَ أداة، بل مراجعةَ ما تربّى عليه الباحث ؛ وهذا لا يُنجَز بقرار.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- العائق هنا ليس جهلا، بل معرفةً سابقة : فالباحث الّذي يمتنع عن التشريح لا ينقصه علمٌ بالتشريح ؛ بل عنده يقينٌ مسبق بأنّ هذا لا يجوز. والفرق حاسم: الجهل يُملأ بالتعليم، واليقين المسبق يقاوم التعليم لأنّه يحكم عليه قبل أن يسمعه.
- ولذلك يعمل هذا العائق وهو خفيّ : فصاحبه لا يعرضه كاعتقاد، بل يعيشه كنفور، أو يصوغه في صورة حجّة منهجية. ولهذا كان أخطر من العوائق الأربعة الموضوعية: تلك تُعلن نفسها في التجربة فتُقاوَم، وهذا يعمل في اختيار الموضوع نفسه، فيمنع التجربة قبل أن تبدأ.
- وثلاثة الاعتقادات المذكورة من طبائع مختلفة : فالغائية تصوّرٌ فلسفي، وتحريمُ تشريح الجثث حكمٌ متوارَث، ولاأخلاقيةُ التشريح على الحيّ موقفٌ خُلُقي. ومع اختلاف مصادرها فأثرها واحد: أنّها تُقصي مجالا من البحث لا لأنّ البحث فيه مستحيل، بل لأنّه غير مرغوب فيه — وهذا بالضبط ما يسمّى سابقةَ حكم.
III – وإذا كانت تلك العوائق تسكن الموضوع، فأيّ عائق هذا الّذي يسكن الباحث ؟
أولا : سوابق الأحكام — طبيعتها ومصادرها
إنّ سوابق الأحكام هي جملة الآراء والتصوّرات الّتي يكوّنها العقل حول الأشياء والأشخاص والحوادث على نحو أوّليّ — أي قبليّ — دون سند من الخبرة والوقائع البعدية الّتي تشكّلها من الناحية الموضوعية ؛ وهي آراءٌ وتصوّرات معرَّضةٌ أحيانا للتواتر والانتقال من جيل إلى آخر، بفعل توارث الثقافات والمعتقدات. ومن مصادرها الأساسية:
- التفسير الميتافيزيقي : أي ردُّ الظاهرة إلى ما وراء الطبيعة قبل استنفاد ما فيها من أسباب قريبة.
- التفسير الغيبي : وهو أشدّها مقاومةً، لأنّه لا يعرض نفسه للاختبار.
- العرف السائد : أي ما اعتاده الناس فصار عندهم من طبائع الأشياء.
- الانطباع : وهو أوّل ما يرتسم في النفس عند اللقاء بالظاهرة، فيتقدّم على الفحص.
- القناعات الشخصية : وهي أخفاها على صاحبه، لأنّه يعدّها رأيَه لا حكما مسبقا.
- ودورها في البحث سلبيّ بالإجماع : إذ يتّفق كلّ الدارسين على أنّ سوابق الأحكام من شأنها أن تهدّد مسار منهج البحث بالانحراف عن مقاصده، بل وبتقويضه وإجهاضه قبل تطبيقه ؛ والسبب أنّها تُعتبر في الغالب مطيّةً للوقوع في الذاتية.
فالباحث إذا كان مسوقا بطبيعته البشرية، قد يسارع إلى إصدار أحكام لا تبرّرها مقدّمات، وينزع إلى التسليم بأفكار لمجرّد أنّها تصادف في نفسه هوًى، أو تحقّق له مصلحة، أو لكونها فقط صادرةً عن تقديس المأثور عن السلف ؛ فينتهي به المطاف إلى الاعتقاد بأوهام زائفة تحول بينه وبين ملاحظة الظاهرة على نحو موضوعي وحقيقي. وقد وجد «بيكون» أنّ هذا النمط من التفكير الّذي كان سائدا في القرون الوسطى لا يصلح أن يُعدّ منطلقا للعلماء في الكشف عن قوانين الطبيعة، لأنّ مقدّماته تنطوي على أفكار عامّة وشائعة تُقبل بدون تمحيص ونقد. لكن بعد استعمال هذا النقد في العلم التجريبي للعصر الحديث، صار لزاما على الباحث تجنُّبُ الأقيسة الكاذبة والمصادرات الخاطئة، بعَدِّها من سوابق الأحكام. ولاحِظ الأسباب الثلاثة الّتي يعدّدها النصّ: الهوى، والمصلحة، وتقديس المأثور. ثلاثتها لا علاقة لها بالموضوع المدروس، وثلاثتها تشتغل داخل الباحث.
ثانيا : كيف يتنكّر العائق الإبستيمولوجي في صورة حجّة
وأخطر ما في هذا الصنف من العوائق أنّه لا يظهر بصفته اعتقادا، بل يُصاغ في هيئة اعتراض منهجي وجيه. ولقد وجد بعض المفكّرين في عقبات البيولوجيا الموضوعية مبرّرات لمعارضة تطبيق المنهج التجريبي على الكائنات الحيّة، فأضافوا إليها عقبةً أخرى تتمثّل في العفوية الحرّة الّتي تتمتّع بها الكائنات الحيّة والّتي تخضع لقوانين خاصّة ؛ إنّهم يسلّمون بأنّ هناك قوّة حيوية تحرّك سائر حوادث الحياة وتُخضعها لنظامها الحرّ، وكأنّها بمثابة قوّة باطنية مستقلّة تتحكّم في أفعال هذه الحوادث وتُعفيها من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية.
قابِل بين هذه الدعوى وبين شروط الفرضية العلمية الثلاثة: أن تبدأ من واقعة مشاهَدة، وأن تكون ممّا يقبل التحقّق، وأن تكون خاليةً من التناقض. فالقوّة الحيوية — كما تُعرَض — قوّةٌ باطنية مستقلّة تُعفي حوادث الحياة من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية ؛ أي أنّها بُنيت بحيث لا يمكن لأيّ تجربة أن تظهرها ولا أن تنفيها، لأنّ كلّ نتيجة ستُنسب إليها. وهذا هو بعينه الفرض الّذي طرده «نيوتن» حين نبّه إلى خطورة التمادي في الافتراضات الّتي لا سبيل إلى تحقيقها. ولاحِظ الدرس المنهجي: لم تسقط الدعوى لأنّها تتكلّم عن الحياة، ولا لأنّ أصحابها مخطئون في تقديرهم لخصوصية الحيّ — فهذه الخصوصية حقيقية وقد أثبتناها في العوائق الأربعة. سقطت لأنّها حوّلت خصوصيةً إلى حاجز، ووضعت نفسها خارج ما يُمتحَن.
ثالثا : سبيل التجاوز
ولمّا كان هذا العائق في الباحث لا في الموضوع، لم يكن سبيل تجاوزه أداةً جديدة ولا تصميما أدقّ، وإنّما تغييرُ السؤال نفسه. فقد قال الطبيب في الحوار: «إنّ ما كان في القديم محظورا في مجال الدراسات البيولوجية أصبح مندوبا بحكم الضرورة ؛ فنحن اليوم لم نعد نسأل لماذا تحيا هذه الكائنات الحيّة، بل كيف ؟»
1 ـ من «لماذا» إلى «كيف»
وهذا التمييز هو مفتاح التجاوز كلّه، والنصّ يقرّره صراحةً: التمييز بين السؤالين — لماذا ؟ وكيف ؟ — الأوّل فلسفي والثاني علمي. ومعنى ذلك أنّ الباحث لا يُطلب منه أن يتخلّى عن اعتقاداته، بل أن يعرف أنّها تجيب عن سؤال آخر غير سؤاله:
- «لماذا ؟» سؤال الغاية والمعنى : وهو فلسفي، مجالُه ما وراء الظاهرة ؛ ولا يفصل فيه مخبر. وحين يُقحَم في العلم يصير عائقا، لأنّه يطلب من التجربة ما لم تُصنع للفصل فيه.
- «كيف ؟» سؤال الآلية والشروط : وهو علمي، مجالُه الظاهرة نفسها ؛ وهو الّذي فتح ميدان الجراحة الطبية ورتق الأعضاء وتربية الجينات وتهذيبها.
- والتجاوز إذن ليس إلغاءً بل توزيعُ اختصاص : فالباحث الّذي يدرس كيف تشتغل العضوية لا ينفي أن يكون للحياة معنى، وإنّما يعلم أنّ هذا السؤال ليس سؤاله في هذه اللحظة. ومن خلط السؤالين، عطّل أحدهما بالآخر.
- ودليل نجاح التجاوز نتيجةٌ لا دعوى : فقد اتّسع مفهوم التجريب حتّى لم يعد العلماء يكتفون بالتشريح على الميّت فقط، بل شمل أيضا التشريح على الحيّ ؛ وهذا يعني أنّهم على وعي بأنّ هذا المنهج هو منهجهم، وبأنّ لخصوصيات الظاهرة المقياسَ المنهجي الفصل.
لقد عرف «كلود برنار» كيف يستثمر المنهج الّذي وُضع خصّيصا لدراسة المادّة الجامدة، ويكيّفه في دراسة المادّة الحيّة مع حفاظه على خصوصية هذه المادّة. ورأى أنّه إذا كنّا لم نتمكّن من اكتشاف قوانين المادّة الخام إلاّ بالتغلغل في الأجسام، فإنّنا لا نستطيع الوصول إلى معرفة قوانين وخصائص المادّة الحيّة إلاّ بتفكيك العضويات الحيّة للنفوذ في دواخلها. ولاحِظ أنّه لم ينكر أنّ الحيّ يختلف عن الجامد ؛ بل جعل هذا الاختلاف نفسه موضوعا للدراسة: فبيّن أنّ العضوية تعيش في وسطين، وسطٍ داخلي تشكّل فيه كلّ الأجزاء وحدةً محكمة تساهم من أجل تحقيق غاية حيوية مشتركة، ووسطٍ خارجي ليس هو عالَم الأشياء فقط، وإنّما هو أيضا وبوجه أخصّ المحيطُ الفيزيولوجي والسيكولوجي. كلود برنار (C. Bernard، 1813-1878)، عالم فيزيولوجي فرنسي، أثبت وظيفة الكبد السكّرية، واشتهر بكتابه «مدخل لدراسة الطبّ التجريبي» حيث حدّد المبادئ الأساسية الخاصّة بالبحث العلمي
أليس في التخلّي عن هذه الاعتبارات تخلٍّ عن القيم نفسها ؟أليس في التخلّي عن هذه الاعتبارات تخلٍّ عن القيم نفسها ؟
لا، والنصّ نفسه يمنع هذا الفهم. لاحِظ ما الّذي طُلب بالضبط: أن تُوضع هذه الاعتبارات بعيدا عن عتبة خيمة العمل — أي أن تُرفع من موضع الحكم على مشروعية البحث. ولم يُطلب قطّ أن تُلغى من حياة الباحث ولا من ضميره. والدليل على ذلك أنّ السؤال الّذي أُقصي من موضع العائق عاد في موضعه الصحيح، وبقوّة: فآخرُ ما نطق به الشابّ في الحوار كان سؤالا لم يُجَب عنه — «أليس من الضروري الحديث عن أخلاقيات الاقتراب من هذه الظواهر ؟» — وقد صار هذا السؤال بعينه فنّا قائما يُسمّى أخلاقيات البيولوجيا. فالفرق إذن بين موضعين لا بين موقفين: القيمة حين تسبق البحث فتمنعه تكون عائقا إبستيمولوجيا ؛ وحين ترافق البحث فتضبط تدخّله في الحيّ تكون أخلاقيات. والأولى تُقصي سؤالا، والثانية تجيب عن سؤال آخر.
Page 1/5
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net