الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس › الحرية والمسؤولية
الحرية و التحرر
- عرض موقف مناصري الحرية وإسناد كلّ صورة من صورها إلى صاحبها ومرجعه
- عرض مواقف نفاة الحرية: الحتميات الأربع والجبرية، وموقف الكسب المتوسّط
- شرح مفهوم التحرّر عند الرواقيين و«سبينوزا» و«ماركس» و«مونيي»
- مناقشة كلّ موقف، واستخلاص حدود البرهان على الحرية وعلى نفيها
- مفاهيم الحرية والمسؤولية والحتمية والجبرية والكسب والتحرّر
- الاعتراضات على الشعور بوصفه مصدر خداع: وهم السكّير عند «سبينوزا»، والقناع عند «فرويد»
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
تجد مقدّمة هذه المشكلة، والوضعيّة المشكلة (حوار القاضي والسجين) وتحليلها، في درس ضبط المفاهيم، أوّل دروس محور «الحرية والمسؤولية».
اقرأ المقدّمة من جديدإخفاء المقدّمة
إنّ القراءة الأولية للقضية المطروحة تقودنا مباشرة إلى القول بأنّ المشكلة التي يجب معالجتها هي تلك التي تتعلّق بالمسؤولية، ما دامت مشروطة بالحرية ولا معنى لها في غيابها. ولكنّ الاختبار المتأنّي يجعلنا نتساءل، على العكس من ذلك، عمّا إذا لم يكن من الممكن اعتبار الشرط مشروطا بدوره، فنقع في مسألة: أيّهما يُعتبر المبدأ، المسؤولية أم الحرية ؟ إنّ المنطق السليم يوحي لنا، بادئ ذي بدء، بأنّ المسؤولية تثبت بثبوت شرطها وتُرفع برفعه ؛ ولكن، ألا يمكن مع ذلك إثبات المسؤولية كقاعدة أولى، ثمّ الانصراف إلى تبرير وجودها عن طريق الحرية ؟ فالمشكلة في الحقيقة مزدوجة: تدعونا تارة إلى الانطلاق من الحرية كشرط لتأسيس المسؤولية، وتارة أخرى إلى اعتبار المسؤولية شرطا يبرّر وجود الحرية ويستوجبه. وللوصول إلى نتائج مقنعة نحاول الردّ على الأسئلة الثلاثة الآتية: كيف يمكن اختزال المشكلة في الشرط لا في المشروط ؟ وكيف يمكن ردّ حقيقة المشكلة إلى المشروط لا إلى الشرط ؟ ألا يتمثّل مصدر المشكلة وحلّها في عظمة الإنسان ؟
تحديد الوضعية المشكلة عرضا وتحليلا
في نهاية محاكمة، وقع خلاف بين قاضي الجلسة وسجين: ـ (ق) : لقد طُلب منك أن توقّع على التقرير، فلماذا لم تفعل ؟ ـ (س) : (لا جواب…) ؛ ـ (ق) : يجب أن توقّع ! ـ (س) : لست في حالة تسمح لي بتلبية الطلب، ولا في حالة عدم تلبيته ؛ ـ (ق) : ما هذه السخافة ؟ ـ (س) : فكيف أوقّع ويداي مغلولتان ؟ ـ (ق) : (بعد أن أمر الحارس بفكّ يديه، أعاد القاضي الطلب) ننتظر ؛ ـ (س) : الآن، وفي هذه الحالة، بإمكاني أن أضع توقيعي أو أرفض ؛ ـ (ق) : ليس بإمكانك أن ترفض ؛ ولماذا ترفض ؟ ـ (س) : أنا حرّ في اختياري ؛ أمّا لماذا، فأنا صاحب القرار ؛ أرفض من أجل أن أرفض ؛ ـ (ق) : وتعتقد بأنّك، والحالة هاته، حرّ ؟ ما هي مبرّراتك ؟ ـ (س) : (متهكّما) أنا مسؤول عن مواقفي ؛ ـ (ق) : ألا تعلم بأنّ المسؤولية تفترض الحرية، ولقد أقررتَ بأنّك حرّ ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : ولكنّك كائن مكلَّف أصلا، خُلقت لتتحمّل المسؤولية أوّلا، ولتكون بعد ذلك وبالضرورة حرّا ؛ ـ (س) : أنا أوّلا أشعر بحرّية اختياري، ولي في مواقفي مبرّرات ؛ ـ (ق) : إذن، ليست حرّيتك مطلقة، لأنّها مقيّدة بأسباب ومؤثّرات، ولأنّك لا تستطيع الانفلات في قراراتك عن نظام الكون ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : يجب أن تقول إذن: أنا مسؤول (واعٍ بقراراتي، وبأنّي جزء من الكون، وفرد يحترم الآخرين)، فأنا إذن حرّ ؛ ـ (س) : هل أفهم من هذا أنّ الحرية المطلقة لا معنى لها في عالمنا، وأنّنا كائنات تنفرد بالمسؤولية ؟ ـ (ق) : إنّك دائما مسؤول ؛ عظمة الإنسان وكرامته في هذه الخاصية ؛ فلو كنتَ مخيَّرا ـ للتعبير عن هذه العظمة الإنسانية ـ بين الحرية والمسؤولية، فما عساك أن تختار ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- لا مسؤولية بلا حرّية : السجين لا يمكن أن يصدر عنه فعل أو لافعل في حالة انعدام حرّيته ما دام مقيّدا: فكيف يوقّع تقريرا وهو مقيّد اليدين ؟ ولو بقي على هذه الحال فلم يلبِّ الأمر، ثمّ حاسبه القاضي، لكان مظلوما، لأنّه غير مسؤول ما دام شرط الحرية غير متوفّر.
- لا اختيار بلا مبرّرات : حتى إن فُكّت أغلاله، فلا يختار السجين التوقيع بالضرورة، لأنّه أمام احتمالين: التوقيع أو رفضه. وقد ثبت من خلال مناقشتهما أنّ أيّ إنسان لا يمكنه اتّخاذ موقف بالإيجاب أو بالسلب من غير مبرّرات تعلّله ؛ وعندئذ فقط يأخذ في تحمّل مسؤوليته.
- الشعور بالحرية تجاهلٌ للأسباب : الشعور بالحرية يملي على السجين الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، ولكنّه في النهاية ضرب من تجاهل الأسباب والمؤثّرات التي تحدّد الأفعال، لأنّه كائن تابع لنظام الكون ولا يستطيع الانفلات منه قطعا.
- الإنسان حيوان مسؤول : لا يمكن الحديث عن الحرية المطلقة بقدر ما يجب الحديث أوّلا، وقبل كلّ شيء، عن المسؤولية: فثمّة جوهر الإنسان وعظمته. ولو أردنا أن نعرّف الإنسان من زاوية عظمته لقلنا إنّه حيوان مسؤول ؛ وبذلك نحاول الإجابة عن السؤال الذي تركه القاضي معلّقا.
ومن هنا نلمس ضرورة طرح العلاقة بين المسؤولية والحرية من زوايا ثلاث: المنطق يدعو إلى الانطلاق من الشرط (الحرية)، ثمّ يدعونا إلى الانطلاق من المشروط (المسؤولية)، وأخيرا يدعونا إلى الاهتداء إلى أنّ الإنسان مصدر المسؤولية والحرية. وقبل الخوض في هذه الزوايا، لا بدّ من ضبط المفاهيم التي يدور عليها النقاش.
افتح الدرس: ضبط المفاهيمI – كيف يمكن اختزال المشكلة في الشرط (الحرية) لا في المشروط (المسؤولية) ؟
وهذا يعني أنّ الحديث عن المسؤولية لا يستقيم إلاّ بوجود الحرية. ولنا أن نسأل: هل الإنسان حقّا حرّ أم مقيّد ؟ وإذا كان حرّا، فكيف نتعرّف على أنّه في أفعاله يتصرّف بكلّ حرّية ؟ في الأمر أربعة مذاهب: مناصرو الحرية، ونفاتها، وأصحاب الكسب والتوسّط، وأهل التحرّر.
أولا : عرض رأي مناصري الحرية ومناقشتهم
1 ـ عرض رأيهم
إنّ حرية الاختيار لدى الآخذين بالنظرية التقليدية مبدأ مطلق لا يفارق الإنسان، أزليّ يتخطّى مجال الدوافع الموضوعية والذاتية على حدّ سواء. ويتمثّل هذا المبدأ تارة في قرار الإنسان ـ قبل نزوله إلى الأرض ـ أن يكون حرّا في اختياره لأفعاله، وتارة في شعوره أو إرادته صاحبة القرار، وتارة في أعماق النفس وطبيعة الذات الوجودية. وقد اكتست هذه النظرية عبر التاريخ أشكالا متعدّدة: لدى «أفلاطون» قديما، والمعتزلة في العصر الإسلامي الذهبي (القرن الثامن للميلاد)، و«ديكارت» في العهد الحديث، و«برغسون» و«سارتر» في العهد المعاصر.
يعبّر «أفلاطون» عن تصوّره لهذا المبدأ في صورة أسطورة، هذا ملخّصها: إنّ «آر» (Er)، الجنديّ الذي استُشهد في ساحة الشرف، يعود إلى الحياة من جديد بصورة لا تخلو من المعجزات، فيروي ويصف لأصدقائه الأشياء التي تمكّن من رؤيتها في الجحيم، حيث إنّ الأموات يطالبون بأن يختاروا بمحض حرّيتهم مصيرا جديدا لتقمّصهم القادم. وبعد اختيارهم يشربون من نهر النسيان «ليثه» (Léthé)، ثمّ يعودون إلى الأرض ؛ وفي الأرض يكونون قد نسوا أنّهم هم الذين اختاروا مصيرهم، ويأخذون في اتّهام القضاء والقدر، في حين أنّ «الله» بريء. أفلاطون، الجمهورية، ترجمة حنا خباز، دار الكتاب العربي، من غير تاريخ، الكتاب العاشر، موقف الفصل في المصير. انظر أيضا: Platon, La république, L.I, P.32
يذهب المعتزلة إلى أنّ شعور المرء أو إرادته هي العلّة الأولى لجميع أفعاله، وهي منحصرة في قرارة نفسه: فهو يحسّ من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي والصوارف، فإذا أراد الحركة تحرّك، وإذا أراد السكون سكن. ومعنى هذا أنّ الأفعال التي يقوم بها إنّما يمارسها بإرادته الحرّة، حسب الظروف التي تلامسه. ويعتقدون أنّ القول بأنّ الإنسان مسؤول ومحاسَب على أفعاله حجّة على عدل الله، وأنّه لا يمكن أن تصدر عنه مباشرة معاصي الإنسان ؛ فالإنسان عندهم لا بدّ أن يكون خالقا لأفعال نفسه، ولكنّه خالق للأفعال فقط. أبو الفتح محمد الشهرستاني، الملل والنحل، ص 59 ؛ 114 · دي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص 100
وكان هذا أيضا موقف «ديكارت»، حيث قال: «إنّ حرّية إرادتنا يمكن أن نتعرّف عليها بدون أدلّة، وذلك بالتجربة وحدها التي لدينا عنها».
في اتّجاه قريب من «أفلاطون»، يذهب «كانط» إلى أنّ الحرية علّية معقولة متعالية ومفارقة للزمن ؛ وليس بدعا أن يكون الإنسان حرّا ومسؤولا ما دام اختياره الأصلي إنّما يتحقّق في عالم مطلق معقول، لا يخضع بأيّ حال لقيود الزمن. وإنّ صاحب السوء هو الذي يكون قد اختار بكلّ حرّية تصرّفه منذ الأزل، بقطع النظر عن الزمن أو الطباع ؛ فالشرور الفاشية في العالم إنّما هي نتيجة حرّية اختيار.
يرى «برغسون» أنّ الحرية هي عين «ديمومة» الذات، و«الفعل الحرّ يصدر في الواقع عن النفس بأجمعها»، وليس عن قوّة معيّنة تضغط عليها أو عن دافع بالذات يتغلّب على غيره. والديمومة تغيّر مستمرّ لا يمكن أن تتكرّر فيه حالتان متشابهتان تمام التشابه ؛ والعلّة الباطنية العميقة تنتج معلولها مرّة واحدة، ولكنّها لا تنتجه بعد ذلك أبدا. وهذا يعني أنّ العالم النفسي لا يخضع إطلاقا لتلك الحتمية العلمية التي يكشف عنها قانون العلّية: فالحرية ليست موضوعا للتفكير أو التحليل، إنّها معطى مباشر للشعور. والفعل الحرّ ليس فعلا ناتجا عن التروّي والتبصّر، إنّه ذلك الفعل الذي يتفجّر من «أعماق النفس». H. Bergson, Essai sur les données immédiates de la conscience, p 112 (voir, formation de la conception de liberté)
يقول «سارتر»: «إنّ الإنسان لا يوجد أوّلا ليكون بعد ذلك حرّا، وإنّما ليس ثمّة فرق بين وجود الإنسان ووجوده حرّا»، و«إنّه كائن أوّلا، ثمّ يصير بعد ذلك هذا أو ذاك». إنّه مضطرّ إلى الاختيار والمسؤولية. J.P. Sartre, L'être et le néant, p 80
2 ـ مناقشة رأيهم
هذه، على العموم، بعض المواقف الكلاسيكية التي ترى أنّ الإنسان حرّ حرّية مطلقة، وأنّه من ثمّة يتحمّل عواقب اختياره. غير أنّ القول بحرّية مطلقة تتحدّى قوانين الكون ولا تحدّها أسباب ومؤثّرات ضرب من الخيال: فليس الإنسان الحرّ من يختار دون مبرّر من المبرّرات ولا سبب من الأسباب، وإن هو اختار فلا يصنع ذلك خارج الحتميات التي تحاصره من كلّ جهة. ولهذا فتعريف الحرية بأنّها غياب كلّ إكراه داخلي أو خارجي تعريف ميتافيزيقي لا وجود له في حياتنا الواقعية.
- الإرادة ليست قوّة سحرية : إنّها ليست تلك القوّة التي تقول للشيء كن فيكون، وتنفلت من كلّ مؤثّر خارجيّا كان أو داخليّا ؛ فللعوامل الاجتماعية والرغبات اللاشعورية والتقلّبات الجوّية والمؤثّرات البيولوجية تأثير بعيد على نشاطها وعلى ما تقرّره من أفعال. ولهذا فالحرية المتمثّلة في إرادة مطلقة أو متعالية عن الزمان حالة صوفية لاواقعية، لأنّها تتجاهل نظام الكون.
- الشعور بالحرية مصدر خداع : شعورنا بأنّنا أحرار مصدر خداع وغرور، فضلا عن أنّه ظاهرة نفسية ذاتية لا تتوقّف عن التقلّب.
- حرّية الفرد المنعزل : الحرية التي يبحث عنها «برغسون» حرّية الفرد المنعزل عن الآخرين ؛ والواقع الاجتماعي يثبت أنّها فعل يُمارَس معهم، وأنّها حرّية الكائن المنخرط في الجماعة: فالإنسان يكون حرّا في الوسط الاجتماعي، حيث يتعلّم كيف يسيطر على جوارحه وشهواته من ناحية، وعلى آليات الطبيعة والمجتمع التي تحول دونه ودون الوصول إلى حياة سامية وشريفة من ناحية أخرى.
- حرّية محكوم بها : تصوّر «سارتر» للحرية تصوّر متشائم، لأنّ الحرية ليست حرّة لا في أن توجد ولا في ألاّ توجد ؛ وبدلا من أن تعمل على السموّ بنا، فإنّها تضغط علينا كقانون جبري أو قضاء لا يمكن تفاديه: إنّه محكوم علينا بأن نكون أحرارا ! وتطابق وجود الإنسان مع حرّيته معناه حذف كلّ تمييز بين أفعالنا الحرّة وتلك التي هي غير حرّة: فكيف يميّز الإنسان الفعل الحرّ من غيره إذا كان مجبورا على الاختيار ؟ إنّ «سارتر» ينفي الحرية من حيث أراد أن يثبتها.
يقول «سبينوزا»: يظنّ الناس أنّهم أحرار لأنّهم يدركون رغباتهم ومشيئاتهم، ولكنّهم يجهلون الأسباب التي تسوقهم إلى أن يرغبوا أو يشتهوا. ويقارن الشعور بالإرادة الحرّة بحجر رُمي إلى الفضاء: لو كان هذا الحجر يتوفّر على شيء من الشعور، لظنّ في أثناء رميه وسقوطه نحو الأرض أنّه يقرّر مسار قذفته، ويختار مكان سقوطه ووقته. Spinoza, œuvres 4, lettre LVIII, à G.H.Schuller, p (303-304)
ثانيا : عرض آراء نفاة الحرية من حتميين وجبريين، وأهل الكسب والتحرّر ومناقشتها
1 ـ عرض آرائهم
ينطلق الحتميون على أنقاض التعريف الميتافيزيقي الشائع للحرية، القائل بأنّها تجاوز كلّ نوع من أنواع الإكراه ؛ لأنّ الحرية بهذا المعنى يستحيل وجودها على أرض الواقع، ما دام مبدأ الحتمية قانونا عامّا يحكم العالم، ومؤدّاه أنّ كلّ ما يحدث تابع بالضرورة لسوابقه. ولا يقتصر هذا على ظواهر العالم الطبيعي، بل ينطبق على الإرادة الإنسانية وما تنطوي عليه من دوافع وحوافز ؛ فتكون إرادتنا تابعة لنظام الكون، لا حول لها ولا قوّة لتجاوزه، ويكون اختيارنا وهما باطلا. والحتميات التي يخضع لها الإنسان متعدّدة، منها:
- الحتمية الفيزيائية : الإنسان، مهما قيل في تفوّقه على سائر المخلوقات، لا يعدو أن يكون جسما يسري عليه ما يسري على جميع الأجسام: فيخضع لقانون الجاذبية، ويتأثّر بالعوامل الطبيعية من حرّ وقرّ وريح وطوفان.
- الحتمية الفيزيولوجية : يخضع، باعتباره عضوية، لشبكة من القوانين والعمليات البيولوجية، مثل نموّ المضغة والبنية النوعية لجسمه وانتظام الأعضاء واختلالها والشيخوخة والموت ؛ فكلّ واحد يكون عند الولادة حاملا لمعطيات وراثية تتعلّق بالعتاد الكروموزومي الوراثي، كالجنس والخصائص الأساسية للمزاج.
- الحتمية الاجتماعية : يؤكّد علم الاجتماع أنّ تصوّراتنا وتقريراتنا وتصرّفاتنا راجعة إلى ما اكتسبناه من عادات وتربية وأخلاق ؛ فنحن في لغتنا وملابسنا واحتفالاتنا المرآة العاكسة للضمير الجمعي، وهو بمثابة القانون القسري الذي تتحدّد بموجبه سلوكاتنا.
- الحتمية النفسية : مواقفنا الواعية، حسب التحليل النفسي، لا تستجيب فقط للعوامل الفيزيائية والبيولوجية والاجتماعية والمؤثّرات الذهنية، بل هي المرآة العاكسة أيضا للرغبات المدفونة والمكبوتة في لاشعورنا.
القول بالقضاء والقدر (أو الجبرية) يقيم هو الآخر عددا من العقبات في وجه الحرية: فهو يعتبر المستقبل محدّدا تحديدا أزليّا، وكلّ ما يحصل قضاء وقدرا ومكتوبا مهما فعلنا. ويعتقد أنصار الجبرية الخالصة عند المسلمين (أو الجهمية) أنّ الإنسان في أفعاله لا إرادة له ولا اختيار، وإنّما يخلق الله فيه الأفعال على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتُنسب إليه الأفعال مجازا كما تُنسب إلى الجمادات: فكما يقال أثمرت الشجرة وجرى الماء وتحرّك الحجر وطلعت الشمس وتغيّمت السماء، كذلك يقال سافر محمد ونجح علي وأبدع عمرو. إنّ الله قدّر عليه أعمالا لا بدّ أن تصدر منه، كما قدّر عليه أن يثاب أو يعاقب ؛ ومع ذلك فالعبد مسؤول أمام خالقه يوم الوعد والوعيد، «وهو اللطيف الخبير» (الأنعام، 103 ؛ الملك، 14). الشهرستاني، الملل والنحل، ج. 1، ص 114
وقال «الأشعري»، قاصدا التوسّط بين الاختيار والجبر: إنّ أفعال الإنسان لله خلقا وإبداعا، وإنّما للإنسان كسبا ووقوعا عند قدرته ؛ فالإنسان يريد الفعل وتتجرّد له همّته، والله يخلقه. والأساس في ذلك أنّ الله خالق كلّ شيء، وأنّه من الضروري الاعتراف بما يحسّه الإنسان في نفسه من إرادة، ومن قدرة على الأعمال الاختيارية. دي بور، تعليق 1، ص 117
وفي سياق القول بالتحرّر، لا تُعطى الحرية للإنسان، بل تُكتسب:
- الرواقيون : الحرية ليست معطى أوّليا في ظلّ عالم مجبر، وإنّما تُكتسب بالكدّ والعمل، على أساس العيش على وفاق قوانين الطبيعة، والسير حسب الطبيعة العاقلة التي تمكّننا من فهم نظام الكون المنضود وكبح شهواتنا الجموحة ؛ وتحرّرنا يقاس بقوّة أعمالنا وإنجازاتنا أو ضعفها. فلا بدّ من قبول الضرورة ابتداءً، كما «تقبل» الأسطوانة الدوران.
- سبينوزا : أفعال الإنسان مجرّد ظواهر آلية تسير وفق قوانين ضرورية وثابتة، والحرية إنّما هي في قبوله الضرورة المعقولة المسيِّرة للكون: فكلّما زاد عقله علما، ازداد فهما لقوّة الطبيعة ونظامها، ومن ثمّة ازداد تحرّرا وتحكّما في مستقبله. ولا ينبغي للمرء أن يتحرّر من قيود المجتمع ونظامه، لأنّ سموّه إنّما هو في التحرّر من ضرورة الغرائز: «إنّ الإنسان العاقل هو أكثر حرّية في مدينة يمتثل فيها للقانون من الانفراد حيث لا يمتثل إلاّ لنفسه».
- ماركس : يدعو «ك. ماركس»، من أجل تحرّر الإنسان من كلّ نير وكلّ استغلال وتغيير العالم، إلى امتلاك العلم لاكتشاف القوانين الموضوعية التي تسيّر الكون وتتحكّم في حياته الاجتماعية.
يرى «مونيي»، الفيلسوف الشخصاني، أنّ «كلّ حتمية جديدة يكتشفها العالم تُعدّ (نوطة) تضاف إلى سلّم أنغام حرّيتنا»، وأنّ حرّيتنا ليست سوى غزو مستمرّ ؛ وبهذه الطريقة في التحرّر يقرّر الشخص مصيره ويتحمّل مسؤوليته. E Mounier, Le personnalisme, Ire P. Chap.V
2 ـ مناقشة آرائهم
- الحتمية لا تكبّل الإنسان : القول بالحتمية لا يعني تكبيل الإنسان ورفع مسؤوليته ؛ فهناك فرق بين عالم الأشياء الذي يستجيب آليّا لنظام الطبيعة، وعالم الإنسان الذي يستجيب له وهو كلّه عقل ووعي، بل يستطيع أن يسخّر لنفسه قوانين الطبيعة حسب إرادته بعد معرفتها. والحرية لا تكون إلاّ حيث نكون مقيَّدين، لا بعامل القوى والضغوط، ولكن بعامل الدوافع والمبرّرات العقلية: فعندما نجهل دوافع تصرّفنا، نكون على يقين بأنّنا لم نتصرّف تصرّفا حرّا. ومسؤوليتنا تتمثّل ابتداءً في قبولنا لنظام الكون بكلّ سرور، وتصرّفنا وفقا لما يمليه علينا نور العقل ؛ وعليه فالحتمية لا تتنافى مع الحرية إن هي أُخذت في هذا السياق على أنّها تحرّر. والعقبات لم تمنع الناس من تجاوزها ومن تقرير مصيرهم: فلم تَحُل كوارث البراكين والزلازل دون قيام دولة من أعظم الدول، كاليابان.
- برهان كسول : أسلوب أهل القضاء والقدر يدعو إلى التعطيل وترك العمل والركون إلى القدر، وهو لا يقدّم إلاّ برهانا كسولا على حدّ تعبير «لايبنتز»: فإذا كان ما يجب أن يحدث سيحدث بالضرورة، فما الفائدة من بذل الجهد ؟ ومن التساؤلات المحرجة التي تفرزها مناقشة الجبرية: إذا كان الإنسان مجبرا، فلماذا يُسأل فيعاقبه القانون الاجتماعي والإلهي ؟ وكيف يحدّد الله مصائر العباد ويخلق أفعالهم ثمّ يحاسبهم، والله ليس بظلاّم للعبيد ؟ ألا يصنع ذلك على أساس أنّه زوّدهم بالقدرة على الاختيار ؟ وإذا قلنا بهذه القدرة، ألا نضع «المكتوب» موضع الشكّ ؟
- الكسب لم ينفلت من الجبرية : من توسّط في القضية لم يرفع عن الله إرادته ومشيئته في عملية الخلق الكلّي، ولم ينفلت بأسلوب أو بآخر من الجبرية ؛ فما قيل في مناقشة أهل الجبر يمكن سحبه على الأشاعرة ومن نحا نحوهم.
- التحرّر ينطلق من مصادرة : من يقول بالتحرّر ينطلق من مصادرة، هي أنّ الإنسان مقيّد ويعمل تدريجيا على أن يتحرّر من قيوده، مع العلم أنّه لا يستطيع التخلّص منها كلّية بمفهوم التسخير، ولا التخلّص منها مطلقا بمفهوم الانفلات من كلّ حتمية ؛ ومع ذلك فهو صاحب القرارات وكائن المسؤوليات.
وهكذا لا يمكن البرهان على أنّ الإنسان حرّ كشرط للمسؤولية، ولا على أنّه غير حرّ، ولا يُعقل التوسّط بينهما. وحتى على احتمال أنّ الإنسان حرّ، فكيف يمكن إثبات حرّيته لنُلحق به المسؤولية ؟ أمّا في حالة تقييد الحرية، فالأمر أمران: إمّا أن تُرفع المسؤولية لارتفاع شرطها ـ فنكون أمام عالم إنساني ليس له ما يبرّر تفوّقه على سائر الكائنات، ولا تنطبق عليه الآية 70 من سورة الإسراء ولا الآية 72 من سورة الأحزاب ـ، وإمّا أن تثبت لسبب أو لآخر، تبريرا لصفة التكليف الشرعي مثلا، أو لوجود الضوابط الردعية والقوانين.
إذا لم يمكن البرهان على الحرية ولا على نفيها، فما الذي بقي من هذا النقاش ؟إذا لم يمكن البرهان على الحرية ولا على نفيها، فما الذي بقي من هذا النقاش ؟
بقي منه ثلاثة مكاسب. أوّلها أنّ الحرية المطلقة وهم: فالإرادة ليست قوّة سحرية، والشعور بالحرية قد يكون، كما عند «سبينوزا»، جهلا بالأسباب لا غير. وثانيها أنّ الحتمية ليست قيدا بالضرورة: فالإنسان يستجيب لقوانين الطبيعة وهو كلّه عقل ووعي، ويستطيع بعد معرفتها أن يسخّرها ؛ ولهذا جعل أهل التحرّر من كلّ حتمية مكتشفة خطوة في «غزو مستمرّ». وثالثها أنّ أحدا من هذه المذاهب، على اختلافها، لم يرفع المسؤولية: فالمعتزلة جعلوها حجّة على عدل الله، والجبرية أبقت العبد مسؤولا يوم الوعد والوعيد، وأهل التحرّر جعلوا الإنسان صاحب القرارات وكائن المسؤوليات. فالحرية لم تثبت، والمسؤولية لم تسقط ؛ وهذا بالضبط ما يدعو إلى النظر في المسؤولية نفسها.
Page 1/6
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net