Philosophie🎓 objectif bac

الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس العنف والتسامح

مقابلة العنف بالعنف تعيد إنتاجه

🔊 La maîtresse lit pour toi
على أحد مواقع التواصل، كتب شابّ تعليقا جارحا، فردّ عليه آخر بتعليق أقسى، ثمّ دخل أصدقاء الطرفين، وبعد ساعة صار المنشور ساحة شتائم لا يذكر أحد فيها سبب الخلاف الأوّل. كلّ ردّ كان يبدو «ردّا بالمثل»، ومع ذلك لم يُطفئ أيّ ردّ النار. فهل مقابلة العنف بالعنف توقفه، أم تعيد إنتاجه ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض سلبيات العنف في نقاطها الخمس، وتعليل كلّ نقطة
  • توظيف حجّة «فروم» في أنّ العدوان لا يظهر من غير دافع، واستخلاص أنّ زوال السبب يزيل المسبَّب
  • بيان أنّ اللاعنف أسلوب في محاربة الشرّ دون تغذيته، لا تراجع ولا تخاذل، بالاستناد إلى «غاندي»
  • ربط اللاعنف بالنظرة إلى الإنسان غايةً لا وسيلة، كما صاغها «كانط»
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مفهوم العنف ونوعيه، وتعليلاته لدى بعض المتفلسفين
  • قانون القصاص بالمثل («العين بالعين») ومبرّره الأوّل
  • الفرق بين الوسيلة والغاية في الحكم على الفعل
إذا كان من الحكمة مواجهة العنف باللاعنف، واللاتسامح بالتسامح، فكيف نهذّب مبدأ التناقض القائل بأنّ المتناقضين لا يجتمعان ؟

مقدمة : طرح المشكلة

تجد مقدّمة هذه المشكلة، والوضعيّة المشكلة (حوار الحكيم والشابّ) وتحليلها، في درس «ضبط المفاهيم والتصورات»، أوّل دروس محور «العنف والتسامح».

اقرأ المقدّمة من جديد

من المبادئ الأساسية التي يعتمد عليها العقل في نشاطاته الفكرية، والتي يتأسّس عليها المنطق الصوري، مبدأ الهُويّة، ويُعرف أيضا بمبدأ عدم التناقض. وبموجبه لا يجتمع النقيضان: فإذا صحّ أحدهما ارتفع الآخر ؛ فإن ثبتت (أ) ارتفعت (لا أ)، ولا يُعقل منطقيا أن تجتمعا معا. ويمكن توسيع العلاقة بين المتناقضين لتشمل التضادّ والتعاكس، مع التغاضي عن الفروق الطفيفة التي تميّز هذه العلاقة عن تلك. أمّا المبادرة التي تسعى إلى تجاوز هذا المبدأ، فإنّ أصحابها — على ضوء مقياس المنطق الصوري — إمّا مختلطة عقولهم، وإمّا أنّ لهم منطقا آخر يصلح لمجال غير المجال الذي يعمل فيه العقل. فهل الانتقال من مجال المعاني الصورية إلى مجال المفاهيم الأخلاقية، كالعنف واللاعنف والتسامح واللاتسامح، من شأنه أن يهذّب العلاقة بين «النقيضين» ؟ وما هذه الحكمة التي تواجه هذه المفاهيم «الأخلاقية» قصد تقريبها وتبنّي المغزى منها ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

حوار بين حكيم (ح) وشابّ (ش) : أراد الحكيم أن يمتحن نباهة الشابّ، وهو في طريق العودة إلى الصواب بعد أن غُرِّر به

ـ (ح) : كيف يكون ردّ فعلك على من شتمك أو ضربك ؟ ـ (ش) : أشتمه كما شتمني، أو أضربه كما ضربني أو أكثر ؛ ـ (ح) : لماذا أكثر ؟ ـ (ش) : لأنّه تعدّى عليّ، والبادئ أظلم ؛ ـ (ح) : ولكن لو أردت أن تكون عادلا ؛ ـ (ش) : الشتم بالشتم والضرب بالضرب ؛ ـ (ح) : لو كان أحد إخوتك قد تسبّب ظلما في فقء عين خصمه، فهل كنت ستقبل تطبيق هذه القاعدة — «القصاص بالمثل» — على أخيك ؟ ـ (ش) : (صمتٌ وتردّد) ؛ ـ (ح) : لماذا هذا التردّد ؛ هل هناك ما يقلقك ؟ ـ (ش) : بصراحة، نعم ؛ ـ (ح) : إذن، عندما يمسّ القصاص بالمثل أحدَ إخوتك، تريد قصاصا أقلّ لا أكثر ممّا كنت تراه وأنت مظلوم ؟ ـ (ش) : هذا صحيح ؛ ـ (ح) : وفي هذا التنازل، هل من بديل ؟ ألا ترى في التعويض سبيلا أقلّ ضررا ؟ ـ (ش) : نعم، بالفدية أو ما يعادلها ؛ ـ (ح) : ألا يمكنك أن تنصرف من لغة الأكثر والأقلّ إلى لغة «الأحسن» ؟ ـ (ش) : ماذا تقصد ؟ ـ (ح) : ألا ترى معي بأنّ الأحسن هو إصلاحُ الجاني ومساعدتُه على الاهتداء إلى الصواب، فتقابل السوء بالطيّب والشرّ بالخير ؟ ـ (ش) : هذه دعوة صريحة إلى تشجيع أهل الشرّ ؛ ـ (ح) : فمقابلة الشرّ بالشرّ تعود بنا إلى عهد قانون الغاب، وقد نفرتَ منه قبل قليل ؛ ـ (ش) : هل تريد منّي أن أعامل صاحب السوء بالطيّب، وصاحب العنف باللاعنف ؟ ـ (ح) : ألا ترى معي أنّ الشتم بالشتم والنار بالنار يزيد الأمر تأزّما وتأجّجا دون نهاية ؟ ـ (ش) : أجل ؛ فبالإمكان مقابلة التعدّي بنقيضه أو ضدّه: السوء باللاسوء، والكراهية بالمحبّة، والعنف باللاعنف، واللاتسامح بالتسامح ؛ ـ (ح) : ألا ترى في العلاقات بين «متنافرين» البديل المنطقي المناسب للموقف ؟ ـ (ش) : وهل أفهم بأنّ التنافر في المنطق شيء، وفي العلاقات الإنسانية شيء آخر ؟ ـ (ح) : عاشر الناس بالمعروف، واصفح عنهم وقل: سلامٌ ؛ ـ (ش) : ولكنّ هذا أجمل لمن يتّعظ ؟ ـ (ح) : إنّك في طريق الصواب، فهلّا تصل ؛ فهل من متّعظ ؟ في قول الشابّ «والكراهية بالمحبّة»: كان المفروض أن تقابَل الكراهية باللاكراهية، ولكنّ المحبّة فُضِّلت ما دام التضادّ قد وُضع في حكم التناقض. وفي قول الحكيم «واصفح عنهم وقل: سلامٌ» إحالة إلى الآيات: البقرة، 109 · المائدة، 13 · الحجر، 85 · النور، 22 · الزخرف، 89 · التغابن، 14.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الفطرة بين الانتقام والتخفيف : أثبت الحوار أنّ الفطرة تقتضي أن نردّ على العدوان أو العنف بروح انتقامية ردّا مماثلا، لا بل أكثر ؛ ولكنّها تقتضي أيضا أن يُقتصّ منّا — عندما نبادر نحن بالاعتداء على غيرنا — بعقوبة أقلّ وأخفّ.
  2. من المثل الأكثر إلى المثل الأقلّ : يسّر الحوار في مرحلة أولى الاستدراجَ من المثل الأكثر إلى المثل بالمثل، ومن ثمّة إلى المثل الأقلّ.
  3. من الحساب إلى الحكمة : ثمّ وقع في مرحلة ثانية الانصرافُ من القصاص المؤسَّس على الحسابات الرياضية إلى التقدير المؤسَّس على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، فأصبح التعامل مع العنف يتّجه من الأحسن إلى الأجمل: من مقابلة الشرّ بالطيّب واللاتسامح بالتسامح، إلى مقابلتهما بالصفح الجميل والمحبّة، دون انزعاج منطقي ولا تنازع عقلي.
  4. سرّ القضية : تنتهي الوضعية إلى تساؤل يفيد بأنّ سرّ القضية هو في التعامل الإنساني الحكيم مع مقتضيات الواقع ؛ وهو تمهيد يدعونا إلى الردّ على تساؤلات أربعة: ما قانون مقابلة المثل بالمثل في القصاص ؟ ما العنف وما أسبابه وتعليلاته ؟ ما السبيل إلى الحكمة التي تقابل الشرّ بالخير ؟ ما التسامح وما طبيعته وما الحكمة من فكّ قيوده ؟
افتح الدرس: ضبط المفاهيم والتصورات

III – وما السبيل إلى الحكمة التي تقابل الشرّ بالخير، وتنصرف من العين بالعين إلى العين بالأجمل ؟

أولا : سلبيات العنف

  1. العنف لا يولّد إلّا العنف : عاجلا أم آجلا. وهذا ليس لأنّ الإنسان يولد مجرما — وهي مقولة فيها نظر — وإنّما لأنّه سلوك مفهوم، شأنه شأن من يسحب يده من النار، أو يسعى إلى إطفائها في حالة انتشارها وتحوّلها إلى حريق. والشيء الذي يطلبه الإنسان العنيف هو أن يجد أمامه مقاومة عنيفة تسمح له بأن يُظهر قوّته ؛ وعندما يغيب «المِثلُ المقابل»، فإنّ العنف سيتخلّف طواعية.
  2. العدوان لا يظهر من غير دافع : تخبرنا الفيزيولوجيا العصبية وسيكولوجيا الحيوان، حسب «فروم»، أنّ الحيوانات ليست عدوانية إلّا لسبب ؛ وبزوال السبب يزول المسبَّب.
  3. العنف ليس قدرا محتوما : يمكننا أن ننظر إليه بصفته تابعا لغاية، أو نتيجة تولّدت عن وضعية أو جملة من العوامل ؛ وهو الأمر الذي يفتح لنا مجالا للأمل في محاربته عن طريق محاربة أسبابه، أو في البحث عن وسائل أخرى لمحاربته.
  4. الدفاع عن النفس حجّة كلّ المجرمين : إنّ العنف المبرَّر في حالة الهجوم، وكأداة ضرورية لردّه، لا يمكن أن يكون في الواقع إلّا حجّة لكلّ المجرمين ؛ فكلّ من يستخدم العنف يتستّر وراء الدفاع عن النفس، وهذه ليست حجّة معقولة. وعندما لا تتحقّق الغاية تصبح الوسيلة غير مبرَّرة ؛ فما الذي يضمن لنا بأنّ هذه هي الغاية التي ليست بعدها غاية أخرى ؟
  5. العنف نكوص : إنّ العنف ينبئ بنكوص ما هو إنساني نحو اللاإنساني.
فروم — لا عدوان من غير دافع

إنّ الفيزيولوجيا العصبية وسيكولوجيا الحيوان تخبراننا، حسب «فروم»، وهو أحد المحلّلين النفسانيين الأمريكيين، أنّ الحيوانات ليست عدوانية: أ ـ إلّا بقصد الحصول على طعامها، وللحفاظ على حياتها ؛ ب ـ كردّ فعل ضدّ هجوم لا يمكن الفرار منه. ومعنى هذا أنّه إذا كان العدوان قد ظهر لدى الحيوان، فليس ذلك من غير دافع ولا سبب ؛ فما بالك بالحيوان العاقل. وبزوال السبب يزول المسبَّب.

ثانيا : إيجابيات اللاعنف

وإذا كان الأمر كذلك، يبقى أمامنا الحلّ الحكيم وهو اللاعنف ؛ نقول الحلّ الحكيم لأنّه مشحون بالنظرة السامية للإنسان، هذا الكائن الذي لا يرضى أن يُعامَل كوسيلة، بل كغاية في حدّ ذاتها. والحقيقة أنّ اللاعنف ليس تراجعا ولا تخاذلا، وإنّما هو أسلوب في محاربة الشرّ دون تغذيته ؛ إنّه يمثّل فقط إستراتيجية للتحكّم في المعركة.

كانط — الإنسان غاية لا وسيلة

يقول «كانط» في قاعدته الثانية: «اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أشخاص الآخرين كغاية، لا كمجرّد واسطة». كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، القسم الثاني

غاندي — اللاعنف قانون الجنس البشري

يقول «غاندي»: «لا أتردّد في القول بأنّه حيثما يكون الاختيار اضطرارا بين الجبن والعنف، يجب أن يتّجه القرار نحو الحلّ العنيف [...] فاللاعنف هو قانون الجنس البشري، كما أنّ العنف هو قانون البهيمة». ويقول: «إنّ اللاعنف لا يقوم على الامتناع من كلّ معركة حقيقية أمام الأذى. أرى في اللاعنف، على العكس من ذلك، شكلا من أشكال النضال الأكثر حيوية وأصالة، بالقياس إلى مجرّد قانون القصاص بالمثل الذي يترتّب عنه مضاعفة الأذى مرّتين». فيُحارَب العنف (السلبي) بـ«نقيضه» (الإيجابي). من مأثور كلام غاندي، سنة 1920

إذا كان «غاندي» يفضّل العنف على الجبن، فكيف يكون اللاعنف هو الحلّ الحكيم ؟

لأنّ اللاعنف عنده ليس امتناعا عن المعركة ولا جبنا، بل «شكل من أشكال النضال الأكثر حيوية وأصالة». فالخيار الحقيقي ليس بين العنف والجبن، بل بين أسلوبين في محاربة الشرّ: أسلوب يغذّيه لأنّه يضاعف الأذى مرّتين، وهو قانون القصاص بالمثل، وأسلوب يحاربه دون تغذيته، وهو اللاعنف. وهذا ما تشرحه النقطة الأولى من سلبيات العنف: الإنسان العنيف يطلب أن يجد أمامه مقاومة عنيفة تسمح له بإظهار قوّته، وعندما يغيب «المثل المقابل» يتخلّف العنف طواعية. فاللاعنف لا يترك العنف بلا جواب، بل يحرمه من الجواب الذي يتغذّى به.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية، مثل: «هل مقابلة العنف بالعنف مشروعة ؟»، أو في صيغة مقالة استقصائية تدافع فيها عن أطروحة «العنف لا يولّد إلّا العنف». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① النقاط الخمس لسلبيات العنف، وأوّلها «العنف لا يولّد إلّا العنف» بتعليلها (العنيف يطلب مقاومة عنيفة، فإذا غاب المثل المقابل تخلّف العنف) ؛ ② حجّة «فروم»: لا عدوان حتّى لدى الحيوان من غير دافع، وبزوال السبب يزول المسبَّب ؛ ③ أطروحة «غاندي» (اللاعنف قانون الجنس البشري، والقصاص بالمثل يضاعف الأذى مرّتين) مسنودة بقاعدة «كانط» الثانية (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق). ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : تقديم اللاعنف على أنّه سلبية أو جبن — و«غاندي» نفسه يفضّل العنف على الجبن، لأنّ اللاعنف عنده أسلوب نضال لا امتناع عن المعركة. ⚠️ وخطأ ثانٍ : قبول «الدفاع عن النفس» مبرّرا مطلقا دون فحص، وهو الحجّة التي يتستّر وراءها كلّ من يستخدم العنف.
نتيجة — مقابلة العنف بالعنف لا توقفه بل تعيد إنتاجه: فالعنف لا يولّد إلّا العنف عاجلا أم آجلا، لأنّ العنيف يطلب مقاومة عنيفة يُظهر بها قوّته، فإذا غاب «المثل المقابل» تخلّف العنف طواعية. وهو ليس قدرا محتوما، بل نتيجة أسباب — فالعدوان، كما يبيّن «فروم»، لا يظهر حتّى لدى الحيوان من غير دافع — فيمكن محاربته بمحاربة أسبابه ؛ أمّا تبريره بالدفاع عن النفس فحجّة يتستّر وراءها كلّ المجرمين، وهو في كلّ الأحوال نكوص من الإنساني إلى اللاإنساني. ولهذا كان اللاعنف هو الحلّ الحكيم: لا تراجع ولا تخاذل، بل أسلوب في محاربة الشرّ دون تغذيته، يعامل الإنسان غاية لا وسيلة، ويراه «غاندي» قانون الجنس البشري كما أنّ العنف قانون البهيمة. ⟸ وإذا كان اللاعنف يقابل العنف دون أن يغذّيه، فهل يستطيع التسامح أن يقابل اللاتسامح دون قيد ولا شرط ؟

Page 1/3

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net