الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس › العنف والتسامح
طبيعة العلاقة بين العنف والتسامح
- تحديد مضمون قانون القصاص بالمثل («العين بالعين») ومبرّره الأوّل
- تتبّع تدرّج الإنسان في مراجعة هذا القانون، ثمّ عودته في صورة بشعة
- التمييز بين علاقة النقيضين في المنطق والرياضيات، وعلاقتهما في فلسفة الأخلاق
- تعليل لماذا لا يواجه التسامح اللاتسامحَ باللاتسامح دون أن ينقض نفسه
- مبدأ عدم التناقض (مبدأ الهُويّة) في المنطق الصوري، والفرق بين التناقض والتضادّ
- مفهوم العنف ونوعيه، وأسبابه وتعليلاته
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
تجد مقدّمة هذه المشكلة، والوضعيّة المشكلة (حوار الحكيم والشابّ) وتحليلها، في درس «ضبط المفاهيم والتصورات»، أوّل دروس محور «العنف والتسامح».
اقرأ المقدّمة من جديدإخفاء المقدّمة
من المبادئ الأساسية التي يعتمد عليها العقل في نشاطاته الفكرية، والتي يتأسّس عليها المنطق الصوري، مبدأ الهُويّة، ويُعرف أيضا بمبدأ عدم التناقض. وبموجبه لا يجتمع النقيضان: فإذا صحّ أحدهما ارتفع الآخر ؛ فإن ثبتت (أ) ارتفعت (لا أ)، ولا يُعقل منطقيا أن تجتمعا معا. ويمكن توسيع العلاقة بين المتناقضين لتشمل التضادّ والتعاكس، مع التغاضي عن الفروق الطفيفة التي تميّز هذه العلاقة عن تلك. أمّا المبادرة التي تسعى إلى تجاوز هذا المبدأ، فإنّ أصحابها — على ضوء مقياس المنطق الصوري — إمّا مختلطة عقولهم، وإمّا أنّ لهم منطقا آخر يصلح لمجال غير المجال الذي يعمل فيه العقل. فهل الانتقال من مجال المعاني الصورية إلى مجال المفاهيم الأخلاقية، كالعنف واللاعنف والتسامح واللاتسامح، من شأنه أن يهذّب العلاقة بين «النقيضين» ؟ وما هذه الحكمة التي تواجه هذه المفاهيم «الأخلاقية» قصد تقريبها وتبنّي المغزى منها ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (ح) : كيف يكون ردّ فعلك على من شتمك أو ضربك ؟ ـ (ش) : أشتمه كما شتمني، أو أضربه كما ضربني أو أكثر ؛ ـ (ح) : لماذا أكثر ؟ ـ (ش) : لأنّه تعدّى عليّ، والبادئ أظلم ؛ ـ (ح) : ولكن لو أردت أن تكون عادلا ؛ ـ (ش) : الشتم بالشتم والضرب بالضرب ؛ ـ (ح) : لو كان أحد إخوتك قد تسبّب ظلما في فقء عين خصمه، فهل كنت ستقبل تطبيق هذه القاعدة — «القصاص بالمثل» — على أخيك ؟ ـ (ش) : (صمتٌ وتردّد) ؛ ـ (ح) : لماذا هذا التردّد ؛ هل هناك ما يقلقك ؟ ـ (ش) : بصراحة، نعم ؛ ـ (ح) : إذن، عندما يمسّ القصاص بالمثل أحدَ إخوتك، تريد قصاصا أقلّ لا أكثر ممّا كنت تراه وأنت مظلوم ؟ ـ (ش) : هذا صحيح ؛ ـ (ح) : وفي هذا التنازل، هل من بديل ؟ ألا ترى في التعويض سبيلا أقلّ ضررا ؟ ـ (ش) : نعم، بالفدية أو ما يعادلها ؛ ـ (ح) : ألا يمكنك أن تنصرف من لغة الأكثر والأقلّ إلى لغة «الأحسن» ؟ ـ (ش) : ماذا تقصد ؟ ـ (ح) : ألا ترى معي بأنّ الأحسن هو إصلاحُ الجاني ومساعدتُه على الاهتداء إلى الصواب، فتقابل السوء بالطيّب والشرّ بالخير ؟ ـ (ش) : هذه دعوة صريحة إلى تشجيع أهل الشرّ ؛ ـ (ح) : فمقابلة الشرّ بالشرّ تعود بنا إلى عهد قانون الغاب، وقد نفرتَ منه قبل قليل ؛ ـ (ش) : هل تريد منّي أن أعامل صاحب السوء بالطيّب، وصاحب العنف باللاعنف ؟ ـ (ح) : ألا ترى معي أنّ الشتم بالشتم والنار بالنار يزيد الأمر تأزّما وتأجّجا دون نهاية ؟ ـ (ش) : أجل ؛ فبالإمكان مقابلة التعدّي بنقيضه أو ضدّه: السوء باللاسوء، والكراهية بالمحبّة، والعنف باللاعنف، واللاتسامح بالتسامح ؛ ـ (ح) : ألا ترى في العلاقات بين «متنافرين» البديل المنطقي المناسب للموقف ؟ ـ (ش) : وهل أفهم بأنّ التنافر في المنطق شيء، وفي العلاقات الإنسانية شيء آخر ؟ ـ (ح) : عاشر الناس بالمعروف، واصفح عنهم وقل: سلامٌ ؛ ـ (ش) : ولكنّ هذا أجمل لمن يتّعظ ؟ ـ (ح) : إنّك في طريق الصواب، فهلّا تصل ؛ فهل من متّعظ ؟ في قول الشابّ «والكراهية بالمحبّة»: كان المفروض أن تقابَل الكراهية باللاكراهية، ولكنّ المحبّة فُضِّلت ما دام التضادّ قد وُضع في حكم التناقض. وفي قول الحكيم «واصفح عنهم وقل: سلامٌ» إحالة إلى الآيات: البقرة، 109 · المائدة، 13 · الحجر، 85 · النور، 22 · الزخرف، 89 · التغابن، 14.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الفطرة بين الانتقام والتخفيف : أثبت الحوار أنّ الفطرة تقتضي أن نردّ على العدوان أو العنف بروح انتقامية ردّا مماثلا، لا بل أكثر ؛ ولكنّها تقتضي أيضا أن يُقتصّ منّا — عندما نبادر نحن بالاعتداء على غيرنا — بعقوبة أقلّ وأخفّ.
- من المثل الأكثر إلى المثل الأقلّ : يسّر الحوار في مرحلة أولى الاستدراجَ من المثل الأكثر إلى المثل بالمثل، ومن ثمّة إلى المثل الأقلّ.
- من الحساب إلى الحكمة : ثمّ وقع في مرحلة ثانية الانصرافُ من القصاص المؤسَّس على الحسابات الرياضية إلى التقدير المؤسَّس على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، فأصبح التعامل مع العنف يتّجه من الأحسن إلى الأجمل: من مقابلة الشرّ بالطيّب واللاتسامح بالتسامح، إلى مقابلتهما بالصفح الجميل والمحبّة، دون انزعاج منطقي ولا تنازع عقلي.
- سرّ القضية : تنتهي الوضعية إلى تساؤل يفيد بأنّ سرّ القضية هو في التعامل الإنساني الحكيم مع مقتضيات الواقع ؛ وهو تمهيد يدعونا إلى الردّ على تساؤلات أربعة: ما قانون مقابلة المثل بالمثل في القصاص ؟ ما العنف وما أسبابه وتعليلاته ؟ ما السبيل إلى الحكمة التي تقابل الشرّ بالخير ؟ ما التسامح وما طبيعته وما الحكمة من فكّ قيوده ؟
I – ما هو قانون مقابلة المثل بالمثل في القصاص ؟
لقد وجد الإنسان منذ القديم في قانون مقابلة المثل بالمثل في القصاص — وتحديدا في هذا السياق: العنف بالعنف واللاتسامح باللاتسامح — روحَ العدل والإنصاف في ضمد الجراح، واسترضاءَ الفطرة في إدانة المُدان. وأيّدته الكتب السماوية، وكثير من الدساتير التي وضعتها الدول والأنظمة العالمية، وخاصّة بعد الهجمة الإرهابية التي هزّت الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر 2001. وفي لغة ميزان المثل بالمثل، كانوا يقابلون العنفَ بالعنف والعينَ بالعين ؛ والعين في هذا السياق حاسّة البصر، وتعني أيضا — إذا تكرّرت — الذات الإنسانية.
هو قانون أمر بوضعه الملك «حمورابي» نحو سنة 1750 ق.م.، يتضمّن 282 مادّة ؛ ترجمه إلى الفرنسية الأب «جان فانسون شيل»، وتحتفظ «طهران» و«باريس» بنسخة منه. La loi du Talion
جاء في سفر الخروج أنّ «من تسبّب في مكروه، الحياةُ بالحياة والعينُ بالعين والسنّ بالسنّ واليد باليد والقدم بالقدم والجروح بالجروح...» ؛ وفي سفر التكوين: «إنّما قتل النفس بالنفس، لأنّ الله خلق الإنسان على صورته». وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: «ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعا». سفر الخروج (21، 23–25) · سفر التكوين (9، 6) · المائدة، 32
ومؤدّى هذا القانون أنّه من يتعدّى عليك فلا بدّ من الردّ عليه بمثل ما تعدّى به عليك، بغرض الدفاع عن النفس، وبحكم معادلة الشتم بالشتم والعين بالعين ؛ فاللاتسامح الذي ينفي التسامح يجب أن يقابَل بالمماثل بعينه، وهو اللاتسامح. ولكن، ما هذه الحكمة التي تقتضي أن يُقابَل المِثلُ بنقيضه ؟ إنّ تاريخ هذا القانون نفسه يمهّد للجواب:
- وسيلة لمحاربة الانتقام : وجد الناس في قانون القصاص بالمثل، أو العين بالعين، منذ أقدم العصور، الوسيلة المناسبة لمحاربة الانتقام الشخصي والجمعي، وما ينجرّ عنه من دوّامة العنف، وللحثّ على الاقتصاص العادل.
- مراجعة لتهذيبه : تدرّج الإنسان في مراجعته قصد تهذيبه والحدّ من قسوته، وذلك بإدخال مفهوم التعويض والإصلاح، وكذا تعزيز العفو العُرفي والإفصاح الفطري.
- عودة في صورة بشعة : عاد قانون العين بالعين من جديد، في مفهومه المادّي والانتقامي، باسم محاربة الإرهاب وتكريس الديمقراطية، ومحاربة الشرّ بالشرّ، كما في احتلال العراق، وفي مواجهة الصهيونية للمقاومة الفلسطينية بالقتل الفردي والجماعي والتهديم والتشريد. وأساس هذه الإستراتيجية استخدام كلّ طاقات القوّة لتحطيم العدوّ، ممّا انجرّ عنه انحطاط مفهوم الإنسان، وظهور وسائل حربية جديدة للدفاع عن النفس، مثل العمليات الانتحارية أو الاستشهادية، وهي وسائل أثارت جدالا كبيرا في أوساط المقاومة ورجال الدين وأهل العلم. وعلى الرغم من وصول الحضارة البشرية إلى ضوابط إنسانية عامّة — تحييد المدنيين، ومنع قصف المؤسّسات الإنسانية والمحايدة، وسنّ قوانين لمحاكمة مجرمي الحرب — فإنّ هذه الضوابط التي أصبحت قيما عالمية دفعت مراكز القوى العالمية إلى التحايل عليها تحت تسميات مختلفة وذرائع مختلفة.
أمّا الحكمة التي تقتضي أن يُقابَل المِثلُ بنقيضه، فتقوم على أنّ العلاقة بين النقيضين ليست واحدة في كلّ المجالات:
- في المنطق وفي الرياضيات : لا يجتمع النقيضان.
- في المنطق الشمولي أو في الفلسفة : يمكن جمعهما.
- في فلسفة الأخلاق : الإنسان مصدر التهذيب، لأنّ العلاقة بين النقيضين في هذا المجال ليست بالضرورة علاقة رياضية أو منطقية ؛ فالمقابل يقبل نقيضه، لأنّ رفعه يؤدّي إلى رفعه هو ؛ ولأنّ الاتجاه أحادي: فاللاعنف يتّجه إلى العنف بغير عنف وإلّا نقض نفسه ؛ وكذلك التسامح يرتفع لو واجه اللاتسامح باللاتسامح.
لماذا تردّد الشابّ، في حواره مع الحكيم، حين طُبّق القصاص بالمثل على أخيه ؟لماذا تردّد الشابّ، في حواره مع الحكيم، حين طُبّق القصاص بالمثل على أخيه ؟
لأنّ الفطرة، كما كشف الحوار، تقتضي أمرين متعارضين: أن نردّ على العدوان ردّا مماثلا لا بل أكثر حين نكون نحن المظلومين، وأن يُقتصّ منّا بعقوبة أقلّ وأخفّ حين نكون نحن المعتدين. فالميزان الذي يبدو «رياضيا» — العين بالعين — لا يزن بالعدل نفسه حين تتغيّر الكفّة التي نقف فيها. ومن هنا بدأ الانصراف من لغة الأكثر والأقلّ إلى لغة «الأحسن»: فحين قبل الشابّ لأخيه قصاصا أقلّ، ثمّ التعويض بالفدية، اعترف بأنّ القصاص بالمثل ليس آخر كلمة في العدل. وهو الطريق نفسه الذي سلكه الإنسان في تاريخ هذا القانون، حين أدخل عليه التعويض والإصلاح والعفو.
Page 1/2
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net