الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس › الحرية والمسؤولية
الحتمية و المسؤولية (النزعة الوضعية)
- بيان ما أهمله الموقف الأخلاقي من دور اجتماعي للعقوبات، وغرض الدفاع الاجتماعي عند «غيو»
- عرض جهود علماء الإجرام: غاية العقوبة عند «بيكاريا» (منع العود وردع الغير)، وتصنيف المتّهمين عند «لامبروزو» و«غاروفالو» و«أنريكو فيري»: قصاص، علاج، تحصين
- تحليل حجّة الصاعقة: تخفيف ثقل المسؤولية دون رفعها
- مناقشة هذا الموقف: صعوبة معرفة قوام المسؤولية الأخلاقية، وهو النية
- مفهوم الحتمية وأنواعها: الفيزيائية والفيزيولوجية والاجتماعية والنفسية
- التصوّر الكلاسيكي للعقوبة عند «لايبنتز» و«مالبرانش» و«كانط»
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
تجد مقدّمة هذه المشكلة، والوضعيّة المشكلة (حوار القاضي والسجين) وتحليلها، في درس ضبط المفاهيم، أوّل دروس محور «الحرية والمسؤولية».
اقرأ المقدّمة من جديدإخفاء المقدّمة
إنّ القراءة الأولية للقضية المطروحة تقودنا مباشرة إلى القول بأنّ المشكلة التي يجب معالجتها هي تلك التي تتعلّق بالمسؤولية، ما دامت مشروطة بالحرية ولا معنى لها في غيابها. ولكنّ الاختبار المتأنّي يجعلنا نتساءل، على العكس من ذلك، عمّا إذا لم يكن من الممكن اعتبار الشرط مشروطا بدوره، فنقع في مسألة: أيّهما يُعتبر المبدأ، المسؤولية أم الحرية ؟ إنّ المنطق السليم يوحي لنا، بادئ ذي بدء، بأنّ المسؤولية تثبت بثبوت شرطها وتُرفع برفعه ؛ ولكن، ألا يمكن مع ذلك إثبات المسؤولية كقاعدة أولى، ثمّ الانصراف إلى تبرير وجودها عن طريق الحرية ؟ فالمشكلة في الحقيقة مزدوجة: تدعونا تارة إلى الانطلاق من الحرية كشرط لتأسيس المسؤولية، وتارة أخرى إلى اعتبار المسؤولية شرطا يبرّر وجود الحرية ويستوجبه. وللوصول إلى نتائج مقنعة نحاول الردّ على الأسئلة الثلاثة الآتية: كيف يمكن اختزال المشكلة في الشرط لا في المشروط ؟ وكيف يمكن ردّ حقيقة المشكلة إلى المشروط لا إلى الشرط ؟ ألا يتمثّل مصدر المشكلة وحلّها في عظمة الإنسان ؟
تحديد الوضعية المشكلة عرضا وتحليلا
في نهاية محاكمة، وقع خلاف بين قاضي الجلسة وسجين: ـ (ق) : لقد طُلب منك أن توقّع على التقرير، فلماذا لم تفعل ؟ ـ (س) : (لا جواب…) ؛ ـ (ق) : يجب أن توقّع ! ـ (س) : لست في حالة تسمح لي بتلبية الطلب، ولا في حالة عدم تلبيته ؛ ـ (ق) : ما هذه السخافة ؟ ـ (س) : فكيف أوقّع ويداي مغلولتان ؟ ـ (ق) : (بعد أن أمر الحارس بفكّ يديه، أعاد القاضي الطلب) ننتظر ؛ ـ (س) : الآن، وفي هذه الحالة، بإمكاني أن أضع توقيعي أو أرفض ؛ ـ (ق) : ليس بإمكانك أن ترفض ؛ ولماذا ترفض ؟ ـ (س) : أنا حرّ في اختياري ؛ أمّا لماذا، فأنا صاحب القرار ؛ أرفض من أجل أن أرفض ؛ ـ (ق) : وتعتقد بأنّك، والحالة هاته، حرّ ؟ ما هي مبرّراتك ؟ ـ (س) : (متهكّما) أنا مسؤول عن مواقفي ؛ ـ (ق) : ألا تعلم بأنّ المسؤولية تفترض الحرية، ولقد أقررتَ بأنّك حرّ ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : ولكنّك كائن مكلَّف أصلا، خُلقت لتتحمّل المسؤولية أوّلا، ولتكون بعد ذلك وبالضرورة حرّا ؛ ـ (س) : أنا أوّلا أشعر بحرّية اختياري، ولي في مواقفي مبرّرات ؛ ـ (ق) : إذن، ليست حرّيتك مطلقة، لأنّها مقيّدة بأسباب ومؤثّرات، ولأنّك لا تستطيع الانفلات في قراراتك عن نظام الكون ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : يجب أن تقول إذن: أنا مسؤول (واعٍ بقراراتي، وبأنّي جزء من الكون، وفرد يحترم الآخرين)، فأنا إذن حرّ ؛ ـ (س) : هل أفهم من هذا أنّ الحرية المطلقة لا معنى لها في عالمنا، وأنّنا كائنات تنفرد بالمسؤولية ؟ ـ (ق) : إنّك دائما مسؤول ؛ عظمة الإنسان وكرامته في هذه الخاصية ؛ فلو كنتَ مخيَّرا ـ للتعبير عن هذه العظمة الإنسانية ـ بين الحرية والمسؤولية، فما عساك أن تختار ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- لا مسؤولية بلا حرّية : السجين لا يمكن أن يصدر عنه فعل أو لافعل في حالة انعدام حرّيته ما دام مقيّدا: فكيف يوقّع تقريرا وهو مقيّد اليدين ؟ ولو بقي على هذه الحال فلم يلبِّ الأمر، ثمّ حاسبه القاضي، لكان مظلوما، لأنّه غير مسؤول ما دام شرط الحرية غير متوفّر.
- لا اختيار بلا مبرّرات : حتى إن فُكّت أغلاله، فلا يختار السجين التوقيع بالضرورة، لأنّه أمام احتمالين: التوقيع أو رفضه. وقد ثبت من خلال مناقشتهما أنّ أيّ إنسان لا يمكنه اتّخاذ موقف بالإيجاب أو بالسلب من غير مبرّرات تعلّله ؛ وعندئذ فقط يأخذ في تحمّل مسؤوليته.
- الشعور بالحرية تجاهلٌ للأسباب : الشعور بالحرية يملي على السجين الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، ولكنّه في النهاية ضرب من تجاهل الأسباب والمؤثّرات التي تحدّد الأفعال، لأنّه كائن تابع لنظام الكون ولا يستطيع الانفلات منه قطعا.
- الإنسان حيوان مسؤول : لا يمكن الحديث عن الحرية المطلقة بقدر ما يجب الحديث أوّلا، وقبل كلّ شيء، عن المسؤولية: فثمّة جوهر الإنسان وعظمته. ولو أردنا أن نعرّف الإنسان من زاوية عظمته لقلنا إنّه حيوان مسؤول ؛ وبذلك نحاول الإجابة عن السؤال الذي تركه القاضي معلّقا.
ومن هنا نلمس ضرورة طرح العلاقة بين المسؤولية والحرية من زوايا ثلاث: المنطق يدعو إلى الانطلاق من الشرط (الحرية)، ثمّ يدعونا إلى الانطلاق من المشروط (المسؤولية)، وأخيرا يدعونا إلى الاهتداء إلى أنّ الإنسان مصدر المسؤولية والحرية. وقبل الخوض في هذه الزوايا، لا بدّ من ضبط المفاهيم التي يدور عليها النقاش.
افتح الدرس: ضبط المفاهيموقد رأينا أنّ التصوّر الكلاسيكي يطرح المسؤولية قبل الحرية، ويبرّر العقوبة أخلاقيا لارتباطها بالقانون الأخلاقي نفسه، بقطع النظر عن كلّ منفعة.
II – وكيف يمكن ردّ حقيقة المشكلة إلى المشروط لا إلى الشرط ؟ هل يُعقل الحديث عن شيء يتوقّف ثبوته أو نفيه على مجهول ؟
ثانيا : أليس من الشرعي طرح قضية المسؤولية قبل طرح قضية الحرية ؟
إلاّ أنّ هذا الموقف الأخلاقي أهمل ما لدور العقوبات الاجتماعي من أهمية في حياة الأفراد.
يصرّح «غيو» بأنّه لا بدّ من أن يكون للعقوبات غرض الدفاع الاجتماعي قبل كلّ شيء، ومنفعة المجتمع ؛ وهذا يؤكّد، بصفة أو بأخرى، التصاق المسؤولية بالإنسان.
ولقد اهتمّ جملة من العلماء بدراسة أسباب ظاهرة الإجرام، ليس فقط للفضول العلمي، وإنّما، وبوجه أخصّ، لإسعاف المجرمين ومنعهم من تكرار الإجرام، ومنع الغير من تقليدهم. فإذا كان لا بدّ مثلا من الصاعقة أن تقع، ولا يمكننا منعها من الوقوع، فلا بدّ على الأقلّ من تخفيف وطأتها ؛ فكذلك لا بدّ من التخفيف من ثقل المسؤولية ما دامت ملتصقة بنا. وقد يسخر بعضهم بالقول بأنّ القاتل ـ إذا خُيِّر بين أن يَقتل غيره أو يُقتل، فاتّجه نحو الحلّ الأوّل ـ يُعفى من المسؤولية الجنائية ؛ والحقّ أنّه يستمرّ في ممارسة مسؤوليته، لأنّه مخيَّر بين أن يَقتل أو يُقتل، فقرّر أن يبقى حيّا.
من أنصار هذا الاتّجاه العالم القانوني الأخصائي في الجناية «بيكاريا» (Beccaria)، الذي رأى في كتابه «في الجرائم والعقوبات» (1764) أنّ غاية العقوبات ليست تعذيب كائن حسّاس ولا محو جريمة قد ارتُكبت، وإنّما «منع الجاني من إلحاق أضرار جديدة بمواطنيه، وصرف الآخرين عن ارتكاب مثلها» ؛ وأنّ «الوقاية من الجرائم خيرٌ من العقاب عليها».
تواصلت الجهود لمكافحة الجريمة على يد علماء إيطاليين أمثال «لامبروزو» و«غاروفالو» و«أنريكو فيري». فلم يعد تقسيم المتّهمين عند تصنيفهم إلى فئتين متميّزتين، فئة المسؤولين من جهة وفئة غير المسؤولين من جهة أخرى، وإنّما إلى من يستحقّ القصاص، ومن يستحقّ العلاج، وربّما من يستحقّ التطعيم والتحصين، بصفتهم جميعا كائنات مسؤولة. وأخذ الدور التربوي شيئا فشيئا يحتلّ الصدارة في العقوبات.
ولكن، مهما تقدّمت الدراسات الجنائية واتّسعت، تبقى أمامها عقبات ثلاث:
- النية : هي قوام المسؤولية الأخلاقية التي تُبنى عليها كلّ أشكال المسؤوليات، من المدنية إلى الجنائية إلى المجتمعية ؛ ومعرفتها تبقى من الصعوبة بمكان.
- إثبات الحرية : وتضاف إلى هذه العقبة عقبة الاهتداء إلى إثبات الحرية.
- التمييز بين الخير والشرّ : شرط آخر لا يخفى ما يعانيه علماء النفس في إقامة الدليل على وضوحه أو عدم وضوحه لدى المتّهم في أثناء إقباله على الجريمة.
وإذا اجتمعت كلّ هذه العوامل في هذه الدرجة من الصعوبات، أدركنا ما في الإنسان من سرّ لا يعلمه إلاّ هو ؛ ومن علامات هذا السرّ أنّه يبقى في كلّ الحالات، ومن الناحية القيمية بوجه أخصّ، حضين المسؤولية.
إذا كان المجرم مدفوعا بأسباب، فلماذا لا يُعفى من المسؤولية ؟إذا كان المجرم مدفوعا بأسباب، فلماذا لا يُعفى من المسؤولية ؟
لأنّ دراسة الأسباب لا ترفع المسؤولية، بل تغيّر طريقة التعامل معها. فالعلماء الذين درسوا ظاهرة الإجرام لم يقسّموا المتّهمين إلى مسؤولين وغير مسؤولين، بل إلى من يستحقّ القصاص ومن يستحقّ العلاج أو التحصين، بصفتهم جميعا كائنات مسؤولة. وحجّة الصاعقة تقول ذلك بوضوح: ما لا نستطيع منع وقوعه نخفّف وطأته، وكذلك المسؤولية: نخفّف ثقلها ولا نرفعها، ما دامت ملتصقة بنا. بل إنّ أشدّ الحالات إكراها لا تُسقطها: فالقاتل الذي خُيّر بين أن يَقتل أو يُقتل قرّر أن يبقى حيّا، فهو يمارس مسؤوليته. ثمّ إنّ الدراسات الجنائية، مهما تقدّمت، لا تبلغ النية، وهي قوام المسؤولية الأخلاقية ؛ ولهذا تفسّر الحتمية الجريمة وتوجّه العقوبة نحو العلاج والتربية والدفاع الاجتماعي، ويبقى الإنسان مع ذلك حضين المسؤولية.
Page 1/3
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net