Philosophie🎓 objectif bac

الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس الشعور بالأنا والشعور بالغير

طبيعة العلاقة بين الأنا والغير

🔊 La maîtresse lit pour toi
في يوم واحد قد تتشاجر مع أخيك على جهاز التحكّم، وتتعاطف مع جار مريض لا تعرف عنه إلاّ اسمه، وتعمل مع زملائك على مشروع لا ينجزه أحدكم وحده. فما الذي يربطني بالآخرين حقّا: التنافر أم التواصل ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض طرق التواصل مع الغير (المماثلة، الحدس، التعاطف، المحبّة) وإسناد كلّ طريق إلى صاحبه
  • تحليل موقف «سارتر» الذي يجعل الغير شرطا لوجودي ولمعرفتي لنفسي
  • التمييز عند «غابريال مرسيل» بين معاملة الغير كـ«أنت» ومعاملته كـ«هو»
  • بيان ما تضيفه الممارسة العملية (الحوار، المحبّة، العمل المشترك) إلى الطرح المجرّد لعلاقة الأنا بالغير
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مفاهيم الأنا والذات والغير، والتمييز بين وعي الذات بوجودها ومعرفتها لحقيقتها
  • أطروحة «هيجل» في جدلية السيّد والعبد، والاعتراضات على التفسير بالصراع
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
هل شعور ذاتي بذاتها متوقّف على معرفة الغير ؟ وهل يكفي أن أكون مغايرا للآخرين حتى أكون أنا ؟

مقدمة : طرح المشكلة

تجد مقدّمة هذه المشكلة، ومدخلها (وضعيّتان مشكلتان: «الحكم بالمماثلة» و«الطريق إلى معرفة الذات») وتحليلهما، في درس «ضبط المفاهيم والتصورات»، أوّل دروس محور «الشعور بالأنا والشعور بالغير».

اقرأ المقدّمة من جديد

الإنسان كائن مدنيّ بالطبيعة، يعيش مع غيره من الناس في تفاعل وتكامل، وفي تنافر وتجاذب. وفي حركته هاته يحصل له إدراك ذاته، ويتميّز بها في الوقت نفسه عنهم. وهذا الوضع المتميّز بالحركية والتغيّر يدفعنا إلى محاولة بحثه من خلال طرح المشكلة الآتية: هل شعور الإنسان بذاته متوقّف على معرفته لغيره ؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو ؟

I – مدخل إلى المشكلة : طرح وضعيات مشكلة وتحليلها

أولا : الحكم بالمماثلة

الوضعية المشكلة الأولى

واجهتَ مشهدا من مشاهد الحياة اليومية: أمامك امرأةٌ دموعها تسيل، تُصدر ألفاظا غير مفهومة تشبه كلّ الأصوات، وحركات جسمها يبدو عليها الاضطراب. فما عساك أن تقول إن كان لا بدّ لك من إصدار حكم ؟ هل تبكي هذه المرأة بكاء الحزن ؟ أم بكاء الفرح ؟ أم ماذا ؟ من الاحتمالات الواردة في هذه الوضعية: ـ قد تبكي لأنّها حزينة فعلا، والحزن انفعال لا تتحكّم معه في لغتها ولا في حركات جسمها ؛ ـ قد تبكي من شدّة الفرح، والفرح انفعال أيضا يغيب فيه ـ لفترة ـ الوعي والإرادة ؛ ـ قد تدمع عيناها لأنّها ممثّلة يفرض عليها دورها أن تمثّل الحزن والكآبة ؛ ـ أو لأنّها ممثّلة يفرض عليها دورها أن تمثّل الفرح الشديد ؛ ـ قد تدمع عيناها استجابةً لمنبّه، كما تصنع بعضهنّ عند حضور جنازة، بصورة اندفاعية وآلية ؛ ـ وقد تسيل دموعها لالتهاب مزمن في مدمعها.

  1. حكمٌ بالمماثلة : حكمك على هذه المرأة ليس بعيدا أن يكون ثمرةَ المماثلة بينك وبينها ؛ فأنت، في أحد هذه الاحتمالات أو فيها كلّها، يكون سلوكك مماثلا لسلوكها. ومعرفتنا بالغير تقوم عادة على تفسير مظهره الجسمي وسلوكاته، أقوالا وأفعالا: فهي حاصل استدلال تماثلي، نستنتج به أنّ الغير حين يصدر عنه موقف ما يشعر بالحالة النفسية نفسها التي نحسّ بها حين يكون لنا الموقف نفسه.
  2. ثلاثة احتمالات للتواصل مع الغير : «التآثر» معا، أي التشارك الفعلي في ألم أو فرح كما في هذه الوضعية ؛ أو مقاسمة الغير انفعاله مع اعتباره انفعالا لهذا الغير، بحضوره أو بالتفكير فيه قصدا ؛ أو التفهّم الانفعالي الذي لا يقتضي الاتّحاد، وهو أن تتفهّم فقط هذا الشخص الذي يعاني محنة أو ينتابه انفعال الفرح.
  3. أأنت المقياس الفصل ؟ : قد لا تستجيب بالضحك لنكتة يضحك لها غيرك، وقد لا تبكي لما يبكي له. فطبعك وثقافتك وتجربتك تتدخّل في حكمك، ولذلك لا تصيب دائما في أحكامك على الغير، حتى حين يكون المحكوم عليه من ثقافتك نفسها وقد مرّ بتجربتك نفسها ؛ بل إنّ طريقة التحية نفسها تختلف حسب المكان والزمان والحضارة والتربية، إلى حدّ التناقض والتنافر. فهذا الاستدلال التماثلي قد يخدعنا.
  4. السؤال المعلّق : وإذا فشلنا في معرفة غيرنا، فهل نعرف في مقابل ذلك أنفسنا ؟ هل أعرف ذاتي وأشعر بها كذات مغايرة لذوات الآخرين ؟ فقبل الحكم على الغير، من المنطقي أن أكون عارفا بذاتي أو شاعرا بها.

ثانيا : الطريق إلى معرفة الذات

الوضعية المشكلة الثانية

لو سُئلتَ: «من أنت ؟»، فقد تجيب: ـ أنا فلان ؛ ـ أو أنا فلان بن فلان بن علان… بن «فاطمة الزهراء» بنت النبيّ محمد (ص) ؛ ـ أو أنا من اكتشف الدورة الدموية الصغرى ؛ ـ أو، في أثناء حديثك: أنا لعبت الدور السينمائي الفلاني، أو أنا توسّطت للإصلاح بين هذا وذاك. ولو سُئلتَ وأنت واقف أمام المرآة: «ما ترى ؟»، فقد تجيب: أرى وجهي (أو رأسي)، أو أرى روحي (أو نفسي، أو «عمري» بالعامّية).

  1. أجوبة لا تبلغ الذات : الجواب بـ«فلان» يحدّد الاسم في البيت والعائلة أو في سياق وضعية اجتماعية ما ؛ وسلسلة الأسماء تحدّد الأصل العائلي والانتساب إلى البيت الشريف ؛ والجواب الثالث يقصد المكانة العلمية في تخصّص من التخصّصات. ولكنّ هذه الإجابات كلّها لا تحمل إشارة إلى «أنا» المتكلّم كذات شاعرة، ولا كحقيقة جوهرية فردية تميّزه.
  2. أنا جسمي ؟ أنا طبعي ؟ أنا شخص ؟ : «أنا جزائري» جواب فضفاض ؛ و«أنا هو جسمي» يطرح سؤالا: هل جسمي هو أنا أم هو لي ؟ و«أنا هذا الطبع» قد يُقبل، ولكن هل طبعي هو أنا ؟ أمّا تعريفي بأنّي شخص فيرتقي بي نحو معرفة الذات، لأنّه اعتراف بالقيمة العالمية للهوية الموجودة في كلّ واحد منّا ؛ فالشخص فاعل أخلاقي يملك كرامة في ذاته لا تملكها الأشياء التي لها سعر. ولكنّ هذا لا يعرّفني بمن أنا كشعور: إنّه يمكّنني فقط من الحقوق والواجبات.
  3. من المرآة إلى الشعور : رؤية «الوجه» أمام المرآة تعبير عن الذات السطحية التي لا تتغلغل في أعماقها. ورؤية «الروح» تحتمل أن تكون كلّ ما تُظهره المرآة من جسمك، أو كلّ ما يريد الغير أو المجتمع أن يراك عليه، أو بعض ما يعبّر عن وجود أناك ؛ وفي هذا الاحتمال الثالث تتخطّى النطاق المادّي والفيزيولوجي والاجتماعي لتقف على ذاتك في مقرّها السيكولوجي. ومن هنا تبدأ معرفة الأنا بالشعور.
  4. الأنا شعور الذات بذاتها : إذا كان الشعور بالبرد ظاهرة فيزيولوجية، فإنّ الشعور بالإحساس الداخلي كالهدوء والعاطفة والإيمان ظاهرة نفسية ؛ والشعور بما يجري في العالم الباطني شعور تلقائي خاصّ وحميمي. فالأنا هو شعور الذات بذاتها، والكائن الشاعر بذاته هو من يعرف أنّه موجود، ويدرك ذاته بذاته من خلال حدس يسمح له ببناء تمثّل ذهني عنها. ومن الصعب هنا فصل الشعور بالذات عن معرفتها: فلكي نعرف ذواتنا لا بدّ أن نكون موجودين، ولكي نكون موجودين لا بدّ من الشعور بالذات ؛ وهذا الشعور يجسّده بعضهم بالتفكير أمثال «ديكارت» ⁦(1596–1650)⁩، أو بالحدس أمثال «برغسون» ⁦(1859–1941)⁩. وبعد هذا المدخل نشعر بالحاجة إلى ضبط بعض المفاهيم الأساسية التي استعملناها، وإلى تحديد الوعي الذي يتولّى تشكيل الذات.
افتح الدرس: ضبط المفاهيم والتصورات

وقد تبيّن أنّ الوعي، وإن كان شرط كلّ معرفة، لا يكفي وحده لمعرفة الذات، وأنّ المغايرة لا تكفي كذلك إذا صارت صراعا: فالصراع ليس مفهوما أخلاقيا في العلاقات بين الناس، والمغايرة نفسها تولّد التقارب والتفاهم. فكيف يتمّ التواصل مع الغير، وما طبيعة العلاقة التي تربطني به ؟

IV – التواصل مع الغير يؤسّس المعرفة بالذات

أولا : الحذر من طمس الغير

على الرغم من أنّ الشعور هو مملكة الحميمية التي لا تُخترق إلاّ من طرف صاحبها، فبالإمكان تحقيق التواصل مع الغير دون تنافر وحشي، عن طريق الوعي بالمماثلة والإحساس المشترك، وعن طريق اللغة والنظر ؛ لأنّ هذا الشعور لا ينطوي على نفسه، فهو يقلع نحو «خارج ذاته» بحثا عن التغيّر الذاتي وتغيّر العالم.

هاملين

يقول «هاملين» عن الشعور: «إنّه الفعل الملازم لكلّ فكر يأخذ الموضوع كذات» ؛ فبالشعور أعلم أنّني موجود، وأنّ الغير موجود، وأنّ العالم موجود. هاملين، كتاب العناصر الأساسية للتمثّل (⁦Octave Hamelin, Eléments principaux de la représentation⁩)

  1. بالمماثلة : يرى «ديكارت» و«بركلي» أنّنا نعرف الغير عن طريق المقارنة بين أفعالنا والمعاني التي تصحبها في أذهاننا وبين أفعال الغير، فنستنتج عن طريق التجربة أنّ هذه الأفعال مصحوبة بمثل أفكارنا.
  2. بالحدس : بذل الجهد في مستوى الحدس، حسب «برغسون»، يمكّننا من التموقع داخل شخصية الآخر.
  3. بالتعاطف : الاتّصال الحقيقي بالغير، حسب «ماكس شيلر»، إنّما يتمثّل في التعاطف.
  4. بالمحبّة : في سياق التعلّق بالغير، يرى «سارتر» أنّ المحبّة ليس معناها الرغبة في امتلاك الغير كفرد حرّ، لأنّنا لا نمتلك في الحقيقة سوى الأشياء.

وحتى في الحبّ، تواجه معرفة الغير بعض المؤاخذات: فمشاركة أحد الطرفين الآخر في حياته الروحانية ضرب من الخيال، خصوصا وأنّنا لم نصل إلى فهم ذواتنا أنفسها ؛ ونحن لا نستطيع تخيّل حالات انفعالية لدى الغير إلاّ من خلال الحالات التي عرفناها نحن بالذات. وقد وقع التنبيه إلى الفرق بين معرفة الذات ومعرفة الأشياء، لأنّه لا يمكن تشييء الشعور، ولا إخضاعه لما يخضع له عالم الأشياء من نظام.

برغسون

يرى «برغسون» ⁦(1859–1941)⁩ أنّ اللغة بوضعها الحالي غير صالحة لوصف معطيات الشعور المباشرة وصفا حيّا: فهي تصوّر الشيء بما ليس هو، لأنّها أداة تحليل وتشييء ؛ تفترض التمييز بين الموضوع والمحمول، ولا تقف من الحياة الباطنية إلاّ وقوفا سطحيا، وهي تريد أن تفهم الوعي بلغة وُضعت خصّيصا من أجل الأشياء. انظر: هنري برغسون، الطاقة الروحية، قسم الشعور والحياة ؛ وكذا، مدركات الشعور المباشرة

ثانيا : التواصل عند «سارتر»

سارتر — الصلة بين الذات والآخر

ذهب «سارتر» ⁦(1905–1980)⁩ إلى اعتبار الآخر مقوِّما أساسيا، مكوِّنا للأنا والوعي به ؛ والنقطة الأساسية عنده هي الصلة التي بين الذات وبين الغير: «وجود الآخر شرط لوجودي، وشرط لمعرفتي لنفسي ؛ وعلى ذلك، يصبح اكتشافي لدواخلي اكتشافا للآخر». والغير إنسان وليس شيئا، وهو حقيقة مطلقة موجودة، تنكشف وتتجلّى كما تظهر ؛ كائن تنتظم حوله الأشياء التي في العالم. وهو ينظر إليّ باستمرار، وفي ذلك إمكانية تحوّلي بالنسبة إليه إلى موضوع، موضوع أصبح موجودا للغير.

سارتر — أنا أفكّر: الوعي والمواجهة

أخذ «سارتر» بالفكرة التي انطلق منها «ديكارت»: «أنا أفكّر، فإذن أنا موجود» ؛ وبعد أن حدّدها تحديدا يتجاوز الفردية الذاتية الخالصة، أضحت عنده «حقيقةً مطلقة يندفع إليها الوجدان ليعي نفسه، ويعي بالتالي وجوده»، بل ويعي الآخرين: فعبارة «أنا أفكّر» «تجعلني أعي نفسي مواجها للآخرين، وتجعل الآخر حقيقة أكيدة لي، ووعيي له لا يقلّ قوّة عن وعيي لنفسي». وما دامت هناك كونية للإنسان نابعة من اختياره الحرّ لنفسه ومن فهمه لمشروعه، وليست معطاة له، وما دامت تتكوّن وتتطوّر، فهي تمكّنني من فهم كلّ رجل من أيّة حقبة تاريخية كانت: فكلّ إنسان يحيا مشروعه ويعيشه، ويستطيع بخياله أن يذهب إلى حدود مشروع الآخر ويحياه ؛ إذن هناك «كونية شاملة في كلّ مشروع، بمعنى أنّ كلّ مشروع يمكن أن يفهمه كلّ إنسان».

ثالثا : التواصل عند «غابريال مرسيل»

غابريال مرسيل

نظرية انفراد الأنا بالوجود، ولا وجود لغيره، هي بالنسبة إلى «غابريال مرسيل» نتيجة للتمييز بين الفرد والموضوع: فهي ترسم دائرة الانفراد، لأنّها تبتر الغير بفكرة الغير، عازلة الغير في الخارج داخل دائرة أشكّلها أنا بنفسي. فعندما أعامله كـ(هو)، فإنّني أختزل الغير في مجرّد شيء يتحرّك هكذا ؛ وعلى العكس من ذلك، فإنّني عندما أعامله كـ(أنت) أراه وأمسكه كحرّية، لأنّه حرّية وليس طبيعة أو شيئا. ولهذا فالغير بصفته غيرا في حدّ ذاته لا يوجد بالنسبة إليّ إلاّ بمقدار تفتّحي عليه، على (أنت) ؛ ولكنّي لست متفتّحا عليه إلاّ بمقدار توقّفي عن تشكيلي مع نفسي نوعا من الدائرة، حيث أُسكن الغير، أو على الأصحّ تفكيره. غابريال مرسيل، ⁦Journal métaphysique (1914-1923)⁩

V – بين الطرح المجرّد والممارسة العملية

أولا : الطرح المجرّد

إنّ الآخرين الذين نشعر بأنّهم أمثالنا، لكلّ واحد منهم ذاتية من الصعوبة بمكان النفوذ فيها ؛ والجهود من أجل أن نُفهَم ومن أجل أن نَفهم الغير تبقى في أكثر الأحيان غير مجدية عندما يتعلّق الأمر بوضع شخصي. ولتجاوز هذه الصعوبات والمفارقات يجب الانطلاق من نظرة كلّية موحَّدة: لا معرفة لهذا أو ذاك من دون إيجاد علاقة تنهض في أساسها على جملة من القيم الأخلاقية — مثل الحبّ والصداقة والإيثار والتسامح والتعارف والتواصل والتعايش — ونبذ كلّ أوجه الصراع والعنف. فالقيم، بهذا المعنى، علاقة مع الغير تتضمّن الميل نحوه، والشوق إلى معايشته، والاتّصاف بالطيبة والخير تجاهه ؛ قال تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات، 13). والوعي هو المعرفة التي تنعكس على ذاتها، وتتّخذ مركزا لاهتمامها التشخّص الإنساني نفسه الذي يقرّر ويحكم ؛ وهذه الحركة الداخلية موجودة في كلّ فكر. وما علينا إلاّ التساؤل الدائم حول أنفسنا ومحاولة معرفتها، كما تدلّ على ذلك الآية الكريمة: «وفي أنفسِكُمْ أفلا تُبصرون» (الذاريات، 21). إنّنا يتعلّق بعضنا ببعض بصورة مستديمة: فأنا تابع لمن هو أنا غيري، وما نسمّيه (أنا) يتألّف من عناصر (لا أنا). وهذا الموقع المتمركز على الأنا يُلحق ضررا بكلّ من هم فيه أسرى ؛ وفي مقابل ذلك، عندما يخفّ ارتباطنا بشخصنا، نتمكّن تدريجيا من إدراك إلى أيّ درجة يكون الآخر شبيهنا، وهذا ينمّي فينا روح المسؤولية. من هنا، أنا لا أعرف نفسي وما هي صفاتي إلاّ من خلال تدخّل الغير، وخطاب الآخر ضروري بالنسبة إليّ.

سارتر — «إنّه منظور إليّ، فأنا إذن موجود»

في فلسفة «سارتر»، اليقظة معناها الانتباه، أي الانتباه إلى (…): إنّها نزوعي نحو العالم، خروج من الذات إلى الشيء. يقول: «المعرفة هي انفجار نحو (…) ؛ هي اقتلاع من الذات للوصول إلى هناك خارج الذات، نحو ما ليس أنا، هناك قرب الشجرة». ويضيف أنّه «ليس للشعور داخل، وليس سوى خارج لنفسه» ؛ فلستُ موجودا إلاّ في علاقة مع العالم، وهي علاقة مع الغير، لأنّ دوري في العالم وشخصي هو الذي يحدّدني ويمنحني الكثافة، والكثافة لا توجد إلاّ تحت عيون الغير. يكفيني أن أتصوّر أنّي منظور إليه، وأقول بلغة الكوجيتو: «إنّه منظور إليّ، فأنا إذن موجود» ؛ وأنا هو ما يراه الآخرون. يقول «سارتر»: «إنّي في حاجة إلى وساطة الغير لأكون ما أنا عليه». «إنّي في حاجة إلى وساطة الغير لأكون ما أنا عليه»: سارتر، الوجود والعدم، ص 349 (⁦L'Etre et le Néant⁩)

ثانيا : الممارسة العملية

وإذا أراد كلّ واحد منّا أن يكون عمليا أكثر، فليحذر من جعل أناه مركزا للعالم، أو مجرّد شيء ينفلت من إرادته ؛ وليحذر من تذويب أناه في (النحن)، أو جعل الأنا يعيش في خلوة وحشية ؛ وليحذر أيضا من إصدار أحكام على الغير وهو مدرك صعوبة معرفة نفسه. إنّ المعرفة تفترض تحديد موضوع، وليس هناك معرفة حقيقية للإنسان كموضوع، من حيث إنّه كائن حرّ وليس شيئا. صحيح أنّه يمكننا الإقرار بأنّ الغير شبيهنا والائتمان به مع تسليمنا بأنّه هو الأحسن، إلاّ أنّنا قد نخطئ ؛ وعندها، وبحكم اختيارنا أن نبقى عمليين، لنتّجه إلى محبّة الغير من دون أكبر انشغال بمعرفته.

  1. الحوار : ألا يمكن فتح أبواب الحوار لنشر ثقافة التعايش، وتوقيف العنف، وتأكيد التساوي في الاعتبار بين (الأنا) و(الأنت) ؟ وهو حوار لا يبحث عن اندماج الشعورات وسحقها واستبدالها بلغة (النحن)، وإنّما القصد منه توفير أسباب السعادة، بحيث يحبّ الواحد منّا للآخرين ما يحبّ لنفسه، ولا يعاملهم بما لا يريد أن يُعامَل به ؛ وهي حكمة موجودة في كلّ التقاليد والديانات والفلسفات الإنسانية.
  2. العمل المشترك : إنّ التواصل الحقيقي لا يمكن أن يوجد على صعيد الصلف والإعجاب بالذات، وإنّما في العمل والإنتاج المشترك الجماعي ؛ فبه يُرفع الستار عن كلّ ما كنّا نعتقد أنّه هو الذات الفردية أو الجماعية. وبالتأمّل يدرك الكلّ أنّه واحد متميّز من الجنس البشري، نشارك معا في صنع الثقافة، ونكتشف في أثناء ذلك الأسس الروحية التي تقوم عليها الحياة الجماعية. وبالإنتاج الذي ننجزه معا ينشأ الاتّصال كعلامة على التواصل الأصيل: تعاون الجميع في مواجهة الحياة، في البيت وفي المدرسة، وفيما تخلّفه الكوارث وصوارف الدهر من مآسٍ.
هل يعني التواصل مع الغير أن يذوب أحدنا في الآخر ؟

لا. فالشعور مملكة حميمية لا تُخترق إلاّ من طرف صاحبها، واللغة نفسها، كما يرى «برغسون»، لا تقف من الحياة الباطنية إلاّ وقوفا سطحيا ؛ ولهذا فالتواصل ليس اتّحادا بين شعورين، بل انفتاح حرّية على حرّية. وهذا ما يقصده «غابريال مرسيل» حين يميّز بين أن أعامل الغير كـ«هو» فأختزله في شيء، وأن أعامله كـ«أنت» فأراه حرّية. ومن هنا كان الحوار الحقيقي حوارا لا يبحث عن اندماج الشعورات وسحقها في لغة «النحن»، وكان الحذر مزدوجا: ألاّ أجعل أناي مركزا للعالم، وألاّ أذوّبه في «النحن». فطبيعة العلاقة بين الأنا والغير ليست الخلوة الوحشية ولا الذوبان، بل تواصل بين متمايزين يحبّ كلّ منهما للآخر ما يحبّ لنفسه.

قد يأتي هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية: «هل العلاقة بين الأنا والغير علاقة تنافر أم تواصل ؟»، أو في صيغة تحليل نصّ لـ«سارتر» أو لـ«غابريال مرسيل». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر: ① أطروحة «سارتر» بمرجعها: «إنّي في حاجة إلى وساطة الغير لأكون ما أنا عليه» (الوجود والعدم، ص 349)، وكوجيتو النظرة: «إنّه منظور إليّ، فأنا إذن موجود» ؛ ② تمييز «غابريال مرسيل» بين «أنت» و«هو» (⁦Journal métaphysique⁩) ؛ ③ طرق التواصل مسندة إلى أصحابها: المماثلة («ديكارت» و«بركلي») · الحدس («برغسون») · التعاطف («ماكس شيلر»)، مع الاعتراض عليها: لا نتخيّل انفعالات الغير إلاّ من خلال حالاتنا. ⚠️ خطأ شائع: جعل التواصل اندماجا يُذيب الأنا في «النحن» — والحوار المطلوب لا يبحث عن اندماج الشعورات. ⚠️ وخطأ ثانٍ: الوقوف عند الطرح المجرّد ونسيان الممارسة العملية: الحوار، والمحبّة، والعمل المشترك.
نتيجة — العلاقة بين الأنا والغير ليست صراعا بالضرورة، ولا اندماجا يُذيب أحدهما في الآخر، بل تواصل بين حرّيتين. فالغير يُبلغ بالمماثلة («ديكارت» و«بركلي») وبالحدس («برغسون») وبالتعاطف («ماكس شيلر»)، وهو عند «سارتر» شرط لوجودي ولمعرفتي لنفسي، وعند «غابريال مرسيل» «أنت» أراه حرّية لا «هو» أختزله في شيء. ولأنّ معرفة الغير تبقى ناقصة ما دام الشعور لا يُشيَّأ، فإنّ الطريق العملي إليه هو الحوار الذي يؤكّد التساوي في الاعتبار بين «الأنا» و«الأنت»، والمحبّة، والعمل المشترك الذي ينشأ فيه التواصل الأصيل.

Page 1/6

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net