الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم › في علوم المادة الجامدة و علوم المادة الحية
الحتمية و الغائية في البيولوجيا
- عرض دعوى الغائية في البيولوجيا وما تستند إليه من قول بالعفوية الحرّة والقوّة الحيوية
- بيان كيف ردّت الفيزيولوجيا الظواهر الحيّة إلى عمليات فيزيائية كيميائية
- التمييز بين الغاية بوصفها قوّةً غامضة والغاية بوصفها وظيفةً في نسق، وردُّ كلٍّ إلى موضعه
- تقدير حصيلة الجدل: ما الّذي تُثبته الحتمية في الحيّ وما الّذي لا يُلغيه إثباتُها
- مبدأ الحتمية ومبدأ الاطّراد، وأزمة الحتمية في الفيزياء المعاصرة
- العوائق الّتي تصطدم بها البيولوجيا، وخاصّةً أنّ الحيّ كلٌّ لا مجموع أجزاء
- شروط الفرضية العلمية، وخاصّةً شرط قابلية التحقّق
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا أنّ من العقبات الإبستيمولوجية الّتي أوقفت البحث في الحيّ الإيمانَ بمبدأ الغائية، وأنّ التقدّم لم يبدأ إلاّ حين انتقل السؤال من «لماذا تحيا الكائنات ؟» إلى «كيف ؟». غير أنّ المسألة لا تُحسم بهذا الانتقال وحده: فالبيولوجيا نفسها، وهي تشتغل بـ«كيف»، لا تستطيع أن تصف عضوا واحدا دون أن تذكر وظيفته، أي ما يعمل من أجله. فهل هذا رجوعٌ مقنَّع إلى الغائية الّتي طُردت ؟ أم أنّ للغاية في العلم معنًى غير معناها في الميتافيزيقا ؟ وأين تقف الحتمية من هذا كلّه ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
لقد وجد بعض المفكّرين في عقبات البيولوجيا مبرّراتٍ لمعارضة تطبيق المنهج التجريبي على الكائنات الحيّة، فأضافوا إليها عقبةً أخرى تتمثّل في العفوية الحرّة الّتي تتمتّع بها الكائنات الحيّة، والّتي تخضع لقوانين خاصّة. إنّهم يسلّمون بأنّ هناك قوّةً حيوية تحرّك سائر حوادث الحياة وتُخضعها لنظامها الحرّ ؛ وكأنّها بمثابة قوّة باطنية مستقلّة تتحكّم في أفعال هذه الحوادث، وتُعفيها من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية. ولاحِظ ما تقتضيه هذه الدعوى لو صحّت: أنّ الحيّ لا تسري عليه الحتمية، وأنّ ما يجري فيه لا يُفسَّر بأسبابه الخارجية ولا الداخلية، وأنّ العلم التجريبي — القائم على السببية والاطّراد والحتمية — لا يملك حقّ الدخول إلى هذا الميدان أصلا.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الدعوى تنطلق من ملاحظة صحيحة : فالكائن الحيّ فعلا لا يسلك سلوك الحجر ؛ هو يتجدّد، ويعوّض ما فُقد منه، ويستجيب كوحدة جديدة إذا نُزع منه عضو، ولا يكون هو هو إلاّ في محيطه الأصلي. فمن نظر إلى هذه الفروق ثمّ قال إنّ في الحيّ ما ليس في الجامد، فقد قال حقّا.
- ولكنّها تنتقل من الملاحظة إلى تفسير لا يُمتحَن : فالقفزة تقع حين تُسمّى هذه الفروقُ «قوّةً باطنية مستقلّة». لاحِظ الوصف: مستقلّة، وتُعفي الحوادث من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية. فهي إذن مصوغةٌ بحيث لا تُظهرها تجربة ولا تنفيها، لأنّ كلّ نتيجة تُنسب إليها ؛ وهذا هو الفرض الّذي لا سبيل إلى تحقيقه.
- ومن هنا يتحدّد موضع النزاع بدقّة : ليس النزاع في هل الحيّ خاصّ ؟ — فهذا مسلَّم به عند الجميع — بل في: هل خصوصيته تُدرَس أم تُعبَد ؟ وهل تُفسَّر بأسباب يمكن بلوغها، أم تُردّ إلى قوّة تُعفي نفسها من التفسير ؟ وهذا هو بعينه الخلاف بين الغائية والحتمية في البيولوجيا.
IV – وهل الكائن الحيّ محكومٌ بالحتمية كسائر الأجسام، أم أنّ فيه غايةً تُخرجه عنها ؟
أولا : ما تقتضيه الحتمية في مجال الحيّ
إنّ الجواب الّذي قدّمه العلم لم يكن ردّا كلاميا على الدعوى، بل كان عملا: أن يُثبت بالفعل أنّ الظواهر الحيّة تُفسَّر بالمبادئ الّتي ترتدّ إليها المادّة الجامدة. وقد بدأ ذلك من تقرير أنّ خصائص المادّة الحيّة لا يمكن معرفتها إلاّ بعلاقتها مع خصائص المادّة الخام، وأنّ في العضويات المركّبة ثلاثة أنواع من الأجسام:
- الأجسام البسيطة كيميائيا : ستّة عشر منها فقط تدخل في تركيب عضوية الإنسان، وهي أكثر العضويات تركيبا ؛ ومن تفاعلها تتألّف مختلف الذوات السائلة والصلبة والغازية.
- المبادئ غير المباشرة : منها ما يُؤخذ من العالَم الخارجي تامَّ التكوين كالأملاح الترابية والفوسفات، ومنها ما هو من تكوين العضوية نفسها كالنشاء والسكّر والشحم والألبومين ؛ وهذه إذا اقتُطفت من الجسم احتفظت بخصائصها لأنّها لم تبقَ حيّة.
- العناصر التشريحية المنظَّمة : وهي الأجزاء الوحيدة الّتي تعرف النظام والحياة، سريعةُ التهيّج، ولا يمكن أن تنفصل عن العضوية دون أن تفقد حيويتها.
- والنتيجة الحاسمة : أنّ هذه الفئات الثلاث، مع اختلافها، قادرةٌ كلّها على أن تعطي عمليات فيزيائية كيميائية تحت تأثير منبّهات خارجية كالحرارة والضوء والكهرباء ؛ وعلى هذا الأساس لا بدّ من أن تكون الدراسة العلمية للحوادث الحيوية دراسةً فيزيائية كيميائية. فعملية التنفّس مثلا ترتدّ في النهاية إلى أكسدة اليحمور وإلى تأكسدات خاصّة بالخلايا.
لقد اجتهد «ك. برنار» من أجل إخراج العلوم البيولوجية من مجال التحجّر إلى مجال الازدهار والتقدّم، وذلك بسعيه إلى تطبيق مناهج البحث في الدراسات الفيزيائية الكيميائية. وبفضل ذلك استطاع أن يقلب حيوانات ذات دم حارّ إلى حيوانات ذات دم بارد، حتّى يستقصي خصائص عناصرها الهستولوجية. وتأمّل ما تعنيه هذه التجربة في نزاعنا: لو كانت هناك قوّة حيوية باطنية مستقلّة، تُعفي حوادث الحياة من تأثير التغيّرات الداخلية والخارجية، لَما أمكن للباحث أن يقلب نظام الحرارة في حيوان من الخارج فيتغيّر سلوك عناصره. فالتجربة لم تناقش الدعوى، بل أرَت أنّ الحيّ يستجيب للشرط — وهذا هو معنى الحتمية بعينه.
ثانيا : وماذا بقي من الغاية ؟
غير أنّ الفيزيولوجيا، وهي تردّ الحيّ إلى الفيزيائي الكيميائي، لم تُلغِ لغة الغاية بل أعادت تحديدها. فلم يعد يغيب عن العلماء أنّ العضوية تعيش في وسطين: وسطٍ داخلي ووسطٍ خارجي:
- في الوسط الداخلي : يدركون جيّدا أنّ كلّ الأجزاء المؤلِّفة للعضوية تشكّل وحدةً محكمة، وتساهم من أجل تحقيق غاية حيوية مشتركة ؛ وأنّ هذه الغاية الحيوية تفقد مبرّر تحقيقها خارج الوسط الّذي يحيط بها.
- وفي الوسط الخارجي : وليس المقصود به مجرّد عالَم الأشياء فقط، وإنّما هو أيضا وبوجه أخصّ المحيط الفيزيولوجي والسيكولوجي.
- فالغاية هنا وظيفةٌ في نسق، لا قصدٌ في ذات : فحين نقول إنّ عضوا يعمل «من أجل» شيء، فنحن نصف موقعه من الوحدة المحكمة الّتي ينتمي إليها، لا نيّةً في داخله. وهذا يُختبر ويُقاس، بخلاف القوّة الحيوية الّتي لا تُختبر.
- ولهذا لم يعد التعارض قائما : فالحتمية تجيب عن كيف يعمل العضو، والوظيفة تجيب عن موقعه في الكلّ ؛ والاثنان في مستوى واحد من البحث، لا في مستويين متنازعين.
إنّ لوزة الرُّضاب مثلا تجد مبرّر وجودها ضمن علاقتها بالجهاز الهضمي، وضمن علاقة عناصرها الهستولوجية بالدم ؛ مع هذه الإشارة، وهي أنّ الجهاز الهضمي يتأثّر بما يوفّره الوسط الخارجي من موادّ غذائية من جهة، وأنّ الدم من جهة أخرى هو في علاقة مع الهواء. ولاحِظ كيف تحوّلت العبارة: لم يقل النصّ إنّ اللوزة تفرز «لكي» يُهضم الطعام، بل قال إنّها تجد مبرّر وجودها ضمن علاقتها بالجهاز الهضمي، وأنّ هذا الجهاز نفسه في علاقة بالوسط الخارجي، وأنّ الدم في علاقة بالهواء. فالغاية صارت سلسلةَ علاقات قابلة للتتبّع — وكلّ حلقة منها تُدرَس على حدة وتُقاس. وهذا هو الفرق كلّه بين غائيةٍ تُغلق البحث وغائيةٍ وظيفية تفتحه.
ثالثا : حصيلة الجدل
إنّ الخصوصيات الّتي تميّز الظاهرة البيولوجية ليست متروكةً للعفوية بالمفهوم الهمجي، أي المتمرّدة عن النظام ؛ والدليل أنّ المنهج التجريبي القائم على مبدأَي الحتمية والاطّراد مكّن العلماء في مجال الكائنات الحيّة من إحراز تقدّم مذهل، أدرك ذروته مع تسخير المورّثات في مجال الاستنساخ. فالحجّة هنا ليست نظرية بل ثمرة: منهجٌ قام على الحتمية، فأثمر في الميدان الّذي زُعم أنّ الحتمية لا تدخله.
1 ـ «الشرود المؤقّت» وهامش الشواذّ
ويبقى أن نجيب عن الحالات الّتي يُستشهد بها ضدّ الحتمية في الحيّ: تلك السلوكيات الطارئة الّتي لا تندرج تحت قاعدة معروفة. والجواب الّذي تقرّره الحكمة من فلسفة المناهج جوابٌ في غاية الاتّزان:
- الشاذّ لا يُنكَر بل يُقاس : فمهما كان «الشرود المؤقّت» الّذي يشير إليه الباحثون بشأن بعض الحوادث في الفيزياء الذرّية، أو بعض سلوك العضويات الطارئ في البيولوجيا، فإنّ معرفة طبيعة هذا النوع من الوقائع معرفةً معمّقة كفيلةٌ بتقليص ما نسمّيه بهامش الشواذّ.
- والمنهج نفسه مستويان : أحدهما نظري يعكس المبدأ المنهجي كما يتصوّره المنظّرون، والآخر عملي يواجه واقع البحث كما يمارسه العلماء الملاحظون والتجريبيون ؛ فإذا كان الأوّل أكاديميا يقوم على الصرامة والتقنين الدقيق، فإنّ الثاني ميداني مفتوح على عالَم التغيّرات والتطبيقات.
- وفي المستوى الثاني موضع الغاية الوظيفية : فهو الّذي يسع خصوصيات الظاهرة الحيّة من غير أن يتخلّى عن الحتمية ؛ بل إنّ المنهج التجريبي في مستواه الثاني يعد باستيعاب موضوعات ما تزال مستعصية على البحث الموضوعي، كما هو الشأن في العلوم الإنسانية.
- فالخلاصة أنّ الغائية سقطت بمعنًى وبقيت بمعنًى : سقطت بوصفها قوّةً باطنية تُعفي الحيّ من الأسباب، وبقيت بوصفها وحدةً وظيفية تساهم أجزاؤها في غاية حيوية مشتركة داخل وسط محدَّد.
تذكّر العقبة الأولى: إنّ الموضوع الّذي تعتني بدراسته البيولوجيا كائنٌ حيّ، كلُّ جزء فيه تابعٌ للكلّ ولكلّ الأجزاء الأخرى ؛ وقال «كوفيي» إنّ الرغبة في فصل جزء من الكتلة معناها نقلُه إلى نظام الذوات المَيّتة، ومعناها تبديلُ ماهيته تبديلا تامّا. وقابِل هذا بما قرّرته الفيزيولوجيا: أنّ المبادئ غير المباشرة المقتطَفة من الجسم تحتفظ بخصائصها لأنّها لم تبقَ حيّة، وأنّ العناصر التشريحية المنظَّمة لا يمكن أن تنفصل عن العضوية دون أن تفقد حيويتها. فالنصّان يقولان الشيء نفسه من جهتين: أنّ التحليل الكيميائي صادقٌ فيما يقوله عن المادّة، وأنّه لا يبلغ النظام الّذي كان يجعل هذه المادّة حيّة. ولهذا بقيت البيولوجيا علما قائما برأسه، ولم تنحلّ في الكيمياء وإن استعارت أدواتها.
إذا كانت الحتمية قد أثبتت نفسها في الحيّ، فلماذا لا نتنبّأ بسلوك كائن حيّ كما نتنبّأ بكسوف ؟إذا كانت الحتمية قد أثبتت نفسها في الحيّ، فلماذا لا نتنبّأ بسلوك كائن حيّ كما نتنبّأ بكسوف ؟
لأنّ الحتمية دعوى عن بنية الواقع، والتنبّؤ قدرةٌ على حصر الشروط. وبينهما مسافة يملؤها عددُ المتغيّرات. ففي الكسوف تُحصى الشروط وتُقاس ؛ وفي الكائن الحيّ الكلُّ يرتدّ إلى الكلّ، والعضوية تعيش في وسطين، والوسط الخارجي ليس عالَم الأشياء فقط بل المحيط الفيزيولوجي والسيكولوجي أيضا. فأنت أمام نسق شروطُه متشابكة، لا أمام نسق بلا قانون. والدليل الفاصل أنّ التنبّؤ في البيولوجيا يزداد دقّةً كلّما ضُبطت الشروط: فتجربة «باستور» على مجموعتَي الشياه تنبّأت بالنتيجة تنبّؤا صادقا، لأنّها حصرت المتغيّر في واحد. فما ينقصنا إذن ليس القانون بل الإحاطة ؛ ولهذا قيل إنّ معرفة طبيعة الوقائع الشاذّة معرفةً معمّقة كفيلةٌ بتقليص هامش الشواذّ — أي أنّ الهامش يضيق بالبحث، وهذا ما لا يكون لو كان الحيّ متروكا لعفوية حرّة.
Page 1/5
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net